Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما: من جهة العليل، وهو
صِدْق القصد، والآخر: من جهة المداوي، وهو قوّة توجّهه، وقوّة قلبه
بالتقوى، والتوكل على الله تعالى، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بَِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١٥) - (بَابُ تَخْرِيمِ الظُّلْمِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٥٠] (٢٥٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيّ،
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ
رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِّ ◌ِهِ، فِيمَا
رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي،
وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ محرّماً، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٍّ، إِلَّ مَنْ هَدَيْتُهُ،
فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي
أُطْعِمْكُمْ، مَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، بَا عِبَادِي
إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ،
يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي، فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، بَا
عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ
وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ،
وَإِنْسَكُمْ وَجِتَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرٍ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ (١)، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي
شَيْئاً، بَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ،
فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّ كَمَا يَنْقُصُ
الْمِخْيَطُ، إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، أُخْصِيهَا لَكُمْ(٢)، ثُمَّ
أُوَفِيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا
(١) وفي نسخة: ((واحد منكم)).
(٢) وفي نسخة: ((أحصيها عليكم)).

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
نَفْسَهُ»، قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَنَا عَلَى
رُكْبَتَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيّ) السَّمَرْقنديّ، أبو محمد
الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون
سنةً (م دت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الأسديّ الطّاطَرِيّ، ثقةٌ [٩] (ت٢١٠)
وله ثلاث وستون سنةً (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، سوّاه أحمد
بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مسهر، لكنه اختَلَط في آخر أمره [٧] (ت١٦٧) وقيل:
بعدها، وله بضع وسبعون سنةً (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شُعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤]
(ت١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ ◌َّ،
يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز:
كان عالم الشام بعد أبي الدرداء [٢] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٦ - (أَبُو ذَرِّ) الغِفَاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جُنْدُب بن جُنَادة على
الأصح، وقيل: بُرَير بموحّدة مصغراً، أو مكبَّراً، واختُلف في أبيه، فقيل:
جندب، أو عَشْرقة، أو عبد الله، أو السكن، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته،
فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جدّاً، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة
عثمان
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالدمشقیین، سوی شیخه،
فسَمَرْقنديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير
الصحابة ﴿، ذُو مناقب جمّة.

٤٨٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ، فِيمَا رَوَى
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ
عَنِ اللهِ) قال القاضي عياض: وفي قول أبي ذرّ ◌َُّه: ((فيما روى عن الله)) وقد
جاء مثل هذا في غير حديث عن ابن عبّاس وغيره حجة في جواز إطلاق هذا اللفظ
في حقّ النبيّ ◌ٍَّ فيما أوحي إليه(١). (تَبَارَكَ)؛ أي: تكاثر خيره، وظهر في هذا
الخبر بعض أثره، (وَتَعَالَى)؛ أي: ارتفع عن مشابهة المخلوقين؛ (أَنَّهُ) قيل: ضُبط
بفتح الهمزة، وكسرها، (قَالَ) الله وَلَ: ((يَا عِبَادِي) قال البيضاويّ: الخطاب مع
الثقلين خاصّةً؛ لاختصاص التكليف، وتعاقُب التقوى والفجور فيهم، ولذا خصّ
المخاطَبين بالإنس والجنّ، ويَحْتمل أن يكون عامّاً شاملاً لذوي العلم كلّهم، من
الملائكة والثقلين، ويكون ذِكر الملائكة مطويّاً مدرجاً في قوله: ((وجِنِّكم))؛
لشمول الاجتنان لهم، وتوجّه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقّف على صدور الفجور
منهم، ولا على إمكانه؛ لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير.
قال الطيبيّ: يمكن أن يكون الخطاب عامّاً، ولا يدخل الملائكة في
الجنّ؛ لأن الإضافة في ((جنّكم)) تقتضي المغايرة، فلا يكون تفصيلاً، بل
إخراجاً للقبيلين اللذين يصحّ اتّصاف كلّ منهما بالتقوى والفجور. انتهى (٢) ..
(إِنِّي حَرَّمْتُ الظَّلْمَ عَلَى نَفْسِي) قال النوويّ: معناه: تقدستُ عنه،
وتعاليتُ، والظلم مستحيل في حق الله ﴿، كيف يجاوز سبحانه حدّاً، وليس
فوقه من يطيعه؟، وكيف يتصرف في غير مُلك، والعالم كله في مُلكه وسلطانه؟
وأصل التحريم في اللغة المنع، فسمّي تقدّسه عن الظلم تحريماً؛ لمشابهته
للممنوع في أصل عدم الشيء. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قوله تعالى: ((إني حرمت الظلم على نفسي))؛ أي:
لا ينبغي لي، ولا يجوز عليّ، كما قال ◌َلَ: ﴿وَمَا يَلْبَغِى لِلَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾
[مريم: ٩٢]، وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى محال، وإنما
(١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٤٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٧/٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٦.

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتقبيح والتحسين عقلاً يقولون: يستحيل عليه؛
لِقُبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه؛ لاستحالة شرطه في حقه
تعالى، وذلك أن الظلم إنما يتصوّر في حقّ من حدّت له حدود، ورُسمت له
مراسم، فمن تعدّاها كان ظالِماً، والله تعالى هو الذي حدّ الحدود، ورَسَم
الرسوم؛ إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجر عليه، فلا يجب عليه حكم، ولا يترتّب
عليه حقّ، فلا يُتصوّر الظلم في حقه. انتهى(١).
(وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً)؛ أي: حكمت بتحريمه عليكم، وألزمته إيّاكم (فَلَا
تَظَالَمُوا) بفتح التاء، أصله: تتظالموا، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفاً، كما
في قوله تعالى: ﴿نارًا تَلَى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في
«الخلاصة» :
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ(تَبَيّنُ الْعِبَرْ))
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً، وهذا توكيد لقوله تعالى: ((وجعلته بينكم
محرّماً))، وزيادة تغليظ في تحريمه.
(يَا عِبَادِي كُلَّكُمْ ضَالَّ)؛ أي: عن كلّ كمال وسعادة دينيّة، ودنيويّة، (إِلَّا
مَنْ هَدَيْتُهُ) قال الطيبيّ تَخْتُهُ: لمّا كان الخطاب بعدَ ((يا عبادي)) معنيّاً به، مهتمّاً
بشأنه كرّره تنبيهاً على فخامته، ونسبة الضلال إلى الكلّ بحسب مراتبهم.
(٢)
انتھی(٢).
وقال المازريّ: ظاهر هذا أنهم خُلقوا على الضلال، إلا من هداه الله
تعالى، وفي الحديث المشهور: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة)). قال: فقد يكون
المراد بالأول: وَصْفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبيّ رَّة، أو أنهم لو تُركوا،
وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة، وإهمال النظر لضلّوا، وهذا الثاني
أظهر.
وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السُّنَّة أن المهتدي هو من
هداه الله، وبهدي الله اهتدى، وبإرادة الله تعالى ذلك، وأنه ◌ُعَلَ إنما أراد هداية
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٥٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)» ٦/ ١٨٣٧.

٤٨٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
بعض عباده، وهم المهتدون، ولم يُرد هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتَدَوا؛
خلافاً للمعتزلة في قولهم الفاسد: إنه ◌َّإلَ أراد هداية الجميع، جلّ الله أن يريد
ما لا يقع، أو يقع ما لا يريد. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((كلّكم ضالّ إلا من هديته)) قيل في معناه
قولان :
أحدهما: أنهم لو تُركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى
الراحات، وإهمال النظر المؤدِّي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات، والطباع،
فضلّوا عن الحقّ، فهذا هو الضلال المعنيّ، لكن من أراد الله تعالى توفيقه
ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدّي إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول؛ وأعانه
على الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهُدَى الذي أمرنا الله
تعالی بسؤاله.
وثانيهما: أن الضلال ها هنا يُعنَى به الحال التي كانوا عليها قبل إرسال
الرُّسل من الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيِنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: على
حالة واحدة من الضلال والجهل، فأرسل الله الرسل؛ ليزيلوا عنهم ما كانوا
عليه من الضلال، ويُبيّنوا لهم مرادَ الحقّ منهم في حالهم، ومآل أمرهم، فمن
نبّهه الحقّ ◌َ، وبصّره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي
على ذلك الضلال.
وعلى كل واحد من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: ((كلكم ضال
إلا من هديته))، وبين قوله: ((كلّ مولود يولد على الفطرة))؛ لأنَّ هذا الضلال
المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغيِّر لها، الذي بيّنه
النبيّ وَ﴿ بالتمثيل في بقية الخبر، حيث قال: ((كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء))،
وبقوله: ((خلق الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين)).
وهذا الحديث حجّة لأهل الحقّ على قولهم: إن الهدى والضلال خَلْقه،
وفِعله، يختص بما شاء منهما من شاء مِنْ خَلْقه، وأن ذلك لا يقدر عليه إلا
(١) ((شرح النووي)) ١٣٢/١٦ - ١٣٣.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
هو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَبَهْدِى مَن يَشَاءٌ﴾ [المدثّر: ٣١]، وكما
قال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنْنَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وكما قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ
إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
﴿وَاللَّهُ
وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريبٌ لذي فهم سليم بقوله:
يَدْعُوَاْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِ
[يونس: ٢٥]، فعمٌ
٢٥
الدعوة، وخصّ بالهداية من سبقت له العناية.
وحاصل قوله: ((كلكم ضالّ إلا من هديته ... إلخ)) التنبيه على فقرنا،
وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارّنا بأنفسنا، إلا أن ييسّر الله ذلك لنا، بأن
يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرّنا، وهو تنبيه على معنى
قوله: ((لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم))، ومع ذلك، فقال في آخر
الحديث: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيراً
فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه))؛ تنبيهاً على أن عدم
الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها، إقداماً عليها،
وإحجاماً عنها، فنحن، وإن كنا نعلم أنّا لا نستقلّ بأفعالنا نُحِسّ بوجدان الفرق
بين الحركة الضرورية، والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكّن محسوس،
وتأتّ معتادٍ يوجد مع الاختيارية، ويُفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبّر عنه
بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض، ولا تعنيف. انتهى(١).
[فائدة]: ذكر الراغب الأصفهانيّ في ((مفرداته)) بحثاً نفيساً في
((الضلال))، فقال تَّلهُ: الضلال: العدول عن الصراط المستقيم، وتضادّه
الهداية، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ
عَلَيْهًا﴾ [يونس: ١٠٨]، ويقال: الضلال لكل عدول عن المنهج، عمداً كان أو
سهواً، يسيراً كان أو كثيراً، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صَعْبٌ
جدّاً، قال النبيّ وَّة: ((استقيموا، ولن تحصوا ... )) الحديث(٢).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٥٣ _ ٥٥٥.
(٢) حديث صحيح، وهو حديث ثوبان ظُه قال: قال رسول الله وَ له: ((استقيموا، ولن
تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن))، =

٤٨٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
وقال بعض الحكماء: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه
كثيرة، فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى الْمُقَرْطس من الْمَرْمَى، وما عداه
من الجوانب كلها ضلال.
ولما قلنا: روي عن بعض الصالحين أنه رأى النبيّ وَّ ر في منامه فقال:
يا رسول الله يروى لنا أنك قلت: «شيَّبتني سورة هود، وأخواتها، فما الذي
شَيَّبك منها؟ فقال: قوله: ﴿فَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢])).
وإذا كان الضلال تَرْك الطريق المستقيم عمداً كان أو سهواً، قليلاً كان أو
كثيراً، صحّ أن يُستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأٌ ما، ولذلك نُسب
الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بَوْنٌ بعيدٌ، ألا ترى
[الضحى: ٧]؛ أي: غير مهتدٍ
٧
أنه قال في النبيّ وَّهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
لِمَا سيق إليك من النبوة، وقال في يعقوب: ﴿إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾
[يوسف: ٩٥]، وقال أولاده: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، إشارة إلى
شغفه بيوسف، وشوقه إليه، وكذلك: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا إِنَّا لَهَا فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾
[يوسف: ٣٠]، وقال عن موسىلِلَّ: ﴿فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]،
تنبيهٌ أن ذلك منه سهوٌ، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ أي: تنسى،
وذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان.
والضلال من وجه آخر ضربان: ضلالٌ في العلوم النظرية؛ كالضلال في
معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة النبوة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُّ
بِاللَّهِ وَمَتِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وضلال في العلوم العملية؛ كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات،
والضلال البعيد إشارة إلى ما هو كفر؛ كقوله على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَن يَكْفُرُ
باللّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ
ضَلَلَّا بَعِيدًا (٣)﴾ [النساء: ١٦٧]، وكقوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:
٨]؛ أي: في عقوبة الضلال البعيد، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِ ضَلَلٍ
= أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٤/١، وأحمد ٢٨٠/٥، والحاكم ١٣٠/١، والدرامي
من طرق صحاح ١٦٨/١.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩]، ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَآءِ
السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقوله: ﴿أَءِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، كناية
عن الموت، واستحالة البدن، وقوله: ﴿وَلَ الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقد قيل:
عُني بالضالين: النصارى(١)، وقوله: ﴿فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه:
٥٢]؛ أي: لا يضل عن ربي، ولا يضل ربي عنه؛ أي: لا يُغفله، وقوله: ﴿أَلَمْـ
يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِ تَضْلِلٍ ﴾
[الفيل: ٢]؛ أي: في باطل وإضلال لأنفسهم.
والإضلال ضربان: أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على
وجهين: إما بأن يَضِلّ عنك الشيء كقولك: أضللت البعير؛ أي: ضلّ عني،
وإما أن تحكم بضلاله، والضلال في هذين سبب الإضلال.
والضرب الثاني: أن يكون الإضلال سبباً للضلال، وهو أن يُزَيَّن للإنسان
الباطلُ؛ ليضلّ كقوله: ﴿لَّمَّت ظَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ
أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]؛ أي: يتحرَّون أفعالاً يقصدون بها أن تَضِلّ، فلا يحصل
من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم، وقال عن الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
وَلَأُمَنِيَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، وقال في الشيطان: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾
[يس: ٦٢]، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ
اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وإضلال الله تعالى للإنسان على أحد
و جھین :
أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وهو أن يَضِلّ الإنسان فيحكم الله عليه
بذلك في الدنيا، ويَعْدِل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة، وذلك إضلال
هو حقٌّ وعدلٌ، فالحكم على الضال بضلاله، والعدول به عن طريق الجنة إلى
النار عدلٌ وحقّ.
والثاني من إضلال الله: هو أن الله تعالى وضع جبلة الإنسان على هيئة
إذا راعى طريقاً، محموداً كان أو مذموماً، أَلِفه، واستطابه، ولَزِمه، وتعذّر
(١) أخرج أحمد، والترمذيّ وحسّنه، وابن حاتم ٢٣/١ عن عديّ بن حاتم قال: قال
رسول الله وَ له: ((إن المغضوب عليهم: اليهود، وإن الضالين: النصارى)). راجع:
((المسند)) ٣٧٨/٤.

٤٨٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
صرفه، وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطبع الذي يأبى على الناقل، ولذلك
قيل: العادة طبع ثان، وهذه القوة في الإنسان فعل إلهيّ، وإذا كان كذلك - وقد
ذُكر في غير هذا الموضع أن كل شيء يكون سبباً في وقوع فعل - صح نسبة
ذلك الفعل إليه، فصح أن يُنسب ضلال العبد إلى الله من هذا الوجه، فيقال:
أضله الله، لا على الوجه الذي يتصوره الجهلة، ولِمَا قلناه جَعَل الإضلال
المنسوب إلى نفسه للكافر، والفاسق، دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال
المؤمن، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]،
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ جَ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤، ٥]، وقال في الكافر والفاسق: ﴿فَتَعْسًا
لَُّمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٨]، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِةٍ إِلَّا الْفَسِفِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]،
﴿كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَفِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤]، ﴿وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]،
ج
وعلى هذا النحو تقليب الأفئدة في قوله: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]،
[البقرة: ٧]، وزيادة المرض
والختم على القلب في قوله: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
في قوله: ﴿فِى قُلُوبِهِم قَرَضِّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾ [البقرة: ١٠]. انتهى كلام
الراغب تَخَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَهْدُونِي)؛ أي: اطلبوا منّي الهداية، (أَهْدِكُمْ) بفتح الهمزة، مضارع
هدى ثلاثيّاً، وبضمها، فإنه مضارع أهدى رباعيّاً، ولا يُناسِب هنا، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
ولَمّا فرغ من الامتنان بالأمور الدينيّة، شرع في الأمور الدنيويّة تكميلاً
للمرتبتين، مقتصراً على الأمرين الأهمّين منها، وهما: الأكل واللبس؛ كقوله
تعالى في وصف الجنّة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (١) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا
· [طه: ١١٨، ١١٩]، ولعلّه تَرَك الظمأ اكتفاء بدلالة المقابلة،
وَلا تَضْحَى
نحو قوله تعالى: ﴿سَرَّبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد، وترك
المأوى لشمول الكسوة التي هي السترة له إيماءً، أو إشارةً، قاله القاري(٢).
وعبارة الطيبيّ: ولَمّا فرغ من الامتنان بأمور الدين شرع في الامتنان بأمور
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن الكريم)) ٥٠٩/٢١ - ٥١٢.
(٢) ((المرقاة)) ١٥٥/٥.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الدنيا، وذكر منها ما هو أصلٌ فيها، ومكمِّل لمنافعها، من الشِّبَع، واللُّبس،
ولا يُستغنى عنهما، ومن ثمّ وصف الجنّة بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَ
6)﴾ [طه: ١١٨](١).
تَعْری
(يَا عِبَادِي كُلَّكُمْ جَائِعٌ)؛ أي: محتاج إلى الطعام (إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ)؛ أي:
بسطت عليه الرزق، وأغنيته، (فَاسْتَطْعِمُونِي)؛ أي: اطلبوا الطعام من جنابي،
وتيسير القوت والقوّةٍ من بابي، (أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي) كرّره للتنبيه على فخامته،
والاعتناء بشأنه، (كُلَّكُمْ عَارٍ)؛ أي: محتاج إلى ستر عورته، وإلى التنعّم بأنواع
اللباس، وزينته، (إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي)؛ أي: اطلبوا مني الكسوة
(أَكْسُكُمْ) بضمّ السين، من باب غزا يغزو، قال الطيبيّ كَّتُهُ: فإن قلت: ما
معنى الاستثناء في قوله: ((إلا من أطعمته))، و((إلا من كسوته))؛ إذ ليس أحد من
الناس محروماً عنهما؟.
قلت: الإطعام والكسوة لَمّا كانا معبِّرَين عن النفع التّامّ، والبسط في
الرزق، وعدمهما عن التقتير والتضيّق، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ﴾ [الزمر: ٥٢] ظهر من هذا أنه ليس المراد من إثبات الجوع والعري
في المستثنى منه نفي الشبع، والكسوة بالكليّة، وليس في المستثنى إثبات الشبع
والكسوة مطلقاً، بل المراد بَسْطهما، وتكثيرهما. انتهى كلام الطيبيّ نَّتُهُ ببعض
تصرّف(٢).
(يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ) قال النوويّ تَخْتُ: الرواية المشهورة: ((تُخطئون))
بضم التاء، ورُوي بفتحها، وفتح الطاء، يقال: خَطِئَ يَخْطَأ: إذا فَعَل ما يأثم
به، فهو خاطئ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَا خَطِينَ﴾ [يوسف:
٩٧]، ويقال في الإثم أيضاً: أخطأ، فهما صحيحان. انتهى (٣).
وعبارة الفيّوميّ كَُّهُ: ((الخَطَأُ)): مهموز بفتحتين: ضدّ الصواب، ويُقصر،
ويُمدّ، وهو اسم من أَخْطَأَ، فهو مُخْطِئٌ، قال أبو عبيدة: خَطِئَ خِطْئاً، من باب
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٨/٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٨/٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١٦ - ١٣٤.

٤٩١
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
عَلِمَ، وأَخْطَأَ: بمعنى واحد لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِئَ في
الدِّين، وأَخْطَأَ في كلّ شيء عامداً كان، أو غير عامد، وقيل: خَطِئّ: إذا تعمَّد
ما نُهي عنه، فهو خَاطِئٌ، وأَخطأ: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد
غير الصواب، وفَعَله، قيل: قَصَده، أو تعمَّده، والخِطْءُ: الذنب؛ تسميةً
بالمصدر، وخَطَّأْتُهُ بالتثقيل: قلت له: أَخْطَأْتُ، أو جعلته مُخْطِئاً، وأَخْطَأَهُ
الحقّ: إذا بَعُد عنه، وأَخْطَأَهُ السهمُ: تجاوزه، ولم يُصبه، وتخفيف الرباعي
جائز. انتهى(١).
وقوله: (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ أي: في هذين الزمانين، وأما تخصيص النهار
في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنََّارِ﴾ [الأنعام:
٦٠]؛ لغَلَبة الذنب فيه(٢).
(وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)؛ أي: بالتوبة، أو ما عدا الشرك إن شاء،
جمعاً بين آيتي الزمر والنساء، أو بالاستغفار والأذكار، ونحوهما(٣).
(فَاسْتَغْفِرُونِي)؛ أي: اطلبوا منّي مغفرة ذنوبكم (أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ
تَبْلُغُوا ضَرِّي)، وقوله: (فَتَضُرُّوني) منصوب بعد الفاء السببيّة في جواب النفي،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
والمحذوف منه نون الرفع، والموجودة هي نون الوقاية، ومثله قوله:
((فتنفعوني)). (وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي) قال الطيبيّ؛ أي: لن تبلغوا لعجزكم
إلى مضرّتي، ولا يستقيم، ولا يصحّ منكم أن تضرّوني، أو تنفعوني، حتى
أتضرّر، أو أنتفع بكم؛ لأنكم لو اجتمعتم على عبادتي أقصى ما يمكن ما
نفعتموني، ولا زدتم في ملكي شيئاً، ولو اجتمعتم كلّكم على عصياني ما
ضررتموني، ولا نقصتم من ملكي شيئاً، فالقرينتان الأخيرتان كالنشر للأوَّلَيْن.
(٤)
انتھی
(١) ((المصباح المنير)) ١٧٤/١ - ١٧٥.
(٢) ((المرقاة)) ١٥٦/٥.
(٣) ((المرقاة)) ١٥٦/٥.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٨/٦.

٤٩٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ)؛ أي: الموجودين، (وَآخِرَكُمْ) ممن سيوجد،
وقيل؛ أي: من الأموات والأحياء، والمراد: جميعكم، (وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ)
تعميم بعد تعميم؛ للتأكيد، أو تفصيل وتبيين(١). (كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ
وَاحِدٍ مِنْكُمْ)؛ أي: لو كنتم على غاية التقوى، بأن تكونوا جميعاً على تقوى
أتقى قلب رجل واحد منكم، قاله القاري(٢).
وقال البيضاويّ؛ أي: على تقوى قلب رجل، أو على أتقى أحوال رجل
واحد، قال الطيبيّ بعد نقل كلام البيضاويّ هذا: أقول: لا بُدّ من هذا التقدير
ليستقيم أن يقع ((أتقى)) خبراً لـ((كان))، ثم إنه لم يُرَد أن كلّهم بمنزلة رجل
واحد، هو أتقى من الناس، بل كلّ واحد من الجمع بمنزلته؛ لأن هذا أبلغ؛
كقولك: ركبوا فرسهم، وعليه قوله تعالى: ﴿خَتَّمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾
[البقرة: ٧] في وجه.
ثم إضافة ((أفعل)) إلى نكرة مفردة تدلّ على أنك لو تقصّيت قلب رجل
رجل من كل الخلائق لم تجد أتقى قلباً من هذا الرجل. انتهى (٣).
قال القاري بعد نقل كلام الطيبيّ المذكور ما نصّه: ولهذا فُسّر بقلب
نبيّنا وَّة، وقلب الأشقى بقلب إبليس. انتهى(٤).
(مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً) قال القاري: ((شيئاً)) إما مفعول به، أو
مصدرٌ، وهذا راجع إلى ((لن تبلغوا))، ففي ((فتنفعوني)) نشر مشوّشٌ؛ اعتماداً
على فهم السامع، ولمقاربة المناسبة بين المتوسّطين، ويُسمّى ترقّياً، وتدلّياً،
ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾
الآية [آل عمران: ١٠٦]. انتهى(٥) .
(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرٍ)؛
أي: فجور أفجر، أو على أفجر أحواله، (قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) زاد في بعض
النُّسخ: ((منكم))، (مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً) قال الطيبيّ: ((شيئاً)) يجوز أن
(١) ((المرقاة)) ١٥٦/٥.
(٢) ((المرقاة)) ١٥٦/٥.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٨/٦ - ١٨٣٩.
(٤) ((المرقاة)) ١٥٦/٥.
(٥) ((المرقاة)) ١٥٦/٥.

٤٩٣
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
يكون مفعولاً به، إن قلنا: إن ((نقص)) متعدّ، ومفعولاً مطلقاً، إن قلنا: إنه
لازم؛ أي: نقص نُقصاناً قليلاً، فالتنكير فيه للتحقير بقرينة قوله في الحديث
الآخر: ((جناح بعوضة))(١). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار الطيبيّ كَُّ إلى أن ((نقص)) يتعدّى،
ويلزم، وعبارة الفيّوميّ تَخْتُهُ: نَقَصَ نَقْصاً، من باب قَتَل، ونُقْصَاناً، وانْتَقَصَ:
ذهب منه شيء بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ، يتعدى، ولا يتعدى، هذه اللغة الفصيحة،
وبها جاء القرآن في قوله: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، و﴿غَيَّ مَنْقُوصٍ﴾
[هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام
فصيح، ويتعدى أيضاً بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصْتُ زيداً حَقَّهُ، وانْتَقَصْتُهُ
مثله، ودرهم نَاقِصٌ: غير تام الوزن. انتهى(٣) .
وقال القاري: وهذا - يعني: قوله: ((ما نقص ... إلخ)) - راجع إلى
قوله: ((لن تبلغوا ضرّي، فتضرّوني)).
(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا)؛ أي: وقفوا،
أو استمرّوا (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) الصعيد وجه الأرض، قال البيضاويّ: قيّد
السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحم السُّؤَال، وازدحامهم مما يُدهش
المسؤول، ويَبْهَته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلى مطالبهم.
(٤)
انتهى .
(فَسَأَلُونِ)؛ أي: كلهم أجمعون، (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَتَهُ)؛ أي: في
آن واحد، ومكان واحد، (مَا نَقَصَ ذَلِكَ) الإعطاء (مِمَّا عِنْدِي) ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ
﴾ [الحجر: ٢١]، (إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ)
إِلَّا عِندَنَا خَرَِّنُهُ، وَمَا نُقَزِلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
((ما)) مصدريّة، أو مؤولة؛ أي: كالنقص، أو الشيء الذي ينقصه (الْمِخْيَطُ)
(١) أي: في رواية ابن ماجه، فإنه وقع عنده في الموضعين بلفظ: ((جناح بعوضة)) برقم
(٤٢٥٧).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٩/٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٢١/٢.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٩/٦.

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة: الإبرة، (إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) ببناء الفعل
للمفعول، و((البحرَ)) منصوب على أنه مفعول ثانٍ.
قال الطيبيّ: غَمْس المخيط في البحر، وإن لم يَخْلُ عن نقصٍ ما، لكنه
لَمّا لم يَظهر ما ينقصه للحسّ، ولم يَعتدّ به العقل، وكان أقرب المحسوسات
نظيراً ومثالاً، شبّه به صرفَ ملتمسات السائلين مما عنده، فإنه لا يَغيضه مثل
ذلك، ولا أقلّ منه(١) .
وقال النوويّ تَخْتُ: ((المخيط)): بكسر الميم، وفتح الياء: هو الإبرة، قال
العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه: لا ينقص شيئاً أصلاً، كما قال في
الحديث الآخر: ((لا يَغيضها نفقةٌ))؛ أي: لا ينقصها نفقةٌ؛ لأن ما عند الله لا
يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدودَ الفانيَ، وعطاءُ الله تعالى من
رحمته، وكرمه، وهما صفتان قديمتان، لا يتطرق إليهما نقص، فضَرَب المثل
بالمخيط في البحر؛ لأنه غاية ما يُضْرَب به المثل في القلّة، والمقصود:
التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه، فإن البحر من أعظم المرئيات عياناً،
وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة، لا يتعلق بها ماء،
والله أعلم. انتهى(٢).
(بَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، أُخْصِيهَا لَكُمْ) وفي بعض النسخ: ((عليكم))؛
أي: أحفظها، وأكتبها، (ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا) التوفية إعطاء حقّ كلّ واحد على
التمام، قال البيضاويّ؛ أي: هي جزاء أعمالكم، فأحفظها لكم، ثم أؤدّيها
إليكم تامّة وافيةً، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ.
وقال المظهر: ((أعمالكم)) تفسير لضمير المؤنّث في قوله: ((إنما هي))؛
يعني: إنما نُحصي أعمالكم؛ أي: نعدّ، ونكتب أعمالكم من الخير والشرّ؛
توفيةً لجزاء عمل أحدكم على التمام.
وقال الطيبيّ: يمكن أن يرجع الضمير إلى ما يُفهم من قوله: ((أتقى قلب
رجل))، و((أفجر قلب رجل))، وهي الأعمال الصالحات، والطالحات، ويشهد
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٣٩/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٣٣.

٤٩٥
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
له لفظ ((إنما))، فإنها تستدعي الحصر؛ أي: ليس نفعها، وضرّها راجعاً إليّ،
بل أحصيها لكم؛ لأجازيكم بها، (فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً)؛ أي: توفيقاً للخير من
ربّه، وعَمَلَ خيرٍ من نفسه، (فَلْيَحْمَدِ اللهَ)؛ أي: ليشكره على ذلك الخير؛ لأنه
تعالى هو هادي الضّلّال، وموفّقهم للخيرات. (وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ)؛ أي:
وجد الشرّ، (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))) لأنه صدر من نفسه، أو لأنه باق على
ضلاله الذي أشار إليه بقوله: ((كلّكم ضالّ)).
قال ابن تيميّة تَخْذَلُ: فقد بيَّن هذا الحديث أن من وجد خيراً بالعمل
الصالح، فليحمد الله تعالى، فإنه هو الذي أنعم عليه بذلك، وإن وجد غير
ذلك، إما شرّاً له عقاب، وإما عَبَثاً لا فائدة فيه، فلا يلومنّ إلا نفسه، فإنه هو
الذي ظلم نفسه، وكل حادث فبقدرة الله ومشيئته. انتهى.
وقوله: (قَالَ سَعِيدٌ) هو سعيد بن عبد العزيز الراوي عن ربيعة بن يزيد،
والظاهر أنه أخذه عن ربيعة؛ لأنه لم يُدرك أبا إدريس، فإنه مات سنة ثمانين
من الهجرة، ووُلد سعيد سنة تسعين من الهجرة، على ما نُقل عن أبي مسهر (١)،
فيكون ولادته بعد عشر سنين من موت أبي إدريس، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله بن عبد الله (الْخَوْلَانِيُّ) بفتح الخاء المعجمة،
وسكون الواو: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن
أُدَد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وبعض خولان يقولون:
خولان بن عمرو بن إلحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ، واسم
خولان: أَفْكل، وهي قبيلة نزلت الشام، قاله في ((اللباب))(٢). (إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا
الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) إجلالاً لهذا الحديث القدسيّ الشريف، وتعظيماً له،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء ظ﴾
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٣٢/٢.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٧٢/١.

٤٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٥٠/١٥ و٦٥٥١ و٦٥٥٢] (٢٥٧٧)،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٤٩٠)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة))
(٢٤٩٥)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٥٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٤٦٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٠/٥)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٤٤١/٩)،
و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٩٢/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦١٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٤١/٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٥٪
١٢٥ - ١٢٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٣/٦)، و(الرافعيّ) في ((أخبار
قزوين)) (١٧٦/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخه)) (١٣٨/٢٦ و٢٢٤/٣٨)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(اعلم) أن الحافظ ابن رجب تَّتُهُ شرح هذا الحديث شرحاً موسّعاً في
كتابه ((جامع العلوم والحكم))، وذكر فوائده خلال الشرح، فأجاد، وأفاد،
أحببت نَقْله هنا؛ لكثرة فوائده، وغزراة عوائده، قال - بعد أن أورد سياق
مسلم - ما نصّه :
هذا الحديث خرّجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن
يزيد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ، وفي آخره: قال سعيد بن
عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولانيّ إذا حدّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه،
وخرّجه مسلم أيضاً من رواية قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي
ذرّ، عن النبيّ وَّهِ، ولم يَسُقْه بلفظهم، ولكنه قال: وساق الحديث بنحو سياق
أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتمّ، وخرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن
ماجه، من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذرّ قال:
قال رسول الله وَ﴾: يقول الله تعالى: ((يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته،
فاسألوني الْهُدَى أَهْدِكم، وكلكم فقير إلا من أغنيته، فاسألوني أرزقكم، وكلكم
مذنب إلا من عافيته، فمن عَلِم منكم أني ذو قدرة على المغفرة، واستغفرني
غفرت له، ولا أبالي، ولو أن أولكم وآخركم، وحيَّكم وميتكم، ورَظْبكم
ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي، ما زاد ذلك في ملكي

٤٩٧
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْم - حديث رقم (٦٥٥٠)
جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم، وحيّكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم،
اجتمعوا في صعيد واحد، فيسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل
سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي، إلا كما لو أن أحدكم مَرّ بالبحر،
فغمس فيه إبرةً، ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد،
عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن
فیکون))، وهذا لفظ الترمذيّ، وقال: حديث حسن.
وخرّجه الطبرانيّ بمعناه، من حديث أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ وَلـ
إلا أن إسناده ضعيف، وحديث أبي ذرّ قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث
لأهل الشام.
فقوله قيقي فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي))؛
يعني: أنه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال رَ: ﴿وَمَّ أَنْ بِظَلَِّ لِلْسِيدِ﴾ [ق:
٢٩]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقال: ﴿وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ
ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ
ذَرَّةِ﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَلَا يَخَافُ خُطُلَّمًا
(١)﴾ [طه: ١١٢]، والهضم أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم أن
وَلَا هَضْمًا
يعاقب بذنوب غيره، ومثل هذا كثير في القرآن.
وهو مما يدلّ على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا يفعله فضلاً منه
وَجُوداً وكَرَماً وإحساناً إلى عباده.
وقد فسَّر كثير من العلماء الظلم بأنه وَضْع الأشياء في غير مواضعها،
وأما من فسَّره بالتصرف في مُلك الغير بغير إذنه، وقد نُقل نحوه عن إياس بن
معاوية وغيره، فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغير متصوَّر في حقه؛
لأن كل ما يفعله فهو تصرُّف في ملكه، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي
لعمران بن حصين، حين سأله عن القَدَر.
وخرّج أبو داود، وابن ماجه، من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن
وهب بن خالد الحمصيّ، عن ابن الديلميّ، أنه سمع أُبَيّ بن كعب يقول: لو
أن الله تعالى عَذّب أهل سمُواته، وأهل أرضه، لعذّبهم، وهو غير ظالم لهم،

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
ولو رحمهم، لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، وأنه أَتَى ابن مسعود، فقال
له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت، فحدّثه عن النبيّ وَلَه بمثل ذلك(١).
وفي هذا الحديث نظر، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم(٢)،
وقد يُحمَل على أنه لو أراد تعذيبهم لقدّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم
لهم حينئذ، وكونه خَلَق أفعال العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وَصْفه
بالظلم ◌َّة، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقه،
وتقديره، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، ولا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال
عباده مخلوقاته، ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام
به من صفاته، وأفعاله، والله أعلم.
وقوله: ((وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا))؛ يعني: أنه تعالى حرَّم
الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كلّ عبد أن
يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرَّم مطلقاً، وهو نوعان:
أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق،
فعبده، وتألّهه، فهو وَضْع الأشياء في غير مواضعها، وأكثر ما ذُكر في القرآن
من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون، كما قال الله رَك: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ
الظّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها، من كبائر،
وصغائر.
والثاني: ظُلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال
النبيّ وَّ في خطبته في حجة الوداع: ((إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم،
عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا))، ورُوي
(١) رواه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وصحّحه ابن حبّان (٧٢٧).
(٢) هكذا قال ابن رجب، وهذا منه عجيب، فإن وهب بن خالد هو الحميريّ، أبو
خالد الحمصيّ، ثقة من السابعة، قاله في ((التقريب))، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح،
والحديث صحيح، وقد بيّنت ذلك في ((شرح ابن ماجه)) برقم (٧٧)، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.

٤٩٩
(١٥) - بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ - حديث رقم (٦٥٥٠)
عنه أنه خطب بذلك في يوم النحر من عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني
من أيام التشريق، وفي رواية ثم قال: ((اسمعوا مني، تعيشوا، ألا لا تظالموا،
إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه))(١)، وفي ((الصحيحين)) عن
ابن عمر، عن النبيّ وَلهم أنه قال: ((إن الظلم ظلمات يوم القيامة))، وفيهما عن
أبي موسى، عن النبيّ وَّهِ قال: ((إن الله لَيُمْلي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُقْلِته،
ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ
[هود: ١٠٢]))، وفي ((صحيح البخاريّ)) عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((من
كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلل منها، فإنه ليس ثَمّ دينار، ولا درهم، من
قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات
أخیه، فطرحت عليه)).
قوله: ((يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي
كلكم جائع، إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من
كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر
الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم)).
هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جَلْب مصالحهم،
ودَفْع مضارّهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئاً من
ذلك كلّه، وأن من لم يتفضل الله عليه بالْهُدى والرزق، فإنه يُحْرَمهما في
الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه في الآخرة،
قال الله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾
[الكهف: ١٧]، ومثل هذا كثير في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن
[فاطر:
رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٢]، وقال: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تعالى
حاكياً عن آدم وزوجه إليِّ أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن نوح - عليه الصلاة والسلام - أنه
قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
(١) رواه أحمد ٥/ ٧٢، وفيه عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف.

٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقد استَدَلّ إبراهيم الخليل عَلَّ بتفرّد الله بهذه الأمور على أنه لا إله
غيره، وأن كل ما أُشرك معه باطل، فقال لقومه: ﴿قَالَ أَفََّيْتُم مَّا كُمْ تَعْبُدُونَ
٧٥
الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ
فَإِنَهُمْ عَدُوٌّ لِيَّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ (3)
Vi
أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
هُدِینِ
وَالَّذِى يُمِنُنِىِ
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
٧٩
وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينٍ
ثُمَّ ◌ُحْبِينِ
وَالَّذِىَ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِ يَوْمَ الذِينِ (٨ رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا
AD
وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٣]، فإن من تفرَّد بخلق العبد، وبهدايته،
وبرزقه، وإحيائه، وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة مستحقّ أن يُفْرد
بالإلهية، والعبادة، والسؤال، والتضرع، والاستكانة له، قال الله ريك: ﴿اللَّهُ
الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحْمِيكُمْ هَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن
[الروم: ٤٠].
٤٠
ذَلِكُمْ مِّنِ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم
ودنياهم، من الطعام، والشراب، والكسوة، وغير ذلك، كما يسألونه الهداية،
والمغفرة، وفي الحديث: (لِيَسْأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسَع نَعْله إذا
انقطع))(١) .
وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه، حتى مِلْح عجينه،
وعَلَفَ شاتِه، وفي الإسرائيليات أن موسى لعلّها قال: ((يا رب إنه ليَعْرض لي
الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سَلْني حتى ملح عجينك، وعلف
حمارك))، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله، فقد أظهر حاجته فيه،
وافتقاره إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله
شيئاً من مصالح الدنيا، والاقتداء بالسُّنَّة أَولى.
وقوله: ((كلكم ضالّ إلا من هديته)) قد ظنّ بعضهم أنه معارِض لحديث
عياض بن حمار، عن النبيّ وَّه يقول الله رَحَمّت: ((خلقت عبادي حنفاء - وفي رواية -
مسلمين، فاجتالتهم الشياطين)) (٢) وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم، وفَطَرهم
على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ، والاستعداد له بالقوّة،
لكن لا بدّ للعبد من تعلّم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلّم جاهل لا يعلم،
(١) حسّنه بعضهم.
(٢) رواه مسلم، وأحمد، وابن حبّان.