Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ- حديث رقم (٦٥٢٠)
فمنازعة الله تعالى في صفاته التي لا تليق بالمخلوق، كفى بها شرّاً.
وفي ((صحيح ابن حبان)) عن فَضَالة بن عُبيد، عن النبيّ ◌َّ قال: ((ثلاثة
لا يُسألُ عنهم: رجل ينازع الله إزاره، ورجل ينازع الله رداءه، فإن رداءه
الكبرياء، وإزاره العزّ، ورجل في شكّ من أمر الله تعالى، والقنوط من
رحمة الله)).
وفي (صحيح مسلم)) عن أبي هريرة عن النبيّ وَّر قال: ((من قال: هلك
الناسُ، فهو أهلكهم))، فأعادها مراراً، ثم رفع رأسه، فقال: ((اللَّهُمَّ هل بلغت؟
اللَّهُمَّ هل بلغت؟))، قال مالك: إذا قال ذلك تحزّناً لِمَا يرى في الناس؛ يعني:
في دينهم، فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك تعجباً بنفسه، وتصاغراً، فهو
المكروه الذي نُهِي عنه، ذكره أبو داود في ((سننه)). انتهى كلام ابن
رجب تَّقُ(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
(المسألة السابعة): قال تَظْثُ: قوله وَ﴾: ((كلُّ المسلم على المسلم
حرام، دمه، وماله، وعرضه))، وهذا مما كان النبيّ وَِّ يخطب به في المَجامع
العظيمة، فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم الثاني من
أيام التشريق، وقال: ((إن أموالكم، ودماءكم، وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة
يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) (٢)، وفي رواية للبخاريّ وغيره:
(وأبشاركم))، وفي رواية: فأعادها مراراً، ثم رفع رأسه، فقال: ((اللَّهُمَّ هل
بلّغت؟ اللَّهُمَّ هل بلغت؟))، وفي رواية: ثم قال: ((ألا ليبلّغ الشاهد منكم
الغائب))، وفي رواية للبخاريّ: ((فإن الله حرّم عليكم أموالكم، وأعراضكم،
ودماءكم إلا بحقها))، وفي رواية: ((دماؤكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم
فنثبته كما أثبته النصّ الصحيح، على مراد الله تعالى، فلا نؤوّل، ولا نعطّل، ولا
=
نشبّه، كما هو مذهب السلف الصالح، فلا تلتفت إلى ما كتبه المحقق على هامش
((جامع العلوم)) من دعوى المجاز، فإنه غير صحيح، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٧٥/٢ - ٢٧٩.
(٢) متّفقٌ عليه.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
حرام، مثل هذا اليوم، وهذا البلد، إلى يوم القيامة، حتى دفعةٌ يدفعها مسلم
مسلماً يريد بها سوءاً حرام)).
وفي رواية: ((المؤمن حرام على المؤمن؛ كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه
حرام أن يأكله، أو يغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام، أن يخرقه، ووجهه عليه
حرام، أن يلطِمه، ودمه عليه حرام، أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة
بغتة))(١).
وفي (سنن أبي داود)) عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبيّ ◌ََّ،
فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذها، ففَزِع، فقال
النبيّ ◌َّ: ((لا يحل لمسلم أن يُرَوِّع مسلماً)).
وخرّج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن السائب بن يزيد، عن النبيّ وَل
قال: ((لا يأخذ أحدكم عصا أخيه، لاعباً جادّاً، فمن أخذ عصا أخيه، فليردّها
إليه))، قال أبو عبيد: يعني: أن يأخذ شيئاً، لا يريد سَرِقَته، إنما يريد إدخال
الغيظ عليه، فهو لاعبُ في مذهب السرقة، جادّ في إدخال الرَّوع والأذى عليه.
وفي ((الصحيحين)) عن ابن مسعود، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا كنتم ثلاثة،
فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يُخْزنه))، ولفظه لمسلم.
وخرّج الطبراني من حديث ابن عباس، عن النبيّ وَالر قال: ((لا يتناجى
اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن)»(٢).
وخرّج الإمام أحمد من حديث ثوبان، عن النبيّ وَل﴿ قال: ((لا تؤذوا
عباد الله، ولا تُعَيِّروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإن من طلب عورة أخيه
المسلم، طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته))(٣).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر أنه سئل عن الغيبة،
(١) رواه الطبرانيّ في ((الكبير)) ٤٠٠/١٩، وفي إسناده كرامة بنت الحسين، قال
الهيثميّ: لم أجد مَنْ ذَكَرها .
(٢) في سنده الحسن بن كثير، لم يوثّقه غير ابن حبّان، وأعلّه البخاري في ((تاريخه))
بالإرسال.
(٣) صحيح.

٣٨٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ - حديث رقم (٦٥٢١)
فقال: ((ذِكْرك أخاك بما يكره))، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال: ((إن
كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بَهَنَّه)).
فتضمَّنت هذه النصوص كلها أن المسلم لا يحلّ إيصال الأذى إليه بوجه
من الوجوه، من قول، أو فعل، بغير حقّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنْمَا قُِّينًا
٥٨
[الأحزاب: ٥٨].
وإنما جعل الله المؤمنين إخوة؛ ليتعاطفوا، ويتراحموا، وفي ((الصحيحين))
عن النعمان بن بشير، عن النبيّ وَ لّ قال: ((مَثَل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم،
وتعاطفهم، مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالحمى
والسهر))، وفي رواية لمسلم: ((المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه، تداعى
له سائر الجسد بالحمى))، وفي رواية له أيضاً: ((المسلمون كرجل واحد، إن
اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كله)»، وفيهما عن أبي
موسى، عن النبيّ وَّر قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضاً)).
وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبيّ وَلّ قال: ((المؤمن مرآة
المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكفّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه))، وخرّجه
الترمذيّ، ولفظه: ((إن أحدكم مرآة أخيه، فمن رأى به أذى فَلْيُمِظْه عنه)).
قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبير المسلمين عندك أباً،
وصغيرهم ابناً، وأوسطهم أخاً، فأيّ أولئك تحب أن تسيء إليه؟.
ومن كلام يحيى بن معاذ الرازيّ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم
تنفعه فلا تضرّہ، وإن لم تفرحه فلا تغمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه. انتهى كلام
ابن رجب تَُّهُ(١) وهو بحث نفيس، مفيد، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ
كُرَيْزِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٨٣/٢.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
دَاوُدَ، وَزَادَ، وَنَقَصَ، وَمِمَّا زَادَ فِيهِ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى
صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ))، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧]
(ت١٥٣) وهو ابن بضع وسبعين (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ دَاوُدَ ... إلخ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير أسامة بن
زيد، وكذا فاعل ((زاد))، و((نقص)).
وقوله: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ ... إلخ))) قال القرطبيّ ◌َخْتُ:
نَظَرُ الله تعالى الذي هو رؤيته للموجودات، واطّلاعه عليها، لا يخصّ نَظَرَ
موجودٍ دون موجود، بل يعمّ جميع الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض
ولا في السماء، ثمَّ قد جاء في الشرع نَظَر الله تعالى بمعنى: رَحْمَته للمنظور
إليه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها، وهذا هو النظر الذي يُخَصّ به
بعض الأنبياء، ويُنفَى عن بعضها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَ خَلَقَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وقد تقدَّم ذلك في ((كتاب الإيمان))، فقوله هنا:
((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم))؛ أي: لا يُثيبكم عليها، ولا يقرّبكم
منه، ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ﴾
[سبأ: ٣٧]، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَّكَ لَهُمْ جَزَّةُ الصِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ
وَهُمْ فِى الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي طوّل به القرطبيّ نَفَسَه، ليس
بصواب، والصواب ما عليه السلف من أن النظر على ظاهره، فنُثبت لله تعالى
صفة النظر، كما نُثبت غيره من الصفات؛ كالرضى، والغضب، والرحمة،
والانتقام، والاستواء، والنزول، وغير ذلك بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل،
ولا تعطيل، وقد سبق تحقيق هذا الموضوع في مواضع كثيرة، فكن على
بصيرة، والله تعالى وليّ التوفيق.

٣٨٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَعِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ - حديث رقم (٦٥٢٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا
جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه :
(إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَام) الكلابيّ، أبو سهل الرَّقِّيّ، نزيل بغداد، ثقة [٩]
(ت٧ أو ٢٠٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) - بضم الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف -
الكلابيّ، أبو عبد الله الرَّقّيّ، صدوق يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت١٥٠)
وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ - بفتح
الموحّدة، وتشديد الكاف ـ أبو عوف، كوفيّ، نزل الرَّقَّة، وهو ابن أخت
ميمونة أم المؤمنين ينا، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] (ت١٠٣)
(بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٣/ ٣٥٧.
و((أبو هريرة ﴿ته)) ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ) قد
أسلفت آنفاً أن النظر هنا على ظاهره، ففيه إثبات النظر لله ◌ُخل على ما يليق بجلاله،
فلا نؤوّل كما مشى عليه شراح هذا الحديث، فتنبّه. (إِلَى صُوَرِكُمْ)؛ أي: لا
يجازيكم على ظاهرها، (وَأَمْوَالِكُمْ) الخالية من الخيرات؛ أي: لا يثيبكم عليها،
ولا يقرّبكم منه، (وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) التي هي محل التقوى، وموضع الإنابة،
ومنبع الحكمة، والمعرفة، (وَأَعْمَالِكُمْ))) التي تتقرّبون بها إليه ◌َََ، فينبغي الحرص
على إخلاصها، وموافقتها للكتاب والسُّنَّة، فإن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً
لوجه الله رَ، وموافقاً لِمَا جاء به النبيّ وَّهِ، من الكتاب والسُّنَّة، قال تعالى:
﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَّءَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبَّهِ أَحَدَأْ﴾ [الكهف: ١١٠].

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
قال بعضهم(١): معنى هذا الحديث: أن الله تعالى لا ينظر إلى قوّة
أجسادكم، وصوركم الحسنة، وإنما ينظر إلى أعمالكم الظاهرة والباطنة جميعاً،
فأشار بقوله: ((إلى قلوبكم)) إلى الأعمال الباطنة، كما أشار بقوله: ((وأعمالكم))
إلى الأعمال الظاهرة.
والحاصل أن من حَسُن عمله رضي الله تعالى عنه، سواء كان نحيف
الجسم، دميم الصورة، ومن ساء عمله سَخِط الله تعالى منه، سواء كان قويّ
الجسم، حَسَن الصورة.
فلا مجال في هذا الحديث لمن ادّعى أن المطلوب من الإنسان تزكيته
للقلب فقط، ولا عبرة بأفعاله الظاهرة، فيفعل في ظاهره ما يشاء، كما تفوّه
بذلك بعض الملاحدة، وجهلة المتصوّفة؛ لأن نصوص الكتاب والسُّنَّة مُطبِقة
على كون الإنسان مكلّفاً بتصحيح أعماله الظاهرة، والواقع أن الأعمال الظاهرة
لا تفسد إلا بفساد القلب، فهي علامة على فساد باطنه، وقد بيّن النبيّ وَّ هذا
المعنى أتمّ بيان حيث قال: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد
كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب))، ففساد الأعمال الظاهرة
دليل على فساد القلب؛ لأنهما متلازمان، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.
فلو لم يكن للأعمال الظاهرة قيمة واعتبار في الشرع لَمَا ذَكَر النبيّ ◌َّ:
((وأعمالكم)) عَقِب قوله: ((إلى قلوبكم))، ولكنه ◌َّ﴿ قَرَن بينهما، فدلّ على
المطلوب من المكلّف إصلاح الباطن والظاهر جميعاً.
وكذلك لا يخفى بطلان قول من يستدلّ بهذا الحديث على أن الأجساد
والصور لا يتعلّق بها حكم شرعيّ، فيجوز للمرء أن يختار لتزيين جسده،
وتحسين صورته ما شاء من طريق؛ كحلق اللحية، وإسبال الشارب، ونحو
ذلك، مع أنه رَ ﴿ أمَر بإعفاء اللحية، وإحفاء الشارب، وتقليم الأظفار، ونهى
عن إسبال الثوب، ولَعَن الواشمات، والمستوشمات، والنامصات،
والمتنمّصات، والمتفلجات، فكل هذا ونحوه من الأعمال التي هي محلّ
نَظَر الله تعالى؛ كنَظَره للقلب بلا فرق.
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣٦٤/٥ - ٣٦٥.

٣٨٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ ظَلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتَارِهِ، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ- حديث رقم (٦٥٢٢)
وإنما المراد من نفي النظر إلى الأجساد والصُّوَر، أن حُسْن الصورة وقُبْحها،
لا مدخل له في رضا الله تعالى، وسَخَطه، وإنما العبرة بالقلب، والأعمال.
وبالجملة فالحديث واضح المعنى، وإنما الشيطان سوَّل لبعض الناس أن
يفهموه على غير وجهه، فزيّن لهم الاستدلال به على انحرافهم عن سلوك سبل
الهدى والرشاد، إلى طريقِ الضلال والغواية، والفساد، ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذّ
[آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أرنا
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
[تنبيه]: قال بعض العلماء: قد أبان هذا الحديث أن محل القلب موضع
نَظَر الرب، فيا عجباً ممن يَهْتَمّ بوجهه الذي هو نَظَر الخلق، فيغسله، وينظفه
من القَذَر والدَّنَس، ويزيّنه بما أمكن؛ لئلا يَطَّلع فيه مخلوق على عيب، ولا
يهتمّ بقلبه الذي هو محل نَظَر الخالق، فيطهّره، ويزيّنه؛ لئلا يَطَّلع ربه على
دَنَس، أو غيره فيه. انتهى(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٢٢/١٠] (٢٥٦٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد))
(٤١٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٤/٢ - ٢٨٥ و٥٣٩) وفي ((الزهد))
(ص٥٩)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣٦٩/١)، و(أبو نعيم) في («الحلية))
(١٢٤/٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان))
(٤٦٠/١)، و(تمّام) في ((فوائده)) (٣٩/١)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان))
(٣٢٨/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤١٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عظمة القلب؛ لأنه محلّ نظر الله عَلَ، فينبغي العناية
بتطهيره، وتنظيفه من الصفات الدنيّة، والأخلاق الرديّة.
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٧٧/٢ - ٢٧٨.

٣٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
٢ - (ومنها): بيان أن الأعمال هي أيضاً محلّ نَظَر الله تعالى، فعلى العبد
أن يجاهد حتى تكون أعماله مرضيّة عند الله تعالى، وذلك بأمرين: الأول أن
تكون خالصة لوجهه الكريم، والثاني أن تكون موافقة لِمَا في الكتاب والسُّنَّة،
فإذا اختلّ أحد هذين الشرطين فإنها لا تكون محلّ رضا الله وَق، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
٣ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة النظر الله ◌ُعَلَ على ما يليق بجلاله
وعَظَمته، وقد أسلفت الردّ قريباً على من تأوله، فلا تغفل.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان أن جمال الصورة، وكثرة الأموال لا عبرة به
عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ بِلَتِى تُقَرِّيَّكُرْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ إِلَّا
مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضّْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَاتِ ◌َامِنُونَ
: [سبأ: ٣٧]، وإنما العبرة بطهارة القلب عن رذائل الأخلاق، وخلوص
٣٧
الأعمال من شائبة الشرك، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١١) - (بَابُ الَّهْي عَنِ الشَّحْنَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ)
((الشحناء)) بالفتح، والمد: البغضاء، والعداوة، و((التهاجر)): التقاطع،
والتدابر.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٣] (٢٥٦٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((تُفْتَحُ
أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ، لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً،
إِلَّا رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنٍ حَتَّى بَصْطَلِحًا،
أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحًا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلهم تقدّموا قبل باب.

٣٨٩
(١١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الشَّحْتَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ - حديث رقم (٦٥٢٣)
شرح الحديث:
(عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، وقوله: (فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ) ببناء
الفعل للمفعول، متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه كائناً في جملة الأحاديث
التي قُرئت على مالك كَذُ .
[فائدة]: إنما يُعبّر يحيى بن يحيى فيما يرويه عن مالك بهذه الصيغة
كثيراً؛ لأن مالكاً تَخْدَثُ كان يفضّل القراءة على السماع، أو يسوّي بينهما، فكان
غالب من يأخذ عنه يأخذه قراءة، بل بالغ بعض أصحابه، فقال: صَحِبْته سبع
عشرة سنة، فما رأيته قرأ ((الموطأ)) على أحد، بل يقرؤون عليه، ذَكَره
السخاويّ، والله تعالى أعلم.
(عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي صالح ذكوان السمّان الزيّات (عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ) رَبُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِلهِ قَالَ: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ)؛ أي: فتحاً حقيقياً؛
لأن الجنة مخلوقة، مُغلقة، وفَتْح أبوابها ممكن، ويكون دليلاً على المغفرة،
ويَحْتَمِل أنه كناية عن مغفرة الذنوب العظيمة، وكَتْب الدرجات الرفيعة، قاله
الباجيّ، وقال القرطبيّ: الفتح حقيقةٌ، ولا ضرورة تدعو إلى التأويل، ويكون
فَتْحها تأهباً من الخَزَنة لمن يموت يومئذ، ممن غُفر له، أو يكون علامة
للملائكة على أن الله تعالى يغفر في ذينك اليومين. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ كَّثُ، من حَمْل الفتح على
الحقيقة هو الحقّ الذي لا محيد عنه؛ لأن النصوص إذا وردت تُحمل على
ظاهر ما تدلّ عليه، إلا أن يأتي ما يصرف عن الظاهر في نصّ آخر، فيُتّبع،
فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) فيه بيان فضلهما على غيرهما من الأيام،
وكان وَّله يصومهما، ويَندُب أُمّته إلى صيامهما، وكان يتحرّاهما بالصيام، وأظن
هذا الخبر إنما توجه إلى طائفة كانت تصومهما تأكيداً على لزوم ذلك، كذا قال
أبو عمر.
وقد روى أبو داود، وغيره، عن أسامة بن زيد قال: ((كان يصوم يوم
(١) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٣٣٤/٤.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الاثنين، والخميس، فسئل عن ذلك، فقال: إن أعمال العباد تُعرض يوم
الاثنين، ويوم الخميس))(١).
(فَيُغْفَرُ) بالبناء للمفعول، (لِكُلِّ عَبْدٍ) مسلم، وقوله: (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً)
جملة في محلّ جرّ صفة لـ((عبد))؛ أي: تُغفر ذنوبه الصغائر، بغير وسيلة طاعة،
وإنما قيّدناه بالصغائر؛ لحديث: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة،
ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر)).
(إِلَّا رَجُلاً) بالنصب؛ لأنه استثناء من كلام موجَبٍ، قال التوريشتيّ: وهي
الرواية الصحيحة، ورُوي بالرفع، قال الطيبيّ: وعلى الرفع الكلام محمول على
المعنى؛ أي: لا يبقى ذنب أحد، إلا ذنب رجل، ونحوه قول الفرزدق [من
الطويل]:
وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْمَالِ إِلَّا مُسْحَتْ أَوْ مُجَلَّفُ(٢)
كأنه قال: لم يبق من المال إلا مُسحتٌ، أو مجلف، وقولُهُ تعالى:
﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] على قراءة الرفع؛ أي: فلم يطيعوه
إلا قليلٌ. انتهى (٣).
ثم إن قوله: ((رجلاً)) هو وصف طرديّ، والمراد إنسان؛ أي: فيشمل
النساء(٤).
(كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ) بفتح الشين المعجمة، والمدّ؛ أي:
عداوة، (فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا) بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الظاء المعجمة،
(١) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٣٣٤/٤.
(٢) قال في ((اللسان)): وقال اللحيانيّ: سَحَتَ رأْسَه سَحْتاً، وأَسْحَتَه: اسْتَأُصَلَه حَلْقاً،
وأَسْحَتَ مالَه: اسْتَأُصَلَه، وأَفْسَدَه، ثم ذكرِ البيتِ، ثم قال: والعرب تقول:
سَحَتَ، وأَسْحَتَ، ويُرْوَى: ((إِلا مُسْحَتْ، أَو مُجَلَّف))، ومَن رواه كذلك جعل
معنى (لم يَدَعْ)) لم يَتَقارَّ، ومِن رواه: ((إِلا مُسْحَتَاً)) جعل (لم يَدَعْ)) بمعنى: لم
يَتْرُكْ، ورفع قوله: ((أَو مُجَلَّفٌ))، بإِضمارٍ، كأنه قال: أَو هو مُجَلَّف، قال
الأَزهريّ، وهذا هو قول الكسائيّ. انتهى. ((لسان العرب)) ٤١/٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢١٠.
(٤) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٣٣٥/٤.

٣٩١
(١١) - بَابُ الَّهْىٍ عَنِ الشَّحْنَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ - حديث رقم (٦٥٢٣)
قال البيضاويّ: يعني: يقول الله تعالى للملائكة النازلة بهدايا المغفرة: أَخِّروا،
وأمهلوا (هَذَيْنٍ) أتى باسم الإشارة بدل الضمير؛ لمزيد التنفير، والتعبير؛ يعني:
لا تُعطوا منها أنصباءَ رجلين بينهما عداوة، (حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحًا))) بالتكرار ثلاث مرّات؛ للتأكيد؛ أي:
أخّروهما حتى ترتفع الشحناء، ويصطلحا، ولو بمراسلة عند البُعد.
وقال الطيبيّ: لا بدّ هنا من تقدير من يخاطب بقوله: ((أنظروا)) كأنه تعالى
لمّا غَفَر للناس سواهما، قيل: ((أنظروا هذين حتى يصطلحا))، وكرره للتأكيد،
وقال القرطبيّ: المقصود من الحديث التحذير من الإصرار على العداوة، وإدامة
الهجر، قال ابن رسلان: ويظهر أنه لو صالح أحدهما الآخرَ، فلم يَقْبَل غُفر
للمصالح، قال أبو داود: إذا كان الهجر لله، فليس من هذا، فإن النبيّ وَلـ
هجر نسائه شهراً، وابن عمر طبا هجر ابناً له حتى مات.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنّف تخذله
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٢٣/١١ و٦٥٢٤ و٦٥٢٥ و٦٥٢٦]
(٢٥٦٥)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٤١١)، و(أبو داود) في ((سننه))
(٤٩١٦)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (٧٤٧ و٢٠٢٣) وفي ((الشمائل)) (٣٠٥)،
و(ابن ماجه) في (سننه)) (١٧٤٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٠٨/٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٢٦٨/٢ و٣٢٩ و٣٨٩ و٤٠٠ و٤٦٥)، و(الطيالسيّ)
في («مسنده)) (٢٤٠٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣١٤/٤ و١٦٨/١١)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢/ ٤٣٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٨/١٢)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٣٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٤٤
و٥٦٦٢ و٥٦٦٣ و٥٦٦٦ و٥٦٦٧ و٥٦٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/
٣٤٦) و((شُعَب الإيمان)) (٣٩٢/٣ و٣٩٣ و٢٧١/٥ و٢٧٢)، و(ابن عساكر)
في (تاريخ دمشق)) (٣٦٣/٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
١ - (منها): بيان أن الجنة مخلوقة، وأن لها أبواباً، وقد جاء في الآثار
الصحاح أن لها ثمانية أبواب.
٢ - (ومنها): بيان أن المغفرة لا تكون إلا للعبد المسلم، الذي لا يُشرك
بالله شيئاً، قال الله رَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَ إِثْمًا عَظِيمًا
[النساء: ٤٨].
٤٨
٣ - (ومنها): أن المهاجرة، والعداوة، والشحناء، والبغضاء، من الذنوب
العظام، والسيئات الجسام، وإن لم تكن في الكبائر مذكورة، ألا ترى أنه
استَثنَى في هذا الحديث غفرانها، وخصّها بذلك.
٤ - (ومنها): أن الذنوب إذا كانت بين العباد، فوقعت بينهم فيها
المغفرة، والتجاوز، والعفو، سَقَطت المطالبة بها من قِبَل الله وَمَك، ألا ترى
إلى قوله: ((حتى يصطلحا))، فإذا اصطلحا غُفر لهما ذلك، وغيره من صغائر
ذنوبهما، بأعمال البرّ، من الطهارة، والصلاة، والصيام، والصدقة.
٥ - (ومنها): بيان فضل يوم الاثنين، والخميس على غيرهما من الأيام،
وكان رسول الله ◌َ* يصومهما، ويَندُب أمته إلى صيامهما، وكان يتحراهما
بالصيام، قال ابن عبد البرّ: وأظن هذا الخبر إنما توجه إلى أمة، وطائفة كانت
تصومهما؛ تأكيداً على لزوم ذلك، والله أعلم.
ووُلد رسول الله وَلجه يوم الاثنين، ونُبِّئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم
الاثنين، وتُوُفّي يوم الاثنين وَّةِ، قاله ابن عبد البرّ تَُّ في ((التمهيد))(١).
وقال في ((الاستذكار)): وفي قول الله رَبّت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِء
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وإجماع علماء المسلمين على أنه
مُحْكَم، لا يجوز النسخ عليه، ما يُغني عن الاستدلال بأخبار الآحاد في معناه،
وفيه تعظيم ذنب المهاجَرَة، والعداوة، والشحناء لأهل الإيمان، وهم الذين
يَأْمَنهم الناس على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، المصدّقون بوعد الله،
ووعيده، المجتنبون لكبائر الإثم، والفواحش، والعبد المسلم مَن وَصَفْنا حاله،
ومن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، فهؤلاء لا يحلّ لأحد أن يهجرهم، ولا
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٦٣/٢١.

٣٩٣
(١١) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ الشَّحْتَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ - حديث رقم (٦٥٢٣)
أن يُبغضهم، بل محبتهم دِيْن، وموالاتهم زيادة في الإيمان واليقين.
قال: وفي هذا الحديث دليل على أن الذنوب بين العباد إذا تساقطوها،
وغَفَرها بعضهم لبعض، أو خرج بعضهم لبعض عما لزمه منها سقطت المطالبة
من الله وَ بدليل قوله و 18 في هذا الحديث: ((حتى يصطلحا))، فإذا اصطلحا
غُفر لهما. انتهى(١).
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُ: قد خصّ الله تعالى هذين اليومين
بفتح أبواب الجنة فيهما، وبمغفرة الله تعالى لعباده، وبأنهما تُعرض فيهما
الأعمال على الله تعالى، كما جاء في الحديث الآخر، وهذه الذنوب التي تُغفر
في هذين اليومين هي الصغائر، والله تعالى أعلم. كما تقدم ذلك في قوله ويتر:
((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما
بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر))، متّفقٌ عليه، ومع ذلك فرحمة الله تعالى وَسِعَت كل
شيء، وفضْله يعمّ كل ميت، وحيّ، ومقصود هذا الحديث التحذير من الإصرار
على بُغض المسلم، ومقاطعته، وتحريم استدامة هِجْرته، ومشاحنته، والأمر
بمواصلته، ومکارمته.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ أيضاً: فتحُ أبواب الجنة في هذين
اليومين محمولٌ على ظاهره، ولا ضرورة تُحوِج إلى تأويله، ويكون فتحها
تأهباً، وانتظاراً من الخَزَنة لروح من يموت في ذينك اليومين ممن غُفرت ذنوبه،
أو يكون فَتْحها علامة للملائكة على أن الله تعالى غَفَر في ذينك اليومين
للموحّدين، والله تعالى أعلم.
قال: وهو حجَّة لأهل السُّنَّة على قولهم: إن الجنة والنار قد خُلقتا
ووُجدتا، خلافاً للمبتدعة الذين قالوا: إنهما لم تُخلَقا بعدُ، وستخلقان،
وعَرْض الأعمال المذكورة إنما هو - والله تعالى أعلم - لِتُنْقَل من الكرام
الكاتبين إلى محلّ آخر، ولعلّه اللوح المحفوظ، كما قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَ
[الجائية: ٢٩]، قال
٢٩
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِلْحَقّ إِنَّا كُنَا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
الحسن: إن الخَزَنة تستنسخ الحفظة من صحائف الأعمال، وقد يكون هذا
(١) ((الاستذكار)) ٢٩٤/٨.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
العرض في هذين اليومين للأعمال الصالحة مباهاةً بصالح أعمال بني آدم على
الملائكة، كما يباهي الله الملائكة بأهل عرفة، وقد يكون هذا العرض؛ لِتَعْلم
الملائكة المقبول من الأعمال من المردود، كما جاء الحديث الآخر: ((إن
الملائكة تصعد بصحائف الأعمال، فتعرضها على الله، فيقول الله تعالى: ضعوا
هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزّتك يا ربنا ما رأينا إلا خيراً، فيقول الله
تعالى: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتُغِيّ به وجهي)) (١)،
والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٤] ( ... ) - (حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، بِإِسْنَادِ مَالِكِ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الدَّرَ اوَرْدِيِّ: ((إِلَّ
الْمُتَهَاجِرَيْنِ))، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ، وَقَالَ قُتَنْيَةُ: ((إِلَّا الْمُهْتَجِرَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقة، رُمي بالنصب
[١٠] (ت٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
والباقون ذُكروا في الباب، والأبواب الثلاثة قبله.
وقوله: (كِلَاَهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ) ضمير التثنية لجرير بن عبد الحميد،
ء
وعبد العزيز الدراورديّ.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِّ: ((إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ))، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ
عَبْدَةَ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: ((إِلَّا الْمُهْتَجِرَيْنٍ))) أشار به إلى اختلاف شيخيه: قتيبة،
وأحمد بن عبدة، على شيخهما الدراورديّ، فقال قتيبة: ((إلا المهتجرين))، وقال
ابن عبدة: ((إلا المتهاجرَين))، والمعنى واحد.
(١) رواه ابن المبارك في كتاب ((الزهد والرقائق)) بنحوه (٤٥٢).
(٢) «المفهم)) ٥٣٩/٦ - ٥٤١.

٣٩٥
(١١) - بَابُ النَّهْنِ عَنِ الشَّحْنَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ - حديث رقم (٦٥٢٤)
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد عن سُهيل ساقها البيهقيّ في
((الكبرى))، فقال:
(٦١٨٩) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ حاجب بن أحمد الطوسيّ، ثنا
عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد الضبيّ، أنبأ سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((تُفتح أبواب السماء في
كل اثنين وخميس، فيُغفر لكل عبد لا يُشرك بالله شيئاً، إلا امرؤ بينه وبين أخيه
شحناء، قال: فيقال: انتظر هذين حتى يصطلحا)). انتهى(١).
ورواية عبد العزيز الداورديّ عن سهيل ساقها الترمذيّ في ((جامعه)) بسند
المصنّف، فقال:
(٢٠٢٣) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلتر قال: ((تُفتح أبواب الجنة
يوم الاثنين والخميس، فيُغفر فيهما لمن لا يُشرك بالله شيئاً، إلا المهتجرَين،
يقال: رُدّوا هذين حتى يصطلحا))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن
صحيح، ويروى في بعض الحديث: (ذَرُوا هذين حتى يصطلحا))، قال:
ومعنى قوله: ((المهتجرين))؛ يعني: المتصارمين، وهذا مِثل ما رُوي عن
النبيّ وَّ أنه قال: ((لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)).
(٢)
انتھی
وساقها ابن حبّان في ((صحيحه)) باللفظ الذي أشار إليه المصنّف، فقال:
(٥٦٦٣) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حدّثنا
قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح،
عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّر قال: ((تُفتَح أبواب الجنة يوم
الاثنين والخميس، فيُغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً، إلا المتهاجرين، يقول: رُدّوا
(٣)
هذين حتى يصطلحا)). انتهى
٠
(١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٤٦/٣.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٤٧٩/١٢.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ٣٧٣/٤.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي
مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي صَالِح، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ مَرَّةً، قَالَ: ((تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي
كُلِّ يَوْمٍ خَمِيسٍ ، وَاثْنَّيْنٍ، فَيَغْفِرُ اللهُ رَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ
شَيْئاً، إِلَّا امْرَءَاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الشهير، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) يسار المدنيّ، مولى الأنصار، ثقةٌ [٤] (خ م د
س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣١٤/٢١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ((ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ... إلخ))) قال النوويّ ◌َّتُهُ: قوله ◌َّه:
((اركوا هذين حتى يصطلحا)) هو بالراء الساكنة، وضم الكاف، والهمزةُ في أوله
همزة وصل؛ أي: أخّروا، يقال: ركاه يركوه رَكْواً: إذا أخّره، قال صاحب
((التحرير)): ويجوز أن يرويه بقطع الهمزة المفتوحة، من قولهم: أركيت الأمر:
إذا أخّرته، وذَكَر غيره أنه رُوي بقطعها، ووصلها، و(الشحناء)): العداوة؛ كأنه
شُحِن بُغضاً له؛ أي: ملأه، و((أنظروا هذين)) بقطع الهمزة: أخّروهما، ((حتى
يفيئا))؛ أي: يرجعا إلى الصلح، والمودّة. انتهى (١).
وقال القاضي عياض تَُّ في ((المشارق)): قوله: ((اركوا هذين حتى
يصطلحا)) بضم الهمزة، وسكون الراء؛ أي: أخّروهما، وهو بمعنى الرواية
الأخرى: ((أَنظِروا))، يقال: ركاه يركوه: إذا أخّره، وقيل: أركاه أيضاً رباعيّاً،
وقد ضَبَطه بعضهم: ((أركوا)) بفتح الهمزة على هذه اللغة، وقد جاء في رواية
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٦.

٣٩٧
(١١) - بَابُ الَّهْىٍ عَنِ الشَّحْنَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ - حديث رقم (٦٥٢٥)
السمرقنديّ، والسجزيّ: ((اتركوا)) مفسراً، وفي ((الموطأ)): ((اتركوا، أو اركوا))
على الشك. انتهى(١).
وقال ابن الأثير كثّتُهُ: ((اركوا هذين حتى يصطلحا)): يقال: ركاه يركوه:
إذا أخّره، وفي رواية: (اتركوا هذين)) من التّرك، ويُروَى: ((ارهكوا هذين))
بالهاء؛ أي: كلّفوهما، وألزموهما، من رهكت الدابة: إذا حملت عليها في
السير، وجهدتها. انتهى(٢).
[تنبيه]: قد تكلّم الدارقطنيّ على هذا الحديث، ورجّح الوقف فيه،
وعبارته في ((العلل)):
(١٨٨٤) - وسئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، قال
رسول الله قال: ((تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيُغفر لكل
عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء)).
فقال: يرويه ابن أبي صالح، ومسلم بن أبي مريم، والحكم بن عتيبة،
والأعمش، والمسيَّب بن رافع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فأما سهيل
فلم يُختَلَف عنه في رَفْعه إلى النبيّ ◌ََّ، وأما مسلم بن أبي مريم فاختلف عنه،
فرواه مالك بن أنس، واختلف عن مالك، فرَفَعه ابن وهب، عن مالك، عن
مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر، وخالفه
القعنبي، ويحيى بن يحيى، وعبد الرحمن بن القاسم، فرووه عن مالك، عن
مسلم بن أبي مريم، موقوفاً على أبي هريرة.
واختلف عن ابن عيينة، فرواه الحميديّ عن ابن عيينة، عن مسلم بن أبي
مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنه رفعه مرةً، وقال غيره عن ابن عيينة
موقوفاً، فرفعه أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن مسلم بن أبي مريم.
واختلف عن الحكم بن عتيبة، فرواه أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، عن
الحكم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعاً.
ورواه شعبة، واختُلف عنه، فرواه يحيى بن السكن، عن شعبة، عن
الحكم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبيّ وَّر.
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٩٠/١.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٦١/٢.

٣٩٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وخالفه بدل، ومعاذ، وعمرو بن مرزوق، فرووه عن شعبة، عن الحكم،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد، موقوفاً.
ورواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن كعب، قولَهُ،
غيرَ مرفوع، ورواه المسيَّب بن رافع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، موقوفاً .
ومَن وَقَفه أثبت ممن أسنده. انتهى كلام الدارقطنيّ كَُّ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الدارقطنيّ تَخْذُ أن وَقْف
هذا الحديث أرجح مِن رَفْعه، ففيه تنكيت على مسلم، حيث أخرج المرفوع،
لكن الذي يظهر أن مسلماً رجَّح الرفع؛ لأمرين:
الأول: أن واقِفوه وإن كانوا أكثر، لكن الذين رفعوه ثقات معهم زيادة
علم، وزيادة الثقات مقبولة.
الثاني: أن هذا الكلام مما لا يقال بالرأي، بل بالتوقيف من النبيّ وَّد.
قال ابن عبد البرّ تَخّلُ: وأما حديث مسلم بن أبي مريم، فهو موقوف عند
جمهور رواة ((الموطأ))، وقد رواه ابن وهب، عن مالك، عن مسلم بن أبي
مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ مسنداً، وهو الصحيح؛
لأنه لا يقال مثله بالرأي، ولا يدرك بالقياس. انتهى (٢).
وأيضاً فإن للحديث متابعةً، وشواهد، فقد أخرج أحمد في ((مسنده))،
فقال: حدّثنا يونس بن محمد، قال: حدّثني الخزرج - يعني: ابن عثمان
السعديّ - عن أبي أيوب؛ يعني: مولى عثمان، عن أبي هريرة، قال: سمعت
رسول الله وَ﴿ قال: ((إن أعمال بني آدم تُعْرَض كلَّ خميس، ليلة الجمعة، فلا
يُقبل عمل قاطع رَحِم))(٣)، قال الهيثميّ كَذُ: رجال ثقات (٤).
وأخرج النسائيّ في ((المجتبى))، فقال: (٢٣٥٨) - أخبرنا عمرو بن عليّ،
عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا ثابت بن قيس أبو الغصن شيخ من أهل المدينة،
(١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٨٧/١٠ - ٨٩.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٩٤/٨.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٨٣/٢.
(٤) وحسّنه الشيخ الألبانيّ.

٣٩٩
(١١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشَّحْنَاءِ، وَالتَّهَاجُرِ - حديث رقم (٦٥٢٦)
قال: حدّثني أبو سعيد المقبريّ، قال: حدّثني أسامة بن زيد، قال: قلت:
يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تُفطر، وتُفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا
يومين، إن دخلا في صيامك، وإلا صُمْتَهما، قال: ((أيُّ يومين؟)) قلت: يوم
الاثنين، ويوم الخميس، قال: ((ذانك يومان، تُعرض فيهما الأعمال على رب
العالمين، فأُحِبّ أن يُعرَض عملي، وأنا صائم)). انتهى(١). وهو حديث صحيح.
وأخرج الطبرانيّ عن جابر ﴿ه؛ أن رسول الله وسلم قال: ((تُعرض
الأعمال يوم الاثنين والخميس، فمن مستغفر، فيغفرَ له، ومن تائب، فيتابَ
عليه، ويُرَدّ أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا))، قال ابن المنذر: رواه
الطبرانيّ، ورواته ثقات(٢).
فهذه الأحاديث، وإن تُكُلِّم في بعضها فإنها تشهد لحديث الباب.
والحاصل أن الحديث صحيح، فتأمل بالإنصاف، وقد أجاد الشيخ ربيع
المدخلي في كتابه ((بين الإمامين))(٣)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مُّرَّتَيْنٍ، يَوْمَ
الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدَاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ،
فَيُقَالُ: اْرُكُوا - أَوِ ارْكُوا - هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيْئًا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو العامريّ،
أبو محمد البصريّ، ثقة [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
والباقون ذكروا في الباب، وقبله.
وقوله: ((تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ) قال الطيبيّ نَّتُهُ: المعروض عليه هو الله
(١) ((سنن النسائي (المجتبى))) ٢٠١/٤.
(٢) ((الترغيب والترهيب)) ٧٩/٢.
(٣) راجع: ((بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ)) ص٣٩٤ - ٣٩٩.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
تعالى، أو ملَك وكّله الله تعالى على جَمْع صحائف الأعمال وضَبْطها .
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني ضعيف، فالصواب أن العرض
على الله وَله؛ للنصوص الكثيرة على ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فِي كُلِّ جُمُعَةٍ)؛ أي: في كلّ أسبوع، عبّر عن الشيء بآخره،
وما يتمّ به، ويوجد عنده، وخصّه لأنه أفضل أيّام الأسبوع.
وقوله: (إِلَّا عَبْداً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ ... إلخ) هكذا رواية مسلم بنصب
((عبداً))، وهو الجادّة، وقال التوربشتيّ: وجدناه في ((كتاب المصابيح)): ((إلا
عبدٌ)) بالرفع، وهو في ((كتاب مسلم)) بالنصب، وهو الأوجَه، فإنه استثناء من
كلام موجَب، وبه وَرَدَت الرواية الصحيحة. انتهى(١).
وقوله: (اْرُكُوا - أَوِ ارْكُوا -) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، وقوله:
(اتركوا)) من الترك، وقوله: ((اركوا)) بوصل الهمزة، ويقال بقطعها؛ أي:
أخّروهما .
وقوله: (حَتَّى يَفِيئًا))) بفتح أوله، من الفيء؛ أي: الرجوع؛ أي: إلى أن
يرجعا إلى ما كانا عليه من المحبّة، والمودّة.
والحديث من أفراد المصنّف تَُّهُ، وتقدم البحث فيه مستوفّى قريباً، ولله
الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٢) - (بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٢٧] (٢٥٦٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ
يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ
الْمُتَحَابُونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِّي، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِّي))).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢١١/١٠.