Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (٢٢) - بَابُ مُدَارَاةٍ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ - حديث رقم (٦٥٧٣) وقال ابن الأثير تَظْلَثُهُ: قد تكرر ذِكْر الفُحْش، والفاحِشة، والفواحش في الحديث، وهو كلّ ما يَشْتدّ قُبْحه من الذنوب، والمعاصي، وكثيراً ما تَرِدُ الفاحِشة بمعنى الزّنا، وكل خَصْلة قبيحة فهي فاحِشة، من الأقوال، والأفعال، ومنه الحديث: قال لعائشة: لا تقَولِي ذلك، فإن الله لا يُحِبّ الفُحْش، ولا التفَاحُش، أراد بالفُحْش: التَّعَدّي في القَول والجواب، لا الفحشَ الذي هو من قَذَع الكلام، ورَدِيئه، والتَّفَاحُش: تَفَاعُل منه، وقد يكون الفُحْش بمعنى الزيادة والكَثْرة، ومنه قول بعضهم، وقد سُئل عن دَم البراغِيث، فقال: إن لم يكن فاحشاً فلا بأس. انتهى(١). وفي رواية البخاريّ: ((اتّقاء شرّه))؛ أي: قُبح كلامه؛ لأن الرجل المذكور كان من جُفاة الأعراب. قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الشرّاح أن المعنيّ بمن تركه الناس اتّقاء فحشه: هو الرجل الداخل الذي قال فيه النبيّ وَليقول: ((بئس أخو العشيرة»، وقال القاري بعد أن ذكر المعنى الأول: وقيل: المعنى إنما ألنت له القول؛ لأني لو قلت له في حضوره ما قلته في غيبته لتركني اتّقاء فُحْشي، فأكون أشرّ الناس. انتهى (٢). قال الجامع: وهذا المعنى الثاني عندي هو الأقرب، والأظهر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: في هذا الحديث إشارة إلى أن عيينة المذكور خُتم له بسوء؛ لأن النبيّ وَّ﴿ اتقى فُحشه، وشَرّه، وأخبر أن من يكون كذلك يكون شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة. وتعقّبه الحافظ - وأجاد في ذلك - فقال: ولا يخفى ضَعف هذا الاستدلال، فإن الحديث ورد بلفظ العموم، فمن اتصف بالصفة المذكورة فهو الذي يتوجه عليه الوعيد، وشَرْط ذلك أن يموت على ذلك، ومن أين له أن عيينة مات على ذلك؟ واللفظ المذكور يَحْتَمِل لأن يقيّد بتلك الحالة التي قيل فيها ذلك، وما المانع أن يكون تاب وأناب؟ وقد كان عيينة ارتدّ في زمن (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٧٩٠/٣. (٢) ((المرقاة)) ٥٧٤/٨. ٦٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أبي بكر ◌َالله، وحارب، ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رظُه، وله مع عمر قصةٌ(١)، وفيها ما يدلّ على جفائه. والحديث الذي فيه أنه ((أحمق مطاع)) أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعيّ قال: ((جاء عيينة بن حصن إلى النبيّ وَل، وعنده عائشة، فقال: من هذه؟ قال: أم المؤمنين، قال: ألا أنزل لك عن أجمل منها؟ فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ قال: هذا أحمق مطاع))(٢). ووصله الطبرانيّ من حديث جرير، وزاد فيه: ((اخرج، فاستأذن، قال: إنها يمين عليّ أن لا أستأذن على مضريّ))، وعلى تقدير أن يُسَلَّم له ذلك، وللقاضي قبله في عيينة، لا يُسَلّم له ذلك في مخرمة بن نوفل. انتهى (١). (١) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في ((التفسير))، فقال: (٤٣٦٦) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس ثها قال: قَدِم عيينة بن حصن بن حُذيفة، فنزل على ابن أخيه الْحُرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر، ومشاورته، كهولاً كانوا، أو شُبّاناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحرّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلما دخل عليه، قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هَمّ به، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه وَّةٍ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، (١٩٩) وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ ( والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب الله. انتهى. (٢) وقال أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) ٣/ ١٢٥٠: وفي غير هذه الرواية في هذا الخبر أنه دخل على رسول الله وَ﴿ بغير إذن، فقال له رسول الله ويلقى: ((وأين الإذن؟)) فقال: ما استأذنت على أحد من مضر، وكانت عائشة مع النبيّ وَل جالسةً، فقال: من هذه الحميراء؟ فقال: ((أم المؤمنين)) قال: أفلا أنزل لك عن أجمل منها؟ فقالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذا أحمق مطاع، وهو على ما تَرَيْن سيّد قومه)). انتهى. (٣) ((الفتح)) ١٣/ ٥٨٢. ٦٤٣ (٢٢) - بَابُ مُدَارَاةٍ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ - حديث رقم (٦٥٧٣) والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧٣/٢٢ و٦٥٧٤] (٢٥٩١)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠٣٢ و٦٠٥٤ و٦١٣١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٧٩١)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (١٩٩٦)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠١٤٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨/٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٥٣٨)، و(الحاكم) في ((معرفة علوم الحديث)) (١٦٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٥/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٦٣)، و(الخطيب البغداديّ) في ((الأسماء المبهمة)) (ص٣٧٢) و((الكفاية)) (ص٣٨ - ٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز مداراة من يُتَّقَى فحشه، قال البخاريّ تَظُّ في (صحيحه): (باب المداراة مع الناس))، قال في ((الفتح)): المداراة بغير همز، وأصله الهمز؛ لأنه من الدرء، وهو المدافعة، والمراد به: الدفع برفق، وأشار البخاريّ بالترجمة إلى ما ورد فيه على غير شرطه، فقد ورد فيه حديث جابر ظُه، عن النبيّ وَّر قال: ((مداراة الناس صدقة))، أخرجه ابن عديّ، والطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم في ((آداب الحكماء)) بسند أحسن منه، وحديث أبي هريرة به: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس))، أخرجه البزار بسند ضعيف. انتهى(١). قال ابن بطال كَّلُهُ: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولِيْن الكلمة، وتَرْك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب (١) ((الفتح)) ٧٠٢/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٣١). ٦٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب الأُلفة، وظَنّ بعضهم أن المداراة هي المداهنة، فغَلِط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرّمة، والفرق أن المداهنة من الدِّهَان، وهو الذي يظهر على الشيء، ويستر باطنه، وفسَّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألّفه، ونحو ذلك. انتھی(١). ٢ - (ومنها): بيان جواز غيبة الفاسق المعلن بفسقه، ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه، قال البخاريّ ◌َُّ في ((صحيحه)): ((باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب))، ثم أورد حديث عائشة ﴿ّا المذكور في الباب مستدلاً على الترجمة، قال في ((الفتح)): وقد نوزع في كون ما وقع من ذلك غيبةً، وإنما هو نصيحةٌ؛ لِيَحْذَر السامع، وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك؛ لِحُسْن خُلُقِهِ وََّ، ولو واجه المقول فيه بذلك، لكان حسناً، ولكن حصل القصد بدون مواجهة، والجواب أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه، وإن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعاً، وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أوّلاً هو اللغويّ، وإذا استُثني منه ما ذُكر كان ذلك تعريفها الشرعيّ. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): هذا الحديث أصل في المداراة، وفي جواز غيبة أهل الكفر، والفسق، والظلمة، وأهل الفساد. انتهى. وقال في ((الفتح)): ويُستنبط منه أن المجاهر بالفسق والشرّ، لا يكون ما يُذكر عنه من ذلك من ورائه من الغيبة المذمومة، قال العلماء: تباح الغيبة في كل غَرَض صحيح شرعاً، حيث يتعيّن طريقاً إلى الوصول إليه بها؛ كالتظلم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، والمحاكمة، والتحذير من الشرّ، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود، وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده، وجواب الاستشارة في نكاح، أو عَقْد من العقود، وكذا من رأى (١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٣٠٥/٩. (٢) ((الفتح)) ٦٠٩/١٣. ٦٤٥ (٢٢) - بَابُ مُدَارَاةٍ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ - حديث رقم (٦٥٧٣) متفقهاً يتردد إلى مبتدع، أو فاسق، ويخاف عليه الاقتداء به، وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق، أو الظلم، أو البدعة. انتهى(١). ٣ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ كَثِّثُهُ: جَمَع هذا الحديث علماً وأدباً، وليس في قول النبيّ وَّسير في أمته بالأمور التي يسميهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه أن يبيّن ذلك، ويفصح به، ويعرّف الناس أمره، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمة، ولكنه لِمَا جُبل عليه من الكرم، وأُعطيه من حُسن الخُلُق، أظهر له البشاشة، ولم يجبهه بالمكروه؛ لتقتدي به أمته في اتقاء شرّ مَن هذا سبيله، وفي مداراته؛ لِيَسْلَموا من شرّه وغائلته. وتعقّبه الحافظ، فقال: وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملة الخصائص، وليس كذلك، بل كلُّ من اطّلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره يغترّ بجميل ظاهره، فيقع في محذورٍ مّا، فعليه أن يُطلعه على ما يحذر من ذلك؛ قاصداً نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختصّ به النبيّ وَّر أن يُكشف له عن حال من يغترّ بشخص من غير أن يُطلعه المغترّ على حاله، فيذم الشخص بحضرته؛ ليتجنبه المغترّ؛ ليكون نصيحةً، بخلاف غير النبيّ وَّ، فإن جواز ذمّه للشخص يتوقف على تحقّق الأمر بالقول، أو الفعل، ممن يريد نُصحه. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو الفحش، ونحو ذلك من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم اتقاء شرّهم، ما لم يؤدّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى، ثم قال تبعاً لعياض: والفرق بين المدارة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معاً، وهي مباحة، وربما استُحِبّت، والمداهنة: تَرْك الدِّين لصلاح الدنيا، والنبيّ وَل﴿ إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته، والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فِعله، فإن قوله فيه قولٌ حقّ، وفِعله معه حسنُ عِشْرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى. وقال عياض: لم يكن عُيينة - والله أعلم - حينئذ أسلم، فلم يكن القول (١) ((الفتح)) ٦١٠/١٣. ٦٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب فيه غيبةً، أو كان أسلم، ولم يكن إسلامه ناصحاً، فأراد النبيّ وَّر أن يبيّن ذلك؛ لئلا يغترّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبيّ وَّ وبعده أمور، تدلّ على ضَعف إيمانه، فيكون ما وصفه به النبيّ بَّر من جملة علامات النبوة، وأما إلانة القول له بعد أن دخل، فعلى سبيل التألّف له، ذكره في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، فِيَّ هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((بِثْسَ أَخُو الْقَوْمِ، وَابْنُ الْعَشِيرَةِ(٢))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب، غير ((عبد بن حميد)) فتقدّم قبل ثلاثة عشر باباً . [تنبيه]: رواية معمر عن ابن المنكدر هذه ساقها عبد بن حميد نَظّتُهُ في («مسنده))، فقال: (١٥١١) - أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، أتى رجل، فاستأذن على النبيّ وَّ، فقال النبيّ ◌َّر: ((بئس أخو القوم، وابن العشيرة هذا))، فلما دخل أقبل عليه بوجهه، وحدّثه، فلما خرج، قالت عائشة: يا رسول الله، قلتَ فيه ما قلتَ، ثم أقبلت عليه بوجهك، وحديثك، فقال: ((إن من شرّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة رجل اتّقاه الناس لشرّه - أو قال -: لِفُحشه))(٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١) ((الفتح)) ٥٨٠/١٣ - ٥٨١، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٢). (٢) وفي نسخة: ((أو ابن العشيرة)). (٣) ((مسند عبد بن حميد)) ١/ ٤٣٧. ٦٤٧ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرِّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٥) (٢٣) - (بَابُ فَضْلِ الرِّفْقِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٥] (٢٥٩٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَِّّ ◌َّهِ قَالَ: (مَنْ يُحْرَعِ الرَّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً. ٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام الناقد البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمِر، أبو عتّاب الكوفيّ الثبت الحجة، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ) السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٣٤/١٩. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ(١)) الْعَبْسيّ - بالموحّدة - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدم في ((الزكاة)) ٢٢٩٨/٨. ٧ - (جَرِيرُ) بن عبد الله بن جابر الْبَجَليّ الصحابيّ المشهور، مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٧/٢٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف تَظُّ، وأنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والباقيان بصريّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وعلى من قال: إن منصوراً تابعيّ صغير، (١) وقع في نسخ ((التقريب)): ((ابن أبي هلال))، وهو غلط، والصواب ما هنا: ((ابن هلال))، فتنبه. ٦٤٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ففيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه من فضلاء الصحابة ، وفي (الصحيحين)) عنه قال: ((ما حجبني رسول الله صل﴾ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم))، وسمّاه عمر ظه: يوسف الأمة؛ لجماله، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ قَالَ: (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، (يُحْرَمِ) بالبناء للمفعول، وجزمه، على الشرطيّة، ويَحْتَمِل الرفع على أن ((من)) موصولةَ، وقوله: (الرِّفْقَ) منصوب على أنه مفعول ثان، والرفق بكسر الراء، وسكون الفاء، بعدها قاف: هو لِيْن الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العُنْف، قاله في ((الفتح)) (١). وقال القاري: الرفق بالكسر: ضدّ العُنف، وهو المداراة مع الرفقاء، ولِيْن الجانب، واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه، وأيسرها. انتهى(٢). وقوله: (يُحْرَمِ الْخَيْرَ) بالجزم، لكنه مكسور للالتقاء الساكنين، وهو جواب ((من)) على أنَها شرطيّة، وخبرها على أنها موصولة، والمعنى: أن من يَصِر محروماً من الرفق يُحْرَم الخير كله، ففيه فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف وإن الرفق سبب كل خير(٣). وقال في ((المبارق)): ((يُحرم)) من الحرمان، وهو متعدّ إلى مفعولين، أحدهما الضمير النائب عن الفاعل، والثاني ((الرفق)) في الأول، و((الخير)) في الثاني، واللام في ((الرفق)) للحقيقة، وهو ضدّ العنف؛ أي: من يُحرم الرفق صار محروماً من الخير، واللام فيه للعهد الذهنيّ، وهو الخير الحاصل من الرفق. انتهى. وقال القاضي: يدلّ أن الرفق خير كلّه، وسبب كلّ خير، وجالب كلّ نفع، وضدّه الخَرْق، والاستعجال، والعُنف، وهو مفسد للأعمال، وموجب (١) ((الفتح)) ٤٤٩/١٠. (٢) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/ ٣٧٣. (٣) ((الفتح)) ٤٤٩/١٠. ٦٤٩ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرَّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٦) لسوء الأحوال، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال القرطبيّ: معناه: من يُحرم الرفق يفضي به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة. انتهى، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله نظراته هذا من أفراد المصنّف رَخْذُلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧٥/٢٣ و٦٥٧٦ و٦٥٧٧] (٢٥٩٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٤٦٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٠٩)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٦٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥١٠/٨ و٥١١ و٥١٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٦٦/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٤٥٤ و٢٤٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٤٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/١٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُوَ سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِي: ابْنَ غِيَاتٍ - كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالِ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيراً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ يُحْرَعِ الرَّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ)). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عُمر الكوفيّ، ٦٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب القاضي، ثقة فقيه، تغيَّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وقبل خمسة أبواب، و((أبو سعيد الأشجّ)) هو: عبد الله بن سعيد الكِنْديّ الكوفيّ، و((أبو كُريب)) هو: محمد بن العلاء، و((إسحاق)) هو: ابن راهويه، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد. [تنبيه]: رواية وكيع عن الأعمش ساقها ابن ماجه تَظُّهُ في ((سننه))، فقال : (٣٦٨٧) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير بن عبد الله البجليّ، قال: قال رسول الله وَّل: ((من يُحْرَم الرفق يحرم الخير)). انتهى(١). وأما رواية أبي معاوية عن الأعمش، فساقها البيهقيّ ◌َُّهُ في ((الكبرى))، فقال : (٢٠٥٨) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله : ((من يُحرم الرفق يُحرم الخير)). انتهى(٢). وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، فساقها الطبرانيّ تَّتُهُ في ((الكبير))، فقال: (٢٤٥٢) - حدّثنا الحسين بن إسحاق التستريّ، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((من يُحرم الرفق، يُحرم الخير)). انتهى(٣). وأما رواية حفص بن غياث عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فلْيُنظَر، والله تعالى أعلم. (١) ((سنن ابن ماجه)) ١٢١٦/٢. (٣) ((المعجم الكبير)) ٢/ ٣٤٧. (٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٩٣/١٠ ٦٥١ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرَّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٧ - ٦٥٧٨) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِیَادٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ، أَوْ مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِبَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقة [٨] (ت١٧٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) راشد السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت٢ (م د س) تقدم في (الزكاة)) ٢٢٩٨/٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَوْ مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال: ((من حُرم)) بصيغة الماضي، أو قال: ((من يُحرَم)) بصيغة المضارع، والشكّ من محمد بن أبي إسماعيل، أو مَن دونه. والحديث من أفراد المصنّف دَخَُّ، وقد مضى تمام البحث فيه قبله. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٨] (٢٥٩٣) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ - يَعْنِي: بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَ، أَنَّ رَسُوَّلَ اللهِ لِ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ، يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرَّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْتَى التُّجِبِيُّ) المصريّ، تقدّم قريباً. ٦٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم، أبو محمد المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. ٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْم) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجاريّ - بالنون والجيم - المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يُكْنَى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في (الإيمان)) ٤٢٢/٨٠. ٦ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سَعْد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، أكثرت عن عائشة ﴿ّا، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ُها، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وأنه مسلسل بالمصريين إلى حيوة، والباقون مدنيّون، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه عائشة يقا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َِّا (زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ) بالجر على البدليّة، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ)؛ أي: لطيف بعباده، يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، فيكلفَهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم، ويلطف بهم، قيل: لا يجوز إطلاق الرفيق على الله تعالى اسماً؛ لأن أسماءه تعالى إنما تثبت بالتواتر، ولم يُستعمل هنا على قصد التسمية، وإنما أخبر به عنه تمهيداً للحكم الذي بعده، لكن قال النوويّ: الأصح جواز تسميته تعالى رفيقاً وغيره مما يثبت بخبر الواحد. انتهى (١). (١) ((شرح الزرقانيّ)) ٥٠٤/٤. ٦٥٣ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرَّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٨) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ تَخْلُ من جواز تسميته تعالى بما ثبت في خبر الآحاد هو الحقّ؛ فإن خبر الآحاد تثبت به الأحكام الشرعيّة، سواء كان في باب العقائد، أو العبادات، أو المعاملات، واشتراط كون الأخبار متواترة في باب العقائد مذهب الطوائف الزائغة، فتبصّر لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((إن الله رفيق يحب الرفق))؛ أي: يأمر به، ويحضّ عليه، وقد تقدّم أن حبّ الله للطاعة شَرْعه لها، وترغيبه فيها، وحبّ الله لمن أحبه من عباده: إکرامه له. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الردّ على القرطبيّ وغيره في تأويلهم صفة المحبّة بالإكرام ونحوه، فالحقّ أن صفة المحبّة ثابتة لله تعالى على ظاهرها، كما يليق بجلاله، فتنبه فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى أعلم. (يُحِبُّ الرِّفْقَ) بالكسر: لِيْن الجانب بالقول والفعل، والأخذ بأيسر الوجوه، وأحسنها؛ أي: يحب أن يَرْفُق بعضكم ببعض، وقال الباجيّ: يريد ما يحاوله الإنسان من أمر دينه، ودنياه(١). (وَيُعْطِي عَلَى الرَّفْقِ) في الدنيا من الثناء الجميل، ونيل المطالب، وتسهيل المقاصد، وفي العقبى من الثواب الجزيل، (مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ) بتثليث العين، وضمّها أشهر، وبسكون النون: الشدة، والمشقة، فكل ما في الرفق من الخير، ففي العنف من الشر مثله، ونبّه به على وطاءة الأخلاق، وحسن المعاملة، وكمال المجاملة، وفيه إيذان بأن الرفق أنجح الأسباب، وأنفعها بأسرارها، ووَصَفَ الله ◌َ﴿ بالرفق إرشاداً وحَثّاً لنا على تحري الرفق في كل أمر (٢)، وقوله: (وَمَا لَا يُعْطِي)؛ أي: ويُعطي الذي لا يعطيه (عَلَى مَا)؛ أي: على الخُلق الذي هو (سِوَاهُ))؛ أي: غير الرفق، ففيه تعميم بعد التخصيص، وقال القاري: قوله: ((على ما سواه))؛ أي: سوى الرفق، وهو العنف، ففي الكلام زيادة مبالغة وتأكيد للحكم، والأظهر أن التقدير: ما سوى الرفق، من الخصال الحسنة. (١) ((شرح الزرقانيّ)) ٥٠٤/٤. (٢) ((فيض القدير)) ٢٣٧/٢. ٦٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وإنما ذكر قوله: ((وما لا يعطي على ما سواه)) بعد قوله: ((ما لا يعطي على العنف))؛ ليدلّ على أن الرفق أنجح الأسباب كلها، وأنفعها بأسرها، قال الطيبيّ: وفي معناه قول الشاعر [من الكامل]: هَيْهَاتَ أَنْتَ بِبَاطِلِ مَشْغُوفُ يَا طَالِبَ الرِّزْقِ الْهَنِيِّ بِقُوَّةٍ وَرَعَى الذُّبَابُ الشَّهْدَ وَهْوَ ضَعِيفُ أَكَلَ الْعُقَابُ بِقُوَّةٍ جِيَفَ الْفَلَا والمعنى: ينبغي للمرء أن لا يحرص في رزقه، بل يَكِل أمره إلى الله تعالى الذي تولى القسمة في خَلْقه، فالنَّسْر يأكل الجيفة بعنفه، والنحل يرعى العسل برفقه. قال التوربشتيّ: فإن قيل: فما معنى قوله ◌َّ﴾: ((أنت رفيق، والله الطبيب))(١)؟ . قلنا: الطيب الحاذق بالشيء الموصوف، ولم يُرد بهذا القول نفي هذا الاسم عمن يتعاطى ذلك، وإنما حوّل المعنى من الطبيعة إلى الشريعة، وبيّن لهم أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله، والمنّان به على عباده، وهذا كقوله: ((فإن الله هو الدهر)»، وليس الطبيب بموجود في أسماء الله سبحانه، ولا الرفيق، فلا يجوز أن يقال في الدعاء: يا طبيب، ولا يا رفيق. انتهى. وفيه إيماء إلى أنه يجوز أن يقال: هو الطبيب، وهو رفيق على منوال ما ورد، وأما قوله ﴿ في آخر كلامه عند خروجه من الدنيا: ((الرفيق الأعلى)) فيَحْتَمِل أن يراد به الله، وأن يراد به الملأ الأعلى، فمع الاحتمال لا يصحّ الاستدلال. انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن ما ثبت في الحديث الصحيح من (١) أشار به إلى ما أخرجه الحميديّ في ((مسنده)) ٣٨٢/٢ بسند جيّد عن إياد بن لقيط، عن أبي رِمْثة السلميّ قال: دخلت مع أبي على رسول الله وَله، فرأى أبي الذي بظهره، فقال: دعني أُعالج الذي بظهرك، فإني طبيب، فقال: ((إنك رفيق، والله الطبيب ... )) الحديث. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٧٩٧/٨ - ٧٩٨. ٦٥٥ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرِّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٨) تسمية الله تعالى به، جائز الاستعمال، مثل قوله: ((رفيق)) فنفي التوربشتي الجواز غير مقبول، فتبصّر بالإنصاف. وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله وَتليفون: ((ما لا يعطي على العنف)) العنف بضم العين، وفتحها، وكسرها، حكاهن القاضي وغيره، والضم أفصح، وأشهر، وهو ضد الرفق، ومعنى ((يعطي على الرفق))؛ أي: يثيب عليه ما لا يثيب على غيره، وقال القاضي: معناه: يتأتى به من الأغراض، ويسهل من المطالب ما لا يتأتى بغيره. وقال القاضي عياض في ((المشارق)): الرفق في صفات الله تعالى وأسمائه بمعنى اللطيف الذي في القرآن، والرفق واللطف: المبالغة في البرّ على أحسن وجوهه، وكذلك في كل شيء، والرفق في كل أمر: أخذه بأحسن وجوهه، وأقربها، وهو ضد العنف. انتهى (١). وقال القرطبيّ ◌َّلهُ: قوله: ((ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف)) معناه: أن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل، ما لا يعطي على العنف الجائز، وبيان هذا بأن يكون أمرٌ مّا من الأمور سَوَّغ الشرع أن يُتوصّل إليه بالرفق، وبالعنف، فسلوك طريق الرّفق أَولى؛ لِمَا يحصل عليه من الثناء على فاعله بحُسن الخلق، ولِمَا يترتّب عليه من حُسن الأعمال، وكمال منفعتها، ولهذا أشار ◌َ لقه بقوله: ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه))، وضدّه الخرق، والاستعجال، وهو مفسد للأعمال، وموجب لسوء الأحدوثة، وهو المعبّر عنه بقوله: ((ولا نُزع من شيء إلا شانه))؛ أي: عابه، وكان له شيئاً، وأما الخرق والعنف فمفوِّتان مصالح الدنيا، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة، ولذلك قال ◌َله: ((من يُحرم الرفق يُحرم الخير))؛ أي: يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف تَذّلهُ. (١) ((مشارق الأنوار)) ٢٩٦/١. (٢) ((المفهم)) ٥٧٨/٦. ٦٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧٨/٢٣] (٢٥٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٢٦٢/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٩٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٤٣/٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الرفق، والحثّ على التخلق، وذمّ العنف، والرفق سبب کلی خیر. وقال وليّ الدين تَّتُهُ: فيه الحثّ على الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس ما لم تَدْع حاجة إلى المخاشنة. ٢ - (ومنها): بيان عظيم خُلُق النبيّ وَ ﴿، وكمال حِلمه، وذلك أن سبب هذا الحديث أن قوماً من اليهود دخلوا على النبيّ وَّ، فقالوا: السام عليك، فسمعت عائشة رضيها ذلك منهم، فقالت: بل عليكم السام، واللعنة، فقال: ((يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ... )) الحديث. ٣ - (ومنها): بيان تسمية الله رَمَك، ووَصْفه بالرفيق، قال القرطبيّ ◌َظَّهُ: قد تقرّر في غير موضع: أن العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى، هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمّى إلا بما سمّى به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ◌َ، أو بإجماع عليه؟، أو الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسم حسنٍ، إلا أن يمنع منه مانع شرعيّ؟ الأول لأبي الحسن الأشعريّ، والثاني للقاضي أبي بكر، ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية الأعراف: ١٨٠] للجنس، أو للعهد؟ ثم إذا تنزّلنا على رأي الشيخ أبي الحسن، هل نقتبس أسماءه تعالى من أخبار الآحاد، أو لا؟ اختَلَف المتأخرون من الأشعرية، في ذلك على قولين، والصحيح قبول أخبار الآحاد في ذلك؛ لأنَّ إطلاق الأسماء على الله تعالى حكم شرعيّ عمليّ، فيُكْتَفى فيه بخبر الواحد، والظواهر؛ كسائر الأحكام العملية. فأما معنى الاسم، فإن شَهِد باتصاف الحقّ به قاطعٌ عقليّ، أو سمعيّ وجب قبوله، وعلمه، وإلا لم يَجِب. ٦٥٧ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرَّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٨) ثم هل يُكتفى في كون الكلمة اسماً من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار، ولا كثرة، أم لا بُدّ منهما؟ فيه رأيان، وقد سبق القول في ذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ثبوت الأسماء والصفات الله تعالى بأخبار الآحاد، كما يأتي تحقيقه، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق. وقال المازريّ: لا يوصف الله ◌ُعَلَ إلا بما سمى به نفسه، أو سمّاه به رسول الله ◌َ﴿، أو أجمعت الأمة عليه، وأما ما لم يَرِدْ إذن في إطلاقه، ولا وَرَدَ مَنْع في وصْف الله تعالى به، ففيه خلاف، منهم من قال: يبقى على ما كان قبل ورود الشرع، فلا يوصف بحِلّ، ولا حرمة، ومنهم من مَنَعه، قال: وللأصوليين المتأخرين خلاف في تسمية الله تعالى بما ثبت عن النبيّ وَطلقه بخبر الآحاد، فقال بعض حُذّاق الأشعرية: يجوز؛ لأن خبر الواحد عنده يقتضي العمل، وهذا عنده من باب العمليات، لكنه يمنع إثبات أسمائه تعالى بالأقيسة الشرعية، وإن كانت يُعمل بها في المسائل الفقهية، وقال بعض متأخريهم: يُمنع ذلك، فمن أجاز ذلك فَهِمَ من مسالك الصحابة ﴿ه قبولَهم ذلك في مثل هذا، ومن مَنَع، ولم يسلّم ذلك، ولم يثبت عنده إجماع فيه، فبقي على المنع، قال المازريّ: فإطلاق ((رفيق)) إن لم يثبت بغير هذا الحديث الآحاد جرى في جواز استعماله الخلاف الذي ذكرنا، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ((رفيق)) صفة فعل، وهي ما يخلقه الله تعالى من الرفق لعباده. انتهى كلام المازريّ. قال النوويّ بعد نقل كلام المازريّ هذا: والصحيح جواز تسمية الله تعالى رفيقاً وغيره مما ثبت بخبر الواحد، وقد قدمنا هذا واضحاً في ((كتاب الإيمان)) في حديث: ((إنّ الله جميل يحب الجمال) في ((باب تحريم الكبر))، وذَكَرنا أنه اختيار إمام الحرمين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ كَُّ من ثبوت تسمية الله تعالى بخبر الواحد هو الحقّ الذي تؤيّده النصوص، وهذه المسألة قد استوفيت بحثها في ((كتاب الإيمان)) عند شرح حديث عبد الله بن مسعود (١) ((المفهم)) ٥٧٦/٦. ٦٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب برقم [٢٧٢/٤١] (٩١): ((إن الله جميل يحبّ الجمال ... )) الحديث(١)، وقلت: الحقّ جواز تسمية الله تعالى ووَصْفه بما ورد في أخبار الآحاد، مثل هذا الحديث، وأن أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة عن النبيّ وَلقر مما يوجب العلم والعمل معاً، والقول بأنه لا يوجب العلم، واشتراط التواتر في باب العقائد قول باطلٌ، وإن كثر به القائلون من المتكلّمين، وممن سار على دربهم، وقد حقّقت ذلك في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، حيث قلت: بَابِ الْعَقَائِدِ بِهِ فَهْوَ يَفِي قَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ أَنْ يُخْتَجَّ فِي كِلَيْهِمَا تَعُمُّ خُذْهُ مَنْهَجَا بَابِ الْعَقَائِدِ فَسَادُهُ وَفِي بِهَا الْعَقَائِدُ ثُبُوتُهَا يَضِحْ عَلَى قَبُولِهَا وَنِعْمَ الْمُتَّبَعْ أَحْدَثَهُ أُولُو اتِّجَاهٍ فَاسِدٍ مَنْ بَعْدُ مِنْ ذَوِي الْعُلُومِ الْفُضَلَا أَهْلِ الْهَوَى وَالْمَذْهَبِ الْمَنْخُوسِ مِنْ دُونٍ فَرْقٍ لِذَوِي الأَلْبَابِ وَغَيْرِهِ لَدَى ثُبُوتِ الْفَتْوَى زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ قَدْ رَأَوْا وُجُوبٍ أَخْذِنَا سَوَاءٌ عَامَةُ(٢) وَمَا عَنِ الْبَعْضِ أَتَى أَنْ قَدْ عَزَفْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ وَصَلَا قَامَ لَدَيْهِمُ فَعَنْهُ أَعْرَضُوا لِمُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ يَقَرّْ وَبَاطِلٌ يُرَدُّ أَمَّا الأَوَّلُ سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ كُلِّ عُلِمَا كَبَابِ الأحْكَامِ لأَنَّ الْحُجَجَا ثُمَّتَ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي إِذْ فِيهِ إِبْطَالُ أَحَادِيثَ تَصِحْ وَأَجْمَعَ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَالتَّبَعْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْعَقَائِدِ فَلَيْسَ يُعْرَفُ عَنِ الَصَّحْبِ وَلَا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ رُؤُوسِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ بَابٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ الْبَلْوَى وَبَيْنَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ أَوْ خَالَفَ الْقِيَاسَ إِذْ أَدِلَّةُ هَذَا الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ مَنْ سَلَفْ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أُوِّلَ عَلَى عَنْ غَيْرٍ مَؤْثُوقٍ أَوِ الْمُعَارِضُ ثُمَّ اعْلَمَنْ بِأَنَّ تَقْسِیمَ الْخَبَرْ فِيهِ اعْتِبَارَانِ صَحِيحٌ يُقْبَلُ تَقْسِيمُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَمَا (١) راجع: ((البحر المحيط)) ١٠٢/٣ - ١١٨. (٢) بتخفيف ميم ((عامة)) للوزن. ٦٥٩ (٢٣) - بَابُ فَضْلِ الرَّفْقِ - حديث رقم (٦٥٧٩) وَالثَّانِ تَقْسِيمُهُ(١) مِنْ حَيْثُ الْعَمَلْ فَمَنْ يَقُلْ نَقْبَلُ مَا تَوَاتَرَا إِذِ الْقَبُولُ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَقَدْ جَرَى بِذَاكَ إِجْمَاعُ السَّلَفْ ثُمَّ الَّذِي بِهِ وُجُوبُ الْعَمَلِ فَالاحْتِجَاجُ بِالضَّعِيفِ مُظْلَقَاً وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ مَا صَحَّ وَذَا مُتَّصِلُ الإِسْنَادِ دُونَ عِلَّةٍ وَالاخْتِجَاجِ فَهْوَ تَقْسِيمٌ بَطَلْ لَا خَبَرَ الْوَاحِدِ عُمْداً افْتَرَى لِكِلَي الْقِسْمَيْنِ دُونَ فَحْصٍ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ سِوَى مَنِ انْحَرَفْ هُوَ الَّذِي صَحَّ وَإِلَّا فَاحْظُلٍ غَيْرُ مُسَوَغْ فَكُنْ مُحَفِّقَا رَوَاهُ عَدْلٌ ضَّابِطٌ يَا حَبَّذَا فَذَا هُوَ الْحُجَّةُ دُونَ مِرْيَةٍ (٢) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٩] (٢٥٩٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمِقْدَامِ - وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِيٍّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْج الَّبِيِّ وَِّ، عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ الْعَنْبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (شُعْبَةُ) بنُ الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِيٍ) الحارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٦/١٥. ٥ - (أَبُوهٌ) شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الصائديّ، أبو المقدام الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٦/١٥. و((عائشة من)) ذُكرت قبله. (١) بترك الوصل للوزن. (٢) راجع: ((التحفة المرضيّة)) ص ٥٥ - ٥٧. ٦٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف نَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين، غير عائشة ينا، فمدنيّة، وفيه رواية الابن عن أبيه في موضعین، وفيه عائشة شرح الحديث: (زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهَ) بالجر على البدليّة، (عَنِ النَّبِيِّ وََّ)؛ (عَنْ عَائِشَةَ) أنه (قَالَ: إِنَّ الرَّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ) من الذوات، أو الأعراض، (إِلَّا زَانَهُ)؛ أي: جعل فيه الزَّين، وهو نقيض الشَّيْن، قال الطيبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((يكون)) يَحْتَمِل أن تكون تامّةً، و((في شيء)) متعلق بها، وأن تكون ناقصة، و((في شيء)) خبرها، فالاستثناء مُفَرَّغ من أعمّ وصف الشيء؛ أي: لا يكون الرفق مستقرّاً في شيء يتّصف بوصف من الأوصاف، إلا بصفة الزينة، والشيء عامّ في الأعراض، والذوات. انتهى(١). وقد بيّن في الرواية التالية سبب قوله وسلّ لها ذلك، فقال: («ركبت عائشة بعيراً، فكانت فيه صعوبة، فجعلت تردّده، فقال لها رسول الله وَالله: عليكِ بالرفق ... )) الحديث، وفي رواية البيهقيّ: عن عائشة ﴿ّ أنها كانت على جَمَل، فجعلت تضربه، فقال النبيّ بَّر: ((يا عائشة عليك بالرفق، فإنه لم يكن في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه)). (وَلَا يُنْزَعُ) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يُفقَد، ولا يُعْدَم (مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ))) من باب باع؛ أي: عابه، وتنقّصه، والشَّين خلاف الزَّيْن، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف تخذلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٧٩/٢٣ و٦٥٨٠] (٢٥٩٤)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٤٦٩ و٤٧٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٤٧٨) و((الأدب)) (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٣٠/١٠.