Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (٥٤) - بَابُ قَوْلَِّهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٥٨) أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٠] قال الزمخشريّ: المعنى: أخبروني، ومتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: من تدعون؟ ثم بكّتهم، فقال: ﴿أَغَيْرَ أَللَّهِ تَدْعُونَ﴾. انتهى. قال: وإنما أوردت هذا؛ لأن بعض الناس نقل كلام الزمخشريّ في الآية إلى هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنه جعل التقدير: أخبروني ليلتكم هذه، فاحفظوها، وليس ذلك مطابقاً لسياق الآية. انتهى كلام الحافظ في ((الفتح))(١). (فَإِنَّ عَلَى رَأْسٍ مِائَةٍ سَنَةٍ) اسم ((إنّ)) ضمير الشأن مقدّراً، وخبرها جملة قوله: ((لا يبقى ... إلخ))، وقوله: (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الليلة، وقد استَدَلّ بعض اللغويين بقوله: ((منها)) أن ((مِنْ)) تكون لابتداء الغاية في الزمان، كمنذ، وهو قول الكوفيين، وقال البصريون: لا تدخل ((من)) إلا على المكان، و((منذ)) في الزمان نظيرة ((من)) في المكان، وتأولوا ما جاء بخلافه، واحتج من نصر قول الكوفيين بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وبقول عائشة ﴿ها: ((ولم يجلس عندي من يوم قيل فِيّ ما قيل))، وقول أنس ربه: ((وما زلت أحب الدباء من يومئذ))، وقول بعض الصحابة ه: ((مُطرنا من الجمعة إلى الجمعة)). وأجاب أبو علي الفارسيّ عن قوله: ﴿مِنْ أَّلِ يَوْمٍ﴾ بأن التقدير: من تأسيس أول يوم، وضعّفه بعضهم بأن التأسيس ليس بمكان، وقال الزمخشريّ: التقدير: من أول يوم من أيام وجوده، وهذا جنوح إلى مذهب الكوفيين، ذَكَره في ((العمدة)(٢). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى رجحان مذهب الكوفيين في هذه المسألة؛ لوضوح أدلّته، فتأمله بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق. ومعنى قوله: ((فإن على رأس)): أي: عند انتهاء مائة سنة، والله تعالى أعلم. (لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ)؛ أي: الآن موجوداً، (أَحَدٌ))) إذ ذاك، قال ابن بطال: إنما أراد رسول الله و 8* أن هذه المدة تخترم الجيل الذي (١) ((الفتح)) ٣٦٩/١، كتاب ((العلم)) رقم (٣٦٩ - ٣٧٠). (٢) ((عمدة القاري)) ١٧٦/٢ - ١٧٧. ١٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ هم فيه، فَوعَظهم بقِصَر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة. انتهى(١). وقال النوويّ: المراد: أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعد هذه الليلة أكثر من مائة سنة، سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مائة سنة. انتهى(٢). (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ◌ِّهَا: (فَوَهَلَ النَّاسُ) قال الجوهريّ: وَهَل من الشيء، وعن الشيء: إذا غَلِط فيه، ووهَل إليه بالفتح: إذا ذهب وَهْمه إليه، وهو يريد غيره، مثل وَهِم، وقال الخطابيّ: أي: توهّموا، وغَلِطوا في التأويل(٣). وقال النوويّ: معناه: غَلِطُوا، يقال: وَهَل - بفتح الهاء - يَهِل - بكسرها - وَهْلاً - بسكونها -، مثل ضرب يضرب ضرباً؛ أي: غَلِط، وذهب وَهْمه إلى خلاف الصواب، وأما وَهِلت - بكسرها - أَوْهَل - بالفتح - وهَلاَّ - بالتحريك أيضاً، كحَذِرت أحذَر حَذَراً، فمعناه: فَزِعتُ، والوهل - بالفتح: الفزع، وضَبَطه النوويّ بالتحريك، وقال: الوهل بالتحريك معناه الوهم، والاعتقاد، وأما صاحب ((النهاية))، فجزم أنه بالسكون(٤). وقال الفيّوميّ ◌َتُهُ: وَهِلَ وَهَلاً، فهو وَهِلٌ، من باب تَعِب: فَزِع، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: وَهَّلْتُهُ، والوَهْلَةُ: الفزعة، ووَهِلَ عن الشيء، وفيه وَهَلاَ، من باب تَعِب أيضاً: غَلِط فيه، ووَهَلْتَ إليه وَهْلاً، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثل وَهَمْتُ، ولقيته أوّلَ وَهْلَةِ: أي: أول كل (٥) شيء. انتھی(٥) . وقال القرطبيّ كَُّهُ: الرواية الصحيحة: وَهَل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد: يريد: غَلِط، يقال: وَهَل إلى الشيء يَهِل، ووَهَمَ إلى الشيء يَهِم، وَهْلاً، ووَهْماً. قال أبو زيد: وَهِلَ في الشيء، وعن الشيء يَوْهَل وَهَلاً: إذا غَلِط فيه، وسها، ووَهَلت إليه - بالفتح - وَهْلاً: إذا ذهب وَهْمك إليه، وأنت تريد غيره، (١) ((شرح ابن بطال على البخاريّ)) ١/ ١٩٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩٠/١٦. (٤) ((الفتح)) ٤٢٢/١٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٩٧/٥. (٥) ((المصباح المنير)) ٦٧٤/٢. ١٢٣ (٥٤) - بَابُ قَوْلِ وَهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٥٨) قال: وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في ((وَهِل)) الذي في هذا الحديث كسر الهاء؛ لأنَّه هو الذي يتعدى بـ((في))، ويشهد له المعنى، وأما وَهَل - بالفتح - فيتعدى بـ((إلى))، والمعنيان متقاربان، ويمكن أن يقال: إن ((وَهَل في الشيء)) فيه لغتان: الفتح، والكسر، والله أعلم. انتهى(١). (فِي مَقَالَةٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: في حديثه، وقوله: (تِلْكَ) نعتٌ لـ((مقالة))، أو بدل، أو عطف. (فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ) ولفظ البخاريّ: ((إلى ما يتحدّثون))، (مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةٍ سَنَةٍ)؛ أي: حيث تؤولونها بهذه التأويلات التي كانت مشهورة بينهم، مشاراً إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة، مثل إن المراد بها: انقراض العالم بالكلية ونحوه؛ لأن بعضهم كان يقول: إن الساعة تقوم عند انقضاء مائة سنة، كما روى ذلك الطبرانيّ وغيره، من حديث أبي مسعود البدريّ ظُه، ورَدّ عليه علي بن أبي طالب (وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْبَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ))، يُرِيدُ)؛ أي: يريد النبيّ وَّرِ (بِذَلِكَ)؛ أي: بقوله هذا، (أَنْ يَنْخَرِمَ)؛ أي: ينقطع، وينقضي (ذَلِكَ الْقَرْنُ)؛ أي: القرن الذي هو فيه، والقرن بفتح القاف، وسكون الراء: كل طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كل مدّة، أو طبقة بُعث فيها نبيّ: قرن، قَلّت السنون، أو كثرت، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى في شرح قوله ◌َلي: ((خير الناس قرني))، ولله الحمد والمنّة. وفي رواية البخاريّ: ((أنها تخرم ذلك القرن)): أي: أن مضيّ مائة سنة يَخْرِم أهل ذلك القرن؛ أي: يقطعه، من الخرم بالخاء المعجمة، من باب ضرب، يقال: خرمت الشيء: إذا قطعته. وغَرَضُ ابن عمر ◌ًَّا؛ أن الناس ما فَهِموا ما أراد رسول الله وَلخير من هذه المقالة، وحملوها على محامل كلها باطلة، وبيَّن أن رسول الله و لو أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك، وهو القرن الذي كان هو فيه بأن تنقضي أهاليه، ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكلية، وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضُبط عمره ممن كان (١) ((المفهم)) ٤٩١/٦ - ٤٩٢. ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رةـ موجوداً حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة ظه، وقد أجمع أهل الحديث على موتاً، وغاية ما قيل فيه: إنه بقي إلى سنة عشر أنه كان آخر الصحابة ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبيّ وَّ، وهذا إعلام من رسول الله وكلهم بأن أعمار أمته ليست تطول كأعمار من تقدم من الأمم السالفة؛ ليجتهدوا في العمل(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٥٨/٥٤ و٦٤٥٩] (٢٥٣٧)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (١١٦) و((مواقيت الصلاة)) (٥٦٤ و٦٠١)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣٤٨)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٥٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣/ ٤٤١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّه)) (٢٧٥/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٨/٢ و١٢١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٧٨/١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٨٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٥٣/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبي ◌َّ بانخرام قرنه خلال مائة سنة، فوقع كما أخبر رَلات . ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ وغيره: احتجّ البخاريّ، ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر فظلّ*، والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكني البحر، فلم يدخل في الحديث، قالوا: ومعنى الحديث: لا يبقى ممن ترونه، أو تعرفونه، فهو عام أريد به الخصوص، وقيل: احترز بالأرض عن الملائكة، وقالوا: خرج عيسى لِلّا من ذلك، وهو حيّ؛ لأنه في السماء، لا في الأرض، وخرج إبليس؛ لأنه على الماء، أو في الهواء، وأبْعَدَ من قال: إن اللام في الأرض عهدية، والمراد: أرض المدينة، (١) ((عمدة القاري)) ٩٧/٥. ١٢٥ (٥٤) - بَابُ قَوْلِن ◌َّهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ)) - حديث رقم (٦٤٥٨) والحقّ أنها للعموم، وتتناول جميع بني آدم، وأما من قال: المراد أمة محمد ﴾، سواء أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وخرج عيسى والخضر؛ لأنهما ليسا من أمته، فهو قول ضعيف؛ لأن عيسى يحكم بشريعته ويصل *، فيكون من أمته، والقول في الخضر إن كان حيّاً كالقول في عيسى، والله أعلم، قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق القول في حياة الخضر ◌ِلَّلا، وموته في فضائله، وأن الراجح القول بموته، وهو مذهب البخاريّ والمحقّقين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان قِصر أعمار أمته وَلهو، حيث إن معظمهم لا يتجاوز مائة سنة، بل جاء قلّة من يتجاوز السبعين، فقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وليته: ((أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين، وأقلّهم من يَجُوز ذلك)). ٤ - (ومنها): أنَّ فيه جواز الحديث بعد العشاء، وأما الحديث المتّفق عليه أنه * كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، فمحمول على ما لا ينبغي من الكلام، وكان ابن سيرين، والقاسم، وأصحابه يتحدثون بعد العشاء؛ أي: في الخير، وقال مجاهد: يُكره السَّمَر بعد العشاء إلا لمصلّ، أو لمسافر، أو دارس علم، أفاده في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما كتبه القرطبيّ تَُّ من البحث في هذا الحديث، قال تَخْتُ: هذا الحديث رواه مسلم من طريقين، ذَكَر الأول منهما متصلاً، ثم أردف عليه سنداً آخر فيه انقطاع، ولا يُعْتب عليه في ذلك؛ إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع. وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر ﴿يا؛ إذ لم يفهم معناه، فردَّه بأن قال: حديث منقطع، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه، ثم لو سُلِّم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب (١) ((الفتح)) ٣٨٩/٢، كتاب ((مواقيت الصلاة)) رقم (٦٠١). (٢) ((عمدة القاري)) ٥/ ٩٧. ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة صحيحان، فما قوله فيه؟ وقد رفع الصحابي - أعني: ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله: أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، بل: قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه، فقال: ((ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مئة سنة، وهي حيةٌ يومئذ)»، وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السقاية - حيث فسَّره: بنقص العمر، وحاصل ما تضمّنه هذا الحديث: أنه * أخبر قبل موته بشهر: أن كل من كان من بني آدم موجوداً في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مئة سنة؛ وإنَّما قلنا: إنه أراد بني آدم؛ لأنَّه قال: (من نفس منفوسة))، ولا يتناول هذا الملائكة، ولا الجنّ؛ إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل؛ إذ قال فيه: ((ممن هو على ظهر الأرض أحد))، وهذا إنما يقال بأصل وَضْعه على من يعقل، فتعيّن: أن المراد بنو آدم. وقد استَدَلّ بعضُ الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول: إن الخضر حيّ بعموم: ((ما من نفس منفوسة)) فإنَّه من أنصّ صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حَجَّة فيه يقينية؛ لأنَّ العموم - وإن كان مؤكداً للاستغراق - فليس نصّاً فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لا سيما والخضر وإن كان حيّاً - كما يقال - فليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ظلّا؛ فإنه لم يمت، ولم يُقتل، فهو حيّ بنص القرآن، ومعناه. وكما لم يتناول الدجال مع أنه حيّ بدليل حديث الجساسة على ما يأتي؛ فإن قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى؛ لأنَّ الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأنَّ المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض، كما نص عليه في حديث ابن عمر. فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه؛ فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي ها هنا للعهد؛ لأنَّ الأرض التي يخاطبون بها، ويخبرون عن الكون فيها: هي أرض العرب، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالباً، دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند، مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال. وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس ١٢٧ (٥٤) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَّةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ؟ - حديث رقم (٦٤٥٩) لكلامه حاصل، ولا مفهوم. وسيأتي القول على قوله وَّيقول: ((إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة)) في آخر ((كتاب الفتن)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٥٩] (.) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ مَعْمَرٍ، كَمِثْلِ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الْحَكَم بن نافع الْبَهْرانيّ، الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٤ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريباً. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ) الْفَهْميّ، أمير مصر، صدوقٌ [٧] (ت١٢٧) (خ م مد ت س) تقدم في ((الحدود)) ٤٤١٣/٥. و «الزهريّ)) ذُكر قبله. وقوله: (وَرَوَاهُ اللَّيْثُ ... إلخ) هذا يسمّى تعليقاً، حيث لم يذكر مسلم الواسطة بينه وبين الليث، وسيأتي في التنبيه أن البخاريّ وصله، وقد أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الأثر)) إلى التعليق، بقوله: مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُظْلَقُ وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقُ (١) ((المفهم)) ٤٨٩/٦ - ٤٩٠. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذٍ وَفِي ((الصَّحِيحِ)) ذَا كَثِيرٌ فَالَّذِي وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلَا تُوهِنْهُ صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ ثم إن الرواية المعلّقة هذه لا تضرّ بصحّة الحديث؛ لأن مسلماً أوردها متابعة لطريق أبي اليمان عن شعيب، قال الحافظ رشيد الدين العطّار ◌َّتُهُ في ((غرره)): فإذا انقطعت طريق الليث عن عبد الرحمن عند مسلم في هذا الحديث، فقد بقيت طريق أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة سالمة متصلةً؛ لأن كل واحد منهما يرويه عن الزهري، وعبد الرحمن بن خالد ليس من شرط الإمام مسلم(١)، فلا لزوم عليه في الإخراج له، على أن طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد التي أوردها مسلم بقوله: ورواه الليث ... إلخ، وَرَدَتْ في ((صحيح البخاريّ)) من طريق متصلة، وهي قوله: حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر ... الحديث، ثم إن الحديث أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وأحمد، والترمذيّ، وقال: هذا حديث صحيح. انتهى كلام رشيد الدين العطّار تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ(٢)، والله تعالى أعلم. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لشعيب، وعبد الرحمن بن خالد. [تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٧٦) - حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبيّ وَ ﴿ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سَلَّم قام النبيّ وَّ، فقال: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر (١) بل أخرج له تعليقاً، ومتابعةً في موضعين، هذا الحديث، وحديث في، كتاب ((الحدود))، فتنبه. (٢) ((غرر الفوائد)) ١٦٥/١، وتقدّم كلام العطار هذا في ((شرح المقدّمة)) ٩٨/١. ١٢٩ (٥٤) - بَابُ قَوْلِ ﴿: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ؟ - حديث رقم (٦٤٦٠) الأرض أحدٌ))، فوَهَل الناس في مقالة رسول الله وهو إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبيّ ◌َّ ر: ((لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض)) يريد بذلك أنها تَخْرِم ذلك القرنَ. انتهى(١). ورواية عبد الرحمن بن خالد عن الزهريّ المعلّقة ساقها البخاريّ تَخْشُهُ أيضاً فقال: (١١٦) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا النبيّ وَّر العشاء في آخر حياته، فلما سَلّم قام، فقال: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ». انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٠] (٢٥٣٨) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ﴿ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: ((تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَأَقْسِمُ بِاللهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمِصِّيصيّ، أبو محمد ترمذيّ الأصلِ، نزل بغداد، ثم المصِّيصَة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] مات ببغداد سنة ست ومائتين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((ابن جريج)) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، و((أبو الزبير)) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٦/١. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ٥٥. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف رََّلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، فزالت تهمة التدليس عن ابن جريج، وأبي الزبير، فإنهما مدلّسان، وفيه جابر ظُبه من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َه عن أبي الزُّبَيْرِ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: ((تَسْأَلُونِي) الخطاب للصحابة ﴿ه، (عَنِ السَّاعَةِ)؛ أي: قيامها، ومتى وقتها، (وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ) هو كقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُنْسَنِهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا ◌ِندَ رَبِّ لَا يُحِيهَا لِوَقِهَاٌ إِلَّا هُوْ نَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْنَةُ يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَاً قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٧]. (وَأُقْسِمُ) بضمّ أوله، من الإقسام: أي: أحلف (بِاللهِ) تعالى، (مَا) نافية، (عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ) قال في ((المشارق)): ((من)) هنا يسمّيها بعضهم زائدة؛ كقوله: ما جاءني من أحد؛ أي: أحدٌ، وأبى ذلك سيبويه، وقال: قولك: ما رأيت أحداً، أو ما جاءني أحدٌ، قد يُتأوّل أنه أراد واحداً منفرداً، بل جاءه أكثر، فإذا قال: ((من أحد)) أكّد الاستغراق، والعموم، وارتفع التأويل، هذا معنی کلامه. انتھی(١). (مَنْفُوسَةٍ)؛ أي: مولودة، يقال: نَفِست المرأة، ونُفِست، فهي منفوسة، ونُفساء: إذا ولدت، فأما الحيض فلا يقال فيه: إلا نَفِست بالفتح، قاله ابن الأثير(٢). وقوله: (تَأْنِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ) جملة في محلّ جرّ نعت لـ ((نفس)) بعد النعت بالمفرد، أو هو في محلّ نصب حال، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضه هذا من أفراد المصنّف نَُّهُ . (١) ((مشارق الأنوار)) ٣٨١/١. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٩٤/٥. ١٣١ (٥٤) - بَابُ قَوْلِنَّهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَّةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٦٠) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ٦٤٦٠ و٦٤٦١ و٦٤٦٢ و٦٤٦٣ و٦٤٦٥] (٢٥٣٨)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٣٣٣/١)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٥٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٤/٣ و٣٢٢ و٣٤٥ و٣٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٩٨٧ و٢٩٩٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٧٥ و٣٧٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٩٩/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/ ١٥٢ و١٩٨)، و(عبد بن حميد) في («مسنده)) (٣١٤/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): مما يُستفاد من هذا الحديث فساد ما فشا بين العوامّ من بقاء الخضر حيّاً بين الناس إلى الآن، وقد حقّقت هذا فيما سبق في ((فضائل الخضر عليَّ*))، لكن لمّا تكلّم النوويّ هنا، ومَالَ إلى بقائه، وأن هذا قول الجمهور أحببت أن أتعقّبه بما كتبه بعض المحقّقين، فأذكر أولاً قوله، ثم أتبعه ذلك. قال النوويّ تَخُّْ: في حديث جابر ◌ُه؛ أنه سمع النبيّ وَّ قبل وفاته بشهر يقول: ((ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة، وهي حية يومئذ))، وفي رواية أبي سعيد مثله، لكن النبيّ وَّ قال ذلك لمّا رجع من تبوك، هذه الأحاديث قد فَسَّر بعضها بعضاً، وفيها عَلَمٌ من أعلام النبوة، والمراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلّ عمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة، ومعنى ((نفس منفوسة)): أي: مولودة، وفيه احتراز من الملائكة، وقد احتَجّ بهذه الاحاديث من شذّ من المحدثين، فقال: الخضرلِلنَّلامُ ميت، والجمهور على حياته، كما سبق في باب فضائله، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر، لا على الأرض، أو أنها عام مخصوص. انتهى كلام النوويّ تَخْذَلُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((من شذّ من المحدّثين ... إلخ)) ليس كما قال، بل هو قول المحقّقين من المحدّثين وغيرهم، فالحقّ أن الخضر فعاليَّلُ (١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ٩٠. ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة مات قبل النبيّ وَّ، وقد كتب بعض المحقّقين كتاباً في الأحاديث الموضوعة، وعقد فيه فصلاً نفيساً في الخضر، فقال: [فصل]: من الأحاديث الموضوعة أحاديث حياة الخضر النّلا. ومنها الأحاديث التي ذُكر فيها الخضر، وحياته، وكلها كذب، ولا يصح في حیاته حدیث واحد. ٨٤ - كحديث: إن رسول الله صلّ كان في المسجد، فسمع كلاماً من ورائه، فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر. ٨٥ - وحديث: يلتقي الخضر وإلياس كل عام. ٨٦ - وحديث: يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر، الحديث المفترى الطويل. سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر، وأنه باق، فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان. وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبيّ وَلّى: ((لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)). وسئل عن ذلك كثير غيره من الأئمة، فقالوا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ [الأنبياء: ٣٤]. ٣٤ الْخُلْدُّ أَفَإِيْن ◌ِتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ. وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية تَخْذَلُ فقال: لو كان الخضر حيّاً لوجب عليه أن يأتي النبيّ وَّ، ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال النبيّ ◌َلّ يوم بدر: ((اللَّهُمَّ إن تهلك هذه العصابة، لا تُعبد في الأرض))، وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً معروفين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذ؟ . وقد قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: والدليل على أن الخضر ليس بباق في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسُّنَّة، وإجماع المحققين من العلماء، والمعقول. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فلو دام الخضر كان خالداً. وأما السُّنَّة فذكر حديث: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة سنة ١٣٣ (٥٤) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَّةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٦٠) منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو عليها أحد))، متّفق عليه. قال: قال رسول الله وفي «صحيح مسلم» عن جابر بن عبد الله قبل موته بقليل: ((ما من نفس منفوسة، يأتي عليها مئة سنة، وهي يومئذ حية))، ثم ذكر عن البخاريّ، وعلي بن موسى الرضا، أن الخضر مات، وأن البخاريّ سئل عن حياته، فقال: كيف يكون ذلك؟ وقد قال النبيّ وَل فيه: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ)). قال: وممن قال: إن الخضر مات: إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وأبو الحسين ابن المنادي، وهما إمامان، وكان ابن المنادي يُقَبِّح قول من يقول: إنه حيّ. وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد، وذكر عن بعض أهل العلم أنه احتجّ بأنه لو كان حيّاً لوجب عليه أن يأتي إلى النبيّ وَّ، وقال: حدّثنا أحمد، عن شريح بن النعمان، حدّثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله طه؛ أن رسول الله صلقر قال: ((والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا أن يتّبعني))(١)، فكيف يكون حيّاً، ولا يصلي مع رسول الله ﴿ الجمعة، والجماعة، ويجاهد معه؟ ألا ترى أن عيسى علَّا إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة، ولا يتقدم؛ لئلا يكون ذلك خدشاً في نبوّة محمد رَلقه . قال أبو الفرج: وما أبعدَ فَهْم من يُثبت وجود الخضر، وينسى ما في طيّ إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة. أما الدليل من المعقول فمن عشرة أوجه: أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولدُ آدم لِصُلبه، وهذا فاسد لو جھین : أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة، فيما ذُكر في كتاب يوحنا المؤرخ، ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر. (١) حديث حسن، راجع: ((مختصر العلوّ)) للشيخ الألباني ص٥٩. ١٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة والثاني: أنه لو كان ولده لِصُلبه أو الرابع مِن وَلَد وَلَده، كما زعموا، وأنه كان وزير ذي القرنين، فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا، بل مفرط في الطول والعرض. وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ظبه، عن رسول الله وَلي؛ أنه قال: ((خلق الله آدم طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعدُ))، وما ذَكَر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة، وهو من أقدم الناس. الوجه الثالث: أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة، ولم ينقل هذا أحد. الوجه الرابع: أنه اتفق العلماء أن نوحاً لمّا نزل من السفينة مات مَن كان معه، ثم مات نَسْلهم، ولم يبق غير نَسْل نوح. ● [الصافات: والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ٧٧]، وهذا يُبطل قول من قال: إنه كان قبل نوح. الوجه الخامس: أن هذا لو كان صحيحاً أن بَشَراً من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر، ومولده قبل نوح، لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكوراً في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر الله ◌ُعَلَ مَن أحياه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وجعله آية، فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر. ولهذا قال بعض أهل العلم: ما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان. والوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم، وذلك حرام بنص القرآن، أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأُولى، فإن حياته لو كانت ثابتة لدلّ عليها القرآن، أو السُّنَّة، أو إجماع الأمة، فهذا كتاب الله تعالى، فأين فيه حياة الخضر؟ وهذه سُنَّة رسول الله وَطير، فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه من الوجوه؟ وهؤلاء علماء الأمة، هل أجمعوا على حياته؟. الوجه السابع: أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته حكايات منقولة يُخبر الرجل بها أنه رأى الخضر، فيالله العجب، هل للخضر علامات يعرفه بها من رآه، وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا الخضر، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله، فأين للرائي أن المخبر له صادق، لا يكذب؟ ١٣٥ (٥٤) - بَابُ قَوْلِهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٦١) الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن، ولم يصاحبه، وقال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى، ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة، ولا جماعة، ولا مجلس علم، ولا يعرفون من الشريعة شيئاً، وكل منهم يقول: قال الخضر، وجاءني الخضر، وأوصاني الخضر؟ فيا عجباً له، يفارق كليم الله تعالى، ويدور على صحبة الجهال، ومن لا يعرف كيف يتوضأ؟، ولا كيف يصلي؟ . الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول كذا وكذا، لم يُلْتَفَت إلى قوله، ولم يُحتجّ به في الدين، إلا أن يقال: إنه لم يأت رسول الله وَلقه، ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل: إنه لم يُرسَل إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه. الوجه العاشر: أنه لو كان حيّاً لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضور الجمعة والجماعة، وتعليم العلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار، والفلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له؟ انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ والصواب في الخضر علّا أنه نبيّ، وأن القول ببقائه إلى الآن زعم باطلٌ، والأدلّة على ذلك واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّاً، ويرزقنا اتّباعه، ويُرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، فإنه وليّ التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦١] ( ... ) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ))). (١) ((نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول)) ٦٢/١ - ٦٧. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، قد يخطئ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. و((ابن ◌ُریج)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن بكر عن ابن جريج ساقها الإمام أحمد تَظُّ في ((مسنده))، فقال: (١٤٤٩١) - حدّثنا محمد بن بكر، أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبيّ وَيه يقول: ((يسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٢] (.) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرٍ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِّ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: ((مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَّةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ))، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الَّبِيِّ ◌َِّ، بِمِثْلٍ ذَلِكَ، وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢. (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٢٢/٣. ١٣٧ (٥٤) - بَابُ قَوْلِ ◌َ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٦٢) ٣ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الظُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون، وضاد معجمة ساكنة - المنذر بن مالك بن قُطَعة - بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة - الْعَبْدِيّ الْعَوَقيّ - بفتح العين المهملة، والواو، ثم قاف - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ السِّقَايَةِ) هو: عبد الرحمن بن آدم البصريّ المعروف بصاحب السقاية، مولى أم بُرْثُن - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها مثلثة مضمومة، ثم نون - وربما قيل له: ابن بُرْثُن، وقد تُبْدل النون ميماً، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجابر، ورجل من الصحابة لم يسمّه. وروى عنه قتادة، وأبو العالية، وسليمان التيميّ، وعوف الأعرابيّ، وأبو الورد بن ثمامة. قال ابن معين: عبد الرحمن بن برثن، وابن برثم سواء، وقال الدارقطنيّ: عبد الرحمن بن آدم، إنما نُسب إلى آدم أبي البشر، ولم يكن له أب يُعْرَف، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال المدائني: استعمله عبيد الله بن زياد، ثم عزله، وأغرمه مائة ألف، ثم رحل إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى عبيد الله بن زياد أن يُخلف له ما أخذ منه، قال: وكان من شأنه فيما ذكر جويرية بن أسماء أن أم برثن كانت امرأة تعالج الطيب، فأصابت غلاماً لقطة، فربّته حتى أدرك، وسمّته عبد الرحمن، فكلّمت نساء عبيد الله بن زياد، فكلّمته فيه مولاه، فكان يقال له: عبد الرحمن ابن أم برثن، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، حكاه ابن أبي حاتم، وقال ابن عديّ: ثنا محمد بن عليّ، ثنا عثمان بن سعيد، سألت ابن معين عن عبد الرحمن بن آدم، فقال: ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة لا أعرفه، فإما أن يكون آخر، أو لم يستحضره عند سؤال عثمان. أخرج له المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ذکر قبله. (( و((جابر بن عبد الله وقوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ... إلخ) قال النوويّ نَّتُهُ: هو معطوف على قول المعتمر بن سليمان: سمعت أبي، قال: حدثنا أبو نضرة، ثم قال بعد تمام الحديث: وعن عبد الرحمن، فالقائل: وعن عبد الرحمن هو سليمان والد المعتمر، فسليمان يرويه بإسناد مسلم إليه عن اثنين: أبي نضرة، وعبد الرحمن صاحب السقاية، كلاهما عن جابر رضيُه، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (صَاحِبِ السِّقَايَةِ) لم أجد من بيّن سبب تسميته بهذا اللقب، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هكذا في رواية مسلم أن التفسير لعبد الرحمن، ووقع في ((مصنّف ابن أبي شيبة))، و((مسند أحمد)) بلفظ: ((وفسَّر جابر: نقصان من العمر))(٢)، فجعل التفسير من كلام جابر، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرٍ)؛ أي: فسّر المائة المذكورة في الحديث، فقال: المراد بها: نَقْص عُمُر الناس، فلا تتجاوز أعمارهم المائة، إلا قليلاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون عن سليمان التيميّ لم أجد من ساقها (١) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ٩٠ - ٩٢. (٢) راجع: ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٧/ ٥٠٣، و((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٧٩/٣. ١٣٩ (٥٤) - بَابُ قَوْلِهِوَهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَّةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) - حديث رقم (٦٤٦٤) بتمامها، فقد رواها ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))، وأحمد في ((مسنده)) مثل سياق مسلم، فقال الأول: ((مثله))، والثاني: ((بمثله))، وجعلا التفسير من جابر لا من عبد الرحمن(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَعْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٤] (٢٥٣٩) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ وَهِ مِنْ تَبُوَكَ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ))). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ) هو: سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّنَ المذكور في السند الثاني، وهو أبو خالد الأحمر الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) وقيل: قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((أَبُو سَعِيدٍ)) هو: الخدريّ . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ سعد بن مالك ◌َُّه؛ أنه (قَالَ: لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ وَّهِ مِنْ تَبُوَ) قيل: هذا لا يلزم منه أن يكون هذا الكلام بعد مرجعه من تبوك فوراً، بل يجوز أن يكون تأخّر بعد مرجعه من تبوك بزمان، فلا يتعارض مع حديث جابر ظه المارّ الذي أخبر فيه أنه و ﴿ تكلّم بهذا الكلام قبل وفاته بشهر، ويَحْتَمِل أن يكون ◌َ ﴿ قال ذلك مرّتين(٢). (١) راجع: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٠٣/٧، و((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٧٩/٣. (٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣١١/٥. ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد التأويل الأول، فالأحسن هو الاحتمال الثاني، والله تعالى أعلم. (سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ) ظاهر هذا يدلّ على أن جوابهِ وَّه بقوله: ((لا تأتي ... إلخ)) جواب عن سؤالهم عن الساعة، وليس كذلك، بل جواب السؤال بُيّن في حديث جابر ◌ُه المارّ بقوله: ((تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله))، فإنه صريح في كونه لم يُخبرهم عن وقت قيام الساعة(١)، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ)))؛ أي: مولودة، فخرج الملائكة، وإبليس، فلا حاجة لتكلّف جَمْعٍ إلى الجواب: على الماء، والهواء، لا في الأرض. والمعنى: أنه لا يعيش أحد ممن كان موجوداً حال تلك المقالة، وكانت عند رجوعه من تبوك، وهو أكثر من مائة، وكان آخر الصحب موتاً أبو الطفيل، مات سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقاله، ولا يدخل في الخبر الخضر، فإن المراد: ممن تعرفونه، أو ترونه، أو ((أل)) في الأرض للعهد؛ أي: أرضي التي نشأت فيها، وبُعثت منها، وزَعْمُ أنه كان إذ ذاك في البحر ضُعِّف بأن الأرض تتناول البر والبحر، والمقابل للبحر: البرّ، لا الأرض، وقَيَّد بالأرض ليخرج عيسى علِّ*، فإنه في السماء، وفيه وَعْظُ أمته بقِصَر أعمارهم، قاله المناويّ كَذَتُ(٢). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٦٤/٥٤] (٢٥٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣١١/٥. (٢) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٨٣/٦.