Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٥٧) - بَابُ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بِأَهْلِ مِصْرَ - حديث رقم (٦٤٧٣)
ذُكر من تينك الخصوصيتين. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذّثُ(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالًا:
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةً، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ:
(إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا، فَأَحْسِنُوا
إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً، وَرَحِماً))، أَوْ قَالَ: ((ذِمَّةً وَصِهْراً، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ
يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعٍ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا))، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانٍ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل
نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ،
ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضَعْف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه(٢) [٦] (١٧٠)
بعدما اختَلَط، لكن لم يحدِّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦.
٤ - (أَبُو بَصْرَةَ) - بفتح الباء الموحّدة، وسكون الصاد المهملة - حُمَيل،
مثل حُميد، لكن آخره لام، وقيل: بفتح أوله، وقيل: بالجيم - ابن بَصْرَة بن
وَقّاص الغفاريّ صحابيّ، سكن مصر، ومات بها (بخ م د س) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٩٢٧/٥٢.
والباقون ذكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (أَوْ قَالَ: ((ذِمَّةً وَصِهْراً) ((أو)) للشكّ من الراوي، وتقدّم معنى
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٠١.
(٢) لكن قال الذهبيّ: اغتُفرت أوهامه في سعة ما روى. انتهى.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الذمة، وأما الصهر، فهو بكسر الصاد المهملة، وسكون الهاء، آخره راء، قال
الفيّوميّ تَّتُهُ: الصِّهْرُ: جَمْعه أَصْهَارٌ، قال الخليل: الصِّهْرُ: أهل بيت المرأة،
قال: ومن العرب من يجعل الأَحْمَاءَ، والأَخْتَانَ جميعاً أَصْهَاراً، وقال
الأزهريّ: الصِّهْرُ يشتمل على قرابات النساء، ذوي المحارم، وذواتٍ
المحارم، كالأبوين، والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات،
فهؤلاء أَصْهَارُ زوج المرأة، ومن كان من قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم
فهم أَصْهَارُ المرأة أيضاً، وقال ابن السِّكِّيت: كلّ من كان من قِبَل الزوجِ، من
أبيه، أو أخيه، أو عمه، فَهُم الأَحْمَاءُ، ومن كان من قِبَل المرأة فهم الأَخْتَانُ،
ويَجمع الصنفين الأَصْهَارُ، وصَاهَرْتُ إليهم: إذا تزوجت منهم. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ ... إلخ) الظاهر أن فاعل
((قال)) ضمير عبد الرحمن بن شماسة، كما تقدّم.
والحديث من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله
في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْثُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥٨) - (بَابُ فَضْلِ أَهْلِ عُمَانَ)
بضم العين المهملة، وتخفيف الميم، قال القاضي عياض: هي فُرْضة
بلاد اليمن، وقال الرشاطيّ: عمان في اليمن، سُمّيت بعمان بن سبأ، يُنسب
إليها الْجُلَندى(٢) رئيس أهل عُمان، ذَكَر وثيمة أن عمرو بن العاص قَدِم عليه
من عند النبيّ وَّرَ، فصَدّقه، وذكر غيره أن الذي آمن على يد عمرو بن العاص
ولدا الْجُلندى: عياذ وجيفر، وكان ذلك بعد خيبر، ذكره أبو عُمَر. انتهى.
وروى الطبرانيّ من حديث المسور بن مخرمة قال: ((بعث رسول الله وحلقه
رسله إلى الملوك ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ((وبعث عمرو بن العاص إلى
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٩/١.
(٢) قال في (تاج العروس)) ١/ ١٩٣٤: وجُلَنْدَاءُ بضمّ أَوّله، وفتح ثانيه، ممدودَةً،
وبضمِّ ثانِيه مقصورَةً: اسمُ مَلِكِ عُمَانَ. انتهى.

١٨٣
(٥٨) - بَابُ فَضْلِ أَهْلِ عُمَانَ
جيفر وعياذ ابني الْجُلُندى ملك عمان))، وفيه: ((فرجعوا جميعاً قبل وفاة
رسول الله (َ﴿ إلا عمراً، فإنه توفي، وعمرو بالبحرين)).
قال الحافظ: وفي هذا إشعار بقرب عُمان من البحرين، ويقرب البعث
إلى الملوك من وفاته وَ *، فلعلها كانت بعد حُنين، فتصحفت.
[تنبيه]: ((جَيْفَر)) مثل جعفر، إلا أن بدل العين تحتانية، و((عَيَّاذ» - بفتح
العين المهملة، وتشديد التحتانية، وآخره معجمة - و((الْجُلَندى)) - بضم الجيم،
وفتح اللام، وسكون النون والقصر -، و((بَيْرَح)) - بموحدة، ثم تحتانية، ثم
مهملة - بوزن دَيْلَم، أفاده في ((الفتح)). انتهى(١).
وقال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: عُمَانُ وِزانُ غُراب: موضع باليمن، وعَمَن بالمكان:
أقام به، وعَمَّانُ: فَعّال بالفتح، والتشديد: بلدة بطرف الشام، من بلاد البلقاء.
(٢)
انتھی(٢).
قال في ((الفتح)): عَمّانُ بفتح العين، وتشديد الميم هي التي أرادها
الشاعر بقوله:
فِي وَجْهِهِ خَالَانِ لَوْلَاهُمَا مَا بِتُّ مَفْتُوناً بِعَمَّانِ
وقال المرتضى في ((شرحه)): وعُمان - كغُراب - رَجُل، اشتُقّ من عَمَن
بالمكان، وعُمان: بلد باليمن، سُمّي بعُمان بن نفثان بن سبأ أخي عَدَن،
وقال ابن الاثير: عُمان على البحر تحت البصرة، وقال غيره: عند البحرين،
وقال الأزهريّ: يُصْرف، ولا يُصرَف، فمن جعله بلداً صَرَفه في حالة المعرفة
والنكرة، ومن جعله بلدة ألحقه بطلحة، وعَمّان كشَدّاد: بلد بالشام بالبلقاء،
سُمّي بعَمّان بن لوط، قال الأزهريّ: يجوز أن يكون فعلان، من عَمّ يَعُمّ،
فلا ينصرف معرفةً، وينصرف نكرةً، ويجوز أن يكون فَعّالاً، من عَمِنَ،
فينصرف في الحالتين، إذا عُنِي به البلد، وقال سيبويه: لم يقع في كلامهم
اسماً إلا لمؤنث، وبه فُسِّر حديث الحوض: ((عَرْضه من مقامي إلى عَمَّان)).
(٣)
انتهى (٣).
(١) ((الفتح)) ٥٣١/٩ - ٥٣٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٨٣).
(٢) (المصباح المنير)) ٤٣١/٢.
(٣) (تاج العروس)) ٨١١٢/١.

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٤] (٢٥٤٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ،
عَنْ أَبِي الْوَازِعِ جَابِرٍ بْنِ عَمْرٍو الرَّاسِبِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ رَجُلاً إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَسَبُّوهُ، وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوَكَ،
وَلَا ضَرَبُوكَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة،
ثقةٌ، مُصنِّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧)
وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزدي الْمِعْوَليّ - بكسر الميم، وسكون العين
المهملة، وفتح الواو - أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت١٧٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٣ - (أَبُو الْوَازِعِ جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الرَّاسِبِيُّ) البصريّ، ويقال: الكوفيّ،
صدوقٌ يَهِمُ [٣].
روى عن أبي برزة الأسلميّ وعبد الله بن مُغَفّل، وأبي بردة بن أبي
موسی، وغيرهم.
وروى عنه أبان بن صمعة، وشداد بن سعيد أبو طلحة الراسبيّ، وأبو
هلال، وأبو بكر بن شعيب بن الحبحاب، ومهديّ بن ميمون.
قال أبو طالب عن أحمد، وإسحاق بن منصور عن يحيى: ثقةٌ، وقال ابن
عديّ: لا أعرف له كثير رواية، وإنما يروي عنه قوم معدودون، وأرجو أنه لا
بأس به، وقال النسائيّ: منكر الحديث، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس
بشيء، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والترمذيّ، وابن
ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان، حديث الباب برقم (٢٥٤٤)،
وحديث (٢٦١٨): ((اعزل الأذى عن طريق المسلمين))، وأعاده بعده.

١٨٥
(٥٨) - بَابُ فَضْلِ أَهْلِ عُمَانَ - حديث رقم (٦٤٧٤)
٤ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلة بن عُبيد الصحابيّ المشهور بكنيته، أسلم قبل
الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُراسان، ومات بها بعد سنة
خمس وستين على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٦/٣٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف رَُّ، وهو (٤٩٧) من رباعيّات الكتاب، وأن
صحابيّه ممن اشتهر بكنيته.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْوَازِعِ) بالزاي، والعين المهملة، وقوله: (جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو)
بالجرّ بدل من ((أبي الوازع))، أو عطف بيان، وقوله: (الرَّاسِبِيِّ) نسبة إلى بني
راسب، وهي قبيلة نزلت البصرة، قاله في ((اللباب)) (١). (سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ) -
بفتح الموحّدة، وسكون الراء، بعدها زاي - نضلة بن عُبيد ◌َُّه (يَقُولُ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ رَجُلاًّ) هو أبو برزة الأسلميّ الراوي للحديث، كما بيَّنه ابن أبي
عاصم في ((الآحاد والمثاني)) برقم (٢٢٩٣)، ولفظه: عن أبي برزة
الأسلميّ ◌ُه قال: كان رسول الله ◌َّ بعثه إلى حيّ من أحياء العرب في
شيء، قال: فسبُّوه، وضربوه، فقال: ((أما إنك لو أهل عمان أتيت ما سبُّوك،
ولا ضربوك))(٢). (إِلَى حَيٍّ مِنْ أَخْيَاءِ الْعَرَبِ) لم يُسَمّوا، زاد أبو يعلى: ((في
شيء، لا أدري ما هو؟))(٣)، وفي رواية أحمد في ((فضائل الصحابة)): عن أبي
برزة قال: بعث رسول الله و * رسولاً له إلى حيّ من أحياء العرب، في شيء
لا يَدري مهديّ ما هو؟ (٤). (فَسَبُّوهُ، وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَخْبَرَهُ)
بما فعل به الحيّ، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ) كذا بحذف
العائد؛ أي: أتيتهم، وقوله: (مَا سَبُّوَكَ، وَلَا ضَرَبُوَكَ))) جواب ((لو))، قال
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٦/٢.
(٢) ((الآحاد والمثاني)) لابن أبي عاصم ٢٧٢/٤.
(٣) ((مسند أبي يعلى)) ٤٢٧/١٣.
(٤) ((فضائل الصحابة لابن حنبل)) ٨٣١/٢.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
القرطبيّ تَخْتُهُ: يعني: أن أهل عمان قوم فيهم عِلم، وعفاف، وتثبُّت،
والأشبه: أنهم أهل عمان التي قِبل اليمن؛ لأنَّهم ألين قلوباً، وأرق أفئدة، وأما
أهل عَمّان الشام، فسلامةٌ لك منهم، وسلام، وأهل هذين الاسمين من عَمَن
بالمكان: أقام به، ويقال: أعمن الرجل: إذا صار إلى عُمَان. انتهى(١).
وروى أحمد من طريق أبي لبيد قال: ((خرج رجل منا، يقال له: بيرح بن
أسد، فرآه عمر، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل عُمان، فأدخله على أبي
بكر، فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله وَّ يقول: ((إني
لأعلم أرضاً، يقال لها: عُمان ينضح بناحيتها البحر، لو أتاهم رسولي ما رَمَوْه
بسهم، ولا حجر)). انتهى(٢)
.
وفيه الثناء على أهل عُمان، وبيان فضلهم، وأنهم أهلٌ يَحترمون من
جاءهم، ولا يُرى منهم إلا كلّ خير، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ رُه هذا من أفراد
المصنّف نَّثُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٧٤/٥٨] (٢٥٤٤)، و(أحمد) في ((فضائل
الصحابة)) (٨٣١/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٢٧/١٣)، و(ابن أبي عاصم)
في ((الآحاد والمثاني)) (٢٧٢/٤)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٣٤٢/٢)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٠١ - ٥٠٢.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٤/١، وقال الحافظ أبو بكر الهيثميّ في ((مجمع
الزوائد)» ٥٢/١٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير لِمَازة بن زَيّار وهو
ثقة، ورواه أبو یعلی کذلك. انتهى.

١٨٧
(٥٩) - بَابُ ذِكْرِ كَذَّابٍ ثَقِيفٍ، وَمُبِيرِهَا - حديث رقم (٦٤٧٥)
(٥٩) - (بَابُ ذِكْرِ كَذَّابٍ ثَقِيفٍ، وَمُبِيرِهَا)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٥] (٢٥٤٥) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي:
ابْنَ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيَّ - أَخْبَرَنَا الأَسْوَدُ بْنُ ثُمَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوْفَلِ: رَأَيْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُزُّ عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ،
حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ،
السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ
هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا
وَاللهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّاماً، قَوَّاماً، وَصُولاً لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا
لِأُمَّةٌ خَيْرٌ. ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ، وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ
إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي
بَكْرِ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لَتَأْتِيَنِّي، أَوْ لِأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مِنْ يَسْحَيُكِ
بِقُرُونِكِ، قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي
بِقُرُونِي، قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بَتَوَذَّفُ، حَتَّى دَخَلَ
عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ،
وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللّهِ ذَاتُ
النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ وَهِ، وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ
الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ الهِ نَّهـ
حَدَّثَنَا: ((أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّاباً، وَمُبِيراً))، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا
إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيّ) هو: عقبة بن مُكْرَم - بضم الميم، وسكون
الكاف، وفتح الراء - الْعُمِّيّ - بفتح العين المهملة، وتشديد الميم - أبو

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود الخمسين ومائتين (م د ت ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٠/٢٧.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ) هو: يعقوب بن إسحاق بن زيد
الحضرميّ مولاهم، أبو محمد المقرئ النحويّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار
[٩] (ت٢٠٥) (م د تم س ق) تقدم في ((البيوع)) ٤٢ / ٤٠٩٧.
٣ - (الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ) السَّدُوسيّ، أبو شيبان البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٦].
روي عن أبي نوفل بن أبي عَقْرب، وخالد بن سُمير، والحسن البصريّ،
وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مضارب، وجماعة.
وروى عنه ابن مهديّ، ووكيع، وأبو الوليد، وأبو داود الطيالسيان،
وعفان، وابن المبارك، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال العجليّ:
ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في الطبقة الرابعة، وقال الأثرم عن أحمد:
ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ في ((التمييز))، وقال محمد بن عوف: كان من عباد الله
الصالحين، كان يحج على ناقة له، ولا يتزود شيئاً، يشرب من لبنها، حتى
يرجع، ويرسلها ترعى، وقال ابن ماجه في ((الجنائز)) عقب حديث بشير بن
الخصاصية: حدّثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن عبد الله بن
عثمان قال: حديث جيّد، ورجل ثقة؛ يعني: الأسود بن شيبان.
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة (١٦٥).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (أَبُو نَوْفَلِ) ابن أبي عَقْرب الكِنانيّ الْعَرِبجيّ - بفتح العين المهملة،
وكسر الراء (١)، وبالُجيم - اسمه مسلم بن أبي عَقْرب، وقيل: عمرو بن مسلم بن
أبي عَقْرب، وقيل: معاوية بن مسلم بن أبي عقرب، ثقةٌ [٣].
(١) هكذا ضَبَطه في ((التقريب))، وهو مخالف لِضَبْط ابن الأثير، فإنه قال: الْعُرَيجي
بضمّ العين، وفتح الراء: نسبة إلى عُريج بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، منهم أبو
نوفل بن أبي عَقْرَب. انتهى. ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣٦/٢ - ٣٣٧.

١٨٩
(٥٩) - بَابُ ذِكْرِ كَذَّابٍ ثَقِيفٍ، وَمُبِيرِهَا - حديث رقم (٦٤٧٥)
رَوَى عن أبيه، أو جدّه أبي عقرب، وعائشة، وأسماء بنتي أبي بكر
الصديق، وعمرو بن العاص، والعبادلة الأربعة.
ورَوى عنه عبد الملك بن عمير، وعليّ بن زيد بن جُدعان، والأسود بن
شيبان، وابن جريج، وشعبة.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وسمّاه شعبة: معاوية بن عمرو، وقال: كنت آتيه أنا وأبو عمرو بن
العلاء، فاسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو عن العربية.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصديق زوج الزبير بن العوام، من كبار
الصحابة ، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين (ع)
تقدمت في ((الطهارة)) ٦٨١/٣٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وهو مسلسل بالبصريين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ) بفتح النون، وسكون الواو، تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً،
أنه قال: (رَأَيْتُ عَبَّدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ المقتول في
ذي الحجة سنة (٧٣هـ)، (عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ) متعلّق بـ((رأيت))، والمراد بالمدينة
هنا مدينة مكة، لا مدينة الرسول ◌َ *؛ لأن ابن الزبير ﴿ها إنما قُتل في مكة.
قال القرطبيّ كَّهُ: قول أبي نوفل: ((رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة
المدينة))؛ يعني: أنه رآه مصلوباً على خشبة على عقبة المدينة، صلبه الحجاج
بعد أن قُتل في المعركة منكساً، وكان من حديثه ما قد تقدَّم بعضه، وذلك أنه
لمّا مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ولم يولِّ أحداً، بقي الناس
لا خليفة لهم، ولا إمام مدّة قد تقدَّم ذِكرها، فعند ذلك بايع الناس لعبد الله بن
الزبير بمكة، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، وأهل اليمن، والعراق
وخراسان، وحجّ بالناس ثماني حجج، ثم بايع أهل الشام لمروان بن الحكم،

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
واجتمع عليه أهل الشام، ومصر، والمغرب، وكان ابن الزبير أَولى بالأمر من
مروان وابنه على ما قاله مالك - وهو الحقّ - لِعِلم ابن الزبير، وفضله، وبيته،
فجرت بينهم حروب وخطوب عظيمة، إلى أن تُوُفّي مروان، ووَلِي عبد الملك،
واستفحل أمره بالحجاج، فوجّه الحجاج إلى مكة في جيش عظيم، فحاصر فيها
عبد الله بن الزبير مدة ستة أشهر وسبعة عشر يوماً، ثم دخل عليه، فقُتل يوم
الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، وقيل: جمادى الآخرة، سنة
ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، قال المدائني: بويع له بالخلافة
سنة خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يُدْعَى باسم الخلافة، وقال غيره: بويع
له بالخلافة سنة أربع وستين، ثم بقي مصلوباً على خشبة إلى أن رحل عروة بن
الزبير إلى عبد الملك بن مروان، فرغب إليه أن ينزل الخشبة فأشفعه، فأُنزل،
قال ابن أبي مليكة: كنت أوّل من بشّر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من
الخشبة، فدعت بِمِركَن وشَبَّ يمان، وأمرتني بغسله، فكنا لا نتناول عضواً إلا
جاء معنا، وكنا نغسل العضو، ونضعه في أكفانه حتى فرغنا منه، وكانت أمه
أسماء تقول قبل ذلك: اللَّهُمَّ لا تُمِتني حتى تقرّ عيني بجُثّته، فما أتت عليها
جمعة حتى ماتت، وفي مدة صَلبه مرَّ به ابن عمر فقال: السلام عليك أبا
خبيب، كناه بابن له يسمَّى خبيباً، وكنيته الشهيرة أبو بكر. انتهى(١).
(قَالَ) أبو نوفل: (فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ)؛ أي: قبائل قريش؛ أي: نَفَر منهم،
(تَمُرُّ عَلَيْهِ)؛ أي: على جنازته، وهو مصلوب، وقوله: (وَالنَّاسُ) من عَظْف
العام على الخاصّ، (حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿َا (فَوَقَفَ
عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ) بحذف حرف النداء، وهو كنية عبد الله بن
الزبير.
قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((أبو خبيب)) بضم الخاء المعجمة، كنية ابن
الزبير، كُني بابنه خبيب، وكان أكبر أولاده، وله ثلاث كُنى، ذكرها البخاريّ
في ((التاريخ))، وآخرون: أبو خُبيب، وأبو بكر، وأبو بكير. انتهى (٢).
(السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ) كرّره لتأكيد التأسّف
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩٨/١٦.

١٩١
(٥٩) - بَابُ ذِكْرِ كَذَّابٍ ثَقِيفٍ، وَمُبِيرِهَا - حديث رقم (٦٤٧٥)
والحزن عليه، (أَمَا) بالتخفيف أداة استفتاح وتنبيه مثلُ ((ألا))، (وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ)
بضمّ التاء للمتكلّم، (أَنْهَاَكَ عَنْ هَذَا)؛ أي: عن سبب هذا، وهو تولّي الخلافة
مع منازعة الناس له، وقال النوويّ: أي: عن المنازعة الطويلة، (أَمَا وَاللهِ لَقَدْ
كُنْتُ أَنْهَاَكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاَ عَنْ هَذَا) كرّره أيضاً للتأكيد.
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: وقول ابن عمر: ((أما والله لقد كنت أنهاك عن
هذا))؛ أي: عن التعرض لهذا، وكأنه كان أشار عليه بالصلح، ونهاه عن قتالهم
لِمَا رأى من كثرة أعدائه، وشدَّة شوكتهم، ثم إنه شَهِد بما عَلِم من حاله،
فقال: أما والله إن كنتَ ما علمتُ صوَّاماً، وَصُولاً للرحم، وكان يصوم الدهر،
ويواصل الأيام، ويحيي الليل، وربما قرأ القرآن كله في ركعة الوتر.
و((إن)) التي مع ((كنت)) مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، تقديره: إنك
كنت، و((ما)) مع الفعل بتأويل المصدر.
(أَمَا وَ اللهِ إِنْ كُنْتَ) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَخُفِّفَتْ (إِنَّ)) فَقَلَّ الْعَمَلُ
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدًا
وَرُبَّما اسْتُغْنِيَ عَنْهَا(١) إِنْ بَدَا
تُلْفِهِ غَالِباً بِـ(إِنْ)) ذِي مُوصَلَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلَا
واسم ((إن)) محذوف؛ أي: إنك كنت.
وقوله: (مَا عَلِمْتُ) ((ما)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف
مقدّمٍ؛ أي: في علمي، والمعنى: أن الذي أعمله منك أنك كنت (صَوَّاماً،
قَوَّاماً) بفتح أولهما، وتشديد الواو فيهما؛ أي: كثير الصيام والقيام، (وَصُولاً
لِلرَّحِمِ) بفتح الواو، مبالغة واصل، قال القاضي عياض: هو أصحّ من قول من
بَخّله، ونسبه لذلك من أصحاب الأخبار؛ لإمساكه مال الله عمن لا يستحقّ،
وقد عدّه صاحب ((كتاب الأجواد)) فيهم، وهو الذي يُشبه أفعاله، وشيمته.
انتھی(٢).
(أَمَا وَاللهِ لِأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لِأَمَّةٌ خَيْرٌ) ويروى ((خيار))، قال النوويّ ◌َظَُّهُ:
هكذا هو في كثير من نسخنا: ((لأمة خير))، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة
(١) أي: كهذا الحديث.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٥٨٨/٧.

١٩٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
((صحيح مسلم))، وفي أكثر نُسخ بلادنا: (لأمة سوء))، ونقله القاضي عن رواية
السمرقنديّ، قال: وهو خطأ، وتصحيف. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَخْلَقُ: قوله: ((أما والله لأمةٌ أنت شرها لأمة خير))؛ يعني
بذلك: أنهم إنما قتلوه، وصلبوه؛ لأنَّه شر الأمة في زعمهم، مع ما كان عليه
من الفضل، والدِّين، والخير، فإذا لم يكن في تلك الأمة شرّ منه، فالأمة كلها
أمةُ خير، وهذا الكلام يتضمَّن الإنكار عليهم فيما فعلوه به. انتهى (٢).
(فَبَلَغَ
(ثُمَّ نَفَذَ)؛ أي: مضى، وذهب إلى حاجته، (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) فِّ
الْحَجَّاجَ) بن يوسف بن أبي عَقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، وقع
ذِكره في ((الصحيحين)) وغيرهما، وليس بأهل أن يُروَى عنه، وَلِيَ إمرة العراق
عشرين سنةً، ومات سنة خمس وتسعين(٣). (مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: وقوفه على
ابن الزبير، فالموقف مصدر ميميّ. (وَقَوْلُهُ)؛ أي: كلامه الذي سبق، ومخاطبته
لابن الزبير، وهو مصلوب، (فَأَرْسَلَ) الحجاج (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ابن الزبير من
يُنزله، ولم يُعرَف المرسل، (فَأَنْزِلَ) بالبناء للمفعول، (عَنْ جِذْعِهِ) بكسر الجيم،
وإسكان الذال المعجمة: أي: عن الخشب الذي صُلب فيه، وقال
الفيّوميّ كَُّهُ: ((الجِذْع)) بالكسر: ساق النخلة، ويُسمّى سهم السقف جِذْعاً،
والجمع ◌ُذُوعٌ، وأجذاعٌ (٤).
وقال القرطبيّ تَظُّهُ: قوله: ((فبلغ الحجاج موقف عبد الله ... إلخ))،
ظاهر هذا أنه إنما أنزله عن الخشبة لقول عبد الله وموقفه، وقد نقلنا: أن إنزاله
كان عن سؤال عروة لعبد الملك في ذلك، فيجوز أن يكون اجتمع إذن
عبد الملك، وموقف عبد الله، فكان إنزاله عنهما. انتهى(٥).
(فَأَلْقِيَ) بالبناء للمفعول أيضاً، (فِي قُبُورِ الْيَهُودِ)؛ أي: في المكان الذي
يُدفن فيه اليهود، وهو الحَجون، (ثُمَّ أَرْسَلَ) الحجاج (إِلَى أُمِّهِ)؛ أي: أم
عبد الله بن الزبير (أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ ﴿َا، (فَأَبَتْ) أسماء ◌ِ﴿ّا (أَنْ
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٩/١٦.
(٣) ((التقريب)) ص٦٥.
(٥) ((المفهم)) ٥٠٤/٦.
(٢) («المفهم)) ٥٠٣/٦ - ٥٠٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ١ / ٩٤.

١٩٣
(٥٩) - بَابُ ذِكْرِ كَذَّابٍ ثَقِيفٍ، وَمُبِيرِهَا - حديث رقم (٦٤٧٥)
تَأْتِيَهُ)؛ أي: الحجّاج، (فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ) لم يُعرف اسمه، (لَتَأْتِيِنِّي) جواب
قَسَم مقدّر؛ أي: والله لتأتينيّ (أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مِنْ يَسْحَيُكِ) من باب نفع؛ أي:
يجرّك (بِقُرُونِكِ)؛ أي: بضفائر شعرك. (قَالَ) أبو نوفل (فَأَبَتْ)؛ أي: امتنعت
أسماء من المجيء إليه، (وَقَالَتْ: وَاللهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي
بِقُرُونِي، قَالَ) أبو نوفل: (فَقَالَ) الحجّاج: (أَرُونِي سِبْتَيَّ) تثنية سِبْتٍ، بكسر
السين المهملة، وسكون الموحّدة، آخره مثنّاة فوقيّة، وهي النعل التي لا شَعْر
عليها. (فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ)؛ أي: وهما السبتيتان، (ثُمَّ انْطَلَقَ)؛ أي: ذهب الحجّاج
(يَتَوَذَّفُ) بالواو، والذال المعجمة، والفاء، قال أبو عبيد: معناه: يُسرع، وقال
أبو عمر: معناه: يتبختر (حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ
بِعَدُوِّ اللهِ؟) هذا من جرأة الحجّاج على الصحابيّ الجليل عبد الله بن الزبير .
ومن افترائه عليه، والحقّ ما سبق عن ابن عمر ﴿يَا أنه كان صوّاماً قوّاماً،
وَصولاً للرحم. (قَالَتْ) أسماء ﴿ُّ: (رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ) حيث قتلته،
(وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ) حيث ارتكبت إثماً بقتل بريء مما اتّهمته به، فإنه هو
الأحقّ بالخلافة؛ لِسَبْقه بالمبايعة، وإنما خرج عليه بنو أميّة، فغلبوه، وقتلوه،
قالت أسماء ◌ُها: (بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ) بكسر النون،
قال العلماء: النطاق أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تَشُدّ وسطها بشيء، وترفع وسط
ثوبها، وترسله على الأسفل، تفعل ذلك عند معاناة الأشغال؛ لئلا تَعْثُر في
ذيلها، قيل: سُمّيت أسماء ذات النطاقين؛ لأنها كانت تطارق نطاقاً فوق نطاق،
وهذا غير صحيح، والأصح أنها سُمّيت بذلك؛ لأنها شَقّت نطاقها الواحد
نصفين، فجعلت أحدهما نطاقاً صغيراً، واكتفت به، والآخر لسفرة النبيّ وَّر،
وأبي بكر ◌ُه، كما صرّحت به في هذا الحديث هنا، وفي البخاريّ، ولفظ
البخاريّ أوضح من لفظ مسلم، قاله النوويّ كَُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أخرج البخاريّ ◌َُّ عن فاطمة، عن أسماء
قالت: صنعت سُفرة رسول الله وَ﴿ في بيت أبي بكر، حين أراد أن يهاجر إلى
المدينة، قالت: فلم نجد لسفرته، ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر:
(١) (شرح النوويّ)) ٩٩/١٦ - ١٠٠.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والله ما أجد شيئاً أربط به إلا نطاقي، قال: فشقِّيه باثنين، فاربطيه بواحد
السقاء، وبالآخر السُّفْرة، ففعلتُ، فلذلك سميت ذات النطاقين. انتهى (١).
وأخرج البخاريّ أيضاً عن وهب بن كيسان، قال: كان أهل الشام
يُعَيِّرون ابن الزبير يقولون: يا ابن ذات النطاقين، فقالت له أسماء: يا بُنَيّ إنهم
يعيّرونك بالنطاقين، هل تدري ما كان النطاقان؟ إنما كان نطاقي، شققته
نصفين، فأوكيت قربة رسول الله سر بأحدهما، وجعلت في سُفرته آخر، قال:
فكان أهل الشام إذا عيّروه بالنطاقين يقول:
إيهاً، والإللهِ، تِلْكَ شَكَاءٌ (٢)
ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا(٣)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ذات النطاق)) بكسر النون، وللكشميهنيّ:
((النطاقين)) بالتثنية، والنطاق ما يُشَدّ به الوسط، وقيل: هو إزار فيه تِكّة، وقيل:
هو ثوب تلبسه المرأة، ثم تشدّ وسطها بحبل، ثم ترسل الأعلى على الأسفل،
قاله أبو عبيد الهرويّ، قال: وسُمّيت ذات النطاقين؛ لأنها كانت تجعل نطاقاً
على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان، تلبس أحدهما، وتجعل في الآخر الزاد.
انتهى، والمحفوظ أنها شقّت نطاقها نصفين، فشدّت بأحدهما الزاد، واقتصرت
على الآخر، فمن ثَمَّ قيل لها: ذات النطاق، وذات النطاقين، فالتثنية والإفراد
بهذين الاعتبارين، وعند ابن سعد من حديث الباب: ((شقّت نطاقها، فأوكأت
بقطعة منه الجراب، وشدّت فم القربة بالباقي، فسُمّيت ذات النطاقين)).
انتھی (٤).
(أَنَا وَاللّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ وََّ،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٠٨٧/٣.
(٢) قوله: ((شكاة)) بفتح الشين المعجمة، ومعناها: رفع الصوت بالقول القبيح. وقوله:
((ظاهر)) معناه أنه ارتفع عنك، ولم يعلق بك، من الظهور، والصمود على أعلى
الشيء. انتهى. ((عمدة القاري)) ٣٧/٢١.
(٣) هذا عجز بيت من الطويل لأبي ذؤيب الهُذليّ، وصدره:
وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا
(٤) ((الفتح)) ٢٣٦/٧.

١٩٥
(٥٩) - بَابُ ذِكْرٍ گَذَّابٍ ثَقِیفٍ، وَمُبِیرِهَا - حديث رقم (٦٤٧٥)
وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ) الظاهر أن معناه أنها كانت تربط طعامهما ببعض
نطاقها؛ لتمنعه من الدوابّ، لئلا تأكله لو وجدته غير مربوط.
وشرحه بعض الشارحين(١) بغير هذا، فقال: ((من الدوابّ))؛ أي: على
جنس الدواب؛ أي: على راحلتهما، فـ(من)) بمعنى ((على))، والمراد بالدوابّ:
الجنس الصادق بدابتين. انتهى، ولا يخفى ما فيه من التكلّف، فتأمل، والله
تعالى أعلم.
وقال الأبيّ كَُّ: لَمّا عرّض الحجّاج بمهانتها؛ لأن التي تنتطق؛ أي:
تتحزّم إنما هي الخادم؛ لتقوى على الخدمة أجابته بأن أحدهما الذي لا بدّ
للمرأة منه، والآخر الذي يحزم به على السفرة التي فيها طعام رسول الله وَلي؛
لتُخفيه عن الباحث عنه، كالذي يتحزّم به على شيء ليخفيه، وفي خدمتها من
الشرف ما فيها. انتهى (٢).
(وَأَمَّا) النطاق (الآخَرُ، فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ)؛ أي: إن عادة
المرأة أن تتنطّق به، فلا عار عليّ فيهما.
(أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) بكسر همزة ((إن))؛ لوقوعها
في ابتداء الكلام، كما قال في «الخلاصة)):
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(حَدَّثَنَا: أَنَّ فِي ثَقِيفٍ) بفتح الثاء المثلّثة، وكسر القاف: أبو قبيلة
معروفة، وهو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن
خصفة بن قيس بن عيلان، وقيل: إن اسم ثقيف قسي، نزلوا الطائف،
وانتشروا في البلاد في الإسلام، قاله في ((اللباب))(٣). (كَذَّابً)؛ أي: مبالغاً في
الكذب، حيث ادّعى النبوّة، (وَمُبِيراً) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الإبارة،
وهو الإهلاك؛ أي: مهلكاً للناس، (فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ) تعني به المختار بن
أبي عُبيد الثقفيّ، كان شديد الكذب، ومن أقبحه: أنه ادَّعى أن جبريل ◌ِلَّلا
(١) راجع: ((شرح الشيخ الهرريّ)) ٢٥١/٢٤.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٣٦٨/٥.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٤٠/١.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يأتيه، قال النوويّ: واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا: المختار بن
أبي عبيد، وبالمبير: الحجاج بن يوسف، والله أعلم(١).
(وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ) بفتح الهمزة، وكسرها، وهو أشهر، ومعناه: وما
أظنّك، وقال القرطبيّ: كسر همزة ((إخالك)) لغة فصيحة، والفتح الأصح
والقياس(٢). (إِلَّا إِيَّاهُ) قال القرطبيّ: وكذلك كان الحجاج؛ فإنه رُوي أنه
أُحصي من قتله الحجاج صبراً، فوجدوهم ثلاثين ألفاً، وأما من قُتل في
الحروب فلم يحصوا .
وأما الكذاب فهو: المختار بن أبي عبيد الثقفيّ، فإنَّه ادَّعَى النبوة، وتبعه
على ذلك خلق كثير حتى قتله الله تعالى كما تقدم. انتهى(٣).
(قَالَ) أبو نوفل: (فَقَامَ) الحجّاجِ (عَنْهَا)؛ أي: عن مجلس أسماء ◌َّا،
(وَلَمْ يُرَاجِعْهَا)؛ أي: لم يردّ عليها شيئاً مما قالته؛ لأنه يرى أنها صادقة فيما
أخبرت به عن النبيّ وَّ، وعن شأنها المتعلّق بنطاقها.
وقال القرطبيّ: قوله: ((فلم يراجعها)) قد حُكي عنه أنه قال: اللَّهُمَّ مبيرٌ،
لا كذّاب. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﴿ هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٧٥/٥٩] (٢٥٤٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٢٨/١ و٢٦٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٥١/٦ و٣٥٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٥٣/٣)، و(أبو نعيم) في ((الحلية))
(٥٧/٢) و((طبقات المحدّثين بأصبهان)) (١٩٧/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(١٠٣/٢٤)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٩٥/٤٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/١٦.
(٣) ((المفهم)) ٥٠٤/٦.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٥/٦.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٥٠٥.

١٩٧
(٦٠) - بَابُ فَضْلِ فَارِسَ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب السلام على الميت في قبره وغيره، وتكرير
السلام ثلاثاً، كما كرر ابن عمر
٢ - (ومنها): الثناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان مَعْلَم من أعلام النبوّة، ومعجزة ظاهرة، حيث
أخبر ◌َ ﴿ بأن في ثقيف سيكون كذّاب، ومُبير، فوقع كما أخبر ◌َّه.
٤ - (ومنها): بيان فضل، ومنقبة عبد الزبير ﴿ا، فإنه كان صوّاماً،
قوّاماً، وصولاً للرحم، ثم قُتل أخيراً مظلوماً، كما شهد له بذلك الصحابيّ
الجليل ابن عمر ، لا كما زعمه الحجاج المبير بأنه عدو الله، سبحانك هذا
بهتان عظيم.
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لابن عمر ﴿هَا لقوله بالحقّ في الملأ، وعدم
اكترائه بالحَجّاج؛ لأنه يعلم أنه يبلغه مقامه عليه، وقوله، وثناؤه علیه، فلم
يمنعه ذلك أن يقول الحقّ، ويشهد لابن الزبير بما يعلمه فيه من الخير، وبطلان
ما أشاع عنه الحجاج من قوله: إنه عدو الله، وظالم، ونحوه، فأراد ابن
عمر تها براءة ابن الزبير ﴿ه من ذلك الذي نَسَبه إليه الحجاج، وأعْلَمَ الناس
بمحاسنه، وأنه ضدّ ما قاله الحجاج، ومذهب أهل الحقّ أن ابن الزبير كان
مظلوماً، وأن الحجاج ورِفْقته كانوا خوارج عليه، قاله النوويّ ◌َُّهُ(١)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٠) - (بَابُ فَضْلِ فَارِسَ)
قال في ((الفتح)): اختَلَف أهل النسب في أصل فارس، فقيل: إنهم ينتهي
نسبهم إلى جيومرت، وهو آدم، وقيل: إنه من ولد يافث بن نوح، وقيل: من
ذرية لاوي بن سام بن نوح، وقيل: هو فارس بن ياسور بن سام، وقيل: هو
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٨/١٦ - ٩٩.

١٩٨
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
من ولد هدرام بن أرفخشد بن سام، وقيل: إنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم، والأول أشهر الأقوال عندهم، والذي يليه أرجحها عند
غیرهم. انتھی.
وقال في ((الفتح)) أيضاً: قيل: إنهم من ولد هدرام بن أرفخشد بن سام بن
نوح، وإنه وَلَد بضعة عشر رجلاً كلهم كان فارساً شجاعاً، فسُمُّوا الفرس
للفروسية، وقيل في نسبهم أقوال أخرى، وقال صاعد في ((الطبقات)): كان
أولهم على دين نوح، ثم دخلوا في دين الصابئة في زمن طمهورث، فداموا
على ذلك أكثر من ألفي سنة، ثم تمجّسوا على يد زرادشت. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٦] (٢٥٤٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَّا مَعْمَرٌ، عَنْ جَعْفَرِ الْجَزَرِيِّ،
عَنِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عُنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ
عِنْدَ الثُّرَّيًّا، لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَوْ قَالَ: مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (جَعْفَرٌ الْجَزَرِيُّ) هو: جعفر بن بُرْقان - بضم الموحدة، وسكون
الراء، بعدها قاف - الكلابيّ، أبو عبد الله الرَّقّيّ، ثقة يَهِم في حديث الزهريّ
[٧] (١٥٠) وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ، أبو عوف
الكوفيّ، نزيل الرّفّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين غيّا، يقال: له رؤية،
ولا يَثْبت، وهو ثقة [٣] (ت١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
والباقون كلهم تقدّموا قريباً، وشرح الحديث يأتي بعده.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: اِبْنَ
مُحَمَّدٍ - عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ
(١) ((الفتح)) ٦٩٨/١٠ - ٦٩٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩٧).

١٩٩
(٦٠) - بَابُ فَضْلِ فَارِسَ - حديث رقم (٦٤٧٧)
الَّبِيِّ ◌َّهِ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ((سُورَةُ الْجُمُعَةِ))، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمّْ﴾
الآية [الجمعة: ٣] قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ وَِّ حَتَّى
سَأَلَهُ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاناً، قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ وَول
يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: (لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَّيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاء))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبيد الدّراوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم
المدنيّ، صدوق كان يحدّث من كُتُب غيره، فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن
عبيد الله العمري منكر [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (َوْرٌ) بِاسْم الحيوان المعروف، ابن زيد الدِّيليّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]
(ت١٣٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٩/٤٠.
٤ - (أَبُو الْغَيْثِ) سالم مولى ابن مطيع المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٦٩/٤٠.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَة) تَ لُله، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّهُ، وأنه مسسلسل بالمدنيين غير شيخه،
فبغلانيّ، وفيه أبو هريرة ربه أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: كُنَّا جُلُوساً) بضمّ الجيم جَمْع جالس،
(عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهَ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فنزلت عليه)) ((سُورَةُ
الْجُمُعَةِ))، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ ◌ِمَ﴾ الآية [الجمعة: ٣]) ولفظ
البخاريّ: ((فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمْ)))، قال
في ((الفتح)): كأنه يريد: أُنزلت عليه هذه الآية من ((سورة الجمعة))، وإلا فقد
نزل منها قبل إسلام أبي هريرة ﴿ه الأمر بالسعي(١).
(١) ((الفتح)) ٦٩٧/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩٧).

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال القرطبيّ ◌َُّ: قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾؛ هو
مخفوض معطوف على ﴿الْأَمِينِ﴾، ويجوز أن يكون منصوباً معطوفاً على
الضمير في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾، و﴿لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾: أي: لم يدخلوا في الإسلام،
ولم یوجدوا، وسیوجدون.
وأحسن ما قيل فيهم: أنهم أبناء فارس بدليل نصّ هذا الحديث، وقد
كثرت أقوال المفسرين في ذلك، وقد ظهر ذلك للعيان، فإنهم ظهر فيهم
الدِّين، وكَثُرت فيهم العلماء، فكان وجودهم كذلك دليلاً من أدلة صدق
النبيّ وَِّ. انتهى(١).
قال في ((التكملة)): المقصود أن رسول الله وَ ليل مبعوث إلى من كان في
زمنه من الأميين، وإلى من يجيئون بعدهم، ولا يرونه، فرسالته لل شاملة
لجميع الأمة، وخَصّ وَ ل﴿ منهم بالذّكر أهل فارس لمزيّتهم في طلب العلم
والدین. انتهى(٢).
(قَالَ رَجُلٌ) لم يُسمّ: (مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللهِ؟) وفي رواية الترمذيّ:
((فقال رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟)) (فَلَمْ يُرَاجِعْهُ
النَّبِيُّ ◌َّهِ)؛ أي: لم يردّ ◌َ ◌ّ على السائل جوابه، (حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنٍ، أَوْ
ثَلَاثاً) وفي رواية البخاريّ: ((فلم يراجعه حتى سأل ثلاثاً)، فقال في ((الفتح)):
أي: لم يراجع النبيّ وَّ؛ أي: لم يُعِد عليه جوابه حتى سأله ثلاث مرات،
ووقع ذلك صريحاً في رواية الدراوَرْديّ قال: ((فلم يراجعه النبيّ ◌َّ حتى سأل
مرتين، أو ثلاثاً))، وفي رواية ابن وهب عن سليمان بن بلال: ((حتى سأله
ثلاث مرات)) بالجزم، وكذا في رواية عبد الله بن جعفر. انتهى (٣).
(قَالَ) أبو هريرة: (وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) أبو عبد الله، ويقال له: سلمان
الخير، الصحابيّ الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رَامَهُرْمُز، أول مشاهده
الخندق، مات سنة أربع وثلاثين، يقال: بلغ ثلاثمائة سنة، تقدّمت ترجمته في
تقدم في ((الطهارة)) ١٧/ ٦١٢.
(١) ((المفهم)) ٥٠٥/٦.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٣٢٤/٥.
(٣) ((الفتح)) ٦٩٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٨٩٧).