Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (٥٠) - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٥) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، وفي رواية الطيالسيّ: ((عن شعبة، عن الأعمش، سمع أباً وائل))، وكذا في رواية عمرو بن مرزوق: ((عن شعبة، عن الأعمش، سمعت أبا وائل)). (عَنْ عَبْدِ اللهِ) قال في ((الفتح)): هكذا رواه أصحاب شعبة، فقالوا: ((عن عبد الله))، ولم ينسبوه، منهم: محمد بن جعفر، وابن أبي عديّ، عند مسلم، وأبو داود الطيالسيّ، عند أبي عوانة، وعمرو بن مرزوق، عند أبي نعيم، وأبو عامر الْعَقَديّ، ووهب بن جرير، عند الإسماعيليّ، وحَكَى الإسماعيليّ عن بندار أنه عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعريّ، واستَدَلّ برواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش عند البخاريّ، قال الحافظ: ولكن صنيع البخاريّ يقتضي أنه كان عند أبي وائل، عن ابن مسعود، وعن أبي موسى جميعاً، وأن الطريقين صحيحان؛ لأنه بَيَّن الاختلاف في ذلك، ولم يرجّح، ولذا ذكر أبو عوانة في ((صحيحه)) عن عثمان بن أبي شيبة أن الطريقين صحيحان، قال الحافظ: ويؤيد ذلك أن له عند ابن مسعود أصلاً، فقد أخرج أبو نعيم في ((كتاب المحبين)) من طريق عطيّة عن أبي سعيد: ((قال: أتيت أنا وأخي عبد الله بن مسعود، فقال: سمعت النبيّ (8*، فذكر الحديث))، وأخرجه أيضاً من طريق مسروق، عن عبد الله به. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: وممن أشار إلى صحّة الطريقين الدارقطنيّ تَخْشُهُ، ودونك نصّ ((العلل)): (٧٤٠) - وسئل الشيخ أبو الحسن عليّ بن عمر بن مهديّ الحافظ من حديث شقيق، عن ابن مسعود، عن النبيّ وَ﴿ قال: ((المرء مع من أحب))، فقال: هو حديث يرويه الأعمش، واختُلف عنه، فرواه جرير بن حازم، وسليمان بن قَرْم، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، ورواه أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي موسى، ولعلهما صحيحان، وقد رَوَى أبو بكر بن عياش، عن سمعان، وقيل: (١) ((الفتح)) ٤٠/١٤ - ٤١، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٦٨). ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ابن سمعان، عن أبي وائل، عن ابن مسعود: ((المرء مع من أحب)). انتهى(١). (قَالَ) عبد الله تَظُه: (جَاءَ رَجُلٌ) وفي حديث أبي موسى: ((قيل للنبيّ وَّ))، ووقع في رواية أبي معاوية، ومحمد بن عبيد: ((أتى النبيَّ وَّل رجل))، وأَولى ما فُسّر به هذا المبهم أنه أبو موسى راوي الحديث، فعند أبي عوانة من رواية محمد بن كناسة، عن الأعمش، في هذا الحديث، عن شقيق، عن أبي موسى، قلت: يا رسول الله ... ، فذكر الحديث، ولکن یعگُر علیه ما وقع في رواية وهب بن جرير التي تقدَّم ذِكرها من عند أبي نعيم، فإن لفظه: ((عن عبد الله قال: جاء أعرابيّ، فقال: يا رسول الله إني أحب قوماً، ولا ألحق بهم ... )) الحديث، وأبو موسى إن جاز أن يُبهِم نفسه، فيقول: أتى رجل، فغير جائز أن يصف نفسه بأنه أعرابيّ، وقد وقع في حديث صفوان بن عَسّال الذي أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، من طريق عاصم بن بَهْدلة، عن زِرّ بن حُبيش، قال: ((قلت لصفوان بن عَسّال: هل سمعت من رسول الله ﴿ في الهوى شيئاً؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله وَل في مسير، فناداه أعرابيّ بصوت له جهوريّ، فقال: أيا محمد، فأجابه النبيّ وَّ على قَدْر ذلك، فقال: ((هاؤم))، قال: أرأيت المرء يحب القوم ... )) الحديث. وأخرج أبو نعيم في ((كتاب المحبين)) من طريق مسروق، عن عبد الله، وهو ابن مسعود قال: ((أتى أعرابيّ، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ، إني لأحبك ... )) فذكر الحديث، فهذا الأعرابيّ يَحْتَمِل أن يكون هو صفوان بن قدامة، فقد أخرج الطبرانيّ، وصححه أبو عوانة من حديثه، ((قال: قلت: يا رسول الله إني أحبك، قال: المرء مع من أحب)). وقد وقع هذا السؤال لغير مَن ذُكر، فعند أبي عوانة أيضاً، وأحمد، وأبي داود، وابن حبان، من طريق عبد الله بن الصامت: ((عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله الرجل يحب القوم ... )) الحديث، ورجاله ثقات، فإن كان مضبوطاً أمكن أن يُفَسَّر به المبهم في حديث أبي موسى، لكن المحفوظ بهذا الإسناد عن أبي ذرّ: ((الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه))، كذا أخرجه (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٩٤/٥. ٢٨٣ (٥٠) - بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٥) مسلم وغيره، فلعل بعض رواته دخل عليه حديث في حديث(١). (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى) وفي رواية البخاريّ: ((كيف تقول؟)) (فِي رَجُلِ، أَحَبَّ قَوْماً، وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟) وفي الرواية الآتية: ((ولَمّا يَلحَق بهم))، وهي أُبلغ لأن النفي بـ(لَمّا)) أبلغ من النفي بـ(لم))، فيؤخذ منه أن الحكم ثابت، ولو بعد اللحاق، وفي حديث أبي ذرّ المشار إليه قبلُ: ((ولا يستطيع أن يعمل بعملهم))، وفي بعض طرق حديث صفوان بن عَسّال عند أبي نعيم: ((ولم يعمل بمثل عملهم))، وهو يفسر المراد. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)))؛ يعني: أن من أحب قوماً بالإخلاص يكون من زُمرتهم، وإن لم يعمل عملهم؛ لثبوت التقارب بين قلوبهم، وربما تؤدي تلك المحبة إلى موافقتهم، وفيه حث على محبة الصلحاء والأخيار رجاءَ اللَّحاق بهم، والخلاص من النار(٢). وقال المباركفوريّ كَّلُهُ: ((المرء مع من أحبّ))؛ أي: يُحشر مع محبوبه، ويكون رفيقاً لمطلوبه، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآية، وظاهر الحديث: العموم الشامل للصالح والطالح، ويؤيده حديث: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل))(٣)، ففيه ترغيب، وترهيب، ووعد، ووعيد، وفي رواية للترمذيّ عن أنس: ((المرء مع من أحبّ، وله ما اكتسب))، وفي رواية البيهقيّ في ((شعب الإيمان)): ((أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت)). قال القاري: أي: أجر ما احتسبت، والاحتساب: طلب الثواب، وأصل الاحتساب بالشيء: الاعتداد به، ولعله مأخوذ من الْحِساب، أو الْحَسْب، واحتسب بالعمل: إذا قَصَد به مرضاة ربه. وقال التوربشتيّ: وكلا اللفظين؛ يعني: ((احتسب)) و((اكتسب)) قريب من الآخَر في المعنى المراد منه، قال الطيبيّ تَُّ: وذلك لأن معنى ما اكتسب: كَسَب کسْباً يُعتدّ به، ولا يَرِد عليه سبب الرياء والسمعة، وهذا هو معنى (١) ((الفتح)) ٤٢/١٤ - ٤٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٦٨). (٢) ((عون المعبود)) ٢٥/١٤. (٣) قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال النوويّ: إسناده صحيح. ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب الاحتساب؛ لأن الافتعال للاعتمال. انتهى، ومعنى الحديث: أن المرء يحشر مع من أحبه، وله أجر ما احتسب في محبته. انتهى(١). وقال المناويّ كَُّهُ: ((المرء مع من أحبّ)) طبعاً وعقلاً وجزاءً ومحلّاً، فكلُّ مهتمّ بشيء، فهو منجذب إليه، وإلى أهله بطبعه، شاء أم أبى، وكلُّ امرئ يصبو إلى مناسِبه، رضي أم سَخِط، فالنفوس العلوية تنجذب بذواتها، وهممها، وعملها إلى أعلى، والنفوس الدنية، تنجذب بذواتها، إلى أسفل، ومن أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى، أو الأسفل، فلينظر أين هو؟، ومع من هو؟ في هذا العالم، فإن الروح إذا فارقت البدن، تكون مع الرفيق الذي كانت تنجذب إليه في الدنيا، فهو أولى بها، فمن أحب الله فهو معه في الدنيا والآخرة، إن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكت فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله، واتفقوا على أن المحبة لا تصحّ إلا بتوحد المحبوب. انتھی(٢). [تنبيه]: قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه ((كتاب المحبين مع المحبوبين))، وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ، وفي بعضها بلفظ: ((أنت مع من أحببت))، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود، أو عبد الله بن قيس هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف هنا [٦٦٩٥/٥٠ و٦٦٩٦ و٦٦٩٧] (٢٦٤٠ و٢٦٤١)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦١٦٨ و٦١٦٩ و٦١٧٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٢/١ و٣٩٢/٤ و٣٩٥ و ٣٩٨ و٤٠٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠٠/٩)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٠١/٥ و٣٣/٨)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (٦٨/٢)، (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٥١/٧. (٢) ((فيض القدير)) ٦/ ٢٦٥. ٢٨٥ (٥٠) - بَابُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٦) و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٩٥/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٧٨)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٩٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْم، جَمِيعاً عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عَدِيّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْرب [١٠] (ت٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٠/٢٣. ٣ - (أَبُو الْجَوَّابِ) الأحوص بن جَوّاب - بفتح الجيم، وتشديد الواو - الضّبّيّ، الكوفيّ، صدوقٌ، رُبّما وَهِم [٩] (ت٢١١) (م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣. ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْم) - بفتح القاف، وسكون الراء - ابن معاذ، أبو داود البصريّ النحويّ، ومنهم مَّن ينسبه إلى جدّه، سيّئ الحفظ، يتشيع [٧] (خت د ت س) تقدم في ((الطلاق)) ٦/ ٣٧١٠. [تنبيه]: سليمان بن قرم هذا ضعفه ابن معين والنسائيّ، وقال في ((التقريب)): سيّئ الحفظ، يتشيّع، وإنما أخَرج له مسلم متابعةً، فلا يضرّ، قال النوويّ كَّلُهُ: سليمان بن قرم - هو بفتح القاف، وإسكان الراء - وهو ضعيف، لكن لم يَحْتَجّ به مسلم، بل ذكره متابعةً، وقد سبق أنه يَذكر في المتابعة بعض الضعفاء، والله أعلم. انتهى (١). (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٦. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، و((ابْنُ نُمَيْرٍ)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) ضمير التثنية لابن أبي عديّ، ومحمد بن جعفر غُندر. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ سُلَيْمَانَ)؛ يعني: أن كلّاً من شعبة، وسليمان بن قرم رويا هذا الحديث عن سليمان الأعمش إلخ. [تنبيه]: أما رواية ابن أبي عديّ، عن شعبة، فقد ساقها البزّار تَخْتُ في ((مسنده))، بسند المصنّف، فقال: (١٦٧٩) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبيّ وَّ: قال: ((المرء مع من أحبّ)). انتهى(١). وأما رواية محمد بن جعفر غندر عن شعبة، فقد ساقها البخاريّ تَخْتُ في ((صحيحه))، بسند المصنّف أيضاً، فقال: (٥٨١٦) - حدّثنا بشر بن خالد، حدّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبيّ وَّول أنه قال: ((المرء مع من أحبّ)). انتهى(٢). وأما رواية سليمان بن قرم عن سليمان الأعمش، فقد ساقها الحافظ في ((تغليق التعليق))، فقال: وأما حديث سليمان بن قرم، فأخبرنا شيخ الإسلام أبو حفص بن أبي الفتح الشافعيّ، أنا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز قراءةً عليه، ونحن نسمع، أنا عبد العزيز بن عبد المنعم، عن عزيزة بنت عليّ بن يحيى بن الطراح سماعاً، أنا جدّي يحيى بن عليّ، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت، قال: أنا عليّ بن أحمد بن عليّ المقرئ، ثنا أبو القاسم إبراهيم بن سلمة الكهيليّ، ثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، ثنا ابن نمير، ثنا أبو الجوّاب، ثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن شقيق، قال: قال عبد الله: جاء رجل إلى (١) ((مسند البزار)) ١٠١/٥. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٨٣/٥. ٢٨٧ (٥٠) - بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ - حديث رقم (٦٦٩٧) النبيّ وَّة، فقال: يا رسول الله وَ له رجل أحب قوماً، ولَمّا يَلْحَق بهم؟ قال: ((المرء مع من أحبّ)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٩٧] (٢٦٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: ء حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَتَّى النَّبِيَّ ◌َِ﴿ِ رَجُلِ. فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم - بمعجمتين - الضرير الكوفيّ، عَمِي وهو صغير، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) وله اثنتان وثمانون سنةً، وقد رُمي بالإرجاء (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أمية الطَّنَافسيّ الكوفيّ الأحدب، ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٤/٣٢. ٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم الأشعريّ الصحابيّ الشهير، ﴿ه، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نمير. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ جَرِيرٍ) فاعل ((ذَكَرَ)) كان الأَولى أن يقول: فذكرا بالتثنية لأبي معاوية، ومحمد بن عبيد، ولكن للأول وجه، وهو أن يؤوّل بذِكر كلّ منهما، والله تعالى أعلم. (١) ((تغليق التعليق)) ٢٩٨/٣ - ٢٩٩. قال الجامع عفا الله عنه: كانت رواية سليمان بن قرم مقرونة برواية أبي عوانة، فاقتصرت بنقلها؛ لأن رواية أبي عوانة ليست من رواية مسلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب [تنبيه]: أما رواية أبي معاوية عن الأعمش، فقد ساقها الإمام أحمد تَخّثهُ في ((مسنده))، فقال: (١٩٦٤٤) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى، قال: أتى النبيَّ مَّ﴿ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً أحبّ قوماً، ولَمّا يَلْحَق بهم؟ فقال رسول الله وَّر: ((المرء مع من أحبّ)). انتهى(١). وأما رواية محمد بن عُبيد، عن الأعمش، فقد ساقها أيضاً الإمام أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال: (١٩٥١٤) - حدّثنا محمد بن عُبيد، ثنا الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ وَّه، فقال: الرجل يحب القوم، ولَمّا يَلْحَق بهم؟ فقال: ((المرء مع من أحبّ)). انتهى (٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٥١) - (بَابٌ إِذَا أَثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ، فَهِيَ بُشْرَى، وَلَا تَضُرُّهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٩٨] (٢٦٤٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ((تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله ببابين، وقبل ستة أبواب، و((أبو الربيع)) هو: سليمان بن داود العتكيّ الزهرانيّ، و((أبو عمران الْجَوْنيّ)) هو: (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٠٥/٤. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ٣٩٢. ٢٨٩ (٥١) - بَابٌ إِذَا أَثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ، فَهِيَ بُشْرَى، وَلَا تَضُرُّهُ - حديث رقم (٦٦٩٨) عبد الملك بن حبيب البصريّ، و((أبو ذرّ)) هو: جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَخْثُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أربعة ممن اشتهر بالكنية، وفيه أبو ذرّ ظُه من كبار الصحابة . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قِيلَ): سيأتي في الروايات المخرّجة في التنبيه الآتي أن القائل هو أبو ذرّ نفسه نظرته، ولفظه: ((قلت: يا رسول الله، الرجل يعمل ... )). (لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبِرني، (الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ)؛ أي: أخبرنا بحاله، فـ((الرجلَ)) منصوب بنزع الخافض، والمراد بالعمل: جنسه، وقوله: (مِنَ الْخَيْرِ) بيان للعمل، ومن المعلوم أن لا خير في العمل للرياء، فيكون عمله خالصاً لله تعالى. (وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ)؛ أي: يُثنون على ذلك العمل، أو على ذلك الخير، وفي رواية: ((ويحبه الناس عليه))؛ أي: يعظّمونه عليه. (قَالَ) وَيِّ: ((تِلْكَ)؛ أي: المحمدة، أو المحبة، أو الخصلة، أو المثوبة، (عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)))؛ أي: معجَّل بشارته، وأما مؤجَّلها فباقٍ إلى يوم آخرته، وظاهره أنه يستوي فيه أنه يعجبه حمدهم، ومحبتهم، أو لا، والثاني أَولى، والأول أظهر. قال المظهر: ((أرأيت إلخ))؛ أي: أَخْبِرنا بحال من يعمل عملاً صالحاً لله تعالى، لا للناس، ويمدحونه، هل يبطل ثوابه؟ فقال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن))؛ يعني: هو في عمله ذلك ليس مرائياً، فيعطيه الله تعالى به ثوابين: ثواب في الدنيا، وهو حَمْد الناس له، وثواب في الآخرة، وهو ما أَعَدَّ الله تعالى له(١) وقال ابن الجوزيّ كَّلُ: المعنى: أن الله تعالى إذا تقبَّل العمل، أوقع في القلوب قبول العامل، ومَدْحه، فيكون ما أوقع في القلوب مبشراً بالقبول، كما (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٧٠/١١ - ٣٣٧١. ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أنه إذا أحب عبداً حبّبه إلى خلقه، وهم شهداء الله في الأرض. انتهى(١). وقال النوويّ كَّلُهُ: قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجّلة له بالخير، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه، ومحبته له، فيحبيه إلى الخلق، كما سبق في الحديث: ((ثم يوضَع له القبول في الأرض))، هذا كلّه إذا حَمِده الناس من غير تعرّض منه لِحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َ به هذا من أفراد المصنّف ◌َخَّلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٦٩٨/٥١ و٦٦٩٩] (٢٦٤٢)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٦/٥ و١٥٧ و١٦٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٦ و٥٧٦٨)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (١١٩٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٣٩ و٤١٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الإخلاص في الأعمال، حيث إن الله تعالى يوقع في قلوب عباده محبّة صاحبها، وثناءهم عليه، ورضاهم عنه، وهذا من البشرى المعجّلة لذلك الشخص، وهذا معنى قوله في الحديث الماضي: ((ثم يوضع له القبول في الأرض)). ومن جملة تلك البشرى بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره، كما ذكره الله وَلَ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ ﴿َ نَحْنُ أَوْلِيَآؤَّكُمْ فِ اٌلْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. مَا تَدَّعُونَ ﴿ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ () وأما بشرى الآخرة فجنة النعيم، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ (١) ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) ص٢٤٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/١٦. ٢٩١ (٥١) - بَابٌ إِذَا أَثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ، فَهِيَ بُشْرَى، وَلَا تَضُرُّهُ - حديث رقم (٦٦٩٩) وَأَلْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَنْدٍ [التوبة: ٧٢]. وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (® ٢ - (ومنها): بيان أن ثناء الناس، ومحبّتهم لعمل العبد علامة على إخلاصه فيه. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أنه ينبغي للعبد أن يجاهد نفسه في الإخلاص حتى تحصل له بشرى الدنيا والآخرة. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُهُ: إن هذا الحديث في الرجل الذي يعمل العمل الصالح خالصاً، ولا يريد إظهاره للناس؛ لأنَّه لو عمله ليحمده الناس، أو يبرّوه لكان مرائياً، ويكون ذلك العمل باطلاً فاسداً، وإنما الله تعالى بلطفه، ورحمته، وكرمه يعامل المخلصين في الأعمال، الصادقين في الأقوال والأحوال بأنواع من اللطف، فيقذف في القلوب محبتهم، ويُطلق الألسنة بالثناء عليهم؛ لِيُنَوِّه بذكرهم في الملأ الأعلى؛ ليستغفروا لهم، وينشر طِيب ذِكرهم في الدنيا؛ ليُقْتَدَى بهم، فَيَعْظُم أجرهم، وترتفع منازلهم، وليجعل ذلك علامة على استقامة أحوالهم، وبشرى بحسن مآلهم، وكثير ثوابهم، ولذلك قال ◌َله: ((تلك عاجل بشرى المؤمن))، والله تعالى أعلم (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيع (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، كُلَّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، بِإِسْنَادِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ عَنْ شُعْبَةَ، غَيْرَ عَبْدِ الصَّمَدِ: وَيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ، كَمَا قَالَ حَمَّاٌ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاحِ بن مَلِيحِ الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ (١) ((المفهم)) ٦٤٨/٦. ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو أول ١٩٧) وله سبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٣ - (النَّضْرُ) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ ... إلخ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: وكيع، ومحمد بن جعفر غُندر، وعبد الصمد بن عبد الوارث، والنضر بن شُميل رووا هذا الحديث عن شعبة، عن أبي عمران الجونيّ، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ ◌َظُه. [تنبيه]: أما رواية وكيع عن شعبة فقد ساقها البيهقيّ تَُّ في ((شُعَب الإيمان))، فقال: (٦٩٩٩) - حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ إملاءً، أنا عبد الله بن محمد بن الحسن الشرقيّ، نا عبد الله بن هاشم، نا وکیع، نا شعبة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل لله العمل، يحبه الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)). انتهى(١). وأما رواية محمد بن جعفر غندر عن شعبة، فقد ساقها البزّار ◌َكَّتُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال: (٣٩٥٦) - وحدّثنا محمد بن بشار، قال: نا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ ◌َظُه، عن النبيّ وَل﴿ قال: قلت: يا رسول الله الرجل يعمل لنفسه، فيحبه الناس؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)). انتهى (٢). وأما رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة، فقد ساقها أيضاً البزّار تَّتُهُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال: (١) ((شعب الإيمان)) ٣٧٣/٥. (٢) ((مسند البزار)) ٣٧٥/٩. ٢٩٣ (٥١) - بَابٌ إِذَا أَثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ، فَهِيَ بُشْرَى، وَلَا تَضُرُّهُ - حديث رقم (٦٦٩٩) (٣٩٥٥) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا عبد الصمد، قال: نا شعبة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ ◌َظُه قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يعمل لنفسه، فيحبه الناس؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)). انتهى(١). وأما رواية النضر بن شُميل عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((مسند البزار)) ٣٧٥/٩. ٢٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (٤٨) - (كِتَابُ الْقَدَرِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط القدر، وبيان معناه: (اعلم): أن (القَدَر)) - بفتحتين، أو بفتح فسكون -: القضاء والحكم، وهو ما يقدّره الله رَّك، من القضاء، ويَحكُم به من الأمور. وقال اللحيانيّ: القدَر - أي: بفتحتين - الاسم، والقَدْر - أي: بفتح، فسكون - المصدر، وأنشد [من الخفيف]: وَبِقَدْرٍ تَفَرُّقٌ وَاجْتِمَاعُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى أَخِيكَ مَتَاعٌ وأنشد في المفتوح [من الكامل]: وَأَبِيكَ مَا لَكَ ذُو النَّخِيلِ بِدَارِ قَدَرٌ أَحَلَّكَ ذَا النَّخِيلِ وَقَدْ أَرَى قال ابن سِيدَهْ: هكذا أنشده بالفتح، والوزن يَقبَل الحركة والسكون. ذكره في ((اللسان))(١). وقال الفّوميّ ◌َّتُهُ: القدَر بالفتح لا غير: القضاء الذي يقدّره الله تعالى. (٢) انتهى (٢). وقال ابن الأثير: وقد تكرّر ذِكر ((القدر)) في الحديث، وهو عبارة عما قضاه الله، وحكم به من الأمور، وهو مصدرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدَراً، وقد تُسكّن داله. (٣) انتھی(٣). وقال في ((الفتح)): ((القدر)): مصدرٌ، تقول: قَدَرتُ الشيءَ - بتخفيف الدال، وفتحها - أقدِرُهُ - بالكسر، والفتح - قَدَراً وقَدْراً: إذا أحطت بمقداره. [القمر: ٤٩]. ٤٩ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ( (١) ((لسان العرب)) ٧٤/٥. (٣) ((النهاية)) ٢٢/٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٩٢. ٢٩٥ (٤٨) - كتاب القدر قال الراغب الأصبهانيّ ◌َّتُهُ: ((القدَر)) بوضعه يدلّ على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلاً، والقول نقلاً، وحاصله وجود شيء في وقتٍ، وعلى حالٍ بوفق العلم والإرادة، والقول، وقَدَّر الله الشيءَ بالتشديد: قضاه، ويجوز بالتخفيف، وقال ابن القطاع: قدّر الله الشيء: جعله بقدَرٍ، والرزقَ صَنَعه، وعلى الشيء مَلَكه. والقضاء: الحكم بالكليّات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيّات التي لتلك الكلّات على سبيل التفصيل(١). وقال الكرماني: المراد بالقدر: حُكم الله، قال العلماء: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله(٢). والمراد أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجّدُ، فكل مُحدَث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدِّين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حَدَثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة، وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس، عن ابن بُرَيدة، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة: مَعْبَدٌ الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد الحميري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه بريء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عَمَلاً. وقد حَكَى الْمُصَنِّفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالماً بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يَعلَمها بعد كونها. قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا نَعرِف أحداً يُنسَب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مُطبِقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهباً باطلاً أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فراراً من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّمَ القدري (١) ((الفتح)) ١٤/ ٣٦١ - ٣٦٢. (٢) راجع: ((فتح الباري)) ١١/ ٥٨١. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر العلم خُصِمَ؛ يعني: يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمّنه العلم؟ فإن مَنَعَ وافق قول أهل السُّنَّة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك(١) . وقال أبو المظفر ابن السمعاني: سبيلُ معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسُّنَّة، دون محض القياس والعقل، فمن عَدَل عن التوقيف فيه ضَلَّ، وتاه في بحار الْخَيْرة لم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختَصَّ العليم الخبير به، وضَرَب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لِمَا عَلِمَه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ینکشف لهم قبل دخولها. انتهى. وقد أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود نظراته رفعه: ((إذا ذُكِر القدر فأمسكوا)). وأخرج مسلم من طريق طاوس: «أدركت ناساً من أصحاب رسول الله (َ ﴿ يقولون: كلُّ شيء بقدر)). وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله وَله: ((كلُّ شيء بقدر، حتى العجز والكَيْس)). قال الحافظ تَخْذَتُهُ: و((الْكَيْسُ)) - بفتح الكاف -: ضد العجز، ومعناه: الْحِذْق في الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة، ومعناه: أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سَبَق به علم الله رَبَّك ومشيئته، وإنما جعلهما في الحديث غايةً لذلك؛ للإشارة إلى أن أفعالنا، وإن كانت معلومة لنا، ومرادةً منا فلا تقع مع ذلك منا إلا بمشيئة الله. وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعاً وموقوفاً مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ فإن هذه الآية نص في أن الله خالق كل شيء، ومُقَدِّره، وهو ٤٩ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ أنصّ من قوله تعالى: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ﴾ [الصافّات: ٩٦]. (٩٦) خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ظُه: ((جاء مشركو قريش يخاصمون (١) راجع: ((الفتح)) ١٤٥/١، في كتاب ((الإيمان)). ٢٩٧ (٤٨) - كتاب القدر النبي ◌َّ﴿ في القدر، فنزلت)). قال: ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآمِنُهُ، وَمَا نُنْزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ [الحجرات: ٢١]. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): قسّم شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظْهُ القدريّة ثلاثة أقسام: (القسم الأول: القدريّة المشركة): وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿لَوَّ شَآءَ اُللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَّ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَْ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٣٥]، ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٢٠]. فهؤلاء يَؤُول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبيّة العامّة لكل مخلوق، وأنه ما من دابّة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يُبْتَلَى به كثيراً، إما اعتقاداً، وإما حالاً طوائفُ من الصوفيّة والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرّمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات، وإن كان ذلك لا يستتبّ لهم، وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم، كفِعل المشركين من العرب، ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دَفْع ذلك متعدّياً للحدود، غير واقف عند حدّ، كما كان يفعل المشركون أيضاً؛ إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر، فهذا يريد أمراً، والآخر يريد ضدّه، وكلّ من الإرادتين مقدّرة، فلا بدّ من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كلّ منهما من وجه، وإلا لزم الفساد. وقد يغلو أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله، ويتمسّكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة منهم ومن غيرهم، كقول الحريريّ: أنا كافر برب يُعصى، وقول بعض أصحابه لمّا دعاه مكّاس، فقيل له: هو مكّاس، فقال: إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وكقول ابن إسرائيل : أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلاً لِمَا يَخْتَارُهُ مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَةُ (١) راجع: ((الفتح)) ٥٨٢/١١، في كتاب ((القدر)). ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر وقد يسمّون هذا حقيقةً باعتبار أنه حقيقة الربوبية، والحقيقة الموجودة الكائنة، أو الحقيقة الخبريّة، ولمّا كان في هؤلاء شَوْبٌ من النصارى، والنصارى لهم شوبٌ من الشرك تابعوا المشركين فيما كانوا عليه من التمسّك بالقدر المخالف للشرع، هذا مع أنهم يعبدون غير الله الذي قدّر الكائنات كما أن هؤلاء فيهم شوب من ذلك. وإذا اتسع زنادقتهم الذين هم رؤساؤهم قالوا: ما نعبد إلا الله؛ إذ لا موجود غيره، وقال رئيس لهم: إنما كفر النصارى لأنهم خصّصوا، فيشرّعون عبادة كل موجود بهذا الاعتبار، ويقررون ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان والأحجار، لكنهم يستقصرونهم حيث خصّصوا العبادة ببعض المظاهر والأعيان، ومعلوم أن هذا حاصل في جميع المشركين، فإنهم متفنّنون في الآلهة التي يعبدونها، وإن اشتركوا في الشرك، هذا يعبد الشمس، وهذا يعبد القمر، وهذا يعبد اللات، وهذا يعبد العزى، وهذا يعبد مناة الثالثة الأخرى، فكل منهم يتخذ إلهه هواه، ويعبد ما يستحسن، وكذلك في عبادة قبور البشر كلّ يعلق على تمثال مَن أحسن به الظنّ. (القسم الثاني: القدرية المجوسيّة): الذين يجعلون لله شركاء في خَلْقه، كما جعل الأولون شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشرّ، ويقول من كان منهم في ملّتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربّما قالوا: ولا يعلمها أيضاً، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قُدرته، ولا صُنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عبّاس: القَدَر نظام التوحيد، فمن وحّد الله، وآمن بالقدر تمّ توحيده، ومن وحّد الله، وكذّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. ويزعمون أن هذا هو العدل، ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمّونه التوحيد، كما يسمّي الأولون التلحيد التوحيد، فيُلحِد كلّ منهما في أسمائه وصفاته، وهذا يقع كثيراً، إما اعتقاداً، وإما حالاً في كثير من المتفقّهة والمتكلّمة، كما وقع اعتقاد ذلك في المعتزلة والشيعة المتأخرين، وابتُلي ببعض ذلك طوائف من المتقدّمين من البصريين والشاميين، وقد يُبتلى به حالاً لا اعتقاداً، بعض من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر. ٢٩٩ (٤٨) - كتاب القدر ولِمَا بين الطائفتين من التنافي تجد المعتزلة أبعد الناس عن الصوفيّة، ويميلون إلى اليهوديّة، وينفرون عن النصارى، ويجعلون إثبات الصفات هو قول النصارى بالأقانيم، ولهذا تجدهم يذمّون النصارى أكثر، كما يفعل الجاحظ وغيره، كما أن الأوَّلين يميلون إلى النصارى أكثر. ولهذا كان هؤلاء في الحروف، والكلام المبتدع، كما كان الأولون في الأصوات، والعمل المبتدع، كما اقتسم ذلك اليهود والنصارى، واليهود غالبهم قدريّة بهذا الاعتبار، فإنهم أصحاب شريعة، وهم معرضون عن الحقيقة القدريّة، ولهذا تجد أرباب الحروف والكلام المبتدع كالمعتزلة يوجبون طريقتهم، ويحرمون ما سواها، ويعتقدون أن العقوبة الشديدة لاحقة من خالفها، حتى إنهم يقولون بتخليد فسّاق أهل الملل، ويكفّرون من خرج عنهم من فرق الأمة، وهذا التشديد، والآصار، والأغلال شبه دِين اليهود. وتجد أرباب الصوت والعمل المبتدع لا يوجبون، ولا يحرّمون، وإنما يستحبّون، ويَكرهون، فيعظّمون طريقهم، ويفضّلونه، ويرغّبون فيه، حتى يرفعوه فوق قَدْره بدرجات، فطريقهم رغبة بلا رهبة إلا قليلاً، كما أن الأول رهبةٌ في الغالب برغبة يسيرة، وهذا يُشبه ما عليه النصارى من الغلوّ في العبادات التي يفعلونها مع انحلالهم من الإيجاب والاستحباب، لكنهم يتعبّدون بعبادات كثيرة، ويبقون أزماناً كثيرةً على سبيل الاستحباب، والفلاسفة يغلب عليهم هذا الطريق، كما أن المتكلّمين يغلب عليهم الطريق الأول. (القسم الثالث: القدريّة الإبليسيّة): الذين صدّقوا بأن الله صدر عنه الأمران، لكن عندهم تناقض، وهم خصماء الله، كما جاء في الحديث، وهؤلاء كثير في أهل الأقوال والأفعال، من سفهاء الشعراء، ونحوهم من الزنادقة. قال: فتدبّر كيف كانت الملل الصحيحة الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئون ليس فيها في الأصل قدريّة، وإنما حدثت القدريّة من الملّتين الباطلتين: المجوس، والذين أشركوا. انتهى كلام شيخ الإسلام تَخَّتُهُ (١)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٢٥٦/٨ - ٢٦١. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القدر (المسألة الثالثة): قد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في الردّ على أحد علماء الذميين، حيث أورد أبياتاً فيها استشكالات في القَدَر، فقال [من الطويل]: تَحَيَّرَ دُلُوهُ بِأَوْضَحِ حُجَّةِ أَيَا عُلَمَاءَ الدِّينِ ذِمِّئُّ دِينِكُمْ وَلَمْ يَرْضَهُ مِنِّي فَمَا وَجْهُ حِيلَتِي إِذَا مَا قَضَى رَبِّي بِكُفْرِي بِزَعْمِكُمْ دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ عَنِّي فَهَلْ إِلَى فَضَى بِضَلَالِي ثُمَّ قَالَ ارْضَ بِالْقَضَا فَإِنْ كُنْتُ بِالْمَقْضِيِّ يَا قَوْمُ رَاضِياً فَهَلْ لِي رِضاً مَا لَيْسَ يَرْضَاهُ سَيِّدِي إِذَا شَاءَ رَبِّي الْكُفْرَ مِنِّي مَشِيئَةً وَهَلْ لِي اخْتِيَارٌ أَنْ أُخَالِفَ حُكْمَهُ؟ دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قَضِيَّتِي فَمَا أَنَا رَاضٍ بِالَّذِي فِيهِ شِقْوَتِي فَرَبِّيَ لَا يَرْضَى بِشُؤْمِ بَلِيَّتِي فَقَدْ حِرْتُ دُلُّونِي عَلَى كَشْفَ حَيْرَتِي فَهَلْ أَنَا عَاصٍ فِي انِّبَاعِ الْمَشِيئَةِ؟ فِبِاللَّهِ فَاشْفُوا بِالْبَرَاهِينِ غُلَّتِي فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مرتجلاً، فقال: سُؤَالُكَ يَا هَذَا سُؤَالُ مُعَانِدٍ فَهَذَا سُؤَالٌ خَاصَمَ الْمَلأَّ الأَعْلَى وَمَنْ يَكُ خَصْماً لِلْمُهَيْمِنِ يَرْجِعَنْ وَيُدْعَى خُصُومُ اللَّهِ يَوْمَ مَعَادِهِمْ سَوَاءٌ نَفَوْهُ أَوْ سَعَوْا لِيُخَاصِمُوا وَأَصْلُ ضَلَالِ الْخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ فَإِنَّهُمُوا لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فَإِنَّ جَمِيعَ الْكَوْنِ أَوْجَبَ فِعْلَهُ وَذَاتُ إِلَهِ الْخَلْقِ وَاجِبَةٌ بِمَا مَشِيئَتُهُ مَعْ عِلْمِهِ ثُمَّ قُدْرَةٍ وَإِبْدَاعُهُ مَا شَاءَ مِنْ مُبْدَعَاتِهِ وَلَسْنَا إِذَا قُلْنَا جَرَتْ بِمَشِيئَةٍ بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ هُوَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مُخَاصِم رَبِّ الْعَرْشِ بَارِي الْبَرِيَّةِ قَدِيماً بِهِ إِبْلِيسُ أَصْلُ الْبَلِيَّةِ عَلَى أُمِّ رَأْسٍ هَاوِياً فِي الْحَفِيرَةِ إِلَى النَّارِ ظُرّاً مَعْشَرَ الْقَدَرِيَّةِ بِهِ اللَّهَ أَوْ مَارَوْا بِهِ لِلشَّرِيعَةِ هُوَ الْخَوْضُ فِي فِعْلِ الإِلَهِ بِعِلَّةِ فَصَارُوا عَلَى نَوْعِ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ مَشِيئَةُ رَبِّ الْخَلْقِّ بَارِي الْخَلِيفَةِ لَهَا مِنْ صِفَاتٍ وَاحِبَاتٍ قَدِیمَةِ لَوَازِمُ ذَاتِ اللَّهِ قَاضِي الْقَضِيَّةِ بِهَا حِكْمَةٌ فِيهِ وَأَنْوَاعُ رَحْمَةٍ مِنَ الْمُنْكِرِي آيَاتِهِ الْمُسْتَقِيمَةِ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ الَّذِي فِي الشَّرِيعَةِ لَهُ الْمُلْكُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَاصِ بِشِرْكَةٍ