Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(٢٤) - بَابُ الَّهْيٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٨٩ - ٦٥٩٠)
لا يكونون يوم القيامة شهداء، ولا شفعاء)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام،
عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِي حَازِمِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِّي
الدَّرْدَاءِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّغَانِيِّنَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ، وَلَا
شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام) القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، مولى بني أسد،
ويقال له: معاوية بن أبي العباس، صدوقٌ، له أوهام، من صغار [٩] (ت٢٠٤)
(بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٩١/٩١.
٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عَبّاد، أو أبو سعيد المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام،
ورُمي بالتشيع، من كبار [٧] (ت١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان))
٤٦٣/٨٧.
٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى
الأسود بن سفيان،ً ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في
(الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَُّ، وقد مضى شرحه، ومسائله قبل
حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩٠] (٢٥٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَبَّعَثْ لَغَّاناً،
وَإِنَّمَا بُعِنْتُ رَحْمَةً)).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٤٨/٦.

٦٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠]
(٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله
الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظٌ، وكان يُدَلِّس أسماء الشيوخ [٨]
(ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنين - بنونين،
مصغراً - الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩.
٤ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((ابْنُ أَبِي عُمَرَ)) هو: محمد بن يحيى بن أبي
عمر العدنيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّهُ، وفيه أبو هريرة ◌َُّه رأس المكثرين
السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قِيلَ) لم يُعرف القائل، (يَا رَسُولَ اللهِ
ادْعُ) بالهلاك (عَلَى الْمُشْرِكِينَ) المراد بهم بنو عامر، فقد أخرج الطبرانيّ في
((المعجم الكبير)(١) عن كريز بن سامة، وقد كان وَفَد إلى النبيّ وَّهِ، قال:
قيل: يا رسول الله ادع على بني عامر، فقال: ((إني لم أُبعث لعّاناً))(٢)،
وأخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))، ولفظه: عن كرز بن سامة،
قال: وكان وفد إلى رسول الله وَ﴿ أن رسول الله وَّر قال: ((اللَّهُمَّ اهد بني
عامر، اللَّهُمَّ اهد بني عامر)) ثلاثاً، وقيل للنبيّ وَّر: ادع على بني عامر، فقال:
(١) قال الهيثميّ تَّثُ: وفي سنده من لم أعرفهم.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٨٩/١٩.

٦٨٣
(٢٤) - بَابُ الَّهْىٍ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٩٠)
(إني لم أُبعث لعّاناً))، وأن النبيّ وَّر عقد راية بني سليم حمراء. انتهى(١).
(قَالَ) ◌َِّ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ) بالبناء للمفعول، حال كوني (لَعَّاناً) قال
القرطبيّ كَّلُهُ: كان هذا منه وَّ بعد دعائه على رعل، وذكوان، وعصيّة الذين
قَتَلوا أصحابه ببئر معونة، فأقام النبيّ ◌َّ شهراً يدعو عليهم، ويلعنهم في آخر
كلِّ صلاة من الصلوات الخمس، يقنت بذلك، حتى نزل عليه جبريل؛ فقال:
((إن الله تعالى لم يبعثك لعّاناً، ولا سبّاباً، وإنما بعثك رحمةً، ولم يبعثك
عذاباً))، ثم أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوُبَ عَلَهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] على ما أخرجه أبو داود في ((مراسيله))(٢)
من حديث خالد بن أبي عمران، وفي ((الصحيحين)) ما يؤيّد ذلك، ويشهد
بصحته. انتھی(٣).
(وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً))) قال القرطبيّ كَُّهُ: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَآ
[الأنبياء: ١٠٧]؛ أي: بالرسالة العامة،
أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
والإرشاد للهداية، والاجتهاد في التبليغ، والمبالغة في النصح، والحرص على
إيمان الجميع، وبالصبر على جفائهم، وتَرْك الدعاء عليهم؛ إذ لو دعا عليهم
لهلكوا، وهذه الرحمة يشترك فيها المؤمن والكافر، أما رحمته الخاصّة، فلمن
هداه الله تعالى، ونوّر قلبه بالإيمان، وزيَّن جوارحه بالطاعة، كما قال تعالى:
﴿ِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فهذا هو المغمور برحمة الله تعالى،
المعدود في زمرة الكائنين معه بَّهِ في مُستَقَرّ كرامته، جعلنا الله تعالى منهم،
ولا حال بيننا وبينهم. انتهى (٤).
وقال في ((المرقاة)): قوله: ((بُعثت رحمةً))؛ أي: للناس عامّة،
وللمؤمنين خاصّة متخلقاً بوصف الرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ
[الأنبياء: ١٠٧]، قال ابن الملك: أما للمؤمنين فظاهر، وأما
رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
للكافرين فلأن العذاب رُفع عنهم في الدنيا بسببه بَّر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا
(١) ((الآحاد والمثانى)) ١٢٥/٣.
(٢) رواه أبو داود في ((مراسيله)) برقم (٨٩)، والبيهقيّ ٢١٠/٢.
(٣) ((المفهم)) ٥٨٢/٦.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٥٨٢ - ٥٨٣.

٦٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣]، وتعقّبه القاري، فقال: بل
عذاب الاستئصال مرتفع عنهم ببركته من18 إلى يوم القيامة. انتهى (١).
وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ؛ أي: إنما بُعثت لأقرّب الناس إلى الله تعالى، وإلى
رحمته، ولم أُبعث لِأُبعدهم عنه، فاللعن منافٍ لحالي، فكيف ألعن؟ انتهى(٢).
ورَوَى البخاري في ((تاريخه)) عن أبي هريرة ◌َظُه بلفظ: ((إنما بُعثت
رحمةً، ولم أُبعث عذاباً)).
وقال المناويّ تَُّ: قوله: ((إني لم أُبعث لعّاناً))؛ أي: مبالغاً في اللعن؛
أي: الإبعاد عن الرحمة، والمراد: نفي أصل الفعل على وزان: ﴿وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّمٍ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ يعني: لو كنت أدعو عليهم لبَعُدوا عن رحمة الله،
ولَصرت قاطعاً عن الخير.
وقوله: ((وإنما بُعثت رحمةً)) لمن أراد الله إخراجه من الكفر إلى الإيمان،
أو لأُقَرِّب الناس إلى الله تعالى، وإلى رحمته، لا لأَبعدهم عنها، فاللعن مناف
الحالي، فكيف ألعن؟ قال المظهري: وفي هذا الحديث مباحث، منها: أن
معنى قوله: ((رحمة)) بهدايته للمسلم، وتأخير العذاب عن نوع من الكفار، وهم
أهل الذمة، ومن عداهم أمر بقتلهم، وغَنْم ما لهم، وذا من أشدّ عذاب الدنيا،
وَهَبْ أن امتناعه هذا من الدعاء عليهم من جهة العموم، فما المانع من جهة
الخصوص؟ ومنها: أن طلب الدعاء عليهم لا ينحصر في اللعن، فما موقع
الجواب بقوله: ((لم أُبعث لعّاناً))؟ ومنها: أن لعن الكفار جائز، وقد لَعَن الله
الكافرين، والظالمين، وفي ((الصحيحين)) أنه دعا على قريش. انتهى (٣)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف رَّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٨٣/١٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧٠٥/١٢.
(٣) ((فيض القدير)) ١٣/٣.

٦٨٥
(٢٤) - بَابُ الَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابُّ، وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٥٩٠)
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٩٠/٢٤] (٢٥٩٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)) (٣٢١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥/١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن النبيّ وَله لم يبعثه الله تعالى لعّاناً لعباده، وإنما بعثه
رحمة لهم، فهو ◌َّ رحيم بعباده كلّهم، فهو ◌َلّ كما قال الله رَك في تحقيق
وصفه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ
(٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ولقد أجاد من قال،
عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
وأحسن في المقال:
رَحْمَةٌ كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ
٢ - (ومنها): ما قاله بعضهم: ((وإنما أنا رحمة))؛ أي: ذو رحمة، أو
مبالغ في الرحمة حتى كأني عَيْنها؛ لأن الرحمة ما يترتب عليه النفع ونحوه،
وذاته كذلك، وإذا كانت ذاته رحمة، فصفاته التابعة لذاته كذلك، ((مهداة)) بضم
الميم؛ أي: ما أنا إلا ذو رحمة للعالمين أهداها الله تعالى إليهم، فمن قَبِل
هديته أفلح، ونجا، ومن أبى خاب، وخسر، وذلك لأنه وص له هو الواسطة لكل
خير دنيويّ، أو أخروي، فمن خالف فعذابه من نفسه؛ كعين انفجرت، فانتفع
قوم، وأهمل قوم، فهي رحمة لهم كلّهم.
ولا يشكل على الحصر وقوع الغضب منه ◌َ ﴿ كثيراً؛ لأن الغضب لم
يُقْصَد مِن بَعْثه بَّه، بل القصد بالذات الرحمة، والغضب بالتبعية، بل في حكم
العدم، فانحصر فيها مبالغة، أو المعنى: أنه رحمة على الكلّ، لا غضبٌ على
الكلّ، أو أنه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة، أنه رحمة في
الجملة، ويكفي في المطلب إثبات الرحمة. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن هذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ
أ)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] قال الإمام ابن كثير كَّلُ: يُخبر تعالى أن الله
لِّلْعَلَمِينَ
جعل محمداً وَل رحمةً للعالمين؛ أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمَن قَبِل هذه
الرحمة، وشكر هذه النعمة سَعِد في الدنيا والآخرة، ومن ردّها، وجحدها خسر
(١) ((فيض القدير)) ٥٧٢/٢.

٦٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ
[إبراهيم: ٢٨، ٢٩]،
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (يَا﴾
قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ()
وقال تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلٌّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَأَلَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ فِيَّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمِّىَ أُوْلَكَ يُنَدَوْنَ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ﴾
[فصّلت: ٤٤]، ثم أورد حديث مسلم هذا، ثم قال: وفي الحديث الآخر: ((إنما
أنا رحمة مهداة».
[فإن قيل]: فأيّ رحمة حصلت لمن كفر به اليه؟ .
[فالجواب]: ما رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن عباس رضيًّا في قوله:
قال: من آمن بالله واليوم الآخر كُتب له
٧.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم
من الخسف، والقذف. انتهى كلام ابن كثير باختصار(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٥) - (بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ وَّةِ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ،
وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ، كَانَ لَهُ زَكَاةً، وَأَجْراً، وَرَحْمَةً)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩١] (٢٦٠٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهـ
رَجُلَانٍ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا، وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجًا
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَصَابَ(٢) مِنَ الْخَيْرِ شَيْئاً مَا أَصَابَهُ هَذَانٍ، قَالَ: ((وَمَا
ذَاكِ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا، وَسَبَبْتَهُمَا، قَالَ: ((أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ
رَبِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَبُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَيْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً،
وَأَجْراً)).
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٠٢/٣ - ٢٠٣.
(٢) وفي نسخة: ((لمن أصاب)).

٦٨٧
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّونَ﴿، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُوِ الضُّحَى) مسلم بن صُبيح - بالتصغير - الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطار،
مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة مائة (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة
الكوفيّ، مُخَضْرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
والباقون ذُكروا في البابين السابقين، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غیر شیخه،
فبغداديّ، وعائشة ﴿ا، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن
بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وفيه عائشة ﴿ا، تقدّم القول
فيها .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﴿َا؛ أنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ رَجُلَانِ) لم
يُعرفا(١). (فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ)؛ أي: لا أعلم الشيء الذي كلّماه به،
(فَأَغْضَبَاهُ) بذلك الكلام (فَلَعَنَهُمَا)؛ أي: دعا عليهما باللعنة (وَسَبَّهُمَا)؛ أي:
شتمهما، (فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَصَابَ) وفي بعض النسخ: (لَمَن
أصاب)) (مِنَ الْخَيْرِ شَيْئاً مَا) نافية، (أَصَابَهُ هَذَانٍ)؛ أي: لم يصب هذان
الرجلان من الخير شيئاً، قال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا الكلام من السهل الممتنع،
وذلك أن معناه: أن هذين الرجلين ما أصابا منك خيراً، وإن كان غيرهما قد
أصابه، لكن تنزيل هذا المعنى على أفراد ذلك الكلام فيه صعوبة، ووجه
التنزيل يتبيّن بالإعراب، وهو أن اللام في ((لمن)) هي لام الابتداء، وهي
متضمنة للقَسَم، و((مَنْ)) موصولة في موضع رَفْع بالابتداء، وَصِلتها ((أصاب))،
وعائدها المضمَر في ((أصاب))، وما بعدها متعلق به، وخبره محذوف، تقديره:
(١) (تنبيه المعلم)) ص٤٣٢.

٦٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
والله لرجلٌ أصاب منك خيراً: فائزٌ، أو ناج، ثم نَفَت عن هذين الرجلين إصابةً
ذلك الخير بقولها: ((ما أصابه هذان))، ولا يصح أن يكون ما أصابه خبراً
لـ((مَنْ)) المبتدأِ؛ لخلوّه عن عائد يعود على نفس المبتدأ، وأما الضمير في
((أصابه)) فهو للخير، لا لـ((مَن))، فتأمله يصحّ لك ما قلناه، والله تعالى أعلم.
انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو مفيد.
(قَالَ) بَِّ: ((وَمَا ذَاكِ؟))؛ أي: ما سبب قولك هذا؟ (قَالَتْ: قُلْتُ:
لَعَنْتَهُمَا)؛ أي: الرجلين، (وَسَبَيْتَهُمَا)؛ أي: فما سبب ذلك؟ (قَالَ) وَ ((أَوَ مَا
عَلِمْتٍ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟)؛ أي: ما اشترطته عليه فيما يصدر مني من
اللعن، أو نحوه، ثم بيّن تلك المشارطة بقوله: (قُلْتُ: اللَّهُمَّ)؛ أي: يا الله
(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) ذَكَرِه تمهيداً لِمَعْذرته فيما يندُر عنه - صلوات الله وسلامه عليه -
يعني: فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأغضب نادراً في بعض الأحيان بحكم
البشرية، (فَأَتُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَيْتُهُ، فَاجْعَلْهُ)؛ أي: ما ذُكر مِن اللعن، أو
السبّ (لَهُ)؛ أي: لمن لعنتُه، أو سببتُه، (زَكَاةً)؛ أي: طهارةً له من الذنوب،
ونماء وبركة في الأعمال، والأموال، (وَأَجْراً))؛ أي: ثواباً ترفع به درجاته،
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: ظاهر هذا أنه خافَ أن يصدر عنه ◌َ * في حال غضبه شيء
من تلك الأمور، فيتعلق به حقّ مسلم، فدعا الله تعالى، ورَغِب إليه في أنه إن
وقع منه شيء من ذلك لغير مستحقّ في أن لا يفعل بالمدعوّ عليه مقتضى ظاهر
ذلك الدعاء، وأن يُعَوِّضه من ذلك مغفرة الذنوبه، ورفعة في درجاته، فأجاب الله
تعالى طَلِبَةَ نبيّهِ وَسَل*، ووعده بذلك، فلزم ذلك بوعده الصدق، وقولِهِ الحقّ،
وعن هذا عبّر النبيّ وَّ بقوله: ((شارطت ربي))، و(شرط عليّ ربي))، و((اتخذت
عنده عهداً لن يُخلفنيه) لا أن الله تعالى يُشتَرط عليه شرطٌ، ولا يجب عليه
لأحد حقّ، بل ذلك كلّه بمقتضى فضْله، وكَرَمه، على حَسَب ما سبق في
علمه .
[فإنْ قيل]: فكيف يجوز أن يصدر من النبيّ وَّ لَعْنٌ، أو سبّ، أو جلدٌ
لغير مستحقّه، وهو معصوم من مثل ذلك في الغضب، والرضا؛ لأنَّ كل ذلك
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٨٣.

٦٨٩
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ، أَوْ سَبَهُ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩١)
محرّم وكبيرة، والأنبياء لّ معصومون عن الكبائر، إما بدليل العقل، أو بدليل
الإجماع، كما تقدَّم؟
[قلت]: قد أشكل هذا على العلماء، ورَامُوا التخلص من ذلك بأوجه
متعددة، أوضحها وجهٌ واحد، وهو أن النبيّ وَّ إنما يغضب لِمَا يرى من
المغضوب عليه من مخالفة الشرع، فغَضَبُه الله تعالى، لا لنفسه، فإنَّه ما كان
يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وقد قرّرنا في الأصول أن الظاهر من
غضبه 80 تحريم الفعل المغضوب من أجله، وعلى هذا فيجوز له أن يؤدّب
المخالِف له باللعن، والسبّ، والجلد، والدعاء عليه بالمكروه، وذلك
بحسب مخالفة المخالِف، غير أن ذلك المخالف قد يكون ما صدر منه
فلتة، أوْجبتها غفلة، أو غلبة نفس، أو شيطان، وله فيما بينه وبين الله تعالى
عمل خالص، وحالٌ صادق، يدفع الله عنه بسبب ذلك أثر ما صدر عن
النبيّ وَّر له من ذلك القول، أو الفعل، وعن هذا عبّر النبيّ وَّ بقوله:
(فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة، ليس لها بأهل أن تجعلها له
طهوراً، وزكاةً، وقربةً تقرّبه بها يوم القيامة))؛ أي: عَوِّضه من تلك الدعوة
بذلك، والله تعالى أعلم.
قلت(١): وقد يدخل في قوله: ((أيّما أحد من أمتي دعوت عليه)) الدعوات
الجارية على اللسان من غير قَصْد للوقوع؛ كقوله: ((تربت يمينك))، و((عقری،
حلقى))، ومن هذا النوع قوله لليتيمة: ((لا كَبِرَ سنّك))، فإنَّ هذه لم تكن عن
غضب، وهذه عادات غالبة في العرب، يَصِلُون كلامهم بهذه الدعوات،
ويجعلونها دِعَاماً لكلامهم، من غير قَصْد منهم لمعانيها، وقد قدمنا في ((كتاب
الطهارة)) في هذا كلاماً للبديع، وهو من القول البديع، وبما ذكرناه يرتفع
الإشكال، ويحصل الانفصال. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(٢)، وهو تحقيقٌ
حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(١) القائل هو القرطبيّ تَظّفُ.
(٢) ((المفهم)) ٥٨٤/٦ - ٥٨٥.

٦٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة فيها هذا من أفراد المصنّف ◌َذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٩١/٢٥ و٦٥٩٢] (٢٦٠٠)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٢٥١/٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٢١٤/١ و٢١٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٥/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧١/٦)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٨/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦١/٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن النبيّ وَ ل﴿ بشر من بني آدم، فله صفات بني آدم،
فيغضب كما يغضبون، ويأسف كما يأسفون، ولكن الله ◌ُعَلَ عصمه من الوقوع
في المعاصي، وإن وقع منه بعض ما يعاتَب عليه، فقد ينبّهه الله تعالى، فيرجع
في الحال.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلغيره من كمال الشفقة، وشدّة
الرحمة، فإذا حصل له شيء من الصفات التي لا يخلو البشر عنها، من الغضب
على بعض الناس لسوء أدبه، فسبّه، أو لعنه، أو نحو ذلك، فإنّه دعا الله تعالى
أن يجعل ذلك له زلفى إلى الله تعالى، وصلاة وزكاة، وهذا مصداق قوله ريت:
[الأنبياء: ١٠٧].
١٠٧
﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
وقال في ((الفتح)): وفي الحديث كمالُ شفقته بَّرِ على أمته، وجميل
خُلُقه، وكرم ذاته، حيث قَصَد مقابلة ما وقع منه بالجبر، والتكريم، وهذا كلّه
في حقِّ معيَّن في زمنه واضح، وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معيَّن، حتى
يتناول من لم يُدرك زمنه وَ ﴿، فما أظنه يشمله، والله أعلم. انتهى (١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: هذه الأحاديث مُبَيِّنة ما كان عليه وَّ من الشفقة على
أمته، والاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم، وهذه
الرواية المذكورة آخراً - يعني: رواية: ((وليس لها بأهل)) - تبيّن المراد بباقي
(١) ((الفتح)) ٣٩٨/١٤، كتاب ((الدعوات)) رقم (٦٣٦١).

٦٩١
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّنَِّ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩١)
الروايات المطلقة، وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمةً، وكفارةً، وزكاةً، ونحو
ذلك، إذا لم يكن أهلاً للدعاء عليه، والسبّ، واللعن، ونحوه، وكان مسلماً،
وإلا فقد دعا ◌َّي على الكفار، والمنافقين، ولم يكن ذلك لهم رحمةً.
[فإن قيل]: كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه، أو يسبه، أو
يلعنه، ونحو ذلك؟.
[فالجواب]: ما أجاب به العلماء، ومختصره وجهان:
أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى، وفي باطن الأمر،
ولكنه في الظاهر مستوجب له، فيظهر له * استحقاقه لذلك بأمارة شرعية،
ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك، وهو وَلّ مأمور بالحكم بالظاهر، والله
يتولى السرائر.
والثاني: أن ما وقع من سبّه، ودعائه، ونحوه، ليس بمقصود، بل هو
مما جرت به عادة العرب في وَصْل كلامها بلا نيّة؛ كقوله: ((تربت يمينك))،
و((عقرَى، حلقَى))، وفي هذا الحديث ((لا كَبِرت سنُّك))، وفي حديث معاوية:
((لا أشبع الله بطنه))، ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء،
فخاف ◌َ* أن يصادف شيء من ذلك ساعة إجابة، فسأل ربه ◌ُعَلّ، ورَغِب إليه
في أن يجعل ذلك رحمةً، وكفارةً، وقربةً، وطهوراً، وأجراً، وإنما كان يقع
هذا منه في النادر والشاذّ من الأزمان، ولم يكن وَّل﴿ فاحِشاً، ولا متفحشاً، ولا
لعّاناً، ولا منتقماً لنفسه، وقد سبق في هذا الحديث أنهم قالوا: ادع على
دوس، فقال: ((اللَّهُمَّ اهد دوساً))، وقال: ((اللَّهُمَّ اغفر لقومي، فإنهم لا
يعلمون))، والله أعلم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة المحمّديّة، حيث جعلها الله تعالى أمة
لهذا النبيّ الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فإذا حصل لها شيء من
التقصير حصل لها منه 38 فضل كبير، حيث يدعو عليها، فتكون تلك الدعوة لها
قربةً إلى الله تعالى، بخلاف الأمم السابقة، فإنها إذا أساءت إلى أنبيائها دعوا
عليها، فهلكت، اللَّهُمَّ لك الحمد على هذه النعماء، ولك الشكر على مزيد
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٦ - ١٥٣.

٦٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الآلاء، اللَّهُمَّ أوزعنا شكرك، وألهمنا ذِكرك، ولا تجعلنا من الغافلين، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ
خَشْرَم، جَمِيعاً عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ
حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ عِيسَى: فَخَلَوَا بِهِ، فَسَبَّهُمَا، وَلَعَنَهُمَا، وَأَخْرَجَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم
مَرْوَ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م
ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بمعجمتين، وزانُ جعفر - المروزيّ، ثقةٌ، من
صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة))
٤/ ٢٥.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل، كوفيّ،
نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٢٨/٥.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) ضمير التثنية لأبي معاوية، وعيسى بن
یونس.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها البيهقيّ كَظُّ في ((الكبرى))،
فقال :
(١٣١٦١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا:
ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة ﴿ثا، قالت: دخل على
النبيّ وَل﴿ رجلان، فأغلظ لهما، فقلت: يا رسول الله لَمَن أصاب منك خيراً،
ما أصاب منك هذان خيراً، فقال: ((وما عَلِمْتِ، ما عاهدت عليه ربي؟)) قلت:

٦٩٣
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّنَِّ، أَوْ سَهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩٣)
وما عاهدت عليه ربك؟ قال: ((قلت: اللَّهُمَّ أَيُّما مؤمن سببته، أو لعنته،
فاجعلها له مغفرةً، وعافيةً)). انتهى(١).
وأما رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، فساقها ابن راهويه في
((مسنده))، فقال:
(١٤٦١) - أخبرنا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن مسلم بن صُبيح،
عن مسروق، عن عائشة، قالت: دخل على رسول الله وَ له رجلان، فخَلَوَا به،
فسبّهما، ولعنهما، فلما خرجا من عنده، قلت: يا رسول الله لَمَنْ أصاب منك
خيراً، ما أصاب منك هذان، فقال: يا عائشة، أوَ ما عَلِمتِ ما شارطت عليه
ربي؟، إني قلت: اللَّهُمَّ إنما أنا بشر، فمن سببته، أو لعنته، فاجعلها له زكاةً،
وأجراً)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩٣] (٢٦٠١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ:
((اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ،
فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً، وَرَحْمَةً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى الأعمش،
والباقيان مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﴿ته.
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٧/ ٦١.
(٢) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٨١٩/٣.

٦٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا
بَشَرٌ) وفي رواية: «اللَّهُمَّ إني اتخذت عندك عهداً، لن تُخلفنيه، فأيما مؤمن
سببته، أو جلدته، فاجعل ذلك كفارةً له يوم القيامة))، وفي رواية: ((اللَّهُمَّ إنما
أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعله له
زكاةً، ورحمة))، وفي رواية: ((فأيّ المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته،
فاجعلها له صلاةً، وزكاةً، وقربةً تُقرّبه بها إليك يوم القيامة))، وفي رواية:
((اللَّهُمَّ إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك
عهداً ... )) الحديث، وفيه: ((فأيما مؤمن آذيته))، والباقي بمعناه بلفظ ((أو))(١).
(فَأَيُّمَا رَجُلٍ) وفي الرواية الآتية: ((فأيّ المؤمنين))، والفاء جواب الشرط
المحذوف؛ لدلالة السياق عليه؛ أي: إن كنت سببت، أو لعنت، أو جلدت،
فأيما رجل ... إلخ، وقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ((أيّما رجل))، (سَبَيْتُهُ، أَوْ
لَعَنْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً) منصوب على أنه مفعول ثان لـ((اجعل))؛ أي:
طهارةً، وقيل: نُمُوّاً في الجنة، وقيل: صلاحاً، قاله في ((العمدة)(٢).
وقال في ((المشارق)): زكاةً؛ أي: تطهيراً وكفارةً، كما قال تعالى:
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وكذلك قوله: ((أنت خير من زكّاها))؛ أي:
طهَّرها، وهو أحد معاني الزكاة للمال، أنه ظُهْرته، وقيل: ظُهرة صاحبه،
وقيل: سبب نمائه، وزيادته، والزكاة: النماء، وقيل: تزكية صاحبه، ودليل
إيمانه، وزكاتِهِ عند الله تعالى، وفي التشهد: ((الزاكيات لله))؛ أي: الأعمال
(٣)
الصالحة لله. انتهى
.
(وَرَحْمَةً))) بالنصب عطفاً على ((زكاةً)).
قال في ((العمدة)): قيل: إذا كان مستحقّاً للسبّ لم يكن قربة له.
وأجيب بأن المراد به: غير المستحقّ له، بدليل الروايات الأُخَر الدّالة
عليه كذا قاله الكرمانيّ. انتهى (٤).
(١) ملخّص من ((الفتح)) ١٤/ ٣٩٧.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٣١٠/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣١٠/٢٢.
(٤) ((عمدة القاري)) ٣١٠/٢٢.

٦٩٥
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّ ◌َهِ، أَوْ سَبُّ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩٣)
وقال المازريّ: إن قيل: كيف يدعو ◌َّ بدعوة على من ليس لها بأهل؟
قيل: المراد بقوله: ((ليس لها بأهل)) عندك في باطن أمره، لا على ما يظهر مما
يقتضيه حاله، وجنايته حين دعائي عليه، فكأنه يقول: من كان باطن أمره عندك
أنه ممن ترضى عنه، فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى
حاله حينئذ طهوراً، وزكاةً، قال: وهذا معنى صحيح، لا إحالة فيه؛ لأنه وَله
كان متعبَّداً بالظواهر، وحساب الناس في البواطن على الله تعالى. انتهى(١).
قال الحافظ: وهذا مبنيّ على قول من قال: إنه كان يجتهد في الأحكام،
ويحكم بما أدَّى إليه اجتهاده، وأما من قال: كان لا يحكم إلا بالوحي، فلا
يتأتى منه هذا الجواب(٢).
ثم قال المازريّ(٣): فإن قيل: فما معنى قوله وَله: ((وأغضب كما يغضب
البشر))؟ فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سَوْرة الغضب، لا أنها
على مقتضى الشرع، فيعود السؤال.
فالجواب: أنه يَحْتَمِل أنه أراد أنّ دَعْوته عليه، أو سبّه، أو جَلْده، كان
مما خُيِّر بين فعله له عقوبةً للجاني، أو تَرْكه والزجر له بما سوى ذلك، فيكون
الغضب لله تعالى، بَعَثَه على لَعْنه، أو جَلْده، ولا يكون ذلك خارجاً عن
شرْعه.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق، وتعليم أمته الخوف
من تعدّي حدود الله، فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على
زيادة في عقوبة الجاني، لولا الغضب ما وقعت، أو إشفاقاً من أن يكون
الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني، لولا الغضب ما زادت،
ويكون من الصغائر على قول من يُجَوِّزها، أو يكون الزجر يحصل بدونها .
ويَحْتَمِل أن يكون اللعن، والسب، يقع منه من غير قَصْد إليه، فلا يكون
في ذلك؛ كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله، وطلباً للاستجابة.
(١) ((إكمال المعلم)) ١٦٨/٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٨/١٤، كتاب ((الدعوات)) رقم (٦٣٦١).
(٣) ((إكمال المعلم)) ١٦٨/٣.

٦٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير، فقال: يَحْتَمِل أن يكون
ما ذَكَره من سبّ ودعاء غير مقصود، ولا منويّ، لكن جرى على عادة العرب
في دَعْم كلامها، وَصِلة خطابها عند الحرج، والتأكيد للعتب، لا على نية وقوع
ذلك؛ كقولهم: عَقْرَى، حَلْقَى، وتربت يمينك، فأشفق من موافقة أمثالها
القدَرَ، فعاهد ربه، ورَغِب إليه أن يجعل ذلك القول رحمةً، وقربةً انتهى.
قال الحافظ: وهذا الاحتمال حسنٌ، إلا أنه يَرِد عليه قوله: ((جلدته))،
فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه؛ إذ لا يقع الجَلْد عن غير قصد، وقد ساق
الجميع مساقاً واحداً، إلا إن حُمِل على الجلدة الواحدة، فيتجه.
ثم أبدى القاضي احتمالاً آخر، فقال: كان لا يقول، ولا يفعل ◌َّ في
حال غضبه إلا الحقّ، لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه،
وترك الإغضاء، والصفح، ويؤيِّده حديث عائشة ◌َّا: ((ما انتَقَم لنفسه قطّ، إلا
أن تُنْتَهَك حُرُمات الله))، وهو في ((الصحيح)).
قال الحافظ: فعلى هذا، فمعنى قوله: ((ليس لها بأهل))؛ أي: من جهة
تعيّن التعجيل. انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥ / ٦٥٩٣ و٦٥٩٥ و٦٥٩٦ و٦٥٩٧ و ٦٥٩٨
و٦٥٩٩ و٦٦٠٠ و٦٦٠١] (٢٦٠١)، و(البخاريّ) في ((الدعوات)) (٦٣٦١)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧١/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٠/٢ و ٤٨٨
و٤٩٦ و٤٠٠/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٤٠٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٦١/٧)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٨٩/٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩٤] (٢٦٠٢) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ: ((زَكَاةً، وَأَجْراً)).
(١) ((الفتح)) ١٧٢/١١.

٦٩٧
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَِّّنَلِ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ
[٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٢ - (جَابِرُ) بن عبد الله ﴿يَا، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في السند السابق.
[تنبيه]: حديث جابر به هذا لم يَسُق المصنّف لفظه، بل أحاله على
حديث أبي هريرة ظه، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنّقه))، فقال:
(٢٩٥٥٠) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن
جابر، عن النبيّ وَِّ قال: ((اللَّهُمَّ أيُّما مؤمن لعنته، أو سببته، أو جلدته،
فاجعلها له زكاةً، وأجراً)). انتهى(١).
وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) بسند المصنّف، إلا أنه قرنه بأبي معاوية، فقال:
(٢٢٧١) - حدّثنا ابن نُمير، حدّثنا أبو معاوية، وأبي قالا: حدّثنا
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله وَاجور: «أيُّما مؤمن
سببته، أو لعنته، فاجعلها له زكاةً، وأجراً)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ
الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ عِيسَى:
جَعَلَ: ((وَأَجْراً)) فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ: ((وَرَحْمَةً)) فِي حَدِيثٍ جَابِرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وکلهم ذُكروا قبل حدیثین.
[تنبيه]: أما حديث أبي هريرة ﴿به من رواية أبي معاوية عن الأعمش
فساقه البيهقيّ تَخُّْ في ((الكبرى))، فقال:
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٧١/٦.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٤/ ١٨٤.

٦٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(١٣١٥٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا:
ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلٍّ: «اللَّهُمَّ
أيُّما مؤمن سببته، أو جلدته، أو لعنته، فاجعلها له زكاةً، ورحمةً)). انتهى(١).
وأما حديث أبي هريرة ظُه من رواية عيسى بن يونس عن الأعمش،
فساقه الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال:
(١٥٣٢٩) - حدّثنا عليّ بن بحر، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللهِ وٍَّ: ((اللَّهُمَّ
إنما أنا بشر، فأيُّما رجل من المسلمين سببته، أو جلدته، أو لعنته، فاجعلها له
زكاةً، وأجراً)). انتهى(٢).
وأما حديث جابر ظُه من رواية أبي معاوية عن الأعمش، فساقه الإمام
أحمد تَخْذَثُ أيضاً في ((مسنده))، فقال:
(١٥٢٣٦) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن
جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((اللَّهُمَّ أيّما مؤمن سببته، أو لعنته، أو جلدته،
فاجعلها له زكاةً وأجراً)). انتهى (٣).
وأما حديث جابر ظبه من رواية عيسى بن يونس، فلم أجد من ساقه،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَِّيِّ ◌َُّ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَنَّخِذُ عِنْدَ عَهْدَاً لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ
آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ))).
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٧/ ٦١.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٠٠/٣.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٩١/٣.

٦٩٩
(٢٥) - بَابٌ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُِّ ﴿، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٩٦)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، له غرائب
[٧] قال أبو داود: كان قد نزل عَسْقلان (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ،
ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن
الحارث، ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقیان ذُكرا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ من أهلها، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه
من أصحّ أسانيد أبي هريرة ظُبه، وفيه أبو هريرة رَظُه، وقد مرّ القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ) أصله يا الله،
فعُوّضت الميم من حرف النداء، ولا يُجمع بينهما إلا نادراً، كما قال في
«الخلاصة»:
وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ(١)
(إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْداً)؛ أي: وعداً، وعَبَّر به عنه تأكيداً، وإشعاراً بأنه
من المواعيد التي لا يَتطَرَّق إليها الْخُلف؛ كالمواثيق، ولذا استعمل فيه
الْخُلف، فقال: (لَنْ تُخْلِفَنِيهِ) للمبالغة، وزيادة التأكيد، ذَكَره القاضي، وقال
الُّوربشتيّ: العهد هنا الأمان؛ أي: أسألك أماناً لن تجعله خلاف ما أرتجيه،
فوضَع الاتخاذ موضع السؤال؛ تحقيقاً للرجاء.
وقال الطيبيّ: أصله: طلبت منك حاجةً، تُسعفني إياها، ولا تخيّبني
(١) أي: في الشعر، أشار به إلى قول الشاعر:
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا

٧٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
فيها، فوقع العهد الموثَّق محلَّ الحاجة؛ مبالغةً في تحقيق قضائها، ووضع ((لن
تخلفنيه)) محل لا تُخَيبني؛ نظراً إلى أن الألوهية منافية لِخُلف الوعد(١).
وقال في ((المرعاة)): أصل الكلام: إني طلبت منك حاجةً أسعفني بها،
ولا تخيّني فيها، فوضَع العهد موضع الحاجة مبالغةً في كونها مقضيّة، ووضع
((لن تخلفنيه)) موضع ((لا تخيبني)).
وقيل: وضع العهد موضع الوعد مبالغةً، وإشعاراً بأنه وعد لا يتطرق إليه
الخُلف؛ كالعهد، ولذلك استَعْمل فيه الخُلف، لا النقض لزيادة التأكيد.
وقيل: أراد بالعهد الأمان؛ والمعنى: أسألك أماناً لن تجعله خلاف ما
أترقبه، وأرتجيه، بأن تجعل ما بدر مني مما يناسب ضَعف البشرية إلى مؤمن
أذيّة أنْحُوها نحوه، أو دعوة أدعو بها عليه، قُربة تقربه بها إليك، فإنما أنا
بشر، أتكلم في الرضا والغضب، فلا آمن أن أدعو على مسلم، فيستضر به،
وهذه الرأفة التي أكرم الله بها وجهه وَّر حتى حَظِي بها المسيء، فما ظنك
بالمحسن؟ وإنما وَضَع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقاً للرجاء، بأنه حاصل؛ إذ
كان موعوداً بإجابة الدعاء، ولهذا قال: ((لن تخلفنيه))، أَحَلَّ العهد المسؤول
محل الشيء الموعود، ثم أشار إلى أن وعْد الله لا يتأتى فيه الخُلف، فإن
الألوهية تنافيه. انتهى(٢).
(فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)؛ أي: خَلْقٌ، إنسانٌ، قَدَّمه تمهيداً لعذره؛ أي: يَصْدُر مني
ما هو من لوازم البشرية، من الغضب، ثم شَرَع يبيّن، ويفصِّل ما التمسه بقوله:
(فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية: ((فأيُّما مؤمن))، والفاء جواب شرط محذوف؛ أي:
إن كنت سببت مؤمناً، فأيما مؤمن (آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ) تعزيراً له،
(فَاجْعَلْهَا)؛ أي: الأذيّة (لَهُ)؛ أي: لذلك المؤمن الذي آذيته، (صَلَاةً)؛ أي:
رحمةً، وإكراماً، وتعطفاً (وَزَكَاةً)؛ أي: طهارةً من الذنوب، (وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا
إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ولا تعاقبه بها في العقبى، والمراد: أسألك أن تجعله
خلاف ما يُراد منه، بأن تجعل ما بدا مني تطهيراً، ورَفْعَ درجة للمقول له ذلك.
(١) ((فيض القدير)) ١٥٣/٢.
(٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٧/ ٦٨٧.