Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(١٧) - بَابُ تَرَاحُمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَاطُقِهِمْ، وَتَعَاضُدِهِمْ - حديث رقم (٦٥٦٢)
٣ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله بن المبارك المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت١٨١) وله ثلاث
وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أُسامة.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّفِ دَّثُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا ابن
المبارك، فمروزيّ، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ بُرَيْدٍ) بصيغة تصغير، ابن عبد الله، وكنيته أبو بردة؛ كجدّه، (عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ) اسمه كنيته، وقيل: عامر، وقيل: الحارث، وفي رواية البخاريّ من
طريق الثوريّ: ((عن أبي بردة بُريد بن أبي بُردة، قال: أخبرني جدّي أبو بُردة
عن أبيه)) وفي رواية النسائيّ، من طريق يحيى القطّان: ((حدّثنا سفيان، حدّثني
أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة))، فذكره. (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس
الأشعريّ ◌َُّبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ) اللام
فيه للجنس، والمراد: بعض المؤمنين للبعض كالبنيان؛ أي: الحائط لا يتقوى
في أمر دِينه ودنياه إلا بمعونة أخيه، كما أن بعض البنيان يَقْوَى ببعضه.
وقال القاري تَخُّْ: ((المؤمن للمؤمن)) التعريف للجنس، والمراد: بعض
المؤمن للبعض، ذَكَره الطيبيّ، ويمكن أن يكون للاستغراق؛ أي: كلّ مؤمن
لكل مؤمن، والأظهر أنه للعهد الذهنيّ في الأول، وللجنس في الثاني؛ أي:
المؤمن الكامل لمطلق المؤمن كالبنيان؛ أي: البيت المبنيّ يشدّ بعضه؛ أي:
بعض البنيان بعضاً، والجملة حال، أو صفة، أو استئنافٌ، بيانٌ لوجه الشَّبَه،
وهو الأظهر، ثم لا شك أن القويّ هو الذي يشدّ الضعيف، ويقوّیه، وحاصل
معناه: أن المؤمن لا يتقوى في أمر دينه، أو دنياه، إلا بمعونة أخيه، كما أن
بعض البناء يُقَوِّي بعضه بعضاً. انتهى(١).
(١) (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٣٥/١٤.

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقوله: (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) بيان لوجه التشبيه، وقال الكرمانيّ: نصب
((بعضاً)) بنزع الخافض، وقال غيره: بل هو مفعول (يشُدّ)) قال الحافظ: ولكلِّ
وجه .
وقال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من
الدنيا مندوب إليها، وقد ثبت حديث أبي هريرة ◌ُبه مرفوعاً: ((والله في عون
العبد ما دام العبد في عون أخيه)).
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: قوله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان ... إلخ)) تمثيل يفيد
الحضّ على معونة المؤمن للمؤمن، ونُصرته، وأن ذلك أمرٌ متأكد، لا بُدّ منه،
فإنَّ البناء لا يتمّ أمره، ولا تحصل فائدته، إلا بأن يكون بعضه يُمسك بعضاً،
ويقوّيه، فإن لم يكن كذلك انحلّت أجزاؤه، وخَرِب بناؤه، وكذلك المؤمن لا
يستقلّ بأمور دنياه ودينه، إلا بمعونة أخيه، ومعاضدته، ومناصرته، فإن لم يكن
ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضادّه، فحينئذ لا يتم له نظام
دنيا، ولا دين، ويلتحق بالهالكين. انتهى (١).
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: ((ثم شَبّك بين أصابعه))، قال في
((الفتح)): هو بيان لوجه التشبيه أيضاً؛ أي: يشدّ بعضهم بعضاً مثل هذا الشدّ،
ويستفاد منه أن الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يُمَثِّلها بحركاته؛ ليكون أوقع
في نفس السامع. انتهى(٢).
وقال المناويّ كَّلُهُ: قوله: (ثم شبك بين أصابعه))؛ أي: يشدّ بعضهم
بعضاً مثل هذا الشدّ، فوقع التشبيك تشبيهاً لِتعاضد المؤمنين بعضهم ببعض،
كما أن البنيان المُمْسك بعضه ببعض يشدّ بعضه بعضاً، وذلك لأن أقواهم لهم
ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القويّ، فإذا والاه قَوِي. انتهى(٣)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٥٦٥/٦.
(٢) ((الفتح)) ٥٧٣/١٣ - ٥٧٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٢٦).
(٣) ((فيض القدير)) ٦/ ٢٥٢.

٦٠٣
(١٧) - بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَاطُفُهِمْ، وَتَعَاضُدِهِمْ - حديث رقم (٦٥٦٢)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٦٢/١٧] (٢٥٨٥)، و(البخاريّ) في
((المساجد)) (٤٨١) و((المظالم)) (٢٤٤٦) و((الأدب)) (٦٠٢٦)، و(الترمذيّ) في
((البرّ والصلة)) (١٩٢٨)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٧٩/٥) وفي (الكبرى)) (٢/
٤١)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (١١٨/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٥٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٦٣/٦ و٨٩/٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤٠٤/٤ و٤٠٥)، و(البزّار) في («مسنده)) (١٦٠/٨)، و(عبد بن حميد)
في ((مسنده)) (١٩٦/١)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٣٤٠/٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٣١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٧٩/١٣ و٣٠٧)، و(الرويانيّ)
في («مسنده)) (٣٠١/١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٩٢٩/٥)،
و(القضاعيّ) في ((مسند الشهاب)) (١٣٥ و١٣٤ و١٣٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٩٤/٦) و((شُعَب الإيمان)) (١٠٣/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وصف المؤمنين في التراحم بينهم، والتعاون على البرّ
والتقوى، فقد جعلهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، وأن
المؤمن يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه، قال الله وَك في وصف الصحابة
﴿وَلَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَنَّهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال أيضاً:
﴿فَسَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِلِ
اَللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَبِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشَدَهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
٢ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ الاجتماع على الانفراد، ومدح الاتّصال على
الانفصال، فإن البنيان إذا تفاصل بطل، وإذا اتَّصَل بعضه ببعض ثبت الانتفاع
به بکل ما یراد منه.
[فائدة]: قال الراغب تَخّْتُهُ: إنه لمّا صَعُب على كل أحد أن يُحَصِّل لنفسه
أدنى ما يحتاج إليه إلا بمعاونة عِدّة له، فلقمة طعام لو عَدَدْنا تَعَب تحصيلها،
من زَرْع، وطَحْن، وخَبْز، وصِناع آلاتها لَصَعب حصره، فلذلك قيل: الإنسان

٦٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مدنيّ بالطبع، ولا يمكنه التفرد عن الجماعة بعيشه، بل يفتقر بعضهم لبعض في
مصالح الدارَين، وعلى ذلك نبّه هذا الحديث. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن هذا الحديث، والحديث الآتي: ((مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم ... )) إلى آخره، وغيرها من الأحاديث صريحة في تعظيم
حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثّهم على التراحم، والملاطفة،
والتعاضد في غير إثم، ولا مكروه (٢).
٤ - (ومنها): أن فيه جواز التشبيه، وضرب الأمثال؛ لتقريب المعاني إلى
الأفهام.
٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ تشبيك الأصابع، سواء في المسجد، أو
غيره؛ لإطلاق الحديث، ولكن العلماء اختلفوا في تشبيك الأصابع في
المسجد، وفي الصلاة، وكَرِه إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك،
ورَخَّص في ذلك ابنُ عمر، وابنه سالم، فكانا يشبكان بين أصابعهما في
الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصريّ يشبك بين أصابعه في
المسجد، وقال مالك: إنهم لَيُنكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به
بأس، ذكره في ((العمدة))(٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٣] (٢٥٨٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ
عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ تَهُ ٦/ ٢٥٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/١٦ - ١٤٠.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٦١/٤.

٦٠٥
(١٧) - بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَاطُفُهِمْ، وَتَعَاضُدِهِمْ - حديث رقم (٦٥٦٣)
حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله أربع وثمانون سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فَيْروز
الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس، [٦] (ت٧ أو ٨ أو
١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ
فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من
ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (الثُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌َّا، مدنيّ، سكن الشام، ثم ولي إِمْرة الكوفة، ثم قُتل بحمص
سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٧/ ٥٢٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّقُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
آخره، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه ابن صحابيّ ◌َّا.
شرح الحديث:
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) وفي رواية البخاريّ: ((حدّثنا زكريّاء، عن عامر، قال:
سمعته يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول))، فصرّح زكريّاء بالسماع عن
الشعبيّ، فزالت عنه تهمة التدليس، فإنه مدلّس، كما مرّ في ترجمته آنفاً. (عَنِ
الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) ﴿هَا؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن
أبي جمرة: المراد: من يكون إيمانه كاملاً(١). (فِي تَوَادِّهِمْ) ولفظ البخاريّ:
(ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم))، و((التوادّ)) بتشديد الدّال، أصله:
التوادُدُ، فأُدغم الدال في الدال، وهو تفاعل، من المودّة، والؤُدّ، والوداد
بمعنی، وهو تقرّب شخص من آخر بما یحب(٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((في توادهم)) هكذا صحيح الرواية: ((في
(١) ((بهجة النفوس)) ١٥٨/٤.
(٢) ((الفتح)) ٥٥٥/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠١١).

٦٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
توادّهم))، ومعناه واضح، وقد وقع في رواية: ((توادّهم)) بغير ((في))، ويصحّ
ذلك، ويكون مخفوضاً على أنه بدل اشتمال من ((المؤمنين))، والتوادّ مصدر
توادَد يتوادد توادُداً، وتوادّاً إذا أَدْغَمتَ، ومقصود هذا التمثيلِ: الحضّ على ما
يتعيّن من محبة المؤمن، ونصيحته، والتهمُّم بأمره. انتهى(١).
(وَتَرَاحُمِهِمْ)؛ أي: رحمة بعضهم بعضاً، (وَتَعَاطُفِهِمْ) قال ابن أبي
جمرة تَخْلَهُ: الذي يظهر أن التراحم، والتواد، والتعاطف، وإن كانت متقاربة
في المعنى، لكنْ بينها فرقٌ لطيفٌ، فأما التراحم فالمراد به: أن يرحم بعضهم
بعضاً بأُخُوّة الإيمان، لا بسبب شيء آخر، وأما التوادّ فالمراد به: التواصل
الجالب للمحبة؛ كالتزاور، والتهادي، وأما التعاطف فالمراد به: إعانة بعضهم
بعضاً، كما يعطف الثوب عليه؛ ليقوّيه. انتهى ملخّصاً(٢).
(مَثَلُ الْجَسَدِ)؛ أي: بالنسبة إلى جميع أعضائه، ووجه التشبيه فيه: التوافق
في التَّعَب والراحة، (إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ)؛ أي: الجسد، (عُضْوٌ) بالرفع على
الفاعليّة، ويُروى ((عضواً)) بالنصب، على التمييز، كما قال القاري تَظُّهُ(٣).
(تَدَاعَى لَهُ)؛ أي: لذلك العضو؛ أي: دعا بعضه بعضاً إلى المشاركة في الألم،
ومنه قولهم: تداعت الحيطان؛ أي: تساقطت، أو كادت، قال الطيبيّ نَّتُهُ:
ووجه التشبيه فيه: هو التوافق في المشقّة، والراحة، والنفع، والضرّ. انتهى(٤).
(سَائِرُ الْجَسَدِ)؛ أي: باقي أعضائه، (بِالسَّهَرِ) بفتحتين: عدم الرُّقاد،
(وَالْحُمَّى))) قال القاري كَظْتُ؛ أي: بالحرارة، والتكسر، والضعف؛ ليتوافق الكلّ
في العسر، كما كانوا في حال الصحة متوافقين في اليسر، ثم أصل التداعي أن
يدعو بعضهم بعضاً؛ ليتفقوا على فعل شيء، فالمعنى أنه كما أن عند تألّم بعض
أعضاء الجسد يسري ذلك إلى كله، كذلك المؤمنون كنفس واحدة، إذا أصاب
واحداً منهم مصيبة، ينبغي أن يغتمّ جميعهم، ويهتمّوا بإزالتها عنه. انتهى (٥).
(١) ((المفهم)) ٥٦٥/٦.
(٢) (بهجة النفوس)) ١٥٨/٤.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٦٨٥/٨.
(٤) ((الكاشف)) عن حقائق السنن)) ٣١٧٦/١٠.
(٥) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٢٣٥/١٤.

٦٠٧
(١٧) - بَابُ تَرَاحُمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَاطُفُهِمْ، وَتَعَاضُدِهِمْ - حديث رقم (٦٥٦٣)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((بالسهر، والْحُمَّى)): أما السهر فلأن الألم يمنع
النوم، وأما الْحُمّى، فلأن فَقْد النوم يُثيرها، وقد عَرَّف أهل الْحِذْقِ الْحُمّى
بأنها حرارة غريزيّة تشتعل في القلب، فتَشُبّ منه في جميع البدن، فتشتعل
اشتعالاً يضرّ بالأفعال الطبيعية (١).
قال القاضي عياض دخّلُ: فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل
صحيحٌ، وفيه تقريب للفهم، وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم
حقوق المسلمين، والحضّ على تعاونهم، وملاطفة بعضهم بعضاً. انتهى(٢).
وقال ابن أبي جمرة: شبّه النبيّ ◌َّهو الإيمان بالجسد، وأهله بالأعضاء؛
لأن الإيمان أصلٌ، وفروعه التكاليف، فإذا أَخَلّ المرء بشيء من التكاليف شَانَ
ذلك الإخلالُ الأصلَ، وكذلك الجسد أصلٌ كالشجرة، وأعضاؤه كالأغصان،
فإذا اشتكى عضوٌ من الأعضاء، اشتكت الأعضاء كلَّها كالشجرة، إذا ضُرِب
غصنٌ من أغصانها اهتزّت الأغصان كلّها بالتحرك والاضطراب. انتهى(٣)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٦٣/١٧ و٦٥٦٤ و٦٥٦٥ و٦٥٦٦ و٦٥٦٧]
(٢٥٨٦)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠١١)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١/
٩) وفي ((الزهد)) (٢٥٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٨/٤ و٢٧٠ و٢٧١
و٢٧٤ و٢٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٩/٧)، و(الحميديّ) في
(مسنده)) (٩١٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٩٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٣٣ و٢٩٧)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٥٥/١ و٤٥٦)، و(القضاعيّ) في
((مسند الشهاب)) (١٣٦٦ و١٣٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٣/٣) و(«شُعب
(١) ((الفتح)) ٥٥٦/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠١١).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٥٧.
(٣) ((بهجة النفوس)) ١٥٨/٤.

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الإيمان)) (١٠٢/٦ و٤٨١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٥٩ و٣٤٦٠)،
و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٦٨/٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال المناويّ تَخْتُ: أفاد هذا الحديث تعظيم حقوق
المسلمين بعضهم على بعض، وحثّهم على التراحم، والتعاضد في غير إثم،
ولا مكروه، ونُصرتهم، والذبّ عنهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم،
وشهود جنائزهم، وغير ذلك، وفيه مراعاة حقّ الأصحاب، والخدم،
والجيران، والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق بهم بسبب، حتى الهرة،
والدجاجة، ذكره الزمخشريّ.
وقال ابن العربيّ: ومع هذا التمثيل، فأنْزِل كل أحد منزلته، كما تُعامِل
كل عضو منك بما يليق به، وما خُلق له، فتغضّ بصرك عن أمر لا يعطيه
السمع، وتفتح سمعك الشيء لا يعطيه البصر، وتَصْرِف يدك في أمر لا يكون
الرجلك، وكذا جميع قُوَاك، فنزِّل كل عضو منك فيما خُلق له، وإذا ساويت
بين المسلمين، فأعطِ العالِمَ حقّه من التعظيم، والإصغاء لِمَا يأتي به، والجاهل
حقّه، من تذكيره، وتنبيهه على طلب العلم، والسعادة، والغافل حقّه، بأن
توقظه من نوم غفلته بالتذكر لِمَا غفل عنه، مما هو عالم له غير مُستعمِل لعلمه
فيه، والسلطان حقّه، من السمع والطاعة، فيما يباح، والصغير حقّه، من الرفق
به، والرحمة، والشفقة، والكبير حقّه من التشريف، والتوقير. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُطَرِّفُ) - بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة - ابن
(١) ((فيض القدير)) ٢٥٩/٦.

٦٠٩
(١٧) - بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَاطُفُهِمْ، وَتَعَاضُدِهِمْ - حديث رقم (٦٥٦٥ - ٦٥٦٦)
طَرِيف، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٦]
(ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٢.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، وإسحاق هو: ابن راهويه.
[تنبيه]: رواية مطرّف بن طريف عن الشعبيّ هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ
بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ))).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ أحد
مشايخ الجماعة بلا واسطة، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤/ ١٧.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَرَجُلِ وَاحِدٍ) بفتح الراء، وضمّ الجيم: خلاف الأنثى.
وقوله: (إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ) بالرفع على الفاعليّة؛ أي: إن مرِض رأسه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٦] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ
اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ))).

٦١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسيّ، أبو
عوف الكوفيّ، ثقة [٨]، (ت١٨٩) وقيل: (١٩٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في
((الصلاة)) ٢٠/ ٩٣٤.
٢ - (خَيْئَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ، وكان
يرسل [٣] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣١٢/١٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث سبق القول فيه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وهم المذكورون قبله، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٨) - (بَابُ النَّهْي عَنِ السِّبَابِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّثُمُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٨] (٢٥٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((الْمُسْتَبَّنِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ))).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل بابين، فلا حاجة
إلى إعادة الكلام فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((الْمُسْتَبَّانِ) بتشديد
الموحّدة: تثنية اسم الفاعل، من باب الافتعال؛ أي: المتشاتمان، وهما اللذان
سبّ كل منهما الآخرَ، لكن الآخر أراد ردّ الآخر، أو قال شيئاً من معائبه

٦١١
(١٨) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ السَِّابِ - حديث رقم (٦٥٦٨)
الموجودة فيه، وهو مبتدأ أولُ، وقوله: (مَا قَالًا)؛ أي: إثم قولهما من السبّ
والشتم، مبتدأ ثانٍ، وقوله: (فَعَلَى الْبَادِئٍ) بالهمز؛ أي: على المبتدئ، خبر
المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، والفاء إما لكون ((ما)) شرطية، أو لأنها
موصولة متضمنة للشرط (١)، وإنما كان الإثم كله عليه؛ لأنه كان سبباً لتلك
المخاصمة، قال في ((اللمعات)): أما إثم ما قاله البادئ فظاهر، وأما إثم
الآخَر؛ فلكونه الذي حمله على السبّ، وظلمه. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((المستبَّان ما قالا، فعلى البادئ ... إلخ))
(المستبّان)): تثنية مستبّ، من السبّ، وهو الشتم والذمّ، وهو مرفوع بالابتداء،
و((ما)) موصولة، وهي في موضع رَفْع بالابتداء أيضاً، وَصِلتها ((قالا))، والعائد
محذوف تقديره: قالاه، وقوله: ((فعلى البادئ)) خبر ((ما))، ودخلت الفاء على
الخبر؛ لِمَا تضمّنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا
بِكُم مِّن نِعْمَلِ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٥٣]، و((ما)) وخبرها خبر المبتدأ الأول
الذي هو ((المستبّان)). انتهى(٣).
وقال الطيبيّ: يجوز أن تكون ((ما)) شرطية، وقوله: ((فعلى البادئ))
جزاؤها، أو موصولة ((فعلى البادئ)) خبرها، والجملة سببيّةٍ، ومعناه: إثم ما
قالاه على البادئ، إذا لم يَعْتَدِ المظلوم، فإذا تعدّى يكون عليهما، إلا إذا
تجاوز غاية الحدّ، فيكون إثم القولين عليه. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فيكون إثم القولين عليه)) فيه نظر لا
يخفى؛ لأن الذي يقتضيه السياق أن عليه إثم ما تجاوز به، لا إثم القولين،
فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ))) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة عدم اعتداء
المظلوم على البادئ بمجاوزته الحدّ، بأن سبّه أكثر، أو أفحش منه، فإذا
اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادئ. كذا في ((اللمعات)).
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٩٨/٦.
(٣) ((المفهم)) ٥٦٦/٦.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١١٤/١٠.
(٢) ((عون المعبود)) ١٦٢/١٣.

٦١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقال النوويّ تَخْتُ: معناه أن إثم السباب الواقع من اثنين مختصّ بالبادئ
منهما كلّه، إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار، فيقول للبادئ أكثر مما قال له.
انتھی(١).
وقال المناويّ تَخْذَلُهُ: ((المستبّان))؛ أي: الذي يسبّ كل منهما الآخر، ((ما
قالا))؛ أي: إثم ما قالاه من السبّ والشتم، ((فعلى البادئ منهما))؛ لأنه السبب
لتلك المخاصمة، فللمسبوب أن ينتصر، ويسبّه بما ليس بقذف، ولا كذب، کیا
ظالم، ولا يأثم، ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُللْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ
[الشورى:
٤١]، والعفو أفضل.
[فإن قيل]: إذا لم يسكت المسبوب، ويرى البادئ من ظلمه بوقوع
التقاصّ، فكيف صح أن يقدّر فيه إثم ما قالا؟.
[قلنا]: إضافته بمعنى ((في))، والمعنى: الإثم الكائن فيما قالاه، وإثم
الابتداء على البادئ، ويستمرّ هذا الحكم حتى يتعدى المظلوم؛ أي: يتعدى
الحدّ في السب، فلا يكون الإثم على البادئ فقط، بل عليهما، وقيل: المراد
أنه يحصل إثم ما قالا، وللبادئ أكثر من المظلوم، ما لم يَتَعَدَّ، فيربو إثم
المظلوم، وقيل: المعنى: أنه إذا سبّه، فردَّ عليه كان كَفَافاً، فإن زاد بالغضب،
والتعصب لنفسه، كان ظالماً، وكان كل منهما فاسقاً. انتهى(٢).
والحاصل أنه إذا سبّ كل واحد الآخر، فإثم ما قالا على الذي بدأ في
السبّ، وهذا إذا لم يتعدّ ويتجاوز المظلوم الحدّ، وإلا فعليه إثم ما جاوز به.
[تنبيه]: أخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) عن عياض بن حمار ﴿ته قال:
قلت: يا رسول الله الرجل يشتمني من قومي، وهو دوني، أعليَّ من بأس أن
أنتصر منه؟ قال: ((المستبّان شيطانان، يتهاتران، ويتكاذبان))(٣).
قال أبو حاتم: أطلق وَ* اسم الشيطان على المستبّ على سبيل
المجاورة؛ إذ الشيطان دلّه على ذلك الفعل، حتى تهاتر، وتكاذب، لا أن
المستبين يكونان شيطانين. انتهى(٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/١٦ - ١٤١.
(٣) حديث صحيح.
(٢) ((فيض القدير)) ٦/ ٢٦٧.
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٣٥/١٣.

٦١٣
(١٨) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ السَِّابِ - حديث رقم (٦٥٦٨)
وقال ابن الأثير تَّتُ: معنى ((المستبّان شيطانان، يتهاتران، ویتکاذبان))؛
أي: يتقاولان، ويتقابحان في القول، من الْهِتْر بالكسر(١)، وهو الباطل،
والسَّقَط من الكلام، وفي حديث ابن عمر رظُه: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك أن أكون
من المستهترين. يقال: استهتر فلان، فهو مستهتر: إذا كان كثير الأباطيل،
والْهِتر: الباطل، قال ابن الأثير؛ أي: المُبْطلين في القول، والمسقطين في
الكلام، وقيل: الذين لا يبالون ما قيل لهم، وما شتموا به، وقيل: أراد:
المستهترين بالدنيا. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا من أفراد المصنّف نَظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٦٨/١٨] (٢٥٨٧)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (٤٢٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٩٤)، و(الترمذيّ) في ((البرّ
والصلة)) (١٩٨١)، و(أحمد) في («مسنده)» (٢٣٥/٢ و ٤٨٨ و٥١٧)، و(أبو
يعلى) في («مسنده)) (٣٦٦/١١ و٣٩٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٢٨
و٥٧٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٥/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٢٨٣/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الزجر عن التسابّ؛ لأن واجب المسلم تجاه أخيه المسلم
نَصْره، واحترامه، وتعظيمه، لا خُذلانه، واحتقاره، وإيذاؤه، فقال وَّر:
((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يحقره)).
٢ - (ومنها): بيان جواز الانتصار، قال النوويّ كَّلُ: ولا خلاف في
جوازه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسُّنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ
(١) قال في ((القاموس المحيط)) ١/ ٦٣٧: الهَتْرُ - أي: بفتح، فسكون -: مَزْقُ العِرْضِ،
وهَتَرَهُ يَهْتِرُهُ وهَتَّرَهُ، وبالكسر: الكذِبُ، والدَّاهِيَةُ، والأمْرُ العَجَبُ، والسَّقَطُ من
الكلام، والخطأُ فیه. انتھی.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٤٢/٥، و((لسان العرب)) ٢٥٠/٥.

٦١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(١)﴾ [الشورى: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا
بَعْدَ قُلْلِهِ، فَأُؤْلَيْكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ
ـورى: ٣٩]، ومع هذا فالصبر، والعفو أفضل،
أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ
[الشورى: ٤٣]،
(٤٣
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُرِ
وللحديث المذكور بعد هذا: ((ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً)).
٣ - (ومنها): أن سباب المسلم بغير حقّ حرام، كما قال ◌َّو: ((سِباب
المسلم فسوق)).
٤ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبّه، ما
لم يكن كذباً، أو قذفاً، أو سبّاً لأسلافه، فمِن صُوَر المباح أن ينتصر بيا
ظالم، يا أحمق، أو يا جافي، أو نحو ذلك؛ لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه
الأوصاف، قال العلماء: إذا انتصر المسبوب استوفى ظُلامته، وبرئ الأول من
حقّه، وبقي عليه إثم الابتداء، أو الإثم المستحقّ الله تعالى، وقيل: يرتفع عنه
جميع الإثم بالانتصار منه، ويكون معنى ((على البادئ))؛ أي: عليه اللوم،
والذمّ، لا الإثم، قاله النوويّ كَذَهُ(١).
عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: معنى الحديث: أن المبتدئ بالسبّ هو المختصّ
بإثم السبّ؛ لأنَّه ظالم به؛ إذ هو مبتدئ من غير سبّ، ولا استحقاق، والثاني
منتصر فلا إثم عليه، ولا جناح، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُلِلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا
[الشورى: ٤١]، لكن السبّ المنتصر به وإن كان مباحاً
٤١
للمنتصِر، فعليه إثم من حيث هو سبّ، لكنه عائد إلى الجاني الأول؛ لأنَّه هو
الذي أحْوَجِ المنتصر إليه، وتسبّب فيه، فيرجع إثمه عليه، ويَسْلَم المنتصر من
الإثم؛ لأنَّ الشرع قد رَفَع عنه الإثم، والمؤاخذة، لكن ما لم يكن من المنتصِر
عدوان إلى ما لا يجوز له، كما قال: ((ما لم يَعْتَدِ المظلوم))؛ أي: ما لم يجاوز
ما سبّ به إلى غيره، إما بزيادة سبّ آخر، أو بتكرار مثل ذلك السبّ، وذلك
أن المباح في الانتصار أن يردّ مثل ما قال الجاني، أو يقاربه؛ لأنَّه قصاص،
فلو قال له: يا كلب مثلاً فالانتصار أن يردّ عليه بقوله: بل هو الكلب، فلو كرّر
هذا اللفظ مرتين، أو ثلاثاً لكان متعدياً بالزائد على الواحدة، فله الأُولى،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤١/١٦.

٦١٥
(١٨) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ السَُّابِ - حديث رقم (٦٥٦٨)
وعليه إثم الثانية، وكذلك لو ردّ عليه بأفحش من الأُولى، فيقول له: خنزير مثلاً
كان كل واحد منهما مأثوماً؛ لأنَّ كلّّ منهما جاٍ على الآخر، وهذا كلّه
مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية
[البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَّوَأْ سَبِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠].
قال: وكلُّ ما ذكرناه من جواز الانتصار، إنما هو فيما إذا لم يكن القول
كذباً، أو بهتاناً، وإلا فلا يجوز أن يتكلّم بذلك، لا ابتداءً، ولا قصاصاً،
وكذلك لو كان قَذْفاً، فلو ردّه كان كلّ واحد منهما قاذفاً للآخَر، وكذلك لو
سبّ المبتدئ أبا المسبوب، أو جدّه لم يَجُز له أن يردّ ذلك؛ لأنَّه سبٌّ لمن لم
يَجْنِ عليه، فيكون الردّ عدواناً، لا قصاصاً.
قال بعض علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السبّ مما يجوز
سبّ المرء به عند التأديب؛ كالأحمق، والجاهل، والظالم؛ لأنَّ أحداً لا ينفكّ
عن بعض هذه الصفات، إلا الأنبياء، والأولياء، فهذا إذا کافاه بسبّه، فلا حرج
عليه، ولا إثم، وبقي الإثم على الأول بابتدائه، وتعرّضه لذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: تخصيص هؤلاء السبّ بهذا النوع الذي ذكروه
محلّ نظر؛ إذ النصّ عامّ، فلا ينبغي تخصيصه إلا بدليل، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ خُلِّمِهِ، فَأَوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن
[الشورى: ٤١] أن الانتصار مباح، وعلى ذلك يدلّ الحديث
سَبِیلٍ
ـبِ
[الشورى: ٣٩]
١٣٩
المذكور، لكنّ قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ
مَدْح من الله تعالى للمنتصِر، والمباح لا يُمدح عليه، فاختَلَف العلماء في
ذلك، فقال السّدّيّ: إنما مَدَح الله من انتصر ممن بَغَى عليه من غير زيادة على
مقدار ما فَعَل به؛ يعني: أنه إنما مُدِح من حيث أنه اتقى الله في انتصاره؛ إذ
أوقعه على الوجه المشروع، ولم يفعل ما كانت الجاهلية تفعل، من الزيادة
على الجناية.
وقال غيره: إنما مَدَح الله من انتصر من الظالم الباغي الْمُعْلِن بظلمه الذي
يعمّ ضرره، فالانتقام منه أفضل، والانتصار عليه أولى، قال معناه إبراهيم
النّخعيّ، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة، وإسقاط المطالبة عنهم بالحقوق

٦١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مندوب إليه، مُرَغَّب فيه على الجملة، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ
٤٣] [الشورى: ٤٣]، ولقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللَّهِ﴾.
لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (
الآية [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ وَاَللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ الآية [البقرة:
٢٣٧]، ولقوله وَله: ((ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّا)) (١)، وقوله: ((تعفو عمن
ظلمك، وتعطي مَن حَرَمك، وتَصِل من قطعك))(٢)، ونحوه كثير. انتهى، والله
تعالى أعلم(٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنْبُ﴾ .
(١٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ، وَالتَّوَاضُعِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٦٩] (٢٥٨٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَّا عِزّاً،
وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّ رَفَعَهُ اللهُ)).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبله، فلا
حاجة إلى إعادة الكلام فيه، فتنبّه.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبَهَ (عَنْ رَسُولِ اللهِنَّ قَالَ: ((مَا) نافية، (نَقَصَتْ صَدَقَةٌ
مِنْ مَالٍ) ((من)) زائدة، أو تبعيضية، أو بيانية؛ أي: ما نقصت صدقة مالاً، أو
بعضَ مال، أو شيئاً من مال، بل تزيد أضعاف ما يُعطَى منه، بأن ينجبر بالبركة
(١) رواه مسلم برقم (٢٥٨٨).
(٢) رواه البزار، وقال الهيثميّ: وفيه سليمان بن داود اليماميّ: متروك. انتهى. ((مجمع
الزوائد» ١٥٤/٨.
(٣) ((المفهم)) ٦ /٥٦٨.

٦١٧
(١٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ، وَالتَّوَاضُعِ - حديث رقم (٦٥٦٩)
الخفيّة، أو بالعطيّة الجليّة، أو بالمثوبة العليّة (١).
وقال أبو عمر بن عبد البرّ تَخْلُهُ: معناه: لا تُنقص الصدقة المال؛ لأنه
مال مباركٌ فيه، إذ أُدِّيت زكاته، وتَطَوَّع منه صاحبه؛ لأن الصدقة تُضاعَف إلى
سبعمائة ضعف، ويجدها صاحبها وقت الحاجة إليها كجبل أُحُد، مضاعفةً
أضعافاً كثيرةً، فأيُّ نقصان مع هذا؟. انتهى (٢).
وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((ما نقصت صدقة من مال)): ذكروا فيه
و جھین :
أحدهما: معناه أنه يبارَك فيه، ويُدفَع عنه المضرّات، فينجبر نقص الصورة
بالبركة الخفيّة، وهذا مُدْرَك بالحس والعادة.
والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتَّب عليه جَبْر لنقصه،
وزيادة إلى أضعاف كثيرة. انتهى (٣).
وقال الزرقانيّ كَّثُ: ((ما نقصت صدقة من مال)) بل يزيد الله فيه ما نقص
منه، ويَحْتَمِل أنه وإن نقص، فله في الآخرة من الأجر ما يجبر ذلك النقص،
ويحتمل أن يُجمع له الأمران، قاله عیاض.
وقال الطيبيّ: يَحْتَمِل أن ((مِنْ)) زائدة؛ أي: ما نقصت صدقة مالاً،
ويحتمل أنها صلة لـ((نقصت))، والمفعول الأول محذوف؛ أي: ما نقصت شيئاً
من مال، بل يزيد في الدنيا بالبركة فيه، ودَفْع المفاسد عنه، والإخلافِ عليه
بما هو أجدى، وأنفع، وأكثر، وأطيب، ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ﴾
[سبأ: ٣٩]، أو في الآخرة بإجزال الأجر، وتضعيفه، أو فيهما، وذلك جائز
لإضعاف ذلك النقص، بل وقع لبعض العلماء أنه تصدَّق من ماله، فلم يجد فيه
نقصاً، قال الفاكهانيّ: أخبرني من أثق به أنه تصدَّق من عشرين درهماً بدرهم،
فَوَزَنَها فلم تنقص، قال: وأنا وقع لي ذلك.
وقول الكلاباذيّ: يراد بالصدقة: الفرض، وبإخراجها ما لم ينقص ماله؛
لكونها دَيناً، فيه بُعْدٌ لا يخفى. انتهى (٤).
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٤٩/٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤١/١٦.
(٢) ((الاستذكار)) ٦١٢/٨.
(٤) ((شرح الزرقانيّ)) ٥٤٨/٤ - ٥٤٩.

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدَاً بِعَفْوٍ)؛ أي: بسبب عفوه عن شيء من المظلمة،
وتجاوزه عن الانتصار مع قدرته على الانتقام، (إِلَّا عِزّاً)؛ أي: رفعة في الدنيا،
فإن من عُرف بالعفو عَظُم في القلوب، أو في الآخرة، بأن يَعْظُم ثوابه، أو
فيهما .
وقال النوويّ قوله: ((ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً)) فيه أيضاً وجهان:
أحدهما: أنه على ظاهره، وأنَّ من عُرف بالصّفح، والعفو سادَ، وعَظُم
في القلوب، وزاد عزّه، وإكرامه.
والثاني: أن يكون أجره وثوابه وَجَاهُه وعزّه في الآخرة أكثر.
(وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ) بأن أنزل نفسه عن مرتبة يستحقّها؛ لرجاء التقرب
إلى الله، دون غرض غيره.
وقال النوويّ: فيه أيضاً وجهان:
أحدهما: يرفعه في الدنيا، ويُثْبت له بتواضعه في القلوب منزلةً، ويرفعه الله
عند الناس، ويُحِلّ مكانه.
والثاني: أن المراد: ثوابه في الآخرة، ورَفْعه فيها بتواضعه في الدنيا، قال
العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة، معروفة، وقد
يكون المراد الوجهين معاً في جميعها في الدنيا والآخرة، والله أعلم. انتهى (١).
وفي رواية ((الموظّأ)): ((وما تواضع عبد))، قال المناويّ (٢): وما تواضع
أحد لله من المؤمنين رِقّاً وعبوديةً في ائتمار أمره، والانتهاء عن نهيه، ومشاهدته
لحقارة النفس، ونفي العجب عنها، (إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ)) في الدنيا، بأن يُثبت له في
القلوب بتواضعه منزلة عند الناس، ويُجلّ مكانه، وكذا في الآخرة على سرير
خُلْد لا يفنى، ومنبر مُلك لا يبلى.
وقد ظهر صِدق الحديث، فإن هذه الوجوه كلها موجودة في الدنيا، وفي
هذا كله ردّ قولَ من يقول: الصبر، والحِلم والذلّ، ومن قاله من الأجلّة، فإنما
أراد أنه يُشْبهه في الاحتمال، وعدم الانتصار، قاله عیاض.
وقال القرطبيّ تَخْثُ: قوله: ((وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله))، التواضع:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٤٢.
(٢) ((فيض القدير)) ٥٠٤/٥.

٦١٩
(١٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَقْوِ، وَالتَّوَاضُعِ - حديث رقم (٦٥٦٩)
الانكسار، والتذّل، ونقيضه: التكبّر، والترفع، والتواضع يقتضي متواضعاً له،
فإنْ كان المتواضَع له هو الله تعالى، أو من أَمَر الله بالتواضع له؛ كالرسول وَلآ،
والإمام، والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضع الواجب المحمود الذي
يرفع الله تعالى به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأما التواضع لسائر الخلق
فالأصل فيه أنه محمودٌ، ومندوب إليه، ومُرغّبٌ فيه، إذا قُصد به وجه الله
تعالى، ومن كان كذلك رَفَع الله تعالى قَدْره في القلوب، وطيّب ذكره في
الأفواه، ورَفَع درجته في الآخرة، وأما التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم،
فذلك هو الذلّ الذي لا عزّ معه، والخسّة التي لا رفعة معها، بل يترتب
عليها ذلّ الآخرة، وكلُّ صفقة خاسرة - نعوذ بالله من ذلك. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َّهُ(١).
وقال غيره: من تواضع لله في تحمّل مُؤَن خَلْقه، كفاه الله مؤنة ما يرفعه
إلى هذا المقام، ومن تواضع في قبول الحقّ ممن دونه قَبِل الله منه مدخول
طاعته، ونَفَعه بقليل حسناته، وزاد في رَفْع درجاته، وحَفِظه بمعقّبات رحمته،
من بین یدیه، ومِنْ خلفه.
[واعلم]: أن من جِبِّة الإنسان الشخَّ بالمال، ومشايعة السبعية من إيثار
الغضب، والانتقام، والاسترسال في الكِبْر الذي هو من نتائج الشيطنة، فأراد
الشارع أن يَقْلَعَها، فحثّ أوّلاً على الصدقة؛ ليتحلى بالسخاء والكرم، وثانياً
على العفو؛ ليتعزز بعزّ الْحِلْم والوقار، وثالثاً على التواضع؛ ليرفع درجاته في
الدارين(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَذلهُ.
[تنبيه]: قال أبو عمر بن عبد البرّ كَلَثُ: حديث العلاء بن عبد الرحمن
هذا أسنده عن مالك جماعة، وهو في ((الموطأ)) من قول العلاء، وكان مالك
يشكّ في رَفْعه، ومثله لا يكون رأياً، وهو محفوظ مسندٌ: مالك، عن العلاء بن
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٧٥.
(٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٥٤٩/٤.

٦٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عبد الرحمن، أنه سمعه يقول: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً
بعفو إلا عزّاً، وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله))، قال مالك: لا أدري أَيُرفَع
هذا الحديث إلى النبيّ وَّ أم لا؟.
هكذا رَوَى هذا الحديث جماعة الرُّواة عن مالك، منهم ابن وهب، وابن
القاسم، والقعنبيّ، ومعن بن عيسى، وغيرهم، وهو حديث محفوظ للعلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رُه، عن النبيّ رَّل، رواه عنه جماعة
هكذا، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فلذلك كلّه ذكرناه، وبالله التوفيق. انتهى
كلام ابن عبد البرّ تَخْذَفُ(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٦٩/١٩] (٢٥٨٨)، و(الترمذيّ) في («البرّ
والصلة)) (٢٠٢٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٠٠٠/٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٣٥/٢ و٣٨٦ و٤٣٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٩٦/١)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (٢٤٣٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٢٠٥/٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٤٤/١١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٨٧/٤ و١٦٢/٨ و٢٣٥/١٠) و((شُعب الإيمان)) (٢٣٣/٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٦٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصدقة، وأنها لا تنقص من المال، بل تكون
سبباً لزيادته، ونمائه، وزيادة صاحبها فضلاً ورفعةً عند الله تعالى، ومحمدة عن
الناس.
٢ - (ومنها): بيان فضل العفو والصفح عمن أساء، وأن من فعل ذلك
يزيده الله تعالى عزّاً، ورفعةً في الدنيا والآخرة.
٣ - (ومنها): بيان فضل التواضع لله ◌ُعَلَ، وأن من تواضع لله ◌ُعَلَ رفعه الله
في الدنيا والآخرة، وقد ورد الأمر به، ففي ((صحيح مسلم)) (٢) من حديث
عياض بن حمار ربه، مرفوعاً: ((وإن الله أوحى إليّ أنْ تواضَعوا، حتى لا
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٦٩/٢٠.
(٢) ((صحيح مسلم)) ٢١٩٨/٤.