Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنٍ فِيمَا يُصِيبُهُمِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزٍْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ -حديث رقم (٦٥٤٦) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ کَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الکوفیّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود العشرين ومائة، ووَهِم من قال: إن القطان تَكَلَّم فيه، أو إنه خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن فإن ذاك هو ابن عمرو بن علقمة (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٣/ ٧٩٧. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) الْخُدريّ سعد بن مالك بن سِنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ظ﴿يَا، استُصغر بأحد، ثم شَهِد ما بعدها، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. والباقون ذكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوی شیخیه، وأبي أسامة، فكوفيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه صحابيّان كلاهما من المكثرين السبعة . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿هَا؛ (أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَا) نافية، (يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ) بفتح الواو، والصاد المهملة، ثم الموحّدة؛ أي: كالمرض وزناً ومعنى، وقيل: هو المرض اللازم، (وَلَا نَصَبٍ) ٤٦٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب بفتح النون، والصاد المهملة، ثم موحّدة: هو التعب وزناً، ومعنّى، (وَلَا سَقَم) بفتحتين؛ كالمرض وزناً ومعنّى، ويقال فيه: السُّقْم، بضمّ، فسكون، قاَلَ الفيّوميّ تَكْلَّتُهُ: سَقِمَ سَقَماً، من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْماً، من باب قَرُب، فهو سَقِيمٌ، وجَمْعه سِقَامٌ بالكسر، مثلُ كَرِيم وكِرَام، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، والسَّقَامُ بالفتح: اسم منه. انتهى (١). (وَلَا حَزَنٍ) بفتحتين، ويضمّ، فسكون، قال الفيّوميّ: حَزِنْ حَزَناً، من باب تَعِب، والاسم: الحُزْنُ، بالضمّ، فهو حَزِين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنَنِي الأمرُ يَحْزُنُنِي، من باب قُتَل، قاله ثعلب، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومَثَّل الأزهريّ بِاسْم الفاعل والمفعول في اللغتين، على بابهما، ومنع أبو زيد استعمالَ الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يُستعمل المضارع من الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى(٢). وقال المجد تَظُّهُ: الحُزْنُ بالضم، ويُحَرَّكُ: الهَمُّ، جَمْعه: أحْزَانٌ، حَزِنَ؛ كَفَرِحَ، وتَحَزَّنَ، وتَحازَنَ، واحْتَزَنَ، فهو حَزْنانٌ، ومِحْزانٌ، وحَزَنَهُ الأَمْرُ حُزْناً بالضمّ، وأحْزَنَهُ، أو أحْزَنَهُ: جَعَلَهُ حَزِيناً، وحَزَنَهُ: جَعَلَ فيه حُزْناً، فهو مَحْزونٌ، ومُحْزَنٌ، وحَزِينٌ، وحَزِنٌ بكسر الزاي، وضَمِّها، جَمْعه: حِزانٌ، وحُزَناءُ. انتهى(٣) . وقال الطيبيّ تَخُّْ: قوله: ((نصب، ولا وصبٌ)) قال في ((النهاية)): النصب: التعب، والوَصب: دَوْم الوجع ولزومه، وقوله: ((ولا همّ، ولا حزن)) قال التوربشتيّ: الهمّ الحزن الذي يُذيب الإنسان، من قولهم: هممتُ الشحمَ، فالهمّ والحَزَن خشونة في النفس لِمَا يحصل فيها من الغمّ أخذاً من حُزونة الأرض، فعلى هذا الهمّ أخصّ، وأبلغ من الحَزَن، وقيل: الهمّ يختصّ بما هو آتٍ، والحزن بما مضى. روى الترمذيّ أن وكيعاً قال: لم يُسمع في الهمّ أنه كفّارة إلا في هذا الحدیث. وقال المظهر: الغمّ: الحزن الذي يغمّ الرجل؛ أي: يصيّره بحيث يقرب (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٨٠. (٣) ((القاموس المحيط)) ١٥٣٥/١. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٣٤. ٤٦٣ (١٤) - بَابُ ثَوَابٍ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٦) أن يُغمى عليه، والحزن أسهل منه. انتهى(١). (حَتَّى الْهَمِّ) يَحْتَمِل الجرّ، والرفع، أما الجرّ فبـ((حتى))؛ لأنها جارّة للغاية؛ أي: حتى ينتهي إلى الهمّ، أو بالعطف بـ((حتّى)) على لفظ ما قبله، وأما الرفع فبالعطف على موضعه؛ لأن ((من)) زائدة، أو يكون مبتدأ على أن ((حتّى)) ابتدائيّة، كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ فيكون الخبر محذوفاً؛ أي: يثاب عليه، أو الخبر قوله: (يُهِمُّهُ) بفتح أوله، من الهمّ ثلاثيّاً، أو بضمّها، من الإهمام رباعيّاً، قال الفيّوميّ تَظُّهُ: الهَمُّ: الحزن، وأَهَمَّنِي الأمرُ بالألف: أقلقني، وهَمَّنِي هَمّاً، من باب قَتَل (٢) مثله. انتهى (٢). وقال المجد تَخُّْهُ: الهَمُّ: الحَزَنُ، جَمْعه: هُمومٌ، وما هَمَّ به في نفسه، وهَمَّه الأَمْرُ هَمّاً، ومَهَمَّةً: حَزَنَه؛ كأَهَمَّه، فاهْتَمَّ، والسُّقْمُ جِسْمَه: أذابَهُ، وأُذْهَبَ لَحْمَه، والشَّحْمَ: أذابه، فانْهَمَّ. انتهى(٣). وقال النوويّ كَّلُ: ((الوصب)): الوجع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُ﴾؛ أي: لازم ثابت، و((النصب)): التعب، وقد نَصِبَ يَنْصَب نَصَباً؛ كَفَرِح يَفْرَحِ فَرَحاً، ونَصَبه غيره، وأنصبه، لغتان، و((السقم)): بضم السين، وإسكان القاف، وفَتْحهما، لغتان، وكذلك الْحُزْن والْحَزَن، فيه اللغتان، و((يهمه)) قال القاضي: هو بضم الياء، وفتح الهاء، على ما لم يُسَمّ فاعله، وضبطه غيره يَهُمه، بفتح الياء، وضم الهاء؛ أي: يَغُمّه، وكلاهما صحيح. (٤) انتھی (٤). وقال القرطبيّ تَخُّْ: ((الوصب)): المرض، يقال منه: وَصِبَ الرجلُ، يَوْصَبُ، فهو وصيب، وأوصبه الله، فهو مُوصَبٌ، و((النصب)): التعب، والمشقة، يقال منه: نَصِب الرجلُ - بالكسر - يَنصَب - بالفتح - وأنصبه غيره: (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٣٨/٤ - ١٣٣٩. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٦. (٣) ((القاموس المحيط)) ١٥١٢/١. ٤٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب إذا أتعبه، فهو مُنصَبٌ، وهَمّ ناصبٌ؛ أي: ذو نصب، و((السقم)): المرض الشديد، يقال منه: سَقِم يَسْقَمُ، فهو سقيم، و((الهم)): الحزن، والجمع: الهموم، وأهمَّني الأمر: إذا أقلقني، وحَزَنني، والمهِمّ: الأمر الشديد، وهمّني المرض: أذابني. قال القرطبيّ: هذا نقلُ أهل اللغة، وقد سوُوا فيه بين الحزن والهم، وعلى هذا فيكون الحزن والهم المذكوران في الحديث مترادفين، ومقصود الحديث ليس كذلك، بل مقصوده: التسوية بين الحزن الشديد، الذي يكون عن فَقْد محبوب، والهمّ الذي يُقلق الإنسان، ويشتغل به فكره من شيء يخافه، أو يكرهه في أنّ كل واحد منهما يكفّر به، كما قد جمع في هذا الحديث نفسه بين الوَصَب، وهو المرض، وبين السّقم، لكن أطلق الوصب على الخفيف منه، والسقم على الشديد، ويرتفع الترادف بهذا القدر. انتهى(١). ولفظ البخاريّ كَّهُ: ((ما يصيب المسلم، من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذَّى، ولا غمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه)). انتهى (٢)، قال في ((الفتح)): قوله: ((من نصب)) بفتح النون، والمهملة، ثم موحّدة: هو التعب، وزنه ومعناه، وقوله: ((ولا وصب)) بفتح الواو، والمهملة، ثم الموحّدة؛ أي: مرض، وزنه ومعناه، وقيل: هو المرض اللازم، وقوله: ((ولا همّ، ولا حزن)): هما من أمراض الباطن، ولذلك ساغ عَظْفهما على الوصب، قوله: ((ولا أذى)): هو أعمّ مما تقدم، وقيل: هو خاصّ بما يَلحق الشخص من تعدّي غيره عليه، وقوله: ((ولا غمّ)) بِالْغين المعجمة: هو أيضاً من أمراض الباطن، وهو ما يَضيق على القلب، وقيل في هذه الأشياء الثلاثة، وهي الهمّ، والغمّ، والحزن: إن الهمّ ينشأ عن الفكر فيما يُتوقع حصوله، مما يُتأذَّى به، والغمّ كرب يَحدُث للقلب بسبب ما حصل، والحزن يَحدُث لِفَقْد ما يَشُقّ على المرء فَقْده، وقيل: الهمّ، والغمّ بمعنى واحد. وقال الكرمانيّ(٣): الغمّ يَشمل جميع أنواع المكروهات؛ لأنه إما بسبب (١) ((المفهم)) ٦ /٥٤٥ - ٥٤٦. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٣٧/٥. (٣) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٧٦/٢٠ - ١٧٧. ٤٦٥ (١٤) - بَابُ ثَوَابٍ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٧) ما يَعرِض للبدن، أو النفس، والأول إما بحيث يُخرِج عن المجرى الطبيعيّ، أو لا، والثاني إما أن يلاحظ فيه الغير، أو لا، وإما أن يظهر فيه الانقباض، أو لا، وإما بالنظر إلى الماضي، أو لا. انتهى(١). (إِلَّا كُفِّرَ) بضمّ الكاف، وتشديد الفاء، مبنيّاً للمفعول، يقال: كفّر الله عنه الذنب؛ أي: محاه، ومنه الكفّار؛ لأنها تكفّر الذنب(٢). (بِهِ)؛ أي: بسبب ما أصابه من هذه الأشياء المذكورة، وقوله: (مِنْ سَيِّئَاتِهِ))) متعلّق بـ(كفّر))، ولفظ البخاريّ: ((من خطاياه))، وظاهره أن ((من)) للتبعيض، ويَحْتَمِل أن تكون زائدة على رأي من يجوّز زيادتها في الإثبات، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة ﴿ما هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٤٦/١٤] (٢٥٧٣)، و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٤١ و٥٦٤٢) وفي ((الأدب المفرد)» (١٧٣/١)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨/٢ و٣٠٣ و٣٣٥ و١٨٠١٩/٣ و٤٨ و٤٠٢)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٢٩٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٠٥)، و(البيهقي) في ((الكبرى)) (٣٧٣/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٢١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌ََّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٧] (٢٥٧٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:" لَمَّا نَزَّلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغاً (١) ((الفتح)) ١٠/١٣، و((عمدة القاري)) ٢٠٩/٢١. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٣٥/٢. ٤٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُّهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ (١) يُشَاكُهَا)). قَالَ مُسْلِمٌ: هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ، مِنْ أَهْلِ مَكّةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْن مُحَيْصِنِ شَيْخِ مِنْ قُرَيْشٍ) هو: عُمر بن عبد الرحمن بن مُحَيصن - بمهملتين، مصغّراً،ً آخره نون - السهميّ، أبو حفص، قارئ أهل مكة، قال البخاريّ: ومنهم من قال: محمد بن عبد الرحمن، ثقة (٢) [٥]. رَوَى عن أبيه، وصفية بنت شيبة، ومحمد بن قيس بن مخرمة، وأبي سلمة بن سفيان. ورَوَى عنه ابن جُريج، وإسحاق بن حازم المدنيّ، وعبد الله بن المؤمل، وشِبْل بن عَبّاد، والسفيانان، وهشيم. قال الدُّوريّ عن ابن معين: عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، وقد اختلف في اسمه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال صاحب ((الكمال)): في القراءات كان قرين ابن كثير، قرأ على مجاهد، وغيره، وكان مجاهد يقول: ابن محيصن يَبْنِي، ويَرُصّ؛ يعني: أنه عالم بالعربية، والأثر، قال: ومات سنة ثلاث وعشرين ومائة. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحدیث. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن المطلب المطلبيّ، يقال: له رؤيةٌ، وقد وثقه أبو داود، وغيره [٢] (م مد ت س) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٥٦/٣٣. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((سفيان)) هو ابن عيينة. (١) وفي نسخة: ((والشوكة)). (٢) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، والذهبيّ في ((تذهيب التهذيب))، وأخرج له مسلم هنا في ((الصحيح))، ولم يتكلّم أحد بجرحه، فهو ثقة بلا تردّد، راجع: ما ذكره صاحب ((تحرير تقريب التهذيب» ٧٩/٣. ٤٦٧ (١٤) - بَابُ ثَوَابٍ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٧) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف دَّثُ، وأنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني كوفيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه؛ أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]) قال أبو جعفر الطبريّ تَخَّتُهُ في تفسير هذه الآية بعد أن ذكر أقوالاً في تفسيرها ما نصّه: وأَولى التأويلات التي ذكرناها بتأويل الآية: التأويل الذي ذكرناه عن أُبَيّ بن كعب، وعائشة، وهو أن كلَّ من عَمِل سوءاً صغيراً أو كبيراً، من مؤمن أو كافر جوزي به. وإنما قلنا: ذلك أَولى بتأويل الآية؛ لعموم الآية كلَّ عامل سوء، من غير أن يُخَصّ، أو يُستثنَى منهم أحد، فهي على عمومها؛ إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول. فإن قال قائل: وأين ذلك من قول الله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وكيف يجوز أن يُجازي على ما قد وعد تكفيره؟. قيل: إنه لم يَعِدْ بقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ترك المجازاة عليها، وإنما وَعَد التكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهل الشرك والنفاق. فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب؛ ليكفّرها عنهم بها؛ ليوافوه، ولا ذنب لهم، يستحقون المجازاة عليه، فإنما وَفّى لهم بما وعدهم بقوله: ﴿تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وأنجز لهم ما ضَمِن لهم بقوله: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ﴾ [النساء: ٥٧]. قال: وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله وَله. ثم أورد حديث الباب، وأحاديث أخرى(١)، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. (١) ((تفسير الطبريّ)) ٢٩٣/٥. ٤٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((قَارِبُوا)؛ أي: اقصدوا أقرب الأمور فيما تعبدتم به، ولا تغلوا فيه، ولا تقصِّروا، وقيل: هو من قولهم: قاربت الرجلَ: لاطفتُه بكلام حسنٍ لطيف، قاله المناويّ تَذْتُ(١)، وقال النوويّ كَُّهُ: ((قاربوا))؛ أي: اقتصدوا، فلا تغلو، ولا تقصّروا، بل توسّطوا. انتهى(٢). (وَسَدِّدُوا)؛ أي: اقصدوا السَّداد، وهو الصواب في كلّ أمر، (فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا) هي مثل العثرة يَعثُرها برجله، وربما جُرحت إصبعه، وأصل النكب الكبّ، والقلب، قاله النوويّ ◌َّتُهُ(٣)، وقال الفيّوميّ تَذْتُ: النكبة: المصيبة، والجمع نَكَبات، مثلُ (٤) سجدة وسجَدات. انتهى . وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((حتى النكبة ينكبها، والشوكة يُشاكها)) يجوز فيه الوجهان؛ يعني: الجرّ، والرفع، كذلك قيّدهما المحققون، غير أن رفع ((الشوكة)) لا يجوز إلا على الابتداء خاصّة؛ لأنَّ ما قبلها لا موضع للرفع فيه، فتأمّله. قال الجامع عفا الله عنه: يجوز فيه الوجهان، بل يجوز فيه ثلاثة أوجه: الجرّ، والنصب، والرفع، على ما أسلفناه في قوله: ((حتى الهمّ يُهَمّه))، فتأمله بالإمعان. قال: وقيّده القاضي: يُهمّه بضم الياء، وفتح الهاء على ما لم يُسَمَّ فاعله، وكذا وجدته مقيّداً بخط شيخي أبي الصبر أيوب، والذي أذكر أنّي قرأت به(٥) على من أثق به بفتح يَهُمّه - بفتح الياء، وضم الهاء، مبنيّاً للفاعل - ووجهه واضحٌ؛ إذ معناه: حتى الهم يُصيبه، أو يطرأ عليه، والنكبة بالباء: العثرة، والسقطة، و((يُنكبها)) - بضم الياء، وفتح الكاف -: مبنياً للمفعول. (٦) انتھی(٦). (١) ((فيض القدير)) ٤٦٨/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٦. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٦ - ٠١٣١ (٤) ((المصباح المنير)) ٦٢٤/٢. (٥) هكذا النسخة، والظاهر: قرأته، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. (٦) ((المفهم)» ٦/ ٥٤٧. ٤٦٩ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٧) (أَوِ الشَّوْكَةِ) ((أو)) هنا للتنويع، لا للشكّ، ووقع في بعض النُّسخ: ((والشوكة)) بالواو، وقوله: (يُشَاكُهَا))) حال من ((الشوكة))، أو صفة له؛ لأن المعرّف بـ((أل)) الجنسيّة كالنكرة، ومنه قول الشاعر [من الوافر]: فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فـ((يسبّني)) صفة لـ((اللئيم)). وقال الطيبيّ: قوله: ((حتى الشوكة يُشاكها)) قال في ((الكشّاف)): شُكتُ الرجلَ أشوكه؛ أي: أدخلت في جسده شوكةً، وَشِيك - على ما لم يُسمّ فاعله - يُشاك شوكةً . وقال المظهر: يجوز رفع ((الشوكة)) على الابتداء، والخبر ((يُشاكها))، وجرّها على أن ((حتى)) عاطفةٌ، أو بمعنى ((إلى))، والضمير في ((يشاكها)) مفعوله الثاني، والمفعول الأول ضمير أقيم مقام الفاعل، والمعنى: حتى الشوكة يشاك المسلم تلك الشوكةَ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ذَكر الرفع، والجرّ في ((الشوكة))، وقد قدّمنا أنه يجوز فيه النصب أيضاً بتقدير ناصب؛ أي: حتى وجدانِهِ الشوكة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ مُسْلِمٌ) من كلام المصنّف نفسه، وهو الظاهر، ويَحْتمل أن يكون من كلام أبي إسحاق تلميذه، والله تعالى أعلم. (هُوَ)؛ أي: ((ابن محيصن))، (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَبْصٍِ، مِنْ أَهْلِ مگةَ)، وقد تقدّم الخلاف في اسمه في ترجمته. وقال النوويّ تَُّ: قوله: ((عن ابن محيصن، شيخ من قريش، قال مسلم: هو عُمر بن عبد الرحمن بن محيصن))، وهكذا هو في معظم نُسخ بلادنا أن مسلماً قال: هو عمر بن عبد الرحمن، وفي بعضها: هو عبد الرحمن، وكذا نقله القاضي عن بعض الرواة، وهو غلط، والصواب الأول، ومحيصن بالنون في آخره، ووقع في بعض نُسخ المغاربة بحذفها، وهو تصحيف. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٦. ٤٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ. [تنبيه]: انتقد بعضهم سند هذا الحديث، قال أبو الفضل بن عمّار الشهيد تَخُّْ في ((علله)): ووجدت فيه - يعني: صحيح مسلم - حديث ابن عيينة، عن ابن مُحيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لمّا نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الحديث، فذكر بعض شيوخنا أنه سأل أبا عبد الله السكريّ، وكان أبو عبد الله أحفظ أهل زمانه عن هذا الحديث، فقال: هذا مرسلٌ، محمد بن قيس لم يسمع من أبي هريرة شيئاً. انتهى(١). وقد أجاب عن هذا الانتقاد أبو الحسن رشيد الدين ابن العطار تكّثهُ في ((غرره)): فقال ما نصّه: وقد ذكر بعض الحفاظ أن محمد بن قيس هذا لم يسمع من أبي هريرة. قال ابن العطّار: وذكر غير واحد من العلماء أن محمد بن قيس هذا حجازيّ، وأنه سمع من عائشة، فسماعه من أبي هريرة جائز، ممكن؛ لأنهما متعاصران، ويجمعهما قُطر واحد، فعلى مذهب مسلم تُحْمل روايته عنه على السماع، إلا أن يقوم دليل بَيِّن على خلافه، والله رَ أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة جواب ابن العطار عن مسلم أن الحديث صحيح عنده؛ لأنه وُجد شرط الصحّة لديه، وهو أن الراوي إذا عاصر من روى عنه، ولم يمنع مانع من لقيّه له، فحديثه صحيح محمول على الاتصال، ومن هنا كذلك، كما بيّنه ابن العطار، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٤٧/١٤] (٢٥٧٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٣٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٨/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٨/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤١٠/١)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّقه)) (٤٤٠/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٨٥/٢)، و(البيهقيّ) في (١) ((علل الحديث في كتاب الصحيح)) ١١٥/١. (٢) ((غرر الفوائد)) ٢٥٨/١. ٤٧١ (١٤) - ◌َابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِیمَا يُصِيبُهُمِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ،آوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ-حديث رقم (٦٥٤٨) ((الكبرى)) (٣٧٣/٣) وفي ((شُعب الإيمان (١٥٠/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. كانوا يتمسكون ٢ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن الصحابة بالعمومات في العِلْميّات، كما كانوا يتمسكون بها في العَمَليات. ٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من توقف في ألفاظ العموم، وأن من ألفاظه، وكذلك النكرة في سياق الشرط، فإنَّهم فَهِموا عموم الأشخاص من وعموم الأفعال السيّئة من ﴿سُوءًا﴾ المذكور في سياق الشرط. ٤ - (ومنها): أنه إنما عَظُم موقع هذه الآية على الصحابة ﴿ه؛ لأنَّ ظاهرها أنه ما من مكلّف يصدر عنه شرّ كائناً ما كان إلا جُوزي عليه يوم الجزاء، وأن ذلك لا يُغفر، وهذا أمر عظيم، فلما رأى النبيّ وَل﴿ شدّة ذلك عليهم سكّهم، وأرشدهم وبشّرهم، فقال: ((قاربوا، وسدّدوا))؛ أي: قاربوا في أفهامكم، وسدّدوا في أعمالكم، ولا تُقلّوا، ولا تُشدّدوا على أنفسكم، بل أبشِروا، واستبشروا بأن الله تعالى بلطفه قد جعل المصائب التي لا ينفكّ عنها أحد في هذه الدار سبباً لكفّارة الخطايا والأوزار، حتى يَرِد عليه المؤمن يوم القيامة، وقد خلّصه من تلك الأكدار، وطهّره من أذى تلك الأقذار؛ فضلاً من الله تعالى، ونعمةً، ولطفاً، ورحمة، قاله القرطبيّ تَظُّهُ(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٨] (٢٥٧٥) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَّسُولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ عَلَى أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟)). قَالَت: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))). (١) ((المفهم)) ٦ /٥٤٦ - ٥٤٧. ٤٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية العيشيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ) هو: الحجاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم، أبو الصَّلْت الكِنْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٨/٥٢. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يدلُّس [٤] (ت١٢٦) تقدم في ((الإيمان)) (ع) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ ثم السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى أبي الزبير، فمكيّ، والصحابيّ ◌َظُه، فمدنيّ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وأن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث : عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ) للشكّ من الراوي، (أَمِّ الْمُسَيَّبِ) قال في ((الإصابة)): أم السائب الأنصارية، قال أبو عمر: روى عنها أبو قلابة، عن النبيّ ◌ََّ في الْحُمّى، وقال بعضهم فيها: أم المسيّب، كذا قال، والذي في ((صحيح مسلم))، وعند ابن سعد، وأبي يعلى، وغيرهما من طريق حجاج الصّاف، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله مفر دخل على أم السائب ... الحديث. قال: وأخرج أبو نعيم من طريق الحسن بن أبي جعفر، وأبي الزبير، عن جابر، قال: أتى رسول الله وَّله على امرأة من الأنصار، يقال لها: أم ٤٧٣ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنٍ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٨) المسيّب، فذكر نحوه، وقال: رواه داود بن الزِّبْرِقان عن أيوب، عن أبي الزبير، فقال: أم السائب، وصله ابن منده من طريق داود، فقال: أم السائب جزماً، وأسنده من طريق الثقفيّ، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ثبت أن النبيّ وَّ﴿ مَرّ على أم السائب، فذكر الحديث نحوه، قال الحافظ: ولم أر في شيء من طرقه أنها أنصارية، بل ذكرها ابن كعب في قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار. انتهى(١). (فَقَالَ) وَِّ: ((مَا لَكِ) ((ما)) استفهاميّة؛ أي؛ أيُّ شيء ثبت لك (يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ) تقدّم أنها للشكّ، (يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟)) بزايين بصيغة المعلوم والمجهول؛ لأنه لازِم ومتعدّ، ويروى براءين على بناء الفاعل، قال الطيبيّ: رفرف الطائر بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط على شيء، والمعنى: مالكِ ترتعدين؟ ويُروى بالزاي، من الزفزفة، وهي الارتعاد من البرد، والمعنى: ما سبب هذا الارتعاد الشديد؟ أفاده القاري (٢). وقال القاضي عياض: ((تزفزفين)) بضم التاء، وفتح الزايين؛ أي: تُرعَدين، والزفزفة: الرِّعْدة، ورواه بعضهم بالراء والقاف، قال أبو مروان بن سراج: هما صحيحان بمعنى واحد. انتهى (٣). وقال ابن الجوزيّ: أصل الزفزفة: تحريك الرياح الحشيش حتى يُصَوِّت. (٤) انتھی (٤). وقال النوويّ: قوله: ((تزفزفين)) بزاءين معجمتين، وفاءين، والتاء مضمومة، قال القاضي: تُضمّ، وتُفتح، هذا هو الصحيح المشهور في ضبط هذه اللفظة، وادّعَى القاضي أنها رواية جميع رواة مسلم، ووقع في بعض نُسخ بلادنا بالراء، والفاء، ورواه بعضهم في غير مسلم بالراء، والقاف، ومعناه: (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢١٥/٨. (٢) ((المرقاة في شرح المشكاة)) ٢٣/٤ - ٢٤. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٣١٢/١. (٤) ((غريب الحديث)) لابن الجوزي ٤٣٨/١. ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب تتحركين حركة شديدةً؛ أي: ترعدين. انتهى (١). وقال القرطبيّ نَّثُهُ: وقوله: (تزفزفين)) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما، ويقال: بضم التاء، وفتحها، من الزفزفة، وهو صوت حفيف الريح، يقال: زفزفت الريحُ الحشيشَ؛ أي: حرّكته، وزفزف النّعَام في طيرانه؛ أي: حرّك جناحيه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سرّاج: يقال: بالقاف، وبالفاء بمعنى واحد، بمعنى تُرعَدين. قال القرطبيّ: ورواية الفاء أعرف روايةً، وأصحّ معنّى، وذلك أن الْحُمَّى تكون معها حركة ضعيفة، وحسّ صوتٍ يشبه الزفزفة، التي هي حركة الريح، وصوتها في الشجر، وقالوا: ريحٌ زفزافة، وزَفْزَفٌ. وأما الرقرقة بالراء، والقاف: في التلألؤ، واللّمَعان، ومنه: رَفْراق السّراب، ورقراق الماء: ما ظهر من لمعانه، غير أنه لا يظهر لمعانه، إلا إذا تحرّك، وجاء، وذهب، فلهذا حَسُن أن يقال: مكان الرقراقة، لكن تُفارق الزفزفة الرقرقة بأن الزفزفة معها صوت، وليس ذلك مع الرقرقة، فانفصلا. انتهى(٢). (قَالَتِ) المرأة: (الْحُمَّى) مفعول لفعل محذوف؛ أي: أصابتني الحمّى، وهي فُعْلَى، غير منصرفة؛ لألف التأنيث، والجمع حُمّيات(٣)، وقال القاري: الحمّى؛ أي: النوع المركّب من البلغم والصفراء الموجب لانزعاج البدن، وشدّة تحرّكه. انتهى (٤). وقولها: (لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا) دعاء على الحمى التي زفزفتها بأن لا تُبارَك. وقال القاري: ((الحمّى لا بارك الله فيها)) مبتدأ وخبره، والجملة تتضمّن الجواب، أو تقديره: تأخذني الحمّى، أو الحمّى معي، والجملة بعده دعائيّة. (٥) انتھی(٥) . (فَقَالَ) ◌َِّ نهياً لها عن هذا الدعاء: ((لَا تَسُبِّي الْحُمَّى) قال القرطبيّ كَّهُ: إنما قال هذا مع أنها لم تصرّح بسبّ الحمّى، وإنما دَعَتْ عليها (١) ((شرح النوويّ)) ١٣١/١٦. (٣) (المصباح المنير)) ١٥٣/١. (٢) ((المفهم)) ٥٤٨/٦. (٤) ((المرقاة في شرح المشكاة)) ٢٤/٤. (٥) ((المرقاة في شرح المشكاة)) ٢٤/٤. ٤٧٥ (١٤) - بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُّهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٨) بأن لا يُبارَك فيها، غير أن مثل هذا الدعاء يتضمّن تنقيص المدعوّ عليه وذمّه، فصار ذلك كالتصريح بالذمّ والسّبّ. انتهى(١). (فَإِنَّهَا) الفاء للتعليل؛ أي: لأنها (تُذْهِبُ) بضمّ أوله، من الإذهاب رباعيّاً؛ أي: تمحو، وتكفّر، وتزيل (خَطَايَا بَنِي آدَمَ) قال القرطبيّ تَخْتُ: قوله: ((فإنها ... إلخ)) تعليل لِمَنْعِ سبّ الْحُمَّى لِمَا يكون عنها من الثواب، فيتعدَّى ذلك لكل مشقّة، أو شدّة يرتجى عليها ثواب، فلا ينبغي أن يُذمّ شيءٍ من ذلك، ولا يُسبّ، وحِكمة ذلك أن سبّ ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرَّم، مع أنه لا يفيد ذلك فائدةً، ولا يُخفِّف أَلَماً. انتهى (٢). (كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ) بالرفع على الفاعليّة، و ((الکِیر» بکسر الكاف: کیر الحدّاد، وهو المبنيّ من الطين، وقيل: الزقّ الذي يُنفخ به النار، والمبنيّ الكور، قالها الطيبيّ كَُّمُ(٣). وقال الفيّوميّ رَّتُهُ: الكِيرُ بالكسر: زِقّ الحدّاد الذي ینفُخ به، ویکون أيضاً من جِلْد غليظ، وله حافات، وجَمْعه كِيَرَةٌ، مثلُ عِنْبَة، وأَکَیارٍ، وقال ابن السكِّيت: سمعت أبا عمرو يقول: الكُورُ بالواو: المبنيّ من الطين، والكِيرُ بالياء: الزِّقّ، والجمع أَكْيَارٌ، مثلُ حِمْل وأحمال. انتهى (٤). وقوله: (خَبَثَ الْحَدِيدِ))) بفتح الخاء المعجمة، والموحّدة؛ أي: وَسَخه، وهو منصوب على المفعوليّة، قال بعضهم: ما أجمل هذا التشبيه، فإن الكير يُذهب الصدأ بحرارته، كما أن الحمّى تكفّر الخطايا بسخونتها(٥)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (١) ((المفهم)) ٥٤٨/٦. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٤١/٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٥٤٥/٢. (٥) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣٨٠/٥. (٢) ((المفهم)) ٥٤٨/٦ - ٥٤٩. ٤٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٤٨/١٤] (٢٥٧٥)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)» (٥١٦)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٦٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٨٣ و٢١٧٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٣٨)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (٣٧٧/٣) وفي («شُعب الإيمان)) (١٥٩/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الحمّى، حيث إنها تكفّر خطايا العبد. ٢ - (ومنها): بيان النهي عن سب الحمّى، ومثلها الأمراض الأخرى؛ لأنها بالنسبة للمؤمن نعمة عُظمى، حيث إنها تكفّر خطاياه. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ: إن فيه ما يدلّ على أن التعريض، والتضمين كالتصريح في الدلالة، فيُحَدُّ كل من يُفْهَم عنه القذف من لفظه، وإن لم يُصَرِّح به، وهو مذهب مالك، كما تقدَّم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استنبطه القرطبيّ من الحديث من ثبوت الحدّ بالتعريض، فيه نظر لا يخفى، فقد أخرج الشيخان، عن أبي هريرة أن أعرابيّاً أتى رسول الله وَله، فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وإني أنكرته، فقال له رسول الله وَلجر: ((هل لك من إبل؟)) قال: نعم، قال: ((فما ألوانها؟)) قال: حُمْرٌ، قال: ((هل فيها من أورق؟)) قال: إن فيها لَوُرْقاً، قال: ((فَأَنَّى ترى ذلك جاءها؟)) قال: يا رسول الله عِرْق نَزَعها، قال: ((ولعل هذا عرق نزعه))، ولم يُرَخّص له في الانتهاء منه. فهذا قد عرَّض بأن امرأته زنت، وهذا الولد من الزنا، لكن لمّا لم يصرّح بالقذف، لم يُحدّ لها، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٤٩] (٢٥٧٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي (١) ((المفهم)) ٥٤٨/٦. ٤٧٧ (١٤) - بَابُ ثَوَابٍ الْمُؤْمِنٍ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٩) رَبَاحِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ، وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتٍ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ))، قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَھَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠. ٣ - (عِمْرَانُ أَبُو بَكْرٍ) هو: عمران بن مسلم الْمِنقَريّ - بكسر الميم، وسكون النون - القصير البصريّ، صدوقُ، ربما وَهِم [٦](١) (خ م د ت س) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨١٠/٢٨. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح) أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأَخَرَةٍ، ولم يكثر ذلك منه (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ ظ﴿ه، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. و «شیخه)) ذُکر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَلُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، وبالبصریین، غير عطاء، فمكيّ، والصحابيّ، فمدنيّ، بصريّ، مكيّ، طائفيّ، وفيه أن صحابيّه، ذو مناقب جمّة، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، ابن عمّ رسول الله وَّل، ودعا له رسول الله وَ ﴿ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، (١) وقال في ((الفتح)) (٢٤/١٣): بصريّ تابعيّ صغير. ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وترجمان القرآن، وقال عُمر ◌َظُله: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، وأحد العبادلة، ومن فقهاء الصحابة شرح الحديث: عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ؛ أنه (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌ِ﴿يا: (أَلَا) - بفتح الهمزة، وتخفيف اللام - أداة عرض وتحضيض، ذكر ابن هشام من معاني ((ألا)) العرضَ، والتحضيض، وقال: معناهما: طلب الشيء، لكن العرض طلبٌ بلينٍ، والتحضيض طلب بحثّ، وتختص ((ألَا)) هذه بالفعلية، نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، و﴿أَلَا تُقَائِلُونَ قَوْمًا تَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]. انتهى (١). (أُرِيك) بضمّ الهمزة، من الإراءة، (امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)؛ أي: مَنْ أخبر النبيّ وَّ أنها من أهل الجنّة، قال عطاء: (قُلْتُ: بَلَى)؛ أي: أخبرني، تقدّم أن ((بَلَى)) حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بَلَى، فمعناه: إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بَلَى، فمعناه: التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام كما تقدم، وإما في أثنائه؛ كقوله تعالى: ﴿أَيَخَسَبُ آلْإِنسَانُ أَلَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ, ٣ بََ [القيامة: ٣، ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون كما تقدم، فهو أبداً يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات(٢). (قَالَ) ابن عبّاس: هي (هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ) في رواية جعفر المستغفريّ في (كتاب الصحابة))، وأخرجه أبو موسى في ((الذيل)) من طريقه، ثم من رواية عطاء الْخُرَسانيّ، عن عطاء بن أبي رَبَاح، في هذا الحديث: ((فأراني حَبَشيّة صفراء، عظيمة، فقال: هذه سُعيرة الأسدية)). (أَنَتِ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ) بضمّ الهمزة، مبنيّاً للمفعول، و((الصرع)): علة تمنع الأعضاء الرئيسة عن انفعالها منعاً غير تامّ، وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء، يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنّج في الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصباً، بل (١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٢٥/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٢/١. ٤٧٩ (١٤) - بَابُ تَوَابٍ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِك ... إلخ - حديث رقم (٦٥٤٩) يسقط، ويَقذف بالزَّبَد؛ لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجنّ، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية، وإما لإيقاع الأذية به، والأول هو الذي يُثبته جميع الأطباء، ويذكرون علاجه، والثاني يَجحده كثير منهم، وبعضهم يُثبته، ولا يعرف له علاجاً إلا بمقاومة الأرواح الخيّرة العلوية؛ لتندفع آثار الأرواح الشّرِّيرة السُّفْلية، وتبطل أفعالها، وممن نَصّ منهم على ذلك أبقراط، فقال لمّا ذكر علاج المصروع: هذا إنما ينفع في الذي سببه أخلاط، وأما الذي يكون من الأرواح فلا، ذكره في ((الفتح))(١). (وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ) بمثناة، وتشديد المعجمة، من التكشف، وبالنون الساكنة، مخفّفاً، من الانكشاف، والمراد أنها خَشِيت أن تَظهَر عورتها، وهي لا تشعر، (فَادْعُ اللهَ لِي)؛ أي: بالشفاء من هذا الصرع. (قَالَ) ◌ِِّ ((إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ)؛ أي: عليه (وَلَكِ الْجَنَّةُ)؛ أي: جزاء صبرك عليه دخول الجنّة، (وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ)))؛ أي: يبرئك منه. (قَالَتْ) المرأة: (أَصْبِرُ) عليه؛ لأفوز بالجنّة. (قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا) وَّر بذلك، فلم تتكشّف بعد ذلك. ثم أخرج البخاريّ بعدُ عن عطاء؛ ((أنه رأى أمّ زُفر تلك المرأة. الطويلة السوداء على ستر الكعبة))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أنه رأى أم زفر)) بضم الزاي، وفتح الفاء، وقوله: ((تلك المرأة)) في رواية الكشميهنيّ: ((تلك امرأة)»، وقوله: ((على ستر الكعبة)) بكسر المهملة؛ أي: جالسة عليها معتمدة، ويجوز أن يتعلق بقوله: ((رأى)). قال: ثم وجدت الحديث في ((الأدب المفرد)) للبخاري، ولفظه: ((على سُلّم الكعبة))، فالله أعلم. وعند البزار من وجه آخر، عن ابن عباس في نحو هذه القصة: ((أنها قالت: إني أخاف الخبيث أن يُجَرِّدني، فدعا لها، فكانت إذا خَشِيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة، فتتعلق بها)). وقد أخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج هذا الحديث مطوّلاً، وأخرجه ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، أنه سمع طاوساً يقول: ((كان النبيّ ◌ُ * يؤتى بالمجانين، (١) ((الفتح)) ٢٣/١٣ - ٢٤، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٥٢). ٤٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب فيَضرب صَدْر أحدهم، فيبرأ، فأُتي بمجنونة، يقال لها: أم زُفَر، فضرب صدرها، فلم تبرأ))، قال ابن جريج: وأخبرني عطاء، فذكر كالذي هنا، وأخرجه ابن منده في ((المعرفة)) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، فزاد: ((وكان يُثني عليها خيراً))، وزاد في آخره: ((فقال: إن يتبعها في الدنيا، فلها في الآخرة خير)). قال الحافظ: وعُرِف مما أوردته أن اسمها سُعيرة وهي بمهملتين، مصغراً، ووقع في رواية ابن منده بقاف بدل العين، وفي أخرى للمستغفريّ بالكاف، وذكر ابن سعد، وعبد الغنيّ في ((المبهمات)) من طريق الزبير أن هذه المرأة هي ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبيّ ◌َّ بالزيارة. وقد يؤخذ من الطرق التي أوردتها أن الذي كان بأم زفر كان مِنْ صَرَع الجنّ، لا مِن صَرَع الخلط، وقد أخرج البزار وابن حبان من حديث أبي هريرة شبيهاً بقصتها، ولفظه: ((جاءت امرأة بها لَمَمِّ إلى رسول اللهِ وَّر، فقالت: ادع الله، فقال: إن شئت دعوت الله، فشفاك، وإن شئت صبرت، ولا حساب عليك، قالت: بل أصبر، ولا حساب عليّ))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس ضًا هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٦٥٤٩/١٤] (٢٥٧٦)، و(البخاري) في (صحيحه)) (٢٤٠/٥)، و(النسائي) في ((الكبرى)) (٣٥٣/٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢/ ٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل من يُصْرَع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة. ٢ - (ومنها): بيان أن الأخذ بالشدّة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يَضْعُف عن التزام الشدّة. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز ترك التداوي. ٤ - (ومنها): أن علاج الأمراض كلها بالدعاء، والالتجاء إلى الله تعالى أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك، وانفعال البدن عنه أعظم من