Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿هَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥١)
٢ - (أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ) أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٣)
وهو ابن أربع وتسعين (خ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة))
١٣٤٤/٢٦.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥](١) (ت١٥٠) على
الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِئَةِ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ) الظاهر أن الشكّ من ابن
مسعود رظُه فيما ذكره النبيّ وَّهِ، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، وسيأتي في
حديث أبي هريرة به أن الشك منه صريحاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: ((ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو
في معظم النُّسخ: ((يتخلف))، وفي بعضها: ((يَخْلُف)) بحذف التاء، وكلاهما
صحيح؛ أي: يجيء بعدهم خَلْف بإسكان اللام، هكذا الرواية، والمراد: خَلْفُ
سوء، قال أهل اللغة: الْخَلْف ما صار عِوَضاً عن غيره، ويُستعمل فيمن خَلَف
بخير، أو بشرّ، لكن يقال في الخير: بفتح اللام، وإسكانها، لغتان، الفتح أشهر،
وأجود، وفي الشرّ بإسكانها، عن الجمهور، وحُكي أيضاً فتحها. انتهى (٢).
وقوله: (تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ))) قال القرطبيّ ◌َقْتُهُ:
يعني بذلك أنه يقلّ وَرَع الناس بعد القرن الرابع، فيُقدِمون على الأيمان
والشهادات من غير توقف، ولا تحقيق، وقال في حديث عمران: ((يشهدون، ولا
يستشهدون))؛ أي: يسبقون بأداء الشهادة قبل أن يسألوها، وذلك لهوىّ لهم فيها،
ومن كان كذلك رُدَّت شهادته، وقد بيّنا فيما تقدَّم مواضع يتعيَّن فيها على الشاهد
الأداء، وإن لم يسأل، وذلك بحسب ما تدعو إليه الضرورة الشرعية، وعليه يُحْمَل
قوله وَل: ((خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها))، ويَحْتَمِل أن يراد
(١) هذا أَولى من قول ((التقريب)): من السادسة؛ لأنه رأى أنساً ظه، فهو من
الخامسة، كأيوب، والأعمش، فتنبّه.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٥/١٦.

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
بقوله: ((ولا يستشهدون)) أنهم: يشهدون بالزور، فيكون معناه: يشهدون بما لم
يستشهدوا به، ولا شاهدوه، والأول أَولى؛ لأنَّه أصل الكلمة. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٢] (٢٥٣٤) - (حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ، عَنْ أَبِي
بِشْرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَيْرُ أُمَِّي الْقَرْنُ
الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))، - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا؟ قَالَ:
(ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ، يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُو))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو
يوسف الدَّوْرَقيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥، أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكةٌ، ثقةٌ [١٠] (م)
١٠/ ٧٤٨، من أفراد المصنّف.
٣ - (هُشَيْمُ) - بالتصغير - ابن بَشِير - بالتكبير بوزن عَظِيم - ابن القاسم بن
دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير
التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٤ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشية - بفتح الواو، وسكون المهملة، وكسر
المعجمة، وتثقيل التحتانية - جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من
أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم، وفي مجاهد
[٥] (ت٥ أو١٢٦) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩.
[تنبيه]: كون أبي بشر هنا هو جعفر بن إياس، هو الصواب، كما نصّ
(١) ((المفهم)) ٦/ ٤٨٧.

١٠٣
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٢)
عليه الحافظ المزّيّ كَُّ في (تحفته)) (١)، وقد وقع لبعض الشرّاح(٢) غلط،
حيث ترجم لبيان بن بشر، بدل جعفر بن إياس، وقد وقع له مثل هذا في غير
هذا الموضع، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ - بالضمّ - البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣]
(ت١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٠/٨٤.
و ((أبو هريرة ﴿)) ذكر قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من حماسیّات المصنّف الثُ، وله فیه إسنادان فصل بينهما بالتحویل،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُبه سبق القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾ ﴿به؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ
الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ) بالبناء للمفعول، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)))؛ أي: القرن الذين
بعدهم، وهم التابعون، (- وَاللهُ أَعْلَمُ - أَذَكَرَ الثَّالِثَ)؛ أي: القرن الثالث (أَمْ
لَا؟)؛ أي: أم لم يذكره؟، وهذا الشكّ من أبي هريرة ﴿ه، كما يأتي في الرواية
التالية. (قَالَ) وَلاَ: (ثُمَّ يَخْلُفُ) بضمّ اللام، يقال: خلفت فلاناً على أهله، وماله
من باب قَعَد خِلافةً: صرتُ خليفته، وخلفته: جئت بعده، وهذا هو المعنى المراد
هنا. (قَوْمٌ، يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ) وفي رواية: (ويظهر فيهم السِّمَن)). السَّمانة بفتح
السين: هي السمن، قال القرطبيّ تَظُّهُ: أي: يغلب عليهم النَّهم، والشهوات،
ويُكثرون الأكل، فيظهر عليهم السمن، وقد يأكلون ليسمنوا؛ فإنَّه محبوبٌ لهم،
ومن كان هذا حاله خرج عن الأكل الشرعيّ، ودخل في الأكل الشَّرِّيّ الذي قال
فيه النبيّ ◌َ﴿: ((ما ملأ آدميّ وعاءً شرّاً من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يُقِمن
صلبه، فإنْ كان ولا بدّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)) (٣)(٤).
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٣٦/١٠.
(٢) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢١٣/٢٤.
(٣) حديث صحيح، رواه أحمد ١٣٢/٤، والترمذيّ (٢٣٨٠).
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٤٨٧ - ٤٨٨.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال النوويّ: قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسِّمَن
هنا: كثرة اللحم، ومعناه: أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه: أن يتمحضوا
سماناً، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في
هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائداً على المعتاد،
وقيل: المراد بالسِّمَن هنا أنهم يتكثّرون بما ليس فيهم، ويَدّعون ما ليس لهم،
من الشرف وغيره، وقيل: المراد جَمْعهم الأموال. انتهى(١).
(يَشْهَدُونَ) بالبناء للفاعل؛ أي: يؤدّون الشهادة للناس (قَبْلَ أَنْ
يُسْتَشْهَدُو))) بالبناء للمفعول؛ أي: قبل أن يُطلب منهم أداء شهادتهم.
قال النوويّ تَّثُ: هذا الحديث في ظاهره مخالفة للحديث الآخر: ((خيرُ
الشهود الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها))، قال العلماء: الجمع بينهما: أن
الذمّ في ذلك لمن بادر بالشهادة في حقّ الآدمي هو عالم بها قبل أن يسألها
صاحبها، وأما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة الآدميّ، ولا يعلم بها
صاحبها، فيُخبره بها ليستشهد بها عند القاضي، إن أراد، ويلتحق به من كانت
عنده شهادةٌ حسبةً، وهي الشهادة بحقوق الله تعالى، فيأتي القاضي، ويشهد
بها، وهذا ممدوح، إلا إذا كانت الشهادة بحدّ، ورأى المصلحة في الستر،
هذا الذي ذكرناه من الجمع بين الحديثين هو مذهب أصحابنا - يعني: الشافعيّة -
ومالك، وجماهير العلماء، وهو الصواب، وقيل فيه أقوال ضعيفة، منها قول
من قال بالذمّ مطلقاً، ونابذ حديث المدح، ومنها من حمله على شهادة الزور،
ومنها قول من حمله على الشهادة بالحدود، وكلها فاسدة، واحتَجّ عبد الله بن
شُبْرُمة بهذا الحديث لمذهبه في منعه الشهادة على الإقرار قبل أن يُستَشهَدَ،
ومذهبنا ومذهب الجمهور قبولها. انتهى كلام النوويّ كَُّ(٢)، وهو تحقيق
مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/١٦ - ٨٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ٨٧.

١٠٥
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٣)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٥٢/٥٣ و٦٤٥٣] (٢٥٣٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٢٨/٢ و٤١٠ و٤٧٩)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٣٣٢/١)، و(ابن
عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٧/٦٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٣] ( ... ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ
الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
مِثْلَهُ، فَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَا أَدْرِي مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع، العبديّ البصريّ،
مشهور بكنيته، صدوقٌ، منَّ صغار [١٠] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجاج البغداديّ،
تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٢٧) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٣/٦.
٤ - (أَبُو عَوَانَةً) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة عن أبي بشر ساقها أحمد تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٩٣٠٧) - حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن
شقيق، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلّ؛ أنه قال: ((خيركم قرني، ثم الذين
يلونهم - قال أبو هريرة: لا أدري ذكر مرتين، أو ثلاثاً - ثم خلف من بعدهم
قوم، يحبون السمانة، يشهدون، ولا يُستشهدون)). انتھی(١).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤١٠/٢.

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وأما رواية أبي عوانة عن أبي بشر، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٤] (٢٥٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ، حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ
يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَعْدَ قَرْنِهِ
مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً؟ (ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ، وَلَا
يُتَّمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ، وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - نصر بن عمران بن عِصام الضُّبَعيّ - بضم
الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة - البصريّ، نزيل خُراسان،
مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٢٨) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٢٤/٦.
٢ - (زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ) الْجَرْميّ، أبو مسلم البصريّ، ثقةٌ [٣] (خ م ت
س) تقدم في ((الإيمان)) ٤٢٥٧/٣.
٣ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجَيد - بنون،
وجيم، مصغراً - الصحابيّ الشهير، أسلم عام خيبر، وأبوه أيضاً صحابيّ على
الصحيح، وكان عمران فاضلاً، وقضى بالكوفة، ومات ـ
سنة اثنتين
وخمسين بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه
أبي بكر، فكوفيّ، ومسلسلٌ أيضاً بالتحديث، والسماع، وأن شيخيه ابن
المثنّى، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأن فيه

١٠٧
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٤)
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ كلاهما من الطبقة الثالثة، وفيه
أبو جمرة، مشهور بكنيته، وليس له مشارك في هذه الكنية في الكتب الستّة،
وغيره أبو حمزة بالحاء المهملة، والزاي، وهم جماعة، وأن شعبة: يروي عن
سبعة كلهم يكنى بأبي حمزة بالحاء، والزاي، إلا واحداً، فإنه بالجيم، والراء،
وهو الذي في هذا السند، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةٌ
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةٌ
وَهْوَ الَّذِي يُظْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا
شرح الحديث:
عن أبي جمرة تَّتُهُ؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي زَهْدَمُ) بوزن جعفر، (ابْنُ مُضَرِّبٍ)
بضمّ الميم، وتشديد الراء المكسورة، بصيغة اسم الفاعل المضعّف، قالَ:
(يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَكُمْ
(سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) .
قَرْنِي)؛ أي: أهل قرني، وتقدّم الخلاف في معنى القرن في شرح حديث ابن
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: القرن الذي بعدهم، وهم التابعون،
مسعود
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: أتباع التابعين، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))) وهم تَبَع أتباع
التابعين. (قَالَ عِمْرَانُ) رَبِهِ: (فَلَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ
ثَلَاثَةً؟) ولفظ البخاريّ: ((فلا أدري، أَذَكَر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة))، وقد تقدّم
مثل هذا الشكّ في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة څا، وفي حديث بريدة.
عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شكّ، منها: عن النعمان بن بشير
عند أحمد، وعن عائشة في حديثها الآتي آخر الباب، ولفظه: ((سأل رجل
النبيّ ◌َّه: أيّ الناس خيرٌ؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث))،
ووقع في رواية الطبرانيّ، وسمويه ما يُفسّر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من
طريق بلال بن سعد بن تميم، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله أيّ الناس
خير؟، فقال: أنا وقرني))، فذكر مثله، والطيالسيّ من حديث عمر نظر اته، رفعه:
((خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني، ثم الثالث)). ووقع في حديث
جعدة بن هُبيرة عند ابن أبي شيبة، والطبرانيّ: إثبات القرن الرابع، ولفظه:
((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردأ)»،

١٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، أفاده في ((الفتح)) (١).
((ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) ببناء الأول للفاعل،
والثاني للمفعول. قال في ((الفتح)): يَحْتَمل أن يكون المراد: التحمّل بدون
التحميل، أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب. ويعارضه ما رواه مسلم من
حديث زيد بن خالد ظه، مرفوعاً: ((ألا أُخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي
بالشهادة قبل أن يُسألها)). واختَلَف العلماءُ في ترجيحهما، فجنح ابن عبد البرّ
إلى ترجيح حديث زيد بن خالد ره؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدّمه
على رواية أهل العراق، وبالغ، فزعم أن حديث عمران يته هذا لا أصل له.
وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران ظُه؛ لاتفاق صاحبَي الصحيح عليه،
وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد ظه. وذهب آخرون إلى الجمع
بينهما، فأجابوا بأجوبة:
[أحدها]: أن المراد بحديث زيد مَن عنده شهادة لإنسان بحقّ، لا يَعلَم
صاحبها، فيأتي إليه، فيُخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويَخلُف ورثةً،
فيأتي الشاهد إليهم، أو إلى من يتحدّث عنهم، فيُعلمهم بذلك. وهذا أحسن
الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، شيخ مالك، ومالكٌ، وغيرهما.
[ثانيها]: أن المراد شهادة الْحِسْبَة، وهي ما لا يتعلّق بحقوق الآدميين
المختصّة بهم محضاً، ويدخل في الحِسْبة مما يتعلّق بحقّ الله، أو فيه شائبة
منه، الْعَتَاق، والوقف، والوصيّة العامّة، والعدّة، والطلاق، والحدود، ونحو
ذلك.
وحاصله: أن المراد بحديث عمران ظه: الشهادة في حقوق الآدميين،
والمراد بحديث زيد بن خالد نظره: الشهادة في حقوق الله تعالى.
[ثالثها]: أنه محمولٌ على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فیکون لشدّة
استعداده لها كالذي أدّاها قبل أن يُسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه
لَيُعطي قبل الطلب؛ أي: يُعطي سريعاً عقب السؤال من غير توقّف.
وهذه الأجوبة مبنيّةٌ على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أن لا
(١) ((الفتح)) ٣١٩/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥٠).

١٠٩
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٤)
يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحقّ، فيُخصّ ذمّ من يشهد قبل أن يُستشهد
بمن ذُكر ممن يُخبر بشهادة عنده لا يَعلم صاحبها بها، أو شهادة الحسبة.
وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم
حديث زيد بن خالد ظه، وتأوّلوا حديث عمران رُته بتأويلات:
[أحدها]: أنه محمولٌ على شهادة الزُّور؛ أي: يؤدّون شهادةً لم يسبق لهم
تحمّلها. وهذا حكاه الترمذيّ عن بعض أهل العلم.
[ثانيها]: أن المراد بها الشهادة في الحلف، يدلّ عليه قول إبراهيم
النخعيّ في آخر حديث ابن مسعود ظُه: ((كانوا يضربوننا على الشهادة))؛ أي:
قول الرجل: أشهد بالله ما كان إلا كذا على معنى الحلف، فکره ذلك، كما
كُره الإكثار من الحلف، واليمين قد تُسمّى شهادةً، كما قال الله تعالى:
﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهْ﴾ الآية [النور: ٦]. وهذا جواب الطحاويّ.
[ثالثها]: أن المراد بها الشهادة على المغيّب من أمر الناس، فيشهد على
قوم أنهم في النار، وعلى قوم أنهم في الجنّة بغير ذلك، كما صنع ذلك أهل
الأهواء. حكاه الخطّابيّ.
[رابعها]: أن المراد: به من ينتصب شاهداً، وليس من أهل الشهادة.
[خامسها]: أن المراد: به التسارع إلى الشهادة، وصاحبها بها عالمٌ من
قبل أن يسأله. والله تعالى أعلم.
(وَيَخُونُونَ) قال في ((الفتح)): كذا في جميع الروايات التي اتّصلت لنا
بالخاء المعجمة، والواو، مشتقّ من الخيانة، وزعم ابن حزم أنه وقع في
نسخة: (يَحْرِبُون)) - بسكون المهملة، وكسر الراء، بعدها موحّدة - قال: فإن
كان محفوظاً، فهو من قولهم: حَرَبِه يَحرِبه: إذا أخذ ماله، وتركه بلا شيء،
ورجلٌ محروبٌ؛ أي: مسلوب المال. انتهى(١).
(وَلَا يُتَّمَنُونَ) قال النوويّ: هكذا في أكثر النسخ: ((يُتَّمنون)) بتشديد التاء،
وفي بعضها: ((يؤتمنون))، ومعناه: يخونون خيانة ظاهرةً بحيث لا يبقى معها
أمانة، بخلاف من خان حقيراً مرّةً واحدةً، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا
(١) ((الفتح)) ٥١٢/٦، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٥١).

١١٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)) بعد نقل كلام النوويّ المذكور: وقال غيره: هو نظير
قوله: (ثم يَتَّزِر)) موضعٍ قوله: ((يأتزِر))، وادّعى أنه شاذّ، ولكن قرأ ابن
مُحيصن: ((فليؤدّ الذي اتُّمِنَ أمانته))، ووَجْهَهُ ابن مالك(٢) بأنه شُبّه بما فاؤه
واو، أو تحتانيّةٌ، قال: وهو مقصورٌ على السماع. انتهى (٣).
(وَيَنْذِرُونَ) بكسر الذّال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، مبنيّاً للفاعل،
(وَلَا يُوفُونَ) بضم أوله، مضارع أوفى رباعيّاً، ويَحْتَمِل أن يكون من وفّى
مضعّف العين، من التوفية، وفي رواية البخاريّ: ((ولا يَقُون)) بفتح أوله، وضمّ
ثالثه، من الوفاء ثلاثيّاً، قال ابن الأثير كَّتُهُ: يقال: وفَى بالشيء، وأوفَى،
ووَفَّى بمعنَّى. انتهى (٤).
وقال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: وفَيتُ بالعهد، والوعد، أَفِي به وَفَاءً، والفاعل وَفِيٍّ،
والجمعُ أوفياءُ، مثلُ صَديق وأصدقاء، وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر،
فقال [من البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا
وقال أبو زيد: أوفَى نذْره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه.
وقال الفارابيّ أيضاً: أوفيته حقَّهُ، ووفّيته إياه، بالتثقيل، وأوفَى بما قال، ووفّى
بمعنَّی. انتھی(٥).
(وَيَظْهَرُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح، (فِيهِمُ السِّمَنُ) - بكسر السين
المهملة، وفتح الميم، آخره نون، وزان عِنَبٍ - يقال: سَمِن يَسمَن، من باب
تعِبَ، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه وشحمه، فهو سَمِينٌ، وجَمْعه
سِمان. أفاده في ((المصباح))(٦).
(١) (شرح النوويّ)) ٨٨/١٦.
(٢) ((شواهد التوضيح)) ص٢٣٨ - ٢٣٩.
(٣) ((الفتح)) ٥١٢/٦، كتاب ((الشهادات)) رقم (٢٦٥١).
(٤) ((النهاية)) ص ٩٨٣.
(٦) ((المصباح المنير)) ٢٩٠/١.
(٥) (المصباح المنير)) ٦٦٧/٢.

١١١
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٤)
والمعنى: أنهم يُحبّون التوسّع في المآكل والمشارب، وهي أسباب
السِّمَن. قال ابن التين: المراد: ذمّ محبته، وتعاطيه، لا من تخلّق بذلك.
وقيل: المراد: يظهر فيهم كثرة المال. وقيل: المراد: أنهم يتسمّنون؛ أي:
يتكثّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف. ويَحْتَمِل أن يكون
جميع ذلك مراداً. وقد رواه الترمذيّ من طريق هلال بن يساف، عن عمران بن
حُصين ﴿ّ بلفظ: ((ثم يجيء قوم يتسمّنون، ويُحبّون السِّمَن))، وهو ظاهر في
تعاطي السِّمَن على حقيقته، فهوَ أَولى ما حُمِل عليه خبر الباب، وإنما كان
مذموماً؛ لأن السمين غالباً بليد الفهم، ثقيلٌ عن العبادة، كما هو مشهور. قاله
في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٥٤/٥٣ و٦٤٥٥ و٦٤٥٦] (٢٥٣٥)،
و(البخاريّ) في ((الشهادات)) (٢٦٥١) و((الفضائل)) (٣٦٥٠) و((الرقاق)) (٦٤٢٨)
و((الأيمان والنذور)) (٦٦٩٥)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة)) (٣٦٥٧)، و(الترمذيّ)
في ((الفتن)) (٢٢٢٢) و((الشهادات)) (٢٣٠٣)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور))
(٣٨٠٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٨٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٦/٤
و٤٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٢٩ و٧٢٢٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (١٥١/٤) و((مشكل الآثار)) (١٧٦/٣)، و(ابن الجعد) في
((مسنده) (١٩٦/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٢٦/١٨ و٥٢٧ و٥٢٨ و٥٢٩
و٥٨٠ و٥٨١ و٥٨٢)، و(البزّار) في («مسنده)) (١٨/٩ و٧٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٢٣/١٠ و١٦٠) و((دلائل النبوّة)) (٥٥٢/٦)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٨٥٧)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٥١٤/٦.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزَّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،
حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمْ: قَالَ: لَا أَدْرِي أَذَكَّرَ
بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً؟، وَفِي حَدِيثٍ شَبَابَةَ: قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ،
وَجَاءَ نِي فِي حَاجَةٍ عَلَى فَرَسٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَفِي حَدِيثٍ
يَحْيَى، وَشَبَابَةَ: ((يَنْذُرُونَ، وَلَا يَفُونَ))، وَفِي حَدِيثِ بَهْزِ: ((يُوفُونَ))، كَمَا قَالَ ابْنُ
جَعْفَرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، تقدّم
قريباً .
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة،
وسكون الواو، ثم معجمة - التميميّ، أبو سعيد القطان البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ
حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الْحَكَم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ،
من صغار [١٠] (ت٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦.
٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائني، تقدّم قريباً.
و(شعبة)) ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ)؛ يعني: الثلاثة: يحيى بن سعيد القطان، وبهز بن
أسد، وشبابة بن سوّار رووه عن شعبة بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ يعني: إسناد شعبة السابق؛
أي: عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرّب، عن عمران بن حُصين ◌ًَّا.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمْ: قَالَ: لَا أَدْرِي ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير عمران بن
.
حصین

١١٣
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٦)
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ساقها البخاريّ كَّلُ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٣١٧) - حدّثنا مسدّد، عن يحيى، عن شعبة، قال: حدّثني أبو جمرة،
حدّثنا زهدم بن مضرِّب، قال: سمعت عمران بن حصين، يحدِّث عن النبيّ وَّ
قال: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: لا أدري
ذكر ثنتين، أو ثلاثاً بعد قرنه ـ ثم يجيء قوم ينذرون، ولا يفون، ويخونون،
ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا يُستشهدون، ويَظهر فيهم السِّمَن)). انتهى (١).
ورواية بهز بن أسد عن شعبة ساقها البيهقيّ تَخُّْ في ((الكبرى))، فقال:
(١٩٨٧٥) - حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ تَخْلُ، أنبأ
أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم،
ثنا بهز بن أسد، ثنا شعبة، أخبرني أبو جمرة، قال: دخل عليّ زهدم، فأخبرني أنه
سمع عمران بن حصين ﴿ه قال: قال النبيّ ◌َّر: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم بعدهم، يخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا
يُستشهَدون، وينذُرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن)). انتهى(٢).
وأما رواية شبابة بن سوّار عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٦] (.) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، ◌ِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنٍ، عَنِ اَلنَّبِّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: ((خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ،
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)»، زَادَ فِي حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ: قَالَ: وَاللهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ، أَمْ
لَا؟ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ زَهْدَم، عَنْ عِمْرَانَ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ:
(وَيَحْلِفُونَ، وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ)).
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٤٦٣.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٠/ ٧٤.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب
الأمويّ البصريّ، واسم أبي الشّوَارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان،
صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن
اليمن، صدوقٌ، ربما وَهِمَ [٩] (٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثم موحّدة،
وزانُ جعفر - أبو بكر البصريّ الدستوائيّ - بفتح الدال، وتُضمّ، وسكون السين
المهملتين، وفتح المثناة، ثم مدّ ـ ثقةٌ ثبتٌ وقد رُمِي بالقدر، من كبار [٧]
(ت١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدوسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) هو: زرارة - بضم أوله - ابن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ
- بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة - أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقةٌ عابدٌ
[٣] مات فجأة في الصلاة، سنة ثلاث وتسعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ) ضمير التثنية لأبي عوانة، وهشام الدستوائيّ.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة عن قتادة ساقها أبو داود تَّهُ في ((سننه))، فقال:
(٤٦٥٧) - حدّثنا عمرو بن عون، قال: أنبأنا (ح) وثنا مسدّد، قال: ثنا
أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حُصين، قال: قال
رسول الله وَر: ((خير أمتي القرن الذين بُعِثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
يلونهم - والله أعلم، أذكر الثالث، أم لا؟ ــ ثم يظهر قوم، يَشهدون، ولا
يُستشهدون، وينذْرون، ولا يوفون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويفشو فيهم
السِّمَن)). انتهى(١).
ورواية هشام الدستوائيّ عن قتادة ساقها البيهقيّ كَّتُهُ في ((الكبرى))،
فقال :
(١) ((سنن أبي داود)) ٢١٤/٤.

١١٥
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٧)
(٢٠٣٨٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله بن يعقوب،
وأبو الفضل بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا
معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن
حُصين، عن النبيّ وَّر قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يَنشأ قوم
ینذرون، ولا یوفون، ويحلفون، ولا يُستحلَفون، ویخونون، ولا يؤتمنون،
ويَشهدون، ولا يُستشهَدون، ويفشو فيهم السِّمَنُ)).
قال أبو الفضل في حديثه: سمعت أحمد بن سلمة يقول: ((يحلفون)) لیس
إلا في حديث هشام من أصحاب قتادة، رواه مسلم في ((الصحيح)) عن محمد بن
بشار بزيادته، وهذه زيادة ينفرد بها معاذ بن هشام، عن أبيه.
(٢٠٣٨٧) - وقد حدّثناه أبو بكر بن فُورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا
يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن زرارة، عن
عمران بن حُصين، قال: قال رسول الله وَله: ((خير أمتي القرن الذي بُعثت
فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون، ولا
يوفون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا يُستشهدون، ويفشو فيهم
السِّمَنُ)).
هكذا رواه سائر أصحاب هشام، ليس فيه ذِكر الحَلِف، وذكر الحلف فيه
إن كان حفظه معاذ يوافق حديث ابن مسعود.
وقد يَحْتَمِل أن يكون المراد بذلك في الشهادة، أن يشهد بما لم يُشهَد
عليه، ولم يعلمه، فيكون شاهد زُور، وبالله التوفيق والعصمة. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٧] (٢٥٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَهٍ
- وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ - عَنْ زَائِدَةَ،
عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الْبَهِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيَّ ◌َهِ: أَيُّ
النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِ، ثُمَّ الثَّالِثُ))).
(١) (سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٦٠/١٠.

١١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ) الفلّاس، أبو الفضل البغويّ، نزيل بغداد،
صدوقٌ، وَهِمَ في حديث واحد رفعه، وهو موقوف، فذكره بسببه الْعُقيلي في
((الضعفاء)) [١٠] (ت٢٣٥) (م د ق) تقدم في ((الصيام)) ١٢/ ٢٥٧٦.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب
سُنَّة [٧] (ت١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٣ - (السُّدِّيُّ) - بضمّ السين المهملة، وتشديد الدال ـ إسماعيل بن
عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالتشيع [٤]
(م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين المسافرين وقصرها)) ١٦٤٠/٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ الْبَهِيُّ) - بفتح الموحّدة، وكسر الهاء، وتشديد التحتانية -
مولى مصعب بن الزبير الكوفيّ، يقال: اسم أبيه يسار، صدوقٌ يخطئ [٣] (بخ
م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٨٣٢/٢٩.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصديق ﴿هَا، أم المؤمنين، أفقه النساء
مطلقاً، وأفضل أزواج النبيّ بَّر، إلا خديجة، ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة
سبع وخمسين، على الصحيح (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣١٥.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب، وشرح الحديث واضح.
وقوله: (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ وَّهِ) يَحْتَمل أن يكون السائل سعدَ بن تميم،
فقد أخرج الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار)) بسند صحيح عن بلال بن سعد،
عن أبيه، قال: قلنا: يا رسول الله أيُّ أمتك خير؟ قال: ((أنا، وقرني))، قال:
قلنا: ثم ماذا؟ قال: ((ثم القرن الثاني))، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ((القرن
الثالث))، قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ((ثم يأتي قوم يشهدون، ولا يستشهدون،
ويحلفون، ولا يستحلفون، ويؤتمنون، ولا يؤدون)). انتهى(١)، وعزاه في
((الفتح)) إلى الطبرانيّ، وسمّويه.
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١٥١/٤.

١١٧
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - حديث رقم (٦٤٥٧)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظها هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ.
[تنبيه]: قد انتقد الدارقطنيّ كَخَّلُهُ إسناد هذا الحديث، فقال: روى البهيّ
عن عروة، عن عائشة ﴿يا، قال القاضي عياض كَثُهُ: قد صحّحوا روايته عن
فيّا .
عائشة وها، وقد ذكر البخاريّ روايته عن عائشة، وفاطمة بنت قيس
(١)
انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق الدارقطنيَّ في هذا الانتقاد
عبد الرحمن بن مهديّ، كما في ((تهذيب التهذيب))، وعبارته: وقال أحمد: في
حديث زائدة عن السدّيّ، عن البهيّ، حدّثتني عائشة، كان عبد الرحمن بن
مهديّ قد سمعه من زائدة، وكان يَدَع منه: ((حدّثتني عائشة))، وينكره - يعني:
ينكر لفظة ((حدّثتني))، لكن مع عائشة، ما أرى هذا شيئاً، إنما يروي عن عروة.
(٢)
انتھی٢
.
وممن أثبت سماع البهيّ عن عائشة رؤيا البخاريّ في ((التاريخ الكبير))
حيث قال (٥٦/٥) في ترجمة البهيّ: سمع ابن عمر، وابن الزبير،
وعائشة ﴿م، فقد اتّفق أحمد، والبخاريّ، ومسلم - حيث أخرج روايته هنا -
على أنه سمع من عائشة
والحاصل: أن اعتراض الدارقطنيّ على مسلم في هذا الإسناد بسبب
الانقطاع غير مقبول، فالحقّ في هذا رأي مسلم ◌َُّهُ فقد وافقه أحمد،
والبخاريّ، فتأمل بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٥٧/٥٣] (٢٥٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٤٠٤/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٦/٦)، و(ابن أبي عاصم) في
(«السُّنَّة)) (٦٢٩/٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِّبُ﴾.
(١) ((إكمال المعلم)) ٧ / ٥٧٥.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٤٦٢/٢.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(٥٤) - (بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَّةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ
نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٥٨] (٢٥٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ
قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرٍ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ
قَامَ، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسٍ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ
عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةٍ رَسُولِ الهِ وَالوهـ
تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةٍ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله :
(لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ»، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ
الْقَرْنُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر،
أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً، عابداً، فاضلاً، كان
يُشَبَّه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٢/١٤.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي حَثْمة، واسم أبي حَثْمة: عبد الله بن
حُذيفة، وقيل: عديّ بن كعب بن حُذيفة بن تمام بن غانم بن عبد الله بن
عويج بن عديّ بن كعب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ عارف بالنسب [٣].
روى عن أبيه وجدته الشفاء، وسعيد بن زيد بن عمرو، وعبد الله وحفصة
ابني عمر بن الخطاب، وحكيم بن حزام، وأبي هريرة.
وروى عنه الزهريّ، وابن المنكدر، وصالح بن كيسان، وإسماعيل بن
محمد بن سعد، وخالد بن إياس، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وغيرهم.

١١٩
(٥٤) - بَابُ قَوْلِ وَهِ: (لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَّةٍ، وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ)) - حديث رقم (٦٤٥٨)
قال الزهريّ: كان من علماء قريش، له في ((الصحيحين)) حديث الزهريّ
عنه مقروناً بسالم ابن عبد الله، عن ابن عمر، قال: ((صلى بنا رسول الله اله
في آخر حياته ... )) الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس
له في ((الصحيحين))، ولا في كتاب الترمذيّ إلا هذا الحديث.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿ُهَا، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيين، وفيه
سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن
عمر (وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي حثمة - بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء
المثلثة - واسم أبي حثمة: عبد الله بن حُذيفة العدويّ، وأما أبو بكر الراوي،
فتابعيّ مشهور، لم يُسَمّ، وقد قيل: إن اسمه كنيته، قاله في ((الفتح))(١). (أَنَّ
(قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية: ((صلى لنا))،
عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَر) ﴿ه
ومعنى اللام: صلى إماماً لنا، وإلا فالصلاة الله، لا لهم (٢). (ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي:
ليلةً من الليالي، (صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آَخِرِ حَيَاتِهِ) وفي حديث جابر الآتي أن ذلك
كان قبل موته وَل﴿له بشهر، (فَلَمَّا سَلَّمَ) وَلَّ من صلاته، وقوله: (قَامَ) جواب
(لَمّا))، (فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ) قال في ((العمدة)): بهمزة الاستفهام، وفتح
الراء، وبالخطاب للجمع، والكاف ضمير ثان، ولا محل لها من الإعراب،
والرؤية بمعنى الإبصار، و((ليلتكم)) بالنصب مفعوله، وليست الرؤية ههنا بمعنى
(١) ((الفتح)) ٣٦٩/١، كتاب ((العلم)) رقم (١١٦).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٦/٢.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
العلم؛ لأنها إذا كانت بمعنى العلم تقتضي مفعولين، وليس ههنا إلا مفعول
واحد، وهو الليلة، كما ذكرنا، و((كم)) لا تصلح أن تكون مفعولاً آخر، حتى
تكون بمعنى العلم؛ لأنه حرف، لا محل له من الإعراب، كما ذكرنا، ولو كان
اسماً لوجب أن يقال: أرأيتموكم؛ لأن الخطاب لجماعة، فإذا كان لجماعة
يجب أن يكون بالتاء والميم، كما في: علمتموكم؛ رعايةً للمطابقة.
[فإن قلت]: فهذا يلزمك أيضاً في التاء، فإن التاء اسم، فينبغي أن
يكون: أرأيتموكم.
[قلت]: لمّا كان الكاف والميم لمجرد الخطاب، اختُصِرت عن التاء
والميم بالتاء وحدها؛ للعلم بأنه جَمْع، تقول: ((كم))، والفرق بين حرف
الخطاب، واسم الخطاب، أن الاسم يقع مسنداً ومسنداً إليه، والحرف علامة
تُستعمل مع استقلال الكلام، واستغنائه عنها باعتبار المسند والمسند إليه،
فوزانُها وزان التنوين، وياءِ النسبة، وأيضاً اسم الخطاب يدل على عين، ومعنى
الخطاب، وحرفه لا يدلّ إلا على الثاني.
ويقال: ((أرأيتكم)) كلمة تقولها العرب إذا أرادت الاستخبار، وهو بفتح
التاء للمذكر، والمؤنث، والجمع، والمفرد، تقول: أرأيتكَ، أرأيتكِ،
وأرأيتكما، وأرأيتكم، والمعنى: أخبر، وأخبريني، وأخبراني، وأخبروني، فإن
أردت معنى الرؤية أنّثت، وجَمَعت. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أرأيتكم)) هو بفتح المثناة؛ لأنها ضمير
المخاطب، والكاف ضمير ثان، لا محل لها من الإعراب، والهمزة الأُولى
للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم(٢)، أو البصر، والمعنى: أَعَلمتم، أو أبصرتم
ليلتكم، وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف(٣)، تقديره: قالوا:
نعم، قال: فاضبطوها، وتَرِدُ ((أرأيتكم)) للاستخبار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٦/٢.
(٢) للعينيّ اعتراض على كونها للعلم، راجع: ((العمدة)) ١٧٦/٢.
(٣) للعينيّ أيضاً اعتراض على هذا، راجع: شرحه ١٧٦/٢، لكنه متناقض فقد ذكر في
محلّ آخر تقدير الجواب، راجع: (شرحه)) ٩٧/٥.