Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٦)
(المسألة السابعة): قوله ◌َله: ((وكونوا عباد الله إخواناً)) هكذا ذَكَره
النبيّ وَّ كالتعليل لِمَا تقدّم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التباغض، وما ذُكر
كانوا إخواناً، وفيه أمْرٌ باكتساب ما يصير المسلمون به إخواناً على الإطلاق،
وذلك يدخل فيه أداء حقوق المسلم على المسلم، من ردّ السلام، وتشميت
العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام
عند اللقاء، والنصح بالغيب.
وفي الترمذيّ عن أبي هريرة، عن النبيّ وَ* قال: ((تهادَوْا، فإن الهدية
تُذهب وَحَر الصدر))(١)، وخرّجه غيره، ولفظه: ((تهادوا تحابوا)) (٢)، وفي ((مسند
البزار)) عن أنس، عن النبيّ وَّر قال: ((تهادوا، فإن الهدية تَسُلّ السَّخِيمة))(٣).
ويُروى عن عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث، قال: ((تصافحوا، فإنه
يُذهب الشحناء، وتهادَوا))(٤).
وقال الحسن: المصافحة تزيد في المودّة، وقال مجاهد: بلغني أنه إذا
تراءى المتحابّان، فضحك أحدهما إلى الآخر، وتصافحا، تحاتّت خطاياهما
كما يتحاتّ الوَرَق من الشجر، فقيل له: إن هذا ليسير من العمل، قال: يقولون:
يسير، والله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ
اَللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]. انتهى(٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِك، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
(١) في سنده أبو معشر السنديّ، وهو ضعيف.
(٢) حديث حسن، كما قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٣/ ٧٠.
(٣) في سنده عائذ بن شريح: ضعيف.
(٤) رواه ابن وهب في ((الجامع)) عن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه رفعه،
وهو مسلسل، وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٠٨/٢ عن عطاء بن أبي مسلم
الخراسانيّ، رفعه، وعطاء صدوق یهم کثیراً، ويرسل، ويدلّس.
(٥) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٧١/٢ - ٢٧٢.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِك).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدّب الشاميّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ(١) [١٠] (ت٢٢٨) (م كد) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) برقم (١١٧٤).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش - بالشين المعجمة -
ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم (١١٧٤).
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) - بالزاي، والموحّدة، مصغّراً - أبو
الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت٦ أو ٧
أو ١٤٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) برقم (١١٧٤).
والباقون ذُكروا في السند الماضي، والباب السابق.
[تنبيه]: رواية محمد بن الوليد عن الزهريّ ساقها الطبرانيّ في ((مسند
الشاميين))، فقال:
(١٦٩٤) - حدّثنا إبراهيم بن دُحيم الدمشقيّ، ثنا أبي، ثنا عُمر بن
عبد الواحد، ثنا الأوزاعيّ، عن محمد بن الوليد الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن
أنس بن مالك، أن رسول الله وَل﴾ قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا
تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لامرئ مسلم أن يهاجر أخاه فوق
ثلاثة أيام)). انتهى(٢).
وأما رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن ابن شهاب، فلم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرُو النَّاقِدُ،
(١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): صدوق، راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)).
(٢) ((مسند الشاميين)) ٧/٣ - ٨.

٣٤٣
(٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّبَاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٨)
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ عُبَيْنَةَ: ((وَلَا تَقَاطَعُوا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
وقوله: ((ولا تقاطعوا)))؛ أي: لا تفعلوا أسباب القطع التي تقطع بعضكم
عن بعض، من الحسد، والغيبة، والسبّ، والشتم، والبغض، وهو مِن ذِكر
العامّ بعد الخاصّ(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((لا تقاطعوا)): أي: لا تقاطع أخاك، فلا
تكلّمه، ولا تعامله، وهو معنى: ((لا تَهَاجروا))، وهي رواية ابن ماهان، وهي:
من الهجران، وعن الْجُلوديّ: (ولا تهجروا))، وعن أبي بحر: ((تِهِجِروا)) بكسر
التاء، والهاء، والجيم، قال القاضي: معنى الكلمة: لا تهتجروا، وتكون:
تفتعلون: يعني: تهاجروا، أو من هُجْر الكلام، وهو الفُحش فيه؛ أي: لا
تتسابُّوا، وتتفاحشوا، قال القرطبيّ: والرواية الأُولى أوضح، وأَولى. انتهى(٢).
[تنبيه]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ هذه ساقها أبو يعلى تَُّ في
((مسنده))، فقال:
(٣٥٤٩) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، سمعه من أنس،
عن النبيّ وَلّم قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا،
وكونوا عباد الله إخواناً، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَبْع - (ح)
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، جَمِيعاً عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْهُ فَكَرِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ
(١) «شرح الشيخ الهرري)) ٢٩٩/٢٤ - ٣٠٠.
(٢) ((المفهم)) ٥٣١/٦ - ٥٣٢.
(٣) ((مسند أبي يعلى)) ٢٥١/٦.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
الزُّهْرِيِّ، يَذْكُرُ الْخِصَالَ الأَرْبَعَةَ جَمِيعاً، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ((وَلَا تَحَاسَدُوا،
وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين الْجحدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً، وهو أوثق من عمه كامل بن طلحة (خت م
د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) - بتقديم الزاي، مصغّراً - العيشيّ، أبو معاوية
البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت١٨٢َّ) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) ضمير التثنية لمحمد بن رافع، وعبد بن
حُميد، فكلاهما رويا هذا الحديث عن عبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ مَعْمَرٍ)؛ يعني: أن يزيد بن زُريع، وعبد الرزّاق رویا
هذا الحديث عن معمر بن راشد.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق عن معمر، ساقها أحمد في ((مسنده))، فقال:
(١٢٧١٤) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن أنس، قال:
قال رسول الله وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله
إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يَهجُر أخاه فوق ثلاث)). انتهى (١).
وأما رواية يزيد بن زريع، عن معمر، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قَالَ: ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا
تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانً)).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦٥/٣.

٣٤٥
(٧) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥١٠)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ غَلِط في أحاديث [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
٢ - (قَتَادَةُ) بن عامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبیان مسائله في شرح حديث
أول الباب، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: ((كَمَا أَمَرَكُمُ الله)).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ الْجَهْضَمِيُّ) هو: عليّ بن نصر بن علي بن نصر بن
علي الْجَهْضَميّ، أبو الحسن البصريّ الصغير الحافظ(١)، ثقة حافظ [١١].
رَوَى عن وهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الصمد بن
عبد الوارث، وسهل بن حماد أبي عَتّاب الدلّال، ومحمد بن عباد الْهُنَائي،
وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو عمر
والمستملي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري في غير ((الجامع))، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وسألته عنه، فوثّقه، وأطنب في ذكره،
والثناء عليه، وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون خَلَفاً، وقال صالح بن محمد:
ثقة، صدوق، وقال الترمذيّ: كان حافظاً صاحب حديث، وقال النسائيّ:
نصر بن علي الجهضميّ، وابنه عليّ ثقتان، وذكرهما ابن حبان في ((الثقات))،
(١) أما الكبير فهو جدّ هذا: عليّ بن نصر بن عليّ من كبار الطبقة التاسعة، مات سنة
(١٨٧)، وتقدّم فى ((الإيمان)) ١٢٦/٦.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وقال هو، والنسائيّ، وغيرهما: مات سنة خمسين ومائتين، زاد البخاريّ في
((تاريخه)): في شعبان.
روى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعد باب.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد، أبو العباس الأزديّ البصريّ، ثقةٌ
[٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٥/٥٠.
و ((شُعبة)) ذُكر قبله.
وقوله: (كما أمركم الله) قال القرطبيّ كَُّ: يَحْتَمِل أن يريد به هذا الأمر
الذي هو قوله: ((كونوا إخواناً))؛ لأنَّ أمْره هو أمْر الله تعالى، وهو مُبَلِّغ له،
ويَحْتَمِل أن يريد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإنَّه
خبرٌ عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها، ففيها معنى الأمر.
(١)
.
انتهى (١)
[تنبيه]: وقع اختلاف في اسم شيخ المصنّف في هذا الإسناد، بيّنه
الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ◌َظَُّ في ((تقييده))، فقال بعد أن ساق سند مسلم ما
نصّه: هكذا عند أبي أحمد: حدّثنا عليّ بن نصر، وهو أبو الحسن عليّ بن
نصر بن عليّ بن نصر الْجَهْضميّ، روى مسلم عن أبيه نصر بن عليّ كثيراً،
وروى عن ابنه عليّ بن نصر في هذا الموضع.
وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا نصر بن عليّ، قال: نا وهب بن
جرير، بدل: عليّ بن نصر، ورواية أبي أحمد الصواب.
ذكر مسلم بعد هذا بأحاديث حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تحسّسوا))،
ثم أردف على هذا: حدّثنا عليّ بن نصر، قال: نا وهب بن جرير، قال: نا
شعبة، عن الأعمش بهذا الإسناد: ((لا تقاطعوا، ولا تدابروا ... )) الحديث،
ولم تختلف النُّسَخ في هذا الموضع في هذه المتابعة أنها عن عليّ بن نصر،
ومات عليّ بن نصر هذا مع أبيه نصر بن عليّ في سنة واحدة سنة (٢٥٠)،
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٣٢.

٣٤٧
(٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥١٠)
توقّي الأب في ربيع الآخر، ومات ابنه في شعبان من السنة المذكورة. انتهى
كلام الجيّانيّ ◌َّهُ(١).
وقال النوويّ تَّثُ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: ((عليّ بن نصر))،
وكذا نقله الجيّاني، والقاضي عياض، وغيرهما عن الحفّاظ، وعن عامة
النسخ، وفي بعضها: ((نصر بن عليّ)) بالعكس، قالوا: وهو غلطّ، قالوا:
والصواب: عليّ بن نصر، وهو أبو الحسن عليّ بن نصر بن عليّ بن نصر
الْجَهِضَميّ، تُوُفّي بالبصرة هو وأبوه نصر بن عليّ سنة خمسين ومائتين،
مات الأب في شهر ربيع الآخر، ومات الابن في شعبان تلك السنة، قال
القاضي: قد اتَّفَقَ الحفّاظ على ما ذكرناه، وأن الصواب عليّ بن نصر،
دون عكسه، مع أن مسلماً رَوَى عنهما، إلا أن لا يكون لنصر بن عليّ
سماع من وهب بن جرير، وليس هذا مذهب مسلم، فإنه يكتفي بالمعاصرة،
وإمكان اللقاء، قال: ففي نَفْيهم لرواية النُّسخ التي فيها نصر بن عليّ نَظَر.
انتھی.
هذا كلام القاضي.
وتعقبه النوويّ، فقال: والذي قاله الحفّاظ هو الصواب، وهم أعرف بما
انتقدوه، ولا يلزم من سماع الابن مِن وَهَب سماع الأب منه، ولا يقال: يمكن
الجمع، فكتاب مسلم وقع على وجه واحد، فالذي نقله الأكثرون هو المعتمَد،
لا سيما وقد صوَّبه الحفّاظ. انتهى كلام النوويّ دَّثُمُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب النوويّ كَُّ وجيهٌ، فالصواب ما قاله
الحفّاظ بأن الصواب في هذا الإسناد أنه عليّ بن نصر، لا أبوه نصر بن عليّ،
فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية وهب بن جرير عن شعبة هذه ساقها أبو يعلى ◌َّتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٣٢٦١) - حدّثنا أحمد، حدّثنا وهب بن جرير، حدّثنا شعبة، عن قتادة،
(١) ((تقييد المهمل)) ٩٢١/٣ - ٩٢٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٦/١٦ - ٠١١٧

٣٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
عن أنس، قال رسول الله وَله: ((لا تقاطعوا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا،
وكونوا عباد الله إخواناً، كما أمركم الله)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥١١] (٢٥٦٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْهِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الهِ لَهـ
قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانٍ، فَيُعْرِضُ هَذَا،
وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَّا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥ أو ١٠٧)
وقد جاز الثمانين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦.
٢ - (أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ) خالد بن زيد بن كُليب، من كبار
الصحابة ﴿ه، شَهِد بدراً، ونزل النبيّ وَِّ حين قَدِم المدينة عليه، مات غازياً
الروم سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه،
فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ،
وفيه أبو هريرة رَُّه، وقد مرّ القول فيه غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) قال في ((الفتح)): هكذا اتَّفَقَ أصحاب الزهريّ، وخالفهم
(١) ((مسند أبي يعلى)) ٢٤/٦.

٣٤٩
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - حديث رقم (٦٥١١)
عُقيل، فقال: ((عن عطاء بن يزيد، عن أبي))، وخالفهم كلهم شَبِيبٍ بن سعيد، عن
يونس، عنه، فقال: عن عبيد الله، أو عبد الرحمن، عن أَبَيّ بن كعب،
قال إبراهيم الحربيّ: أما شبيب فلم يضبط سنده، وقد ضبطه ابن وهب،
عن يونس، فساقه على الصواب، أخرجه مسلم، وأما عُقيل فلعله سقط عليه
لفظ ((أيوب))، فصار ((عن أبي))، فنَسَبه من قِبَل نفسه، فقال: ابن كعب،
فوهم في ذلك. انتھی(١).
(الأَنْصَارِيِّ) بفتح الهمزة نسبة إلى الأنصار، وهم جماعة أهل المدينة من
الأوس والخزرج، سُمّوا به؛ لِنُصرتهم النبيّ وَِّ. (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لا)
نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، (يَحِلَّ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من حلّ الشيء
يَحِلّ، من باب ضرب، ضدّ حَرُم. (لِمُسْلِم) قد يحتجّ به من يقول: الكفّار غير
مخاطَبين بفروع الشرع، والأصحّ أنهم مخاطبون بها، وإنما قيّد بالمسلم؛ لأنه
الذي يقبل خطاب الشرع، وينتفع به (٢).
(أَنْ يَهْجُرَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: هَجَره يهجُرُه، من باب قتل،
هَجْراً بالفتح، وهِجراناً بالكسر: إذا صرمه، والشيءَ تَرَكه، كأهجره(٣).
(أَخَاهُ) قال الطيبيّ نَخْذُهُ: تخصيص الأخ بالذُكر إشعار بالعليّة، والمراد به
أخوّة الإسلام، ويُفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة، وقطع هذه الرابطة جاز
هِجرانه فوق ثلاث(٤).
وقال ابن الأثير - عند قوله: ((لا هِجْرَةَ بَعْد ثلاثٍ)) -: يريد به الهَجْر ضِدّ
الوَصل؛ يَعْني: فيما يَكُون بَيْن المسلمين من عَتْب، ومَوْجِدَة، أو تَقْصِيرٍ يَقَع في
حُقُوق العِشْرَةِ، والصُّحْبَة، دونَ ما كان من ذلك في جانب الدِّين، فإنَّ هِجْرة
أهْلِ الأَهْواء، والبِدَعِ دَائمة على مَرِّ الأوقاتِ، ما لم تَظْهر منْهُم الثَّوْبة،
والرُّجُوع إلى الحقِّ، فإنَّه ◌َ لَمّا خاف على كعْب بن مالك وصحابيه النِّفاقَ
(١) ((الفتح)) ٦٤٨/١٣ - ٦٤٩، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٧٧).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٨/١٦.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص١٣٣٦.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٠٩/١٠.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
حين تَخَلّفوا عن غَزْوة تبوك، أمَر بِهِجْرانِهِم خَمْسين يَوْماً، وقد هَجَر وَلِّ نِساءَه
شَهراً، وهَجَرت عائشة ابنَ الزُّبَير ◌ِ﴿ّ مُدَّةِ، وَهَجر جَمَاعةٌ من الصحابة جَماعةً
منهم، وماتُوا مُتَهاجِرِين، ولعلّ أحَدَ الأمْرَيْن مَنْسُوخٌ بالآخَر. انتهى كلام ابن
الأثير(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((منسوخ بالآخر)) هذا غير صحيح، بل
الحقّ أنه يُحمل على أن هجران هؤلاء بعضهم لبعض كان لأمر دينيّ، لا دنيويّ
حَسَب اجتهادهم، وإن لم يكن كذلك عند الآخرين، فهذا هو وجه الجمع بين
الأخبار، والله تعالى أعلم.
(فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) ظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرفق؛ لأن
الآدميّ في طبعه الغضب، وسوء الخُلُق، ونحو ذلك، والغالب أنه يزول، أو
يقلّ في الثلاث.
(يَلْتَقِيَانِ) قال الطيبيّ كَُّ: فإن قلت: ما موقع قوله: ((يلتقيان))، وقوله:
((وخيرهما))؟ قلت: الجملة الأُولى بيانيّة، استئنافيّة، بيان لكيفيّة الهجران،
والثانية عَطْف على الأُولى من حيث المعنى؛ لِمَا يُفهم منها أن ذلك الفعل ليس
بخير، ويجوز أن تكون الأُولى حالاً من فاعل ((يهجر))، ومفعوله معاً، نحو قول
الشاعر [من الوافر]:
مَتَى مَا نَلْتَقِي فَرْدَيْنٍ تَرْجُفْ رَوَانِفُ (٢) أَلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا
وعلى هذا فالثانية معطوفة على قوله: ((لا يحلّ)). انتهى(٣).
(فَيُعْرِضُ هَذَا) عن أخيه المسلم، (وَيُعْرِضُ هَذَا) الآخر كذلك، وفي
رواية: ((فيصُدّ هذا، ويصُدّ هذا)) وهو بضمّ الصاد، ومعنى يصدّ: يُعرض؛ أي:
يولّيه عُرضه، بضم العين، وهو جانبه، والصّدّ بضم الصاد(٤)، وهو أيضاً
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٥٥٧/٥.
(٢) الرانفة: أسفل الآلية، وطرفها الذي يلي الأرض من الإنسان إذا كان قائماً. اهـ.
«لسان)) ٩/ ١٢٧.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٠٩/١٠.
(٤) قال في ((القاموس)): الصدّ بالفتح، ويُضَمّ: الجبل، وهو ناحية الوادي. اهـ. ص٧٣١.

٣٥١
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - حديث رقم (٦٥١١)
الجانب، والناحية، قاله النوويّ تَخَذَتْهُ(١).
وقال في ((المشارق)): ((فيصدّ هذا، ويصدّ هذا)): أي: يُعْرِض كل واحد
منهما عن صاحبه، ويصرف وجهه عنه، كما قال في الرواية الأخرى: ((فُيُعْرِض
هذا، ويعرض هذا))، والصّدّ: الْهِجران، كأنه يُعرِض عنه، ويولّيه صُدّه، وهو
جانبه، وهو معنى يُعرض أيضاً، والعراض: الجانب. انتهى(٢).
(وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَام))) زاد الطبريّ من طريق أخرى، عن
الزهريّ: ((يسبق إلى الجنة))، ولأبي داود بسند صحيح، من حديث أبي
هريرة ◌َُّه: ((فإن مرَّت به ثلاث، فلقيه، فليسلِّم عليه، فإن ردّ عليه فقد اشتركا
في الأجر، وإن لم يردّ عليه، فقد باء بالإثم، وخَرَج المسلِّم من الهجرة))،
ولأحمد والبخاريّ في ((الأدب المفرد))، وصححه ابن حبان، من حديث
هشام بن عامر: ((فإنهما ناكثان عن الحقّ ما داما على صِرامهما، وأوّلُهما فَيْئاً
يكون سَبْقه كفارة))، فذكر نحو حديث أبي هريرة، وزاد في آخره: ((فإن ماتا
على صِرامهما، لم يدخلا الجنة جميعاً))(٣).
وقوله أيضاً: (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَام)))؛ أي: هو أفضلهما، قال
النوويّ: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، ومالك، ومن وافقهما أن السلام يقطع
الهجرة، ويرفع الإثم فيها، ويزيله، وقال أحمد، وابن القاسم المالكيّ: إن
كان يؤذيه لم يقطع السلامُ هجرته، قال أصحابنا - الشافعيّة -: ولو كاتَبَه، أو
راسله عند غيبته عنه، هل يزول إثم الهجرة؟ فیه وجهان: أحدهما لا يزول؛
لأنه لم يكلّمه، وأصحّهما يزول؛ لزوال الوحشة، والله أعلم. انتهى(٤).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((وخيرهما إلخ)) هذا يدلّ على أن مجرد
السلام يُخرج عن الهجرة، وإن لم يكلّمه، وهو قول مالك وغيره، وقال
أحمد، وابن القاسم: إن كان يؤذيه فلا يقطع السلامُ هجرته، وعندنا أنه إن
اعتزل كلامه لم تُقبل شهادته عليه، ومعناه: أن الذي يبادر بقطع الهجرة، فيسبق
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٧/١٦.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٤٠/٢.
(٣) ((الفتح)) ٦٤٩/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٧٧).
(٤) ((شرح النوويّ)) ١١٧/١٦ - ١١٨.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
صاحبه بالسلام أحسن خُلقاً، وأعظم أجراً، وما ذكرناه من جواز الهجران في
الثلاث هو مذهب الجمهور، والمعتبَر ثلاث ليال، فإن بدأ بالهجرة في بعض
يوم فله أن يلغي ذلك البعض، ويعتبر ليلة ذلك اليوم، فيكون أول الزمان الذي
أبيحت فيه الهجرة، ثمَّ بانفصال الليلة الثالثة تحرم، على ما قدّمناه، وهذا
الْهِجران الذي ذكرناه هو الذي يكون عن غضب لأمر جائز، لا تعلّق له
بالدِّين، فأما الْهِجران لأجل المعاصي والبدعة، فواجب استصحابه إلى أن
يتوب من ذلك، ولا يُختَلَف في هذا. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، والله تعالى
أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
رَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥١١/٨ و٦٥١٢] (٢٥٦٠)، و(البخاريّ) في
((الأدب)) (٦٠٧٧) و((الاستئذان)) (٦٢٣٧) وفي ((الأدب المفرد)) (١٤٧/١
و٣٤١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩١١)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة))
(١٩٣٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٠٦/٢ - ٩٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤١٦/٥ و٤٢١ و٤٢٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥٩٢)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٣٩٤٩ و٣٩٥١ و٣٩٦٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٦٩
و٥٦٧٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٣/١٠) وفي ((شُعَب الإيمان)) (٢٦٩/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما قاله النوويّ تَخّْتُهُ: قال العلماء: في هذا الحديث تحريم
الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال، وإباحتها في الثلاث، الأوّلُ بنصّ
الحديث، والثاني بمفهومه، قالوا: وإنما عُفي عنها في الثلاث؛ لأن الآدمي
مجبول على الغضب، وسوء الخُلُق، ونحو ذلك، فعُفي عن الهجرة في الثلاثة؛
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٣٣ - ٥٣٤.

٣٥٣
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - حديث رقم (٦٥١١)
ليذهب ذلك العارض، وقيل: إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجرة في الثلاث،
وهذا على مذهب من يقول: لا يُحتجّ بالمفهوم، ودليلِ الخطاب. انتهى (١).
٢ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): قال أكثر العلماء: تزول الهجرة بمجرد
السلام، وردّه، وقال أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان
عليها أوّلاً، وقال أيضاً: ترك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام،
وكذا قال ابن القاسم، وقال عياض: إذا اعتزل كلامه لم تُقبل شهادته عليه
عندنا، ولو سَلَّم عليه؛ يعني: وهذا يؤيّد قول ابن القاسم.
قال الحافظ: ويمكن الفرق بأن الشهادة يُتَوَقَّى فيها، وتَرْك المكالمة يُشعر
بأن في باطنه عليه شيئاً، فلا تُقبل شهادته عليه، وأما زوال الهجرة بالسلام عليه
بعد تركه ذلك في الثلاث، فليس بممتنع.
واستَدَلّ للجمهور بما رواه الطبرانيّ من طريق زيد بن وهب، عن ابن
مسعود ربه في أثناء حديث موقوف، وفيه: ((ورجوعه أن يأتي، فيسلِّم عليه)).
٣ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)) أيضاً: استُدِلّ بقوله: ((أخاه)) على أن
الحكم يختص بالمؤمنين، وقال النوويّ: لا حجة في قوله: ((لا يحل لمسلم))
لمن يقول: الكفار غير مخاطَبين بفروع الشريعة؛ لأن التقييد بالمسلم لكونه
الذي يقبل خطاب الشرع، وينتفع به، وأما التقييد بالأخوّة فدالّ على أن
للمسلم أن يهجر الكافر من غير تقييد.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بهذه الأحاديث على أن من أعرض عن أخيه
المسلم، وامتنع من مكالمته، والسلام عليه أثم بذلك؛ لأن نفي الحلّ يستلزم
التحريم، ومرتكب الحرام آثم، قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه لا يجوز
الهجران فوق ثلاث، إلا لمن خاف من مکالمته ما يُفسد عليه دينه، أو يُدخل
منه على نفسه، أو دنياه مضرّةً، فإن كان كذلك جاز، ورُبّ هَجْر جميل خير
من مخالطة مؤذية، قاله في ((الفتح))(٢).
[فائدة]: استُشكل كون هجران الفاسق، أو المبتدِعِ مشروعاً ولا يُشرع
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٧/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٦٤٩/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٧٧).

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
هجران الكافر، وهو أشدّ جُرْماً منهما؛ لكونهما من أهل التوحيد في الجملة.
وأجاب ابن بطال بأن الله أحكاماً فيها مصالح للعباد، وهو أعلم بشأنها،
وعليهم التسليم لِأَمْره فيها، فجنح إلى أنه تعبُّد، لا يُعْقَل معناه، وأجاب غيره
بأن الهجران على مرتبتين: الهجران بالقلب، والهجران باللسان، فهجران
الكافر بالقلب، وبترك التودّد، والتعاون، والتناصر، لا سيما إذا كان حربيّاً،
وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام؛ لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، بخلاف العاصي
المسلم، فإنه ينزجر بذلك غالباً، ويشترك كل من الكافر والعاصي في مشروعية
مكالمته بالدعاء إلى الطاعة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإنما
المشروع ترك المكالمة بالمودّة، ونحوها(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥١٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ،
عَنِ الزُّبَيْدِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ مَالِكِ،
وَمِثْلِ حَدِيثِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: ((فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُغْرِضُ هَذَا))، فَإِنَّهُمْ جَمِيعاً قَالُوا فِي
حَدِيثِهِمْ غَيْرَ مَالِكِ: ((فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة عشر:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله، و((إسحاق بن إبراهيم)) وهو ابن
راهويه، تقدّم قريباً.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة، وهم: سفيان بن
عيينة، ويونس بن يزيد الأيليّ، ومحمد بن الوليد الزُّبيديّ، ومعمر بن راشد
رووا هذه الحديث عن الزهريّ، كمثل ما رواه مالك بإسناده، وعنه إلا قوله:
((فُعرض هذا إلخ)).
(١) ((الفتح)) ٦٥٢/١٣.

٣٥٥
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - حديث رقم (٦٥١٢)
وقوله: (غَيْرَ مَالِكِ) بنصب ((غيرَ)) على الاستثناء، وذَكَرِه تأكيداً لِمَا فهمه
مما سبق، فتنبه.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ ساقها البخاريّ كَلُّ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٨٨٣) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن
عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي أيوب ر ◌ُه، عن النبيّ وَّ قال: ((لا يحل لمسلم
أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصدّ هذا، ويصدّ هذا، وخيرهما الذي
يبدأ بالسلام))، وذَكَر سفيان أنه سمعه منه ثلاث مرات. انتهى(١).
ورواية يونس بن يزيد الأيليّ عن الزهريّ، ساقها الطبرانيّ ◌َُّ في
((المعجم الكبير))، فقال:
(٣٩٥٦) - حدّثنا إسماعيل بن الحسن الخفّاف، ثنا أحمد بن صالح، أنا
ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي
أيوب الأنصاريّ، أن رسول الله وَ﴿ قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاث، يلتقيان، فيصدّ هذا، ويصدّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).
(٢)
انتھی(٢).
ورواية معمر بن راشد، عن الزهريّ، ساقها عبد الرزّاق ◌َُّ في
(مصنّفه))، فقال:
(٢٠٢٢٣) - أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن
أبي أيوب الأنصاريّ، قال: لا أعلمه إلا رفع الحديث إلى رسول الله وص له قال:
((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان، فيصدّ هذا، ويصدّ
هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). انتهى (٣).
وأما رواية محمد بن الوليد الزُّبيديّ عن الزهريّ، فلم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(١) (صحيح البخاريّ)) ٢٣٠٢/٥.
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٦٨/١١.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٤٥/٤.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُهُ أَوّلَ الكتاب قال:
[٦٥١٣] (٢٥٦١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي فُدَيْكِ،
أَخْبَرَنَا الضَّخَّاكُ - وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ - عَنْ نَافِعَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ(١) أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي فُدَيْكِ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي
فُديك - بالفاء، مصغّراً - الدِّيليّ مولاهم المدنيّ، أبو إسماعيل، صدوقٌ، من
صغار [٨] مات سنة مائتين، على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٢ - (الضَّحَّكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحزاميّ،
أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور
[٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﴿مَا، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و((شيخه)) ذُكر في السند الماضي، وشرح الحديث يُعلم مما سبق، فلا
حاجة إلى إعادته.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ها هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥١٣/٨] (٢٥٦١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢/
٦٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢٠/٧ و٦٨/٩)، و(القضاعيّ) في ((مسند
الشهاب)) (٦٠/٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥١٤] (٢٥٦٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ:
((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ))).
(١) وفي نسخة: (لمؤمن)).

٣٥٧
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - حديث رقم (٦٥١٤)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و(العلاء)) هو ابن عبد الرحمن بن
يعقوب الْحُرَقيّ المدنيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف وَظَلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ،
والابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿به؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ)))
وفي رواية أبي داود، والنسائيّ: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث،
فمن هجر فوق ثلاث، فمات دخل النار)).
وقال ابن الأثير تَّلُهُ: قوله: ((لا هجرة بعد ثلاث)) يريد به الهجرة ضدّ
الوصل؛ يعني: فيما يكون بين المسلمين من عَتْب، ومَوْجِدة، أو تقصير، يقع
في حقوق العِشْرة والصحبة، دون ما كان في ذلك في جانب الدِّين، فإن هجرة
أهل الأهواء والبدع دائمة، على مَرّ الأوقات، ما لم تَظْهر منهم التوبة،
والرجوع إلى الحقّ. انتهى(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف وَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥١٤/٨] (٢٥٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٧٨/٢ و٤٥٦)، والله تعالى أعلم
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾.
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٤٤/٥.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٩) - (بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّسِ، وَالتَّنَافُسِ،
وَالتَّنَّاجُشِ، وَنَحْوِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥١٥] (٢٥٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنِهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ،
فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا
تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ،
ثقة فقيه [٥] (ت١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى
ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم [٣] (١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه،
وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُه، وقد سبق
القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ)؛ أي:
باعدوا أنفسكم عن ظنّ السوء، فـ((إياكم)) منصوب على التحذير، كما قال في
«الخلاصة» :
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
قال القرطبيّ كَّتُهُ: الظن هنا هو التهمة، ومحلّ التحذير والنهي إنما هو
تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتّهم شخصاً بالفاحشة، أو بشرب الخمر، ولم

٣٥٩
(٩) - بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّسِ، وَالتَنَافُسِ، وَالتَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا - حديث رقم (٦٥١٥)
يظهر عليه ما يقتضي ذلك، ودليل كون الظنّ هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا:
(ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا))، وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداءً، فيريد
أن يتجسّس خبر ذلك، ويبحث عنه، ويتبصّر، ويتسمّع؛ ليحقق ما وقع له من
تلك التهمة، فنهى النبيّ وَّر عن ذلك، وقد جاء في بعض الأحاديث: ((إذا
ظننت فلا تُحقّق))، وقال الله تعالى: ﴿وَظَنَفْتُمْ ظَََّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾
[الفتح: ١٢]، وذلك أن المنافقين تطيّروا برسول الله وَّير، وبأصحابه حين
انصرفوا إلى الحديبية، فقالوا: إن محمّداً وأصحابه أكلة رأس، ولن يرجعوا
إليكم أبداً، فذلك ظنّهم السيّئ الذي وبّخهم الله تعالى عليه، وهو من نوع ما
نَهَى الشرع عنه، إلا أنَّه أقبح النوع، فأما الظن الشرعيّ الذي هو تغليب أحد
المجوّزين، أو بمعنى اليقين، فغير مراد من الحديث، ولا من الآية يقيناً، فلا
يُلتفت لمن استدلّ بذلك على إنكار الظنّ الشرعيّ، كما قرّرناه في الأصول.
(١)
انتهى(١).
وقال النوويّ: المراد: النهي عن ظن السوء، قال الخطابيّ: هو تحقيق
الظنّ، وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذلك لا يُمْلَك، ومراد الخطابيّ
أن المحرَّم من الظنّ ما يستمرّ صاحبه عليه، ويستقرّ في قلبه، دون ما يَعْرِض
في القلب، ولا يستقرّ، فإن هذا لا يكلّف به كما سبق في حديث: ((تجاوز الله
تعالى عما تحدثت به الأمة، ما لم تتكلم، أو تعمل))، وسبق تأويله على
الخواطر التي لا تستقرّ، ونقل القاضي عن سفيان أنه قال: الظن الذي يأثم به
هو ما ظنَّه، وتكلّم به، فإن لم يتكلم لم يأثم، قال: وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن
المراد: الحكم في الشرع بظنٌّ مجرَّد من غير بناء على أصل، ولا نَظَرٍ
واستدلال، وهذا ضعيف، أو باطل، والصواب الأول. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قال الخطابيّ(٣) وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظنّ
الذي تُناط به الأحكام غالباً، بل المراد: ترك تحقيق الظنّ الذي يضرّ بالمظنون
به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي
(١) ((المفهم)) ٥٣٤/٦ _ ٥٣٥.
(٣) ((الأعلام)) ١٩٧٤/٣ و٢١٨٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٨/١٦ - ١١٩.

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
خواطر، لا يمكن دَفْعها، وما لا يُقْدَر عليه لا يكلّف به، ويؤيده حديث:
((تجاوز الله للأمة عما حدّثت به أنفسها))، وقد تقدّم شرحه.
وقال القرطبيّ: المراد بالظن هنا: التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم
رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عَطَف عليه قوله:
((ولا تجسسوا))، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق،
فيتجسس، ويبحث، ويستمع، فنُهي عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله
تعالى: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الَّنِّ إِنَ بَعْضَ اُلََّنِ إِنَّ وَلَا تَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم
بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية
الصيانة؛ لِتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظانّ: أبحث لأتحقق،
قيل له: ولا تجسسوا، فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: ولا يغتب
بعضكم بعضاً. انتهى(١).
(فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) قد استُشكِل تسمية الظنّ حديثاً، وأجيب بأن
المراد عدم مطابقة الواقع، سواء كان قولاً أو فعلاً، ويَحْتَمِل أن يكون المراد:
ما ينشأ عن الظنّ، فوصف الظنّ به مجازاً. (وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا) قال
النوويّ: الأول بالحاء، والثاني بالجيم، قال بعض العلماء: التحسس بالحاء:
الاستماع لحديث القوم، وبالجيم: البحث عن العورات، وقيل: بالجيم
التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، والجاسوس صاحب سرّ
الشرّ، والناموس صاحب سرّ الخير، وقيل: بالجيم أن تَطلبه لغيرك، وبالحاء
أن تطلبه لنفسك، قاله ثعلب، وقيل: هما بمعنَى، وهو طلب معرفة الأخبار
الغائبة، والأحوال. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا تحسسوا، ولا تجسسوا)) إحدى الكلمتين
بالجيم، والأخرى بالحاء المهملة، وفي كل منهما حذف إحدى التاءين تخفيفاً،
وكذا في بقية المناهي التي في حديث الباب، والأصل: تتحسسوا، قال
الخطابيّ: معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس، ولا تتبعوها، قال الله تعالى
(١) ((الفتح)) ٦٢٥/١٣ - ٦٢٦، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٦٤).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١٦.