Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨٣) (٢٧١٢) - حدّثنا بشر، نا محمد بن طلحة، عن ابن شُبْرُمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، أن رجلاً سأل النبيّ وَّه: أيُّ الناس أحقّ مني بحسن الصحبة؟ قال: ((أمّك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: (أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أبوك)). انتهى(١). ورواية وُهيب بن خالد عن ابن شُبْرُمة ساقها البيهقيّ تَظُّْ في ((شُعَب الإيمان))، فقال: (٧٨٣٨) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، نا محمد بن أيوب، نا مسلم بن إبراهيم، نا وُهيب بن خالد، نا ابن شُبرُمة، قال: سمعت أبا زرعة، عن أبي هريرة، قال: إن رجلاً قال: يا نبيّ الله وَلِّ من أبرّ؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)). انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٣] (٢٥٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْبَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ - عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ لَهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيٌّ وَالِدَالَكَ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) الإمام الناقد البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً. (١) ((مسند ابن الجعد)) ٣٩٧/١. (٢) ((شعب الإيمان)) ٦/ ١٨٠. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب ٥ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، وكان كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت١١٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ١/١. ٦ - (أَبُو الْعَبَّاسِ) السائب بن فَرُّوخ المكيّ الشاعر الأعمى، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٧٣٤/٣٧. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد - بالتصغير - ابن سَعْد بن سَهْم السَّهْمَيّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ، بالطائف على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الثالثة، وأن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام ومن المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) في الرواية التالية: ((سمعت أبا العبّاس))، فصرّح حبيب بالسماع، فزالت عنه تهمة التدليس، فإنه كثير التدليس. [تنبيه]: زاد في آخر الرواية التالية: ((قال مسلم: أبو العبّاس اسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكِّيُّ)»، وفي رواية البخاريّ في ((الصوم)): ((حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العبّاس المكيّ، وكان شاعراً، وكان لا يُتّهم في حديثه))، قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان شاعراً، وكان لا يُتَّهَم في حديثه)) فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتَّهَم في حديثه؛ لِمَا تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعراً كان غير متّهم في حديثه، وقوله: ((في حديثه)) يَحْتَمِل مرويه من الحديث النبويّ، ويَحْتَمِل فيما هو أعمّ من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوباً عنه، والواقع أنه حجة عند ٢٢٣ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨٣) كل من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. انتهى(١). [تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): خالف الأعمشُ شعبةَ - في هذا الإسناد - فرواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، فلعل لحبيب فيه إسنادين، ويؤيده أن بكر بن بكار رواه عن شعبة، عن حبيب، عن عبد الله بن باباه كذلك. انتهى(٢). (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ﴿ه، وفي الرواية التالية: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَ﴿) قال في (الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون هو جاهمةَ بنَ العباس بن مِرداس، فقد روى النسائيّ، وأحمد، من طريق معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبيّ وَّقة، فقال: يا رسول الله أردت الغزو، وجئت لأستشيرك، فقال: ((هل لك من أمّ؟ قال: نعم، قال: الزمها ... )) الحديث، ورواه البيهقيّ من طريق ابن جريج، عن محمد بن طلحة بن رُكانة، عن معاوية بن جاهمة السّلَميّ، عن أبيه، قال: أتيت النبيّ وَّل أستأذنه في الجهاد، فذكره، قال الحافظ: وقد اختلف في إسناده على محمد بن طلحة اختلافاً كثيراً بيّنته في ترجمة جاهمة من كتابي في الصحابة. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: عندي في كون الرجل السائل هو جاهمة بن العبّاس نظر؛ لأن السؤال في قصّته: ((هل لك أمّ؟))، وفي حديث الباب: ((أحيّ والداك؟))، فاختلفا، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ) جملة في محلّ نصب على الحال، (فَقَالَ) ◌َِّ: ((أَحَيٍّ وَالِدَاكَ؟») قَالَ) الرجل: (نَعَمْ) والداي حيّان، (قَالَ) وَّهِ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))؛ أي: خصِّصهما بجهاد النفس في رضاهما، قاله في ((الفتح))(٤). وقال القرطبيّ: أي: جاهد نفسك في برّهما وطاعتهما، فهو الأَولى بك؛ لأنَّ الجهاد فرض كفاية، وبرّ الوالدين فرض عين، فلو تعيَّن الجهاد، وكان (١) ((الفتح)) ٤٠٤/٥، كتاب ((الصوم)) رقم (١٩٧٩). (٢) ((الفتح)) ٢٥٤/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٤). (٣) ((الفتح)) ٢٥٤/٧ - ٢٥٥، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٤). (٤) ((الفتح)) ٢٥٥/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٤). ٢٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب والداه في كفاية، ولم يمنعاه، أو أحدهما من ذلك بدأ بالجهاد، فلو لم يكونا في كفاية تعيَّن عليه القيام بهما، فبدأ به، فلو كانا في كفاية، ومنعاه لم يلتفت إلى منعهما؛ لأنَّهما عاصيان بذلك المنع، وإنما الطاعة في المعروف، كما لو منعاه من صلاة الفرض، فأمَّا الحج فله أن يؤخره السنة والسنتين ابتغاء رضاهما، قاله مالك، هذا وإن قلنا: إنه واجب على الفور مراعاة لقول من يقول: إنه على التراخي، وقد تقدَّم القول على ذلك في الحج. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﴿ّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٨٣/١ و٦٤٨٤ و٦٤٨٥ و٦٤٨٦] (٢٥٤٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣٠٠٤) و((الأدب)) (٥٩٧٢) وفي ((الأدب المفرد)) (٢١/١)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (١٦/٣)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٧١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٠/٦) وفي ((الكبرى)) (٨/٣)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٨٨/٢ و١٩٣ و١٩٧ و٢٢١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥١٧/٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٦٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١١/٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٩٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٨ و٤٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥/٩) و((شُعب الإيمان)) (١٧٦/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن الحديث دليل على عِظَم فضيلة بر الوالدين، وأن حقّهما آكد وأعظم من الجهاد، وفيه بيان كثرة الثواب على برهما. ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: فيه حجة لِمَا قاله العلماء: إنه لا (١) (المفهم)) ٥٠٩/٦ - ٥١٠. ٢٢٥ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨٣) يجوز الجهاد إلا بإذن الوالدين إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يُشترط إذنهما عند الشافعيّ ومن وافقه، وشَرَطه الثوريّ، هذا كله اذا لم يحضر الصفّ، ويتعيَّن القتال، وإلا فحينئذ يجوز بغير إذن، وأجمع العلماء على الأمر ببرّ الوالدين، وأن عقوقهما حرام من الكبائر، وسبق بيانه مبسوطاً في ((كتاب الإيمان)). انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال جمهور العلماء: يَحْرم الجهاد إذا مَنَع الأبوان، أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برّهما فَرْض عَيْن عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيَّن الجهاد فلا إذن، ويشهد له ما أخرجه ابن حبان، من طريق أخرى، عن عبد الله بن عمرو: ((جاء رجل إلى رسول الله وَل*، فسأله عن أفضل الأعمال، قال: الصلاة، قال: ثم مه؟ قال: الجهاد، قال: فإن لي والدين، فقال: آمرك بوالديك خيراً، فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لأجاهدنٌ، ولأتركنهما، قال: فأنت أعلم))، وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقاً بين الحديثين، وهل يُلحق الجدّ والجدّة بالأبوين في ذلك؟ الأصح عند الشافعية نعم، والأصح أيضاً أن لا يفرّق بين الحُرّ والرقيق في ذلك؛ لشمول طلب البرّ، فلو كان الولد رقيقاً، فَأَذِن له سيده لم يُعْتبَر إذن أبويه، ولهما الرجوع في الإذن إلا أن حضر الصفّ، وكذا لو شرطا أن لا يقاتِل، فحضر الصفّ فلا أثر للشرط. انتهى(٢). ٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضدّه إذا فُهِم المعنى؛ لأن صيغة الأمر في قوله: ((فجاهد)) ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مراداً قطعاً، وإنما المراد: إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال، قاله في ((الفتح)) (٣). ٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن كل شيء يُتعِب النفس يسمى جهاداً. ٥ - (ومنها): أن المستشار يشير بالنصيحة المحضة، وأن المكلف (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٦. (٢) ((الفتح)) ٢٥٥/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٤). (٣) ((الفتح)) ٢٥٥/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٤). ٢٢٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة؛ ليعمل به؛ لأنه سَمِع فَضْل الجهاد، فبادَرَ إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه، فدُلّ على ما هو أفضل منه في حقه ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك، ولمسلم(١) من طريق ناعم مولى أم سلمة عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصة: ((قال: ارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما))، ولأبي داود، وابن حبان من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو: ((ارجع، فأضحكهما كما أبكيتهما))، وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد، عند أبي داود، بلفظ: ((ارجع، فاستأذنهما، فإن أَذِنَا لك فجاهِد، وإلا فبرّهما))، وصححه ابن حبان. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على تحريم السفر بغير إذن الأبوين؛ لأن الجهاد إذا مُنع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلّم فرض عَيْن، حيث يتعيّن السفر طريقاً إليه، فلا مَنْع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ ◌ِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. قَالَ مُسْلِمُ: أَبُو الْعَبَّاسِ اسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكِّيُّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بن معاذ بن نصر الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، رَجّح ابن معين أخاه المثنى عليه [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. والباقون ذُكروا قبله. (١) هو: الحديث الثالث بعد هذا الحديث في الباب. (٢) ((الفتح)) ٢٥٥/٧ - ٢٥٦، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٤). ٢٢٧ (١) - بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨٥) [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شُعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، جَمِيعاً عَنْ حَبِيبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبدي الكوفي، ثقة حافظ [٩] تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١. ٢ - (مِسْعَرُ) بن كَدَام - بكسر أوله، وتخفيف ثانيه - ابن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) بنِ الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنيّ - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر النون - أبو عمرو البغداديّ، ويُعرف بابن الكرمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت٢١٤) على الصحيح، وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥١١/٩٥. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصن بن حُذيفة الْفَزَاريّ الإمام الكوفيّ، ثم الْمِصِّيصيّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [٨] (ت١٨٥) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٨/٦. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود الخمسين ومائتين (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٦ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ الْجُعْفِيُّ) الكوفيّ العابد المقرئ، تقدّم قريباً. ٧ - (زَائِدَةُ) بن قدامة الثقفيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٨ - (الأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب وقوله: (كِلَاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) ضمير التثنية لأبي إسحاق الفزاريّ، وزائدة بن قدامة؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن الأعمش. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ حَبِيبٍ)؛ يعني: أن كلّاً من مسعر بن كِدام، والأعمش رويا هذا الحديث عن حبيب بن أبي ثابت. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بإسناد حبيب بن أبي ثابت المتقدّم، وهو عن أبي العبّاس الشاعر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ٠ وقوله: (مِثْلَهُ)؛ أي: مثل حديث شعبة عن حبيب. [تنبيه]: رواية مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت ساقها أحمد في ((مسنده))، فقال : (٦٥٤٤) - حدّثنا يزيد، أنا مِسْعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجل إلى النبيّ ◌َل﴿ يستأذنه في الجهاد، فقال: ((أحيٍّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)). انتهى(١). ورواية الأعمش عن حبيب ساقها البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى))، فقال: (١٧٦٠٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا بشر بن موسى، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يتها، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَلَّ، فقال: إني أريد الجهاد، قال: ((أحيّ أبواك؟)) قال: نعم، قال: ((ارجع إليهما، فإن فيهما المُجاهَد)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ نَاعِماً مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦٥/٢. (٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٥/٩. ٢٢٩ (١) - بَابُ بِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ النّاسِ بِهِ - حديث رقم (٦٤٨٦) أُبَابِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٍّ؟))، قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: ((فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا))). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، نزيل مكة، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ الحافظ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) المصريّ، أبو رجاء، واسم أبيه سُويد، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يُرسل [٥] (ت١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٥ - (نَاعِمٌ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) هو: ناعم بن أُجيل - بجيم مصغراً - الْهَمْدانيّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١٨٠) (م ٤) تقدم في ((اللباس والزينة)) ٥٥٤١/٢٨. و((عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿يا)) ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَغْذَثُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين غیر شیخه، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد المصريّ (أَنَّ نَاعِماً مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة أم المؤمنين ﴿ّا (حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) (قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، (إِلَى نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: أُبَابِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ) حال كوني (أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ) مَ﴿. (قَالَ) وَّهِ ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٍّ؟)) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: هذا يدلّ على أن المفتي إذا خاف على السائل الغلط، أو عدم الفهم تعيَّن عليه الاستفصال، وعلى أن الفروض والمندوبات مهما اجتمعت قُدِّم الأهمّ منها، وأن القائم على الأبوين يكون له ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أجر مجاهد وزيادة. انتهى(١). (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا) حيّان، (قَالَ) بََّ، وقوله: ((فَتَبْتَغِي) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفتبتغي (الأَجْرَ مِنَ اللهِ؟))، قَالَ) الرجل: (نَعَمْ، قَالَ) وَلَ: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)))؛ أي: فيكون لك هذا أفضل مما قصدته من الهجرة، والجهاد، وفيه فضل برّ الوالدين، وأنه أفضل من الهجرة، والجهاد في سبيل الله تعالى. وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ((فارجع إلى والديك ... إلخ)) قد قدّمنا ذِكر الخلاف مع وجوب الهجرة، هل كان على أهل مكة خاصة، أو كان على كل من أسْلَم؟ وعلى القولين فقد أسقط عنه الهجرة؛ لأن حقّ الوالدين أولى؛ لأنَّه إن كانت الهجرة عليه واجبة، فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حقّ الوالدين، فقُدّم، وإن لم تكن واجبة عليه، فالواجب أولى على كل حال، لكنه إنما يصح هذا ممن يَسْلَم له في موضع دِينه، فأمَّا لو خاف الفتنة على دينه لوجب عليه الفرار بدينه، وترك آبائه وأولاده، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من عباده، وبرّ الوالدين واجب على الجملة بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة، وكذلك صلة الأرحام، وأما تفصيل ما يكون برّاً وصِلَةً، وما لا يكون، فذلك يستدعي تفصيلاً وتطويلاً ليس هذا موضعه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ظنًا هذا من أفراد المصنّف رَخَذَلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٨٦/١] (٢٥٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٥/١)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١٦٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦/٩) و((شُعَب الإيمان)) (١٧٧/٦)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((المفهم)) ٦/ ٥٠٩. (٢) ((المفهم)» ٦/ ٥١٠ - ٥١١. ٢٣١ (٢) - بَابُ تَقْدِيمِ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٧) (٢) - (بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَّوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٧] (٢٥٥٠) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: ((كَانَ جُرَیْجُ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ، قَالَ حُمَّيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعْ صِفَةً أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللهِ لَّهِ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ، كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ خَّاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي، وَصَلَاِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَرَجَعَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمَُّكَ فَكَلِّمْنِي، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي، وَصَلَائِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَت: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجُ، وَهُوَ ابْنِي، وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ، قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ، قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأَنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ، قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْبَةِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي، فَحَمَلَتْ، فَوَلَدَتْ(١) غُلَاماً، فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبٍ هَذَا الدَّيْرِ، قَالَ: فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَسَاحِيهِمْ، فَنَادَوْهُ، فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوَكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، قَالُوا: نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرَِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَاباً، كَمَا كَانَ، ثُمَّ عَلَاهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ بحاء مهملة، وموحّدة مفتوحتين - الأُبُليّ - بضم الهمزة، والموحدة، وتشديد اللام، أبو محمد صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، (١) وفي نسخة: ((فوضعت)). ٢٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب قال أبو حاتم: اضطَرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ، أبو سعيد البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو رَافِع) نُفيع الصائغ، المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّمَّ في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٦٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُه تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، إلا الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َُّه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيع الصائغ المدنيّ، ثم البصريّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَظُبه؛ (أَنَّهُ قَالَ: ((كَانَ جُرِّيْجُ) هذا صورته صورة المرسل إلا أنه تبيّن وصله بقوله بعده: ((قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللهِ وَل أُمَّهُ» . [تنبيه]: جريج هذا - بجيمين، مصغراً - قد روى حديثه عن أبي هريرة له أبو رافع، كما هو هنا، وعند أحمد في ((مسنده))، ومحمد بن سيرين كما في الرواية التالية، وهي عند البخاريّ أيضاً، والأعرج عند البخاريّ، وأبو سلمة عند أحمد، ورواه عن النبيّ وَّرِ مع أبي هريرة، عمران بن حصين ظّ. قال الحافظ بعد ذكره نحو ما سبق: وسأذكر ما في رواية كلّ منهم من الفائدة. قال الجامع: وسأذكر أنا أيضاً ما ذكره الحافظ تَظُّ في هذا الشرح - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه آخر]: أول حديث أبي سلمة في هذه القصّة: ((كان رجل في بني إسرائيل تاجراً، وكان ينقص مرّةً، ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسنّ تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعةً، وترهّب فيها، وكان ٢٣٣ (٢) - بَابُ تَقْدِيمِ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٧) يقال له: جريج ... )) فذكر الحديث، ودلّ ذلك على أنه كان بعد عيسى ابن مريم الله وأنه كان من أتباعه؛ لأنهم الذين ابتدعوا الترهّب، وحَبْس النفس في الصوامع، قاله في ((الفتح)) (١). (يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ) - بفتح، فسكون: معبد النصارى -، قال المرتضى تَّهُ(٢): الصَّوْمَعة كَجَوْهَرَةٍ: بيتٌ لِلنَّصارى، ومَنارٌ للراهِب، كالصَّوْمَعِ بغيرِ هاءٍ، سُمِّيتْ به لدِقَّةٍ في رأسِها، وقال سيبويه: الصَّوْمَعةُ من الأَصْمَع؛ يعني: المُحَدّدَ الطَّرَفِ المُنضَمّ. ومن غريبٍ ما أنشدَنا بعضُ الشيوخ [من مجزوّ الكامل]: وأُولو الثُّهى أَوْصَوا مَعَهْ أَوْصَاكَ رَبُّكَ بالثُّقى فاخْتَرْ لنَفْسِكَ مَسْجِداً تَخْلُو به أو صَوْمَعَهْ (فَجَاءَتْ أُمُّهُ) لم يُعرف اسمها، (قَالَ حُمَيْدُ) بن هلال الراوي عن أبي رافع: (فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِع) نفيع (صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ) حظُه؛ أي: وَصْفه (لِصِفَةِ رَسُولِ اللهِ وَلِ أُمَّهُ)؛ أي: أم جُريج، (حِينَ دَعَتْهُ)؛ أي: وقت دعائها ولدها جُريج، (كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ)؛ أي: إلى جريج؛ حيث كان في محل مرتفع من الصومعة، وقوله: (تَدْعُوهُ) جملة حاليّة (فَقَالَتْ) الأمّ: (يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي، فَصَادَفَتْهُ)؛ أي: وجدته، حال كونه (يُصَلِّي، فَقَالَ) جريجٍ: (اللَّهُمَّ أُمِّي)؛ أي: هذه المنادية لي هي أمي، فهل أجيبها؟ (وَصَلَاتِي)؛ أي: وهذه صلاتي، فهل أشتغل بها، وأترك إجابة أُمي؟ (فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ) على إجابة أمه، (فَرَجَعَتْ) الأمّ (ثُمَّ عَادَتْ فِي) المرة (الثَّانِيَةِ) وقد بيّنت في الرواية التالية بأنه اليوم التالي، ولفظه: ((فلما كان من الغد))، (فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أَمُّكَ فَكَلِّمْنِ، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّ، وَصَلَاِ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَت) ظاهر هذه الرواية أن قولها هذا في المرة الثانية، لكن سيأتي في الرواية التالية أنها دعته ثلاث مرّاتٍ، ثم دعت عليه في المرّةِ الثالثة، (اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ، وَهُوَ ابْنِي، وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ (١) ((الفتح)) ٢٩/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٦). (٢) (تاج العروس)) ١/ ٥٣٨٠. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب الْمُومِسَاتِ) وفي الرواية التالية: ((حتى ينظر إلى وجوه المومسات))، قال النوويّ ◌َخْشُهُ: بضم الميم الأولى، وكسر الثانية: أي: الزواني البغايا المتجاهرات بذلك، والواحدة مومسة، وتُجمع على مياميس أيضاً. انتهى(١). وقال ابن الأثير ◌َّتُهُ: المومسة: الفاجرة، وتُجمع على ميامس أيضاً، وموامس، وأصحاب الحديث يقولون: مياميس، ولا يصح إلا على إشباع الكسرة ليصير ياءً، كمُطْفِل ومطافيل. انتهى(٢). وقال ابن منظور كثّتُهُ: امرأة مومس، ومومسة: فاجرة، زانية، تميل لمريدها، كما سُمِّيت خَرِيعاً من التخرع، وهو اللِّين، والضعف، وربما سميّت إماء الخدمة مومسات، والمومسات: الفواجر مجاهرةً، ويُجمع على ميامس أيضاً، ومواميس، وأصحاب الحديث يقولون: مياميس، ولا يصح إلا على إشباع الكسرة؛ ليصير ياءً، كمُطْفِلٍ ومَطَافِل، ومطافيل. انتهى(٣). (قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يقع في فتنة الزنا، (لَفُتِنَ)؛ أي: لوقع فيها. (قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأَنٍ) لم يُعرف اسمه، (يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ)؛ أي: دَيْر جُريج، وهو بفتح الدال المهملة، وسكون التحتانيّة، آخره راء: كنيسة منقطعة عن العمارة، تنقطع فيها رُهبان النصارى لتعبّدهم، وهو بمعنى الصومعة السابقة، وهي نحو المنارة ينقطعون فيها عن الوصول إليهم، والدخول عليهم، قاله النوويّ تَّقُ(٤) . (قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْبَةِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي)؛ أي: زنى بها، (فَحَمَلَتْ، فَوَلَدَتْ) وفي بعض النسخ: ((فوضعت))، (غُلَاماً، فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟)؛ أي: أيّ شيء هذا الغلام، من أين أتاك وليس لك زوج؟ (قَالَتْ: مِنْ صَاحِبٍ هَذَا الدَّيْرِ)؛ تعني: جريجاً. (قَالَ: فَجَاؤُوا بِفُؤُوسِهِمْ) مهموز ممدود جمع فأس بالهمزة، وهي هذه المعروفة، كرأس ورؤوس، قاله النوويّ ◌َّقُهُ(٥) . وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: الفأس: أُنثى، وهي مهموزة، ويجوز التخفيف، (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/١٦. (٣) ((لسان العرب)) ٢٥٨/٦. (٥) (شرح النوويّ)) ١٠٦/١٦. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٧٣/٣. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/١٦. ٢٣٥ (٢) - بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨) وجمعها أَفؤُسٌ، وفُؤوس، مثلُ فلس، وأفلُس، وفُلوس. انتهى(١). (وَمَسَاحِيهِمْ) بالفتح، بوزن الْجَوَاري: جمع مِسحاة بكسر الميم: هي الْمِجْرفة، إلا أنها من حديد، وسحوت الطينَ عن وجه الأرض سَحْواً، من باب قال: جَرَفْتُه بالمسحاة(٢). (فَنَادَوْهُ)؛ أي: ناى جريجاً قومه (فَصَادَفُوهُ)؛ أي: وجدوه حال كونه (يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ) بفتح أوله، من باب ضرب، (دَيْرَهُ)؛ أي: صومعته محلّ عبادته، (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ)؛ أي: هَدْم ديره، (نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ) وفي الرواية التالية: ((قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ))، (قَالَ: فَتَبَسَّمَ) جريج تعجّباً من اتّهامهم له بالفاحشة، (ثُمَّ مَسَحَ وَأْسَ الصَّبِيِّ)؛ أي: بعد أن توضّأ وصلَّى (فَقَالَ: مَنْ أَبُولَكَ؟) وفي الرواية التالية: ((فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَّى الصَّبِيَّ، فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟)) (قَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ)؛ أي: من الصبيّ، (قَالُوا) نادمين على ما فعلوا من هَدْم صومعته: (نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) تعظيماً لك، وستراً لإجرامنا بالهدم. (قَالَ: لَا)؛ أي: لا تبنوها بالذهب والفضّة، (وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَاباً كَمَا كَانَ) التراب بناءها من قبلُ، (ثُمَّ عَلَاهُ))؛ أي: ارتفع إلى ما تبقّى من علّيّته، أو يكون هذا بعدما أعادوا بناءها، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بيان مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيَ الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ (١) ((المصباح المنير)) ٤٨٣/٢. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٦٨/١ - ٢٦٩. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب رَجُلاً عَابِداً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ، وَهُوَ يُصَلِّ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي، وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَائِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ، وَهُوَ يُصَلِّ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي، وَصَلَاِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَائِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَثَتْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أي: رَبِّ أُمِّي، وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَائِهِ، فَقَالَت: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجاً، وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ، يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِياً كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْج، فَأَتَوْهُ، فَاسْتَنْزَلُوهُ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأَنْكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ، فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوَكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الزَّاعِي، قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْج يُقَبِّلُونَهُ، وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، أَعِيدُوَّهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ، وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ القَّدْيَ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ، فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ))، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهَ، وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا. قَالَ: ((وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ، وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ أُقُّهُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ: حَلْقَى (١) مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُوا بِهَذِهِ الأَمَةِ، وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، (١) وفي نسخة: ((فقالت: يا بُنيّ حلقى)). ٢٣٧ (٢) - بَابُ تَقْدِيمٍ بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨) وَيَقُولُونَ: زَنَيْتٍ، سَرَقْتٍ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، قَالَ: إِنَّ ذَكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنٍ، وَسَرَقْتٍ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ تقدّم قريباً. ٣ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) أبو النضر البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِّينَ) الأنصاريّ مولاهم البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّهُ ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّ ثَلَاثَةٌ) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال القرطبيّ تَّتُهُ: المهد: أصله مصدرُ مهّدت الشيءَ أَمَهِّده: إذا سوّيته، وعدّلته، فمَهْد الصبيّ: كلُّ محل يُسوّى له، ويوطأ، وقد يكون سريره، وقد يكون حجر أمه، كما قال قتادة: في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تُكَلِمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]؛ أي: في حجر أمه. قال: وظاهر هذا الحصر يقتضي أن لا يوجد صغير تكلم في المهد إلا هؤلاء الثلاثة، وهم: عيسى، وصبيّ جريج، والصبيّ المتعوّذ من الجبّار، وقد جاء من حديث صهيب المذكور في تفسير سورة البروج في قصة الأخدود أن امرأة جيء بها لتُلْقَى في النار على إيمانها، ومعها صبيّ لها - في غير كتاب مسلم: يرضع - فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمّه اصبري، فإنك على الحقّ، وقال ابن عباس ؤًا: إن شاهد يوسف كان صبياً في المهد، وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف، وصبيّ ماشطة امرأة فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود. قلت(١): فأسقط الضحاك صبيّ الجبّار، وذَكَر مكانه يحيى، وعلى هذا - (١) القائل القرطبيّ تَخْذَلهُ. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب فيكون المتكلمون في المهد سبعة، فبطل الحصر بالثلاثة المذكورين في الحديث. قلت(١): ويجاب عن ذلك: بأن الثلاثة المذكورين في الحديث هم الذين صحّ أنهم تكلموا في المهد، ولم يُختلف فيهم فيما علمت، واختُلف فيمن عداهم، فقيل: إنهم كانوا كباراً بحيث يتكلمون ويعقلون، وليس فيهم أصح من حديث صاحب الأخدود، ولم تُسلَّم صحة الجميع، فيرتفع الإشكال بأن النبيّ ◌َ﴿ أخبر بما كان في عِلمه، مما أُوحي عليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بأشياء من ذلك، فأخبرنا بذلك على ما في علمه. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(٢) . وقال في ((الفتح)): في هذا الحصر نظر، إلا أن يُحْمَل على أنه وَلِّ قال ذلك قبل أن يعلم الزيادة على ذلك، وفيه بُعْدٌ، ويَحْتَمِل أن يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيّداً بالمهد، وكلام غيرهم من الأطفال بغير مهد، لكنه يعكر عليه أن في رواية ابن قتيبة أن الصبي الذي طرحته أمه في الأخدود كان ابن سبعة أشهر، وصرَّح بالمهد في حديث أبي هريرة، وفيه تعَقُّب على النوويّ في قوله: إن صاحب الأخدود لم يكن في المهد، والسبب في قوله هذا ما وقع في حديث ابن عباس عند أحمد، والبزار، وابن حبان، والحاكم: ((لم يتكلم في المهد إلا أربعة))، فلم يذكر الثالث الذي هنا، وذَكَر شاهد يوسف، والصبي الرضيع الذي قال لأمه، وهي ماشطة بنت فرعون لمّا أراد فرعون إلقاء أمه في النار: اصبري يا أمه، فإنّا على الحقّ، وأخرج الحاكم نحوه، من حديث أبي هريرة، فيجتمع من هذا خمسة، ووقع ذِكر شاهد يوسف أيضاً في حديث عمران بن حصين، لكنه موقوف، وروى ابن أبي شيبة من مرسل هلال بن يساف، مثل حديث ابن عباس، إلا أنه لم يذكر ابن الماشطة، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث صهيب في قصة أصحاب الأخدود: ((أن امرأة جيء بها لتلقى في النار، أو لتكفر، ومعها صبيّ يرضع، فتقاعست، فقال لها: يا أمه اصبري فإنكِ على الحقّ))، وزعم الضحاك في ((تفسيره)) أن يحيى تكلم في المهد، (١) القائل القرطبيّ تَكَذَلهُ. (٢) ((المفهم)) ٥١١/٦ - ٥١٢. ٢٣٩ (٢) - بَابُ تَقْدِيم بِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٦٤٨٨) أخرجه الثعلبيّ، فإن ثبت صاروا سبعة، وذكر البغويّ في ((تفسيره)) أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد، وفي ((سِيَر الواقديّ) أن النبيّ وَّر تكلم أوائل ما وُلد، وقد تكلم في زمن النبيّ ◌َ ﴿ مبارك اليمامة، وقصته في ((دلائل النبوة)) للبيهقيّ من حديث معرض - بالضاد المعجمة - والله أعلم. على أنه اختلف في شاهد يوسف، فقيل: كان صغيراً، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وسنده ضعيف، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وأخرج عن ابن عباس أيضاً ومجاهد: أنه كان ذا لحية، وعن قتادة والحسن أيضاً: كان حكيماً من أهلها. انتهى (١). (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) بَّهِ، (وَصَاحِبُ جُرَيْج) ثم شرح قصّة جُريج بقوله: (وَكَانَ جُرَيْجُ رَجُلاً عَابِداً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً) - بفتح ألصاد المهملة، وسكون الواو - هي البناء المرتفع المحدَّد أعلاه، ووزنها فَوْعَلة، من صَمَعتُ: إذا دَقّقت، سُميّت بذلك؛ لأنها دقيقة الرأس(٢). (فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ) وفي الرواية السابقة: ((فجاءت أمه))، قال الحافظ ◌َُّ: ولم أقف في شيء من الطرق على اسمها، وفي حديث عمران بن حصين: ((وكانت أمه تأتيه، فتناديه، فيُشْرِف عليها، فيكلمها، فأتته يوماً، وهو في صلاته))، وفي رواية أبي رافع عند أحمد: ((فأتته أمه ذات يوم، فنادته، قالت: أي: جريج أَشْرِفْ عليّ، أكلمك أنا أمك)). (وَهُوَ يُصَلِّي) جملة حاليّة، (فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ◌ُّمِّي، وَصَلَانِي)؛ أي: اجتمع عليّ إجابة أمي، وإتمام صلاتي، فوفّقني لأفضلهما. وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((يا رب أمي وصلاتي)) قولٌ يدلّ على أن جريجاً ﴿به كان عابداً، ولم يكن عالِماً؛ إذ بأدنى فكرة يُدرك أن صلاته كانت ندباً، وإجابة أمه كانت عليه واجبة، فلا تعارُض يوجب إشكالاً، فكان يجب عليه تخفيف صلاته، أو قَطْعها، وإجابة أمه، لا سيما وقد تكرر مجيئها إليه، وتشوّقها، واحتياجها لمكالمته، وهذا كله يدلّ على تعيّن إجابته إياها، ألا ترى (١) ((الفتح)) ٦٨/٨ - ٦٩، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٦). (٢) ((الفتح)) ٦٨/٨ - ٦٩، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٣٦). ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البر والصلة والآداب أنه أغضبها بإعراضه عنها، وإقباله على صلاته، ويبعد اختلاف الشرائع في وجوب برّ الوالدين، وعند ذلك دعت عليه، فأجاب الله تعالى دعاءها؛ تأديباً له، وإظهاراً لكرامتها، والظاهر من هذا الدعاء أن هذه المرأة كانت فاضلةً عالمةً، ألا ترى كيف تحرزت في دعائها، فقالت: اللَّهُمَّ لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فقالت: حتى ينظر، ولم تقل غير ذلك، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: ولو دعت عليه أن يُفْتَن لَفُتن، وهي أيضاً: لو كظمت غيظها، وصبرت لكان ذلك الأَولى بها، لكن لمّا عَلِمِ الله تعالى صِدْق حالهما لَطَف بهما، وأظهر مكانتهما عنده بما أظهر من كرامتهما. وفائدته: تأكُّد سعي الولد في إرضاء الأم، واجتناب ما يغيّر قلبها، واغتنام صالح دعوتها، ولذلك قال وَله: ((الجنة تحت أقدام الأمهاتُ))(١) أي: من انتهى من التواضع لأمه بحيث لا يشقّ عليه أن يضع قدمها على خدّه استوجب بذلك الجنة، والأَولى في هذا الحديث أن يقال: أنه خرج مخرج المَثَل الذي يُقصد به الإعياء في المبرّة والإكرام، وهو نحو من قوله وَلات: ((الجنة تحت ظلال السيوف))(٢). انتهى(٣). (فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فدعته، فقال: أُجيبها، أو أصلي))، زاد في رواية له: ((فأبى أن يجيبها))، وفي حديث عمران بن حصين أنها جاءته ثلاث مرات، تناديه في كل مرة ثلاث مرات، وفي رواية الأعرج عند الإسماعيليّ: ((فقال: أمي، وصلاتي لربي، أوثر صلاتي على أمي، ذَكَره ثلاثاً)). (١) الحديث بهذا اللفظ ضعيف، بل قال الشيخ الألباني: موضوعٌ، ونصّه: ((الجنة تحت أقدام الأمهات، من شئن أدخلن، ومن شئن أخرجن)) هكذا موضوع، ويغني عنه حديث معاوية بن جاهمة، أنه جاء النبيّ وَ﴿، فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال: ((هل لك أمّ؟)) قال: نعم، قال: ((فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها))، رواه النسائيّ، وغيره؛ كالطبرانيّ، وسنده حسنٌ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وأقره المنذريّ. انتهى. ((السلسلة الضعيفة)) ٥٩/٢. (٢) متفقٌ عليه. (٣) ((المفهم)) ٥١٢/٦ - ٥١٣.