Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٥٠٣)
وقد غَلِط من نَسَب مقالتهم هذه إلى المعتزلة، فإنه لم يقل بها أحد منهم
قطّ، وكُتُبهم مصرّحة ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نَقْل مقالات الرجال، فقد
قدّمنا من أدلّة الكتاب والسُّنَّة، والجمع بينهما (١) ما يكفي المُنْصِف، ويريحه من
الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسائل، ومن الإلزامات التي ألزم
بها بعض القائلين البعض الآخر، ودِين الله ◌ُ بين المفرّط والغالي، وفي هذا
القَدْر كفاية لمن له هداية، والله وليّ التوفيق.
كتبه مؤلّفه محمد بن عليّ الشوكانيّ غفر الله لهما. تمّت.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد العلامة الشوكانيّ كَُّ في هذا
البحث، وحقّقه تحقيقاً جيّداً، وأفاد، فتبيّن بما حقّقه، وساقه من الأدلّة أن
أرجح الأقوال، أن زيادة العمر ونقصانه على ظاهرها، فتزيد بالخير، كصلة
الرحم ونحوها، ويتنقص بضدّ ذلك، وكذلك الرزق يزيد بصلة الرحم، ونحوها
زيادة حقيقيّة، كما دلّت عليه ظواهر النصوص، فتأملها بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٣] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي
أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو
عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
(١) هكذا النسخة: ((بينهما))، ولعل الأولى: والجمع بينها؛ أي: الأدلة، فتأمل، والله
تعالى أعلم.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د
س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث
المصريّ، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) بن عَقِيل بالفتح، الأيليّ، أبو خالد الأُمويّ
مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت١٤٤) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٤] (٢٥٥٨) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ
لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ، وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ،
وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا نُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ
مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار أبو بكر البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن يعقوب الْحُرَقِيّ - بضم المهملة، وفتح
الراء، بعدها قاف - أبو شِبْل ـ بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة - المدنيّ،

٣٢٣
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٥٠٤)
صدوقُ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (زم ٤) تقدم في ((الإيمان))
٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ المدنيّ مولى الْحُرَقة، ثقة [٣]
(ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه ذُكر في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين،
ونصفه الثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أبو
هريرة رضيله تقدّم القول فيه.
شرح الحديث:
ه؛ (أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف من هو ولا قرابته (١). (قَالَ:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً)؛ أي: ذوي قرابة (أَصِلُهُمْ)؛ أي: أُحسن إليهم،
قال ابن الأثير تَظّلهُ: صلة الرحم: كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي
النسب، والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم،
وكذلك إن بَعُدوا، أو أساؤوا، وقَطْع الرحم ضدّ ذلك كله، يقال: وَصَلَ رحمه
يَصِلها وَضْلاً، وصِلَّةً، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان
إليهم قد وصل ما بينه وبينهم، من علاقة القرابة، والصهر. انتهى(٢).
(وَيَقْطَعُونِ)؛ أي: يقطعوا قرابتي، (وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيُسِيتُونَ إِلَيَّ) بإلحاق
الضرر، (وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ) بضمّ اللام، يقال: حَلُمَ يَحْلُم، من باب كَرُمَ حِلْماً
بالكسر: صَفَحَ، وسَتَرَ، فهو حليم (٣). (وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ)؛ أي: يعاملونني
بالجهل، والجهل هنا: القبيح من القول؛ أي: يقولون قول الجهّال، من
السبّ، والتقبيح، (فَقَالَ) النبيّ ◌َّهِ: (لَئِنْ كُنْتَ) اللام هنا هي الموطئة للقسم،
(١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٤٢٩.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤٢٥/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٤٨/١.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
و((إن)) شرطيّة، وجوابها ((فكأنما ... إلخ))؛ أي: والله لئن كنت (كَمَا قُلْتَ)؛
أي: كما ذكرت من أنك تَصِلُهم، ويقطعونك ... إلى آخره (فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ)
بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء، (الْمَلَّ) بفتح الميم الرماد الحار، وقال
ابن الأثير تَخْلُهُ: الْمَلّ، والمَلّة: الرماد الحارّ الذي يُحَمَّى ليُدفَنَ فيه الخبز؛
لينضج، أراد: إنما تجعل الملّة لهم سفوفاً يستفّونه؛ يعني: أن عطاءك إياهم
حرام عليهم، ونار في بطونهم. انتهى(١).
وقال في ((المشارق)): قوله: ((كأنما تسفهم الملّ)): بضم التاء، وكسر
السين: أي: تسقيهم التراب، أو الرماد الحارّ، وقيل: هو الجمر، وقيل:
التراب المحميّ، قال: كذا روايتنا فيه عن شيوخنا في ((صحيح مسلم))، ورواه
بعضهم: ((كأنما تَسفيهم الملّ))، بفتح التاء، وسكون السين: أي: ترمي
التراب، والرماد المحميّ في وجههم، وعند بعض الرواة: ((تسقيهم الماء))،
وهو تصحيف، وخطأ قبيح. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَُّهُ: الرواية: بضم تاء ((تُسفّهم))، وكسر السين، وضمّ
الفاء: أي: تجعلهم يَسُفّونه من السّفّ، وهو شُرْب كل دواء يؤخذ غير ملتوت،
تقول: سففت الدواء وغيره مما يؤخذ غير معجون، وأسففته غيري؛ أي: جعلته
يَسفّه، والملّ: الرماد الحارّ، يقال: أطعمنا خبز مَلَّة، ومعنى ذلك: أن
إحسانك إليهم مع إساءتهم لك، يتنزل في قلوبهم منزلة النار المحرقة؛ لِمَا
يجدون من ألم الخزي، والفضيحة، والعار الناشئ في قلب من قابل الإحسان
بالإساءة. انتهى (٣).
(وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ)؛ أي: مُعِين، ودافِعٌ لأذاهم عنك
(مَا دُمْتَ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة دوامك (عَلَى ذَلِكَ)))؛ أي: حالك
الذي ذكرته.
قال القرطبيّ تَخْتُهُ: الظهير: المُعِين، ومعناه: أن الله تعالى يؤيّدك بالصبر
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٦١/٤.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ١/ ٣٨٠، و٢٢٧/٢.
(٣) (المفهم)) ٥٢٨/٦ - ٥٢٩.

٣٢٥
(٦) - بَابُ وُجُوبٍ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمٍ قَطِيعَتِهَا - حديث رقم (٦٥٠٤)
على جفائهم، وحُسْن الخُلُق معهم، ويُعليك عليهم في الدنيا والآخرة مُدّة
دوامك على معاملتك لهم بما ذكرت. انتهى (١).
وقال النوويّ كَُّهُ: معناه: كأنما تُطعمهم الرماد الحارّ، وهو تشبيه لِمَا
يَلحقهم من الألم بما يَلحق آكل الرماد الحارّ من الألم، ولا شيء على هذا
المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه.
وقيل: معناه: إنك بالإحسان إليهم تُخزيهم، وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة
إحسانك، وقبيح فعلهم، من الخزي، والحقارة عند أنفسهم، كمن يَسُفَ الملّ،
وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالملّ يحرق أحشاءهم، والله تعالى أعلم (٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا من أفراد المصنّف ◌َكَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٥٠٤/٦] (٢٥٥٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)»
(٣٢/١)، و(أحمد) في «مسنده)) (٣٠٠/٢ و٤١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٥١ و٥٤٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٥٨/٣)، و(البيهقيّ) في («شُعَب
الإيمان)) (٢٢١/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على صلة الرحم، وبيان فضلها .
٢ - (ومنها): بيان فضل من يصل أرحامه، ويُحسن إليهم، وهم يقطعونه،
ويجهلون عليه؛ فإن له بذلك الأجر العظيم، والعون والنصر من الرؤوف
الرحيم، قال الله رَّتُهُ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ (4﴾ [الشورى: ٤٣].
٣ - (ومنها): ذمّ من يقابل الإحسان بالإساءة، والإكرام بالإهانة، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المفهم)) ٥٢٩/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٥/١٦.

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
(٧) - (بَابُ النَّهْي عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّبَاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٥٠٥] (٢٥٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا
تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ
فَوْقَ ثَلَاثٍ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذكرا قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُهُ، وهو (٤٩٧) من رباعيّات الكتاب،
وفيه مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة، وفيه أنس ظُبه أحد المكثرين
السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: (لَا تَبَاغَضُوا) بحذف
إحدى التاءين في الأفعال الثلاثة، كقول تعالى: ﴿نَارًا تَلَفَّى﴾ [الليل: ١٤]،
و﴿فَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وأصله تتباغضوا، قال في ((الخلاصة)):
فِيهِ عَلَى تَا كَـاتَبَيَّنُ الْعِبَرْ)
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
والمعنى: لا يُبغض بعضكم بعضاً.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: ((لا تباغضوا)): أي: لا تتعاطوا أسباب البُغض؛
لأنَّ الحبّ والبغض مَعَانٍ قلبية، لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك
التصرّف فيها، كما قالِ نََّ: ((اللَّهُمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تَلُمْني فيما

٣٢٧
(٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
تملك، ولا أملك))(١)؛ يعني: الحب والبغض. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا تباغضوا)): أي: لا تتعاطوا أسباب
البغض؛ لأن البغض لا يُكتسب ابتداءً، وقيل: المراد: النهي عن الأهواء
المضِلّة المقتضية للتباغض، قال الحافظ: بل هو لأعمّ من الأهواء؛ لأن
تعاطي الأهواء ضَرْب من ذلك، وحقيقة التباغض: أن يقع بين اثنين، وقد
يُطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى، فإنه
واجب فيه، ويثاب فاعله؛ لتعظيم حقّ الله، ولو كانا، أو أحدهما عند الله من
أهل السلامة، كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر، فيبغضه على ذلك،
وهو معذور عند الله تعالى. انتهى (٣).
[تنبيه]: قوله: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا)) هكذا اقتصر
الحفاظ من أصحاب الزهريّ عنه على هذه الثلاثة، وزاد عبد الرحمن بن
إسحاق عنه فيه: ((ولا تنافسوا)) ذَكَر ذلك ابن عبد البرّ في ((التمهيد))، والخطيب
في ((المدرج)) قال: وهكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن ابن
شهاب، وقد قال الخطيب، وابن عبد البر: خالف سعيدٌ جميع الرواة عن مالك
في ((الموطأ)) وغيره، فإنهم لم يذكروا هذه الكلمة في حديث أنس به، وإنما
هي عندهم في حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة ظه، فأدرجها ابن أبي مريم في إسناد حديث أنس، وكذا قال حمزة
الكنانيّ: لا أعلم أحداً قالها عن مالك في حديث أنس غير سعيد. انتهى(٤).
(وَلَا تَحَاسَدُوا)؛ أي: لا يحسد بعضكم بعضاً، قال المجد تَظّتُهُ: حَسَدَهُ
الشيءَ، وعليه يَحْسِدُه، ويَحْسُدُه - من بابي ضرب، ونصر - حَسَداً، وحُسوداً،
وحَسادَةً، وحَسَّدَه: تَمَنَّى أن تَتَحَوَّلَ إليه نِعْمَتُه، وفَضيلَتُه، أو يُسْلَبَهُما، وهو
حاسِدٌ من حُسَّدٍ، وحُسَّادٍ، وحَسَدَةٍ، وحَسُودٌ من حُسُدٍ، وحَسَدَنِي اللهُ إِن كِنْتُ
(١) حديث ضعيف، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
(٢) ((المفهم)) ٥٣١/٦.
(٣) ((الفتح)) ٦٢٨/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٦٥).
(٤) ((الفتح)) ٦٢٨/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٦٥).

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
أحْسُدُكَ: أي: عاقَبَنِي على الحَسَدِ، وتَحاسَدوا: حَسَدَ بعضُهم بعضاً.
(١)
انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَخْذُهُ: حَسَدْتُهُ على النعمة، وحَسَدْتُهُ النعمةَ حَسَداً، بفتح
السين أكثر من سكونها، يتعدى إلى الثاني بنفسه، وبالحرف: إذا كرهتَهَا عنده،
وتمنّيت زوالها عنه، وأما الحَسَدُ على الشجاعة، ونحو ذلك، فهو الْغِبْطة، وفيه
معنى التعجب، وليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود، فإن تمنّه، فهو القِسْم
الأول، وهو حرام، والفاعل: حَاسِدٌ، وحَسُودٌ، والجمع: حُسَّادٌ، وحَسَدَةٌ.
.(٢)
انتھی(٢).
وقال القرطبيّ كَثّثهُ: الحسد في اللغة: أن تتمنى زوال نعمة المحسود،
وعَوْدها إليك، يقال: حَسَده يحسُده حُسُوداً، قال الأخفش: وبعضهم يقول:
يَحْسِد - بالكسر، والمصدر حَسَداً بالتحريك، وحَسَادةً، وحسدتك على الشيء،
وحسدتك الشيءَ: بمعنى واحد، فأمَّا الغبطة فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط،
من غير أن تريد زوالها عنه، تقول منه: غَبَطته بما نال غَبْطاً وغِبْطَةً، وقد يوضع
الحسد موضع الغبطة؛ لتقاربهما، كما قال ◌َله: ((لا حسد إلا في اثنتين ... ))
متّفقٌ عليه: أي: لا غبطة أعظمُ، ولا أحقُّ من الغبطة بهاتين الخصلتين.
(٣)
انتھی
٠
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولا تحاسدوا)): الْحَسَد: تمنّي الشخص زوال
النعمة عن مستحقّ لها، أعمّ من أن يسعى في ذلك، أو لا، فإن سعى كان
باغياً، وإن لم يَسْعَ في ذلك، ولا أظهره، ولا تسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة
التي نُهِي المسلم عنها في حقّ المسلم نُظِرَ، فإن كان المانع له من ذلك
العَجْز، بحيث لو تمكّن لَفَعَل، فهذا مأزور، وإن كان المانع له من ذلك
التقوى، فقد يُعْذَر؛ لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية، فيكفيه في
مجاهدتها أن لا يعمل بها، ولا يَعْزِم على العمل بها .
وقد أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، رفعه: ((ثلاث
(١) ((القاموس المحيط)) (ص٣٥٣).
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٥٣٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣٥/١.

٣٢٩
(٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
لا يَسْلَم منها أحد: الطيرة، والظنّ، والحسد))، قيل: فما المخرج منها يا
رسول الله؟ قال: ((إذا تطيّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تُحَقِّق، وإذا حسدت
فلا تَبْغ))، وعن الحسن البصريّ قال: ما من آدميّ إلا وفيه الحسد، فمن لم
يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء. انتهى (١).
(وَلَا تَدَابَرُوا)؛ أي: لا تفعلوا فعل المتباغضَين اللذين يُدْبِر كلُّ واحد
منهما عن الآخر؛ أي: يولّيه دُبُره فِعْل المُعْرِض.
وقال الخطابيّ كَّلُ: معناه: لا تتهاجروا، فيهجرَ أحدكم أخاه، مأخوذ
من تولية الرجل الآخر دُبُره، إذا أعرض عنه حين يراه.
وقال ابن عبد البرّ: قيل للإعراض: مدابرةٌ؛ لأن من أبغض أعرض،
ومن أعرض وَلَّى دُبُره، والمحبّ بالعكس، وقيل: معناه: لا يستأثر أحدكم
على الآخر، وقيل للمستأثر: مستدبر؛ لأنه يولِّي دُبُره حين يستأثر بشيء دون
الآخر.
وقال المازريّ: معنى التدابر: المعاداة، يقال: دابرته: أي: عادیته.
وحَكَى عياض: أن معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، والأول أولى.
وقد فسَّره مالك في ((الموطأ)) بأخصّ منه، فقال - إذ ساق حديث الباب،
عن الزهريّ بهذا السند -: ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام، يُدْبر
عنه بوجهه، وكأنه أخذه من بقية الحديث: ((يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض
هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))، فإنه يُفْهَم أن صدور السلام منهما، أو من
أحدهما يرفع ذلك الإعراض، ويؤيّده ما أخرجه الحسين بن الحسن المروزيّ
في زيادات ((كتاب البرّ والصلة)) لابن المبارك بسند صحيح، عن أنس، قال:
التدابر: التصارم. انتهى (٢).
(وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ)؛ أي: يا عباد الله، ففيه حَذْف حرف النداء، وهو جائز
في سعة الكلام، قال الحريريّ كثُّ في ((ملحته)):
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
وقال في ((الخلاصة)) :
(١) ((الفتح)) ٦٢٨/١٣.
(٢) ((الفتح)) ٦٢٨/١٣.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وَغَيْرُ مُضْمَرٍ وَمَنْدُوبٍ وَمَا جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
(إِخْوَاناً)؛ أي: كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، والمودّة،
والمواساة، والمعاونة، والنصيحة(١)، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله، فحقكم
أن تتواخَوْا بذلك.
وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((إخواناً)) يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون
بدلاً، أو هو الخبرُ، وقوله: ((عبادَ الله)) منصوب على الاختصاص، أو بالنداء،
وهذا الوجه أوقع؛ يعني: أنكم مستوون في كونكم عباد الله تعالى، وملّتكم واحدةٌ،
فالتحاسد، والتباغض، والتقاطع منافية لحالكم، فالواجب عليكم أن تكونوا إخواناً
متواصلين متآلفين، كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ الآية [آل
عمران: ١٠٣]، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَأْ رَبُّكُمْ
فَأَعْبُدُونِ ﴿ وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٢، ٩٣]. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وكونوا عباد الله إخواناً)) بلفظ المنادَى
المضاف، زاد في الرواية الآتية: ((كما أمركم الله))، ومثله في حديث أبي
هريرة رُه الآتي.
قال الحافظ تَّتُهُ: وهذه الجملة تشبه التعليل لِمَا تقدم، كأنه قال: إذا
تركتم هذه المنهيّات كنتم إخواناً، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيروا أعداء؛
ومعنى: ((كونوا إخواناً)»: اكتسبوا ما تصيرون به إخواناً مما سبق ذِكره، وغير
ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتاً ونفياً، ولعل قوله في الرواية الزائدة:
(كما أمركم الله))؛ أي: بهذه الأوامر المقدَّم ذِكرها، فإنها جامعة لمعاني
الإخوة، ونسبتُها إلى الله تعالى لأن الرسول وَل﴿ مبلّغ عن الله تعالى.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((كما أمركم الله)) الإشارة إلى قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فإنه خبر عن الحالة التي شُرعت
للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر. انتهى(٣).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٣٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢١٠/١٠.
(٣) ((الفتح)) ٦٢٨/١٣.

٣٣١
(٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
(وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ))) الهجرة بكسر الهاء، وسكون
الجيم: ترك الشخصَّ مكالمة الآخر إذا تلاقيا، وهي في الأصل الترك فعلاً
كان، أو قولاً، وليس المراد بها مفارقة الوطن، فإن تلك ذُكرت في غير هذا
المحلّ.
قال القرطبيّ تَخُّ: دليل خطابه أن الهجرة دون الثلاث معفوّ عنها،
وسببه أن البشر لا بدّ له غالباً من سوء خُلُق وغضب، فسامَحَه الشرع في هذه
المدّة؛ لأنَّ الغضب فيها لا یکاد الإنسان ینفك عنه، ولأنه لا یمکنه ردّ
الغضب في تلك الحالة غالباً، وبعد ذلك يضعُف، فيمكن ردّه، بل قد يُمحَى
أثره. وظاهر هذا الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث، وقد أكد هذا المعنى
قوله: ((لا هجرة بعد ثلاث))، وكون المتهاجِرَين لا يُغْفَر لهما حتى يصطلحا.
(١)
انتھی
.
وقال النوويّ: قال العلماء: تَحْرُم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث
ليال بالنصّ، وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عُفِي عنه في ذلك؛ لأن الآدميّ
مجبول على الغضب، فسومح بذلك القدر؛ ليرجع، ويزول ذلك العارض.
وقال أبو العباس القرطبيّ: المعتبَر ثلاث ليال، حتى لو بدأ بالهجرة في
أثناء النهار ألغي البعض، وتُعتبَر ليلة ذلك اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة
الثالثة .
وتعقّبه الحافظ، قائلاً: وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود، فقد
جاء في رواية بلفظ: ((ثلاثة أيام))، فالمعتمد أن المرخّص فيه ثلاثة أيام
بلياليها، فحيث أُطلقت الليالي أريد بأيامها، وحيث أُطلقت الأيام أريد بلياليها،
ويكون الاعتبار مضيّ ثلاثة أيام بلياليها ملفّقةً، إذا ابتدئت مثلاً من الظهر يوم
السبت، كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء، ويَحْتَمِل أن يُلْغَى الكسر، ويكون أول
العدد من ابتداء اليوم أو الليلة، والأول أحوط. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٥٣٢/٦ - ٥٣٣.
(٢) ((الفتح)) ١٤٣/١٣ - ١٤٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٧٧).

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
هذا متّفق عليه.
نضعبه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧ / ٦٥٠٥ و٦٥٠٦ و٦٥٠٧ و ٦٥٠٨ و٦٥٠٩
و٦٥١٠] (٢٥٥٩)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦٠٦٥ و٦٠٧٦) وفي ((الأدب
المفرد» (٣٩٨)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩١٠)، و(الترمذيّ) في («البرّ
والصلة)) (١٩٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٠/٣ و١٦٥ و١٩٩ و٢٥٥)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٨٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٩١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٢٢٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه) (٥٦٦٠)،
و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٧٤/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٢٦١
و٣٧٧١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٣/٧ و٢٣٢/١٠) وفي ((الآداب))
(٣٠٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٥٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحريم التباغض والتشاحن لأجل الحظوظ النفسيّة، فيحرم
على المسلم بغض أخيه المسلم، والإعراض عنه، وقطيعته بعد صحبته بغير
ذنب شرعيّ.
٢ - (ومنها): تحريم التحاسد، فيحرم على المسلم حَسَد أخيه على ما
أنعم الله تعالى به عليه.
٣ - (ومنها): تحريم التدابر، والتقاطع، فلا يحلّ لمسلم أن يولّي أخاه
ظهره، ويهجره بغير سبب شرعيّ، قال البغويّ تَخْلُهُ: معنى التدابر: التهاجر،
والتصارم، مأخوذ من تولية الرجل دُبُره إذا رأى أخاه، وإعراضه عنه.
(١)
انتھی
٤ - (ومنها): وجوب التآخي، والتعاون بين المسلمين، فيعامل الأخ أخاه
المسلم في الدين معاملة الأخ النسيب، وأن لا يَنقُب عن معايبه، ولا فرق في
ذلك بين الحاضر والغائب، وقد يشترك الميت مع الحيّ في كثير مما ذُكر.
(١) ((شرح السُّنَّة)) ٣٥٨/١٠.

٣٣٣
(٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
٥ - (ومنها): تحريم هجر المسلم أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام، وهذا إذا
كان للحظوظ النفسيّة، وأما إذا كان لأمر دينيّ، فيهجره حتى يتوب منه، كما
حتی تِيْبَ علیه بمضيّ
نهى النبيّ وَّ ل عن كلام كعب بن مالك، وصاحبيه
خمسين ليلة، قال البغويّ تَُّهُ: فأما النهي عن الهجران أكثر من ثلاث، إنما
كان في هجران الرجل أخاه لعَتْب ومَوْجِدة، أو لِنَبْوَة تكون منه، فرُخّص له في
مدّة الثلاث؛ لقلّتها، وحُرّم ما وراءها، فأما هجران الوالد الولد، والزوج
الزوجة، ومن كان في معناهما، فلا يُضيّق أكثر من ثلاث، وقد هَجَر
رسول الله وَ﴿ نساءه شهراً، هذا قول الخطّابيّ، قال البغويّ: فأما هجران أهل
العصيان، وأهل الرِّيَب في الدِّين، فشُرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر
حين تخلّف عن غزوة تبوك: ونَهَى النبيّ ◌َّ
توبتهم، قال کعب بن مالك
عن كلامنا، وذكر خمسين ليلة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: ثم بعد كتابتي هذه الفوائد رأيت كلاماً للإمام
الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ تَّفُ شمل ما تقدّم ولخّصه في سياق واحد،
فقال زكّتُهُ :
وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يَحِلّ التباغض؛ لأن التباغض مَفسدة
الدِّين، حالقة له، ولهذا أمَر وَ﴿ بالتوادّ، والتحابّ، حتى قال: ((تهادوا
تحابوا))، ورَوَى مالك عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيِّب
يقول: ((ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة، والصدقة؟))، قالوا: بلى، قال:
((إصلاح ذات البين، وإياكم والبغضة، فإنها هي الحالقة))، وكذلك لا يحل
التدابر، والتدابر: الإعراض، وتَرْك الكلام، والسلام، ونحو هذا، وإنما قيل
للإعراض تدابُر؛ لأن مَنْ أبغضتَه أعرضتَ عنه، ومن أعرضت عنه ولَّيته دُبُرك،
وكذلك يصنع هو بك، ومن أحببته أقبلت عليه، وواجهته؛ لتسرّه ويسرّك،
فمعنى تدابروا، وتقاطعوا، وتباغضوا، معنى متداخل متقارب، كالمعنى الواحد
في الندب إلى التواخي، والتحابّ، فبذلك أمَر رسول الله وَّر في معنى هذا
الحديث وغيره، وأمرُ رسول الله ◌َ ﴿ على الوجوب، حتى يأتي دليل يُخرجه إلى
(١) «شرح السُّنَّة)) ٣٥٨/١٠.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
معنى الندب، وهذا الحديث، وإن كان ظاهره العمومَ، فهو عندي مخصوص
بحديث كعب بن مالك نظُه حيث أمر رسول الله وسلم أصحابه أن يهجروه، ولا
يكلِّموه هو وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع؛ لتخلّفهم عن غزوة تبوك، حتى
أنزل الله رَ توبتهم، وعُذْرهم، فأمَر رسول الله وَلّ أصحابه أن يراجعوهم
الكلام.
وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يَهجُر المرء أخاه إذا بَدَتْ
له منه بدعة، أو فاحشة، يرجو أن يكون هجرانه تأديباً له، وزجراً عنها، والله
أعلم.
وكذلك قوله أيضاً في هذا الحديث: ((لا تحاسدوا)) يقتضي النهي عن
التحاسد، وعن الحسد في كل شيء على ظاهره، وعمومه، إلا أنه أيضاً عندي
مخصوص بقوله ويقر: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم
به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء
النهار))، هكذا رواه عبد الله بن عمر، عن النبيّ ◌َّد.
وروى ابن مسعود عن النبيّ وَلي أنه قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل
آتاه الله القرآن، فهو يقوم به ليله، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها،
ويعلّمها))، فكأنه ول﴿ على ترتيب الأحاديث، وتهذيبها قال: لا حسد، ولكن
الحسد ينبغي أن يكون في قيام الليل والنهار بالقرآن، وفي نفقة المال في حقّه،
وتعليم العلم أهله. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَّلُ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد ذكر الحافظ ابن رجب دَّثُ تحقيقات نفيسات في شرحه لهذا
الحديث، أحببت إيرادها هنا لكثرة فوائدها، وغزارة عوائدها، وإن كان بعضها
مضى، إلا أن له اليد الطولى في تحقيق المسائل، لا يوجد عند غيره من
المحقّقين، فذكرتها بمسائل مكمِّلة لِمَا سبق، فقلت(١):
(المسألة الرابعة): قوله ◌َل9: ((ولا تباغضوا)) نَهْيٌ للمسلمين عن التباغض
(١) وأنقل التخريجات التي في الهامش للشيخ شعيب الأرناؤوط وصاحبه باختصار،
وبعض زيادات، فليُتنبّه.

٣٣٥
(٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّبَاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
بينهم في غير الله تعالى، بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله
تعالى إخوة، والإخوة يتحابّون بينهم، ولا يتباغضون، وقال النبيّ وَّ: ((والذي
نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة، حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلكم
على شيء إذا فعلمتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))، خرّجه مسلم، وقد
حرّم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ
[المائدة: ٩١]، وامتنّ على عباده بالتأليف بين
٩١
الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُم مَُّهُونَ
قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَِّ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ
وَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْقَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
٦٢
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣].
ولهذا المعنى حُرِّم المشي بالنميمة؛ لِمَا فيها من إيقاع العداوة
والبغضاء، ورُخِّص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورَغَّب الله في
الإصلاح بينهم، كما قال تعالى: ﴿لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ
بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوَ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَآَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
(12)﴾ [النساء: ١١٤]، وقال: ﴿وَإِن طَيِفَثَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فَسَوْفَ تُؤْثِيِهِ أَجْرًا عَظِيمًا
اَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١
وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، من حديث أبي الدرداء
ـنّه ،
عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام،
والصدقة؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات
البين هي الحالقة))(١).
وخرّج الإمام أحمد وغيره، من حديث أسماء بنت يزيد ﴿يا، عن
النبيّ وَ ﴿ قال: ((ألا أنبئكم بشراركم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال:
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٤٤٤/٦ - ٤٤٥، وأبو داود (٤٩١٩)، والترمذيّ
(٢٥٠٩)، وصححه ابن حبّان في ((صحيحه)) (٥٠٩٢).

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
((المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت))(١).
وأما البغض في الله فهو من أوثق الإيمان عُرَى، وليس داخلاً في النهي،
ولو ظهر لرجل من أخيه شرّ فأبغضه عليه، وكان الرجل معذوراً فيه في نَفْس
الأمر، أُثيبَ المُبْغِض له، وإن عُذر أخوه، كما قال عمر ظُه: إنا كنا نعرفكم
إذ رسول الله ◌َي بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا
وإِن رسول الله وَّهُ قد انظُلِق به، وانقَطَع الوحي، وإنما نَعْرِفكم بما نَخْبُركم،
ألا من أظهر منكم لنا خيراً ظننا به خيراً، وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم
شرّاً، ظننا به شرّاً، وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم ◌َك(٢).
وقال الربيع بن خُثيم: لو رأيت رجلاً يُظهر خيراً، ويُسِرّ شرّاً أحببته
عليه، آجرك الله على حبك الخير، ولو رأيت رجلاً يُظهر شرّاً، ويُسرّ خيراً
أبغضته عليه، آجرك الله على بغضك الشرّ.
ولَمّا كَثُر اختلاف الناس في مسائل الدِّين، وکَثُر تفرُّقھم کَثُر بسبب ذلك
تباغُضهم، وتلاعُنهم، وكلٌّ منهم يُظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر
معذوراً، وقد لا يكون معذوراً، بل يكون مُتّبِعاً لهواه، مُقَصِّراً في البحث عن
معرفة ما يُبغض عليه، فإن كثيراً من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن
أنه لا يقول إلا الحقّ، وهذا الظنّ خطأ قطعاً، وإن أريدَ أنه لا يقول إلا الحقّ
فيما خولف فيه، فهذا الظنّ قد يخطئ، ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل
مجرد الهوى، والألفة، أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله،
فالواجب على المؤمن أن يَنصح لنفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما
أشكل منه فلا يُدخل نفسه فيه؛ خشيةَ أن يقع فيما نُهِي عنه من البغض المحرّم.
(١) حديث حسنٌ، وضعّفه بعضهم بشهر بن حوشب، وقد قدّمنا غير مرّة أن الصحيح
أنه ثقة، غاية ما فيه أنه لا ينقص عن درجة الحسن، كما قال الذهبيّ، فتنبّه، والله
وليّ التوفيق.
(٢) رواه أحمد ٤٦/١، وأبو يعلى (١٩٦) ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير أبي
فراس النهديّ راويه عن عمر، فقد ذكره ابن حبّان في ((الثقات)) ٥٨٥/٥، وقال ابن
سعد في ((الطبقات)): كان شيخاً قليل الحديث، وقال أبو زرعة: لا أعرفه.

(٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
٣٣٧
وها هنا أمر خفيّ ينبغي التفطن له، وهو أن كثيراً من أئمة الدين، قد
يقول قولاً مرجوحاً، ويكون مجتهداً فيه، مأجوراً على اجتهاده فيه، موضوعاً
عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد
لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من
أئمة الدين لَمَا قَبِله، ولا انتصر له، ولا وَالَى من وافقه، ولا عادى من خالفه،
ولا هو مع هذا يظنّ أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإن
متبوعه إنما كان قَصْده الانتصار للحقّ، وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابع
فقد شابه انتصاره لِمَا يظنه الحقّ إرادة علوّ متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا
يُنسَب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحقّ، فافهم هذا،
فإنه مهمّ عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى كلام ابن
رجب ◌َُّ (١)، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، ينبغي العناية بفهمه، وتطبيقه عمليّاً،
والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الخامسة): قوله ◌َله: ((لا تحاسدوا))؛ يعني: لا يَحْسُدْ بعضكم
بعضاً، والحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يَكره أن يفوقه أحدٌ من
جنسه في شيء من الفضائل، ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام:
فمنهم: من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل،
ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن
المحسود فقط، من غير نَقْل إلى نفسه، وهو شرّهما، وأخبثهما، وهذا هو
الحسد المذموم المنهيّ عنه، وهو كان ذنبَ إبليس، حيث كان حسد آدم ◌ِالَّله
لمّا رآه قد فاق على الملائكة بأن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه
أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة،
حتى أخرجه منها، ويُرْوَى عن ابن عمر ﴿ه أن إبليس قال لنوح علِّ *: اثنان
أُهلك بهما بني آدم: الحسدُ وبالحسد لُعِنْتُ، وجُعلت شيطاناً رجيماً، والحرصُ
أبيح آدم الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرّجه ابن أبي الدنيا.
وقد وصف الله ريك اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن،
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٦٥/٢ - ٢٦٨.
٠

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ
كُفَارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]،
وقوله ◌َّهِ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث الزبير بن العوّام نَظ ◌ُبه، عن
النبيّ وَّرِ: ((دَبّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد، والبغضاء، والبغضاء هي
الحالقة، حالقةُ الدين، لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده، لا تؤمنوا
حتى تحابّوا، أوَ لا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم))(١).
وخرّج أبو داود، من حديث أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّر قال: ((إياكم
والحسدَ، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب - أو قال -:
العشب))(٢).
وخرّج الحاكم، وغيره، من حديث أبي هريرة عنه، عن النبيّ وَّ قال:
((سيصيب أمتي داء الأمم)، قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: ((الأَشَرُ،
والبطرُ، والتكاثرُ، والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون
البغي، ثم الْهَرْجِ))(٣).
وقِسْم آخر من الناس إذا حَسَد غيره لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ
على المحسود بقول، ولا بفعل، وقد رُوي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك،
ورُوي مرفوعاً من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه، ويكون مغلوباً على
ذلك، فلا یأثم به.
والثاني: من يحدّث نفسه بذلك اختياراً، ويعيده، ويبدئه في نفسه،
(١) رواه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما وفي سنده مولى الزبير راويه عنه لا يُعرف، وقد
جوّد إسناده المنذريّ في ((الترغيب والترهيب)) ٥٤٨/٣، والهيثميّ في ((مجمع
الزوائد)» ٣٠/٨، وحسّنه الشيخ الألبانيّ لغيره، والله تعالى أعلم.
(٢) ضعيف، في سنده رجل مجهول، وهو الراوي عن أبي هريرة
(٣) صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وجوّد إسناده الحافظ العراقيّ في ((تخريج
الإحياء)) ١٨٧/٣، وصححه الألبانيّ في ((الصحيحة)) ٢٩٠/٢.

٣٣٩
(٧) - بَابُ التَّهْىِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتََّاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ - حديث رقم (٦٥٠٥)
مستروحاً إلى تمنّي زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمّم على المعصية،
وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء، لكن هذا يبعد أن يَسْلَم من البغي
على المحسود بالقول، فيأثم، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن
يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية فلا خير في ذلك، كما قال الله تعالى:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِي قَرُونُ﴾ الآية [القصص:
٧٩]، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبيّ 08 الشهادة في
سبيل الله ريت .
وفي ((الصحيحين)) عنه وَ لو قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله
مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به
آناء الليل، وآناء النهار))، وهذا هو الغِبْطة، وسمّاه حسداً من باب الاستعارة.
وقِسْم آخر إذا وَجَد في نفسه الحسد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى
المحسود بإبداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَد له
في نفسه من الحسد، حتى يبدله بمحبته أن يكون المسلم خيراً منه، وأفضل،
وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يُحبّ لأخيه
ما يحب لنفسه. انتهى كلام ابن رجب كَّفُهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
(المسألة السادسة): قوله والر: ((ولا تدابروا)): قال أبو عبيد: التدابر:
المصارمة، والهجران، مأخوذ من أن يولّي الرجل صاحبه دُبُره، ويُعرض عنه
بوجهه، وهو التقاطع، وفي ((الصحيحين)) عن أبي أيوب ◌ُه، عن النبيّ وَلـ
قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصدّ هذا، ويصدّ
هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).
وخرّج أبو داود من حديث أبي خِرَاش السلميّ، عن النبيّ وَّ قال: ((من
هجر أخاه سنةً، فهو كسفك دمه))(٢).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٦٠/٢ - ٢٦٣.
(٢) صحيح، رواه أبو داود، وأحمد، والبخاريّ في ((الأدب المفرد))، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب
وكلّ هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الدِّين فتجوز الزيادة
على الثلاثة، نصّ عليه الإمام أحمد، واستَدَلّ بقصة الثلاثة الذين خُلّفوا، وأمَر
النبيّ ◌َّه بهجرانهم لمّا خاف منهم النفاق، وأباح هجران أهل البدع المغلظة،
والدعاة إلى الأهواء، وذَكَر الخطابيّ أن هجران الوالد لولده، والزوج لزوجته،
وما كان في معنى ذلك تأديباً تجوز الزيادة فيه على الثلاث؛ لأن النبيّ وَلقوله
هجر نساءه شهراً .
واختلفوا هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك، ورُوي
عن الحسن، ومالك، في رواية وهب، وقاله طائفة من أصحابنا - يعني: الحنبليّة -.
وخرّج أبو داود، من حديث أبي هريرة، عن النبيّ وَّ: ((لا يحل لمؤمن
أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث، فلْيَلْقَه، فليسلِّم عليه، فإن ردّ
عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردّ عليه، فقد باء بالإثم، وخرج
المسلِّم من الهجر))(١) .
ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الردّ عليه، فأما مع الردّ إذا كان
بينهما قبل الهجر مودّة، ولم يعودوا إليها، ففيها نظر.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم: وسئل عن السلام يقطع الهجران؟،
فقال: قد يسلّم عليه، وقد صدّ عنه، ثم قال: قال النبيّ وَلّى: ((يلتقيان، فيصدّ
هذا))، فإذا كان قد عوّده(٢) أن يكلمه، أو يصافحه، وكذلك رُوي عن مالك أنه
قال: لا يقطع الهجران بدون العودة إلى المودّة.
وفرَّق بعضهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: يزول الهجر
بينهم بمجرد السلام، بخلاف الأقارب، وإنما قال هذا؛ لوجوب صلة الرحم.
انتهى كلام ابن رجب تَقْدَهُ(٣)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود، والبيهقيّ، ورجاله ثقات، غير هلال بن أبي هلال المدنيّ راويه عن أبي
هريرة، روى عنه اثنان، ووثّقه ابن حبّان، وصححه الحافظ في ((الفتح)) ٤٩٥/١٠.
(٢) هكذا العبارة، وفيها ركاكة، والظاهر أنها: ((فإذا كان كذلك فعَوْده أن يكلمه،
ويصافحه))، والله تعالى أعلم.
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٦٨/٢ - ٢٧٠.