Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َلُه - حديث رقم (٦٣٣٩)
محذوف؛ أي: ورأيت امرأتين (تَدْعُوَانِ إِسَاناً وَنَائِلَةَ) هما: صنمان، وقد تقدَّم
ذِكرهما في ((كتاب الحج))، وقد رَوَى ابن أبي نجيح: أن إسافاً ونائلة كانا
رجلاً وامرأة حجًّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين، فلم يزالا
في المسجد حتى جاء الإسلام، فأخرجا منه، قاله القرطبيّ تَظَّهُ(١).
وقال ياقوت الحمويّ: إساف بكسر الهمزة، وآخره فاء، وإساف ونائلة
صنمان كانا بمكة، قال ابن إسحاق: هما مسخان، وهما إساف بن بغاء،
ونائلة بنت ذئب، وقيل: إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهيل، وإنهما زنيا في
الكعبة، فمُسخا حجرين، فنُصبا عند الكعبة، وقيل: نُصب أحدهما على
الصفا، والآخر على المروة؛ ليُعْتَبر بهما، فَقَدُم الأمر، فأمر عمرو بن لُحَيّ
الخزاعي بعبادتهما، ثم حوّلهما قصيّ، فجعل أحدهما بلصق البيت، وجعل
الآخر بزمزم، وكان ينحر عندهما، وكانت الجاهلية تتمسح بهما .
وعن ابن عباس: أن إسافاً رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى،
ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها بأرض اليمن، فأقبلا حاجين، فدخلا
الكعبة، فوجدا غفلة من الناس، وخلوةً في البيت ففَجَر بها في البيت،
فمُسخا، فأصبحوا، فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما، فوضعوهما موضعهما،
فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعدُ من العرب. انتهى(٢).
(قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَانِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى) أراد أبو
ذرّ ظُه بهذا الكلام تعبيراً لهما على عبادة الصمنين، ودعائهما دون الله تعالى.
(قَالَ) أبو ذرّ: (فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا) وفي بعض النسخ: ((على قولهما))،
فتكون ((على)) بمعنى ((عن))؛ أي: لم تمتنعا عن دعائهما إساف ونائلة.
وقال النوويّ: أي: ما انتهتا عن قولهما، بل دامتا عليه، ووقع في أكثر
النسخ: ((فما تناهتا على قولهما))، وهو صحيح أيضاً، وتقديره: ما تناهتا من
الدوام على قولهما. انتهى (٣).
(١) ((المفهم)) ٣٩٥/٦.
(٢) ((معجم البلدان)) لياقوت الحمويّ ١٧٠/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٩/١٦.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنَّ مِثْلُ الْخَشَبَةِ) الهنُّ، والهنة: بتخفيف
نونهما، هو كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفَرْج والذَّكَر،
فقال لهما: ذَكَرٌ مِثْل الخشبة في الفرج، وأراد بذلك سبّ إساف ونائلة، وغيظ
الكفار بذلك.
وقوله: (غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي)؛ أي: سببت إسافاً ونائلة بالكلام الصريح، لا
بالكناية، و((أكني)) بفتح الهمزة، من كنى ثلاثيّاً، من باب رمى، وبضمها من
أكنى، وبضمها مع تشديد النون من كنّى بالتشديد، قال المجد تَُّ: كَنَى به
عن كذا يَكْنِي، ويَكْنُو كِنايَةً: تَكَلَّمَ بما يُسْتَدَلُّ به عليه، أو أن تَتَكَلَّمَ بشيءٍ،
وأنْتَ تُرِيدُ غيرَهُ، أو بِلَفْظِ يُجاذِبُه جانِبَا حَقيقةٍ ومَجازٍ، وَزَيْداً أبا عَمْرٍو، وبه
كُنْيَةً، بالكسر، والضم: سَمَّاهُ به، كأَكْناهُ، وكَنَّاهُ. انتهى(١).
(فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانٍ)؛ أي: تدعوان بالويل، وترفعان بذلك أصواتهما،
وتقولان: يا ويلنا، (وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا) بفتح الهمزة:
جَمْع نفر، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، وفي نسخة: ((من أنصارنا))، وهو
أوضح، والمراد: لو كان أحد من أنصارنا لأغاثنا، وانتصر لنا.
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: ((لو كان أحدٌ من أنفارنا))؛ أي: من قومنا، وهو
جَمْع نفر، والنَّفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف؛ أي:
لنصرنا عليك، ونحوه. انتهى (٢).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: الولولة: الدعاء بالويل، والأنفار: جمع نفر، أو
نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، ورواه بعضهم: ((أنصارنا))، وهو بمعناه،
وتقديره: لو كان هنا أحد من أنصارنا لانتصر لنا. انتهى (٣).
(قَالَ) أبو ذرّ: (فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق
(وَهُمَا
هَابِطَانٍ)؛ أي: نازلان إلى البيت، (قَالَ) وَلِّ للمرأتين: ((مَا لَكُمَا؟)))؛ أي: أيُّ
شيء أزعجكما، وجعلكما تولولان؟ (قَالَتَا: الصَّابِىُّ)؛ أي: الخارج عن دين
قومه، يُهمز، ولا يُهمز، وقد قُرئ بهما(٤). (بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا)؛ أي:
(١) ((القاموس المحيط)) ١٧١٣/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٩/١٦.
(٢) ((المفهم)) ٣٩٦/٦.
(٤) ((المفهم)) ٣٩٦/٦.

٣٨٣
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْفِفَارِيِّ ◌َله - حديث رقم (٦٣٣٩)
متعلّق في ذلك المكان، ويريدان أبا ذرّ ◌َظُه. (قَالَ) وِ: («مَا قَالَ لَكُمَا؟))،
قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ)؛ أي: كلمة عظيمة، حتى يكون الفم يضيق
عنها؛ لِعِظَمها .
وقال النوويّ: أي: عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء الذي يملأ
الشيء، ولا يسع غيره، وقيل: معناه: لا يمكن ذِكرها، وحكايتها، كأنها تسدّ
فم حاكيها، وتملؤه؛ لاستعظامها. انتهى(١).
(وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ) إلى البيت (حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ) الأسود؛ فيه أن
ابتداء الطواف منه. (وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ) أبو بكر الصدّيق ◌َُّه، (ثُمَّ
صَلَّى) ركعتي الطواف، فيه مشروعيّتهما. (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ
أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَيَّهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام) قال القرطبيّ ◌َخْتُ: يعني به: السلام عليك يا
رسول الله! وظاهره أنه أُلهم النُّطق بتلك التحية؛ إذ لم يكن سمعها قبل ذلك،
وعِلْمه بكونه أوّل من حيّاه يَحْتَمِل أن يكون إلهاماً، ويَحْتَمِل أن يكون عَلِمه بعد
ذلك بالاستقراء، ثم أَخبر عنه، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ))
قال النوويّ تَخّْثُ: هكذا هو في جميع النُّسخ: ((وعليك)) من غير ذِكر السلام،
وفيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا قال في ردّ السلام: ((وعليك))
يجزئه؛ لأن العطف يقتضي كونه جواباً، والمشهور من أحواله وَله، وأحوال
السلف ردّ السلام بكماله، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله، أو: ورحمته
وبركاته، وسبق إيضاحه في بابه. انتهى(٣).
(ثُمَّ قَالَ) وَ: ((مَنْ أَنْتَ؟»، قَالَ) أبو ذرّ: (قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ)؛ أي: أنا
رجل من قبيلة غفار. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَهْوَى بِيَدِهِ)؛ أي: مدّ يده وَّهِ، يقال:
أهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعد قيل:
هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأت إليه، قاله الفيّوميّ (٤).
(فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ) وَّهِ، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي)؛ أي: سرّاً من
(١) (شرح النوويّ)) ٢٩/١٦ - ٢٣٠.
(٢) ((المفهم)» ٣٩٦/٦.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢ / ٦٤٣ - ٦٤٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/١٦.

٣٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
غير أن أُظهره، (كَرِهَ) بكسر الراء، يقال: كَرِهه، كسَمِعه، كَرْهاً بالفتح، ويُضمّ،
وكراهَةً، وكراهيةً بالتخفيف، ومكرَهَةً، وتُضمّ راؤه، وتكرّهه: ضدّ أحبّه(١).
(أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ) قبيلتِهِ، لأنها معروفة بقطع الطريق، وقد وقع ذلك صريحاً
فيما أخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) من طريق الواقديّ من غير هذا السياق،
وفيه: ((فسأله النبيّ وَلّ: ممن أنت؟ فقال: من بني غفار، قال: فعجب
النبيّ ◌َّر، أنهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ ◌َله يرفع بصره فيه، ويصوِّبه
تعجباً من ذلك؛ لِمَا كان يَعْلَم منهم، ثم قال: إن الله يهدي من يشاء))(٢).
وقد روى الواقديّ أيضاً: أن أبا ذرّ نفسه كان يقطع الطريق، فروى عن
خُفَاف بن إيما بن رَحَضَة قال: ((كان أبو ذرّ رجلاً يصيب الطريق، وكان شجاعاً
يتفرد وحده يقطع الطريق، ويُغِير على الصِّرْم في عَماية الصبح على ظهر فرسه،
أو على قدميه، كأنه السبع، فيطرُق الحيّ، ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في
قلبه الإسلام، وسمع بالنبيّ وَّ، وهو يومئذ بمكة، يدعو مختفياً، فأقبل يسأل
عنه، حتى أتاه في منزله ... )) الحديث(٣).
(فَذَهَبْتُ)؛ أي: شرعتُ (آخُذُ بِيَدِهِ) بَِّ (فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ)؛ أي: دفعني
صاحبه أبو بكر الصدّيق ◌ُبه، يقال: قَدَعه بالدال المهملة، كقطعه، وأقدعه:
إذا كفّه، ومنعه.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: ((فَقَدَعَنِي صاحبه))؛ أي: كفَّني، ومنعني، يقال:
قَدَعْتُ الرَّجَل، وأقْدَعتُه: إذا كففته، ومنه قول الحسن: اقْدَعُوا هذه الأنفس،
فإِنَّها طُلَعَةٌ، وهو بالدال المهملة. انتهى (٤).
(وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي)؛ يعني: أن صاحبه أبا بكر ظُه كان أعلم بشأن
النبيّ وَّ، وحاله من أبي ذرّ رَُّبه، فلذلك مَنَعه لِعِلمه أنه نَّهُ لا يُحبّ ذلك،
(ثُمَّ رَفَعَ) وَ (رَأْسَهُ) إلى أبي ذرّ: (ثُمَّ قَالَ: ((مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟))؛ أي: في
(١) ((القاموس المحيط)» ص١١٢٨ بزيادة من ((المصباح)).
(٢) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢٢٣/٤.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢٢٢/٤.
(٤) ((المفهم)) ٣٩٦/٦ - ٣٩٧.

٣٨٥
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيّ ◌َظُه - حديث رقم (٦٣٣٩)
مكة، (قَالَ) أبو ذرّ (قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ)؛ أي:
خمسة عشر يوماً بليالها، (قَالَ: ((فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: مَأَ كَانَ لِي
طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ) بضمّ، ففتح،
وهو مضاف إلى (بَطْنِي) والعُكَن هي طاقات لحم البطن، والمراد بتكسّرها:
انثناؤها وانطواؤها؛ يعني: انكسرت تلك العُكَن بسبب السِّمَنِ، (وَمَا) نافية،
(أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ)؛ أي: ضَعفه، وهُزاله. (قَالَ) وَجَ: ((إِنَّهَا)؛
أي: زمزم، (مُبَارَكَةٌ) قال القرَّطَبِيّ ◌َخْتُهُ: أي: إنها تَظهَر بركتها على من صحَّ
صِدقه، وحَسُنَت فيها نيّته، كما قد رَوَى العقيليّ أبو جعفر من حديث أبي
الزبير، عن جابر: أن النبيّ ◌َ﴿ قال: ((ماء زمزم لِمَا شُرِب له))، فينبغي أن
يُتبرّك بها، وتُحَسَّن النية في شُربها، ويُحْمَل من مائها، فقد روى الترمذيّ عن
عائشة ﴿ها: أنها كانت تَحْمِل من ماء زمزم، وتُخبر أن رسول الله وَلو كان
يحمله، قال الترمذيّ: حديث حسن غريب(١).
(إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ))) بضمّ الطاء، وسكون العين المهملتين؛ أي: تُشبع
شاربها، كما يُشبعه الطَّعام.
قال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((إنها طعام طعم)) أي: يُشبَع منها، ويُرَدُّ
الجوع، الرواية فيه: (طعامُ طعم)) بالإضافة، والطعام: اسم لما يُتَطَعَّم، فكأنه
قال: طعام إشباع، أو طعامٌ يُشبع، فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله
ابن شميل، فإنه قال: يقال: إن هذا لطعامُ طعم؛ أي: يُطْعِم مَنْ أكَله؛ أي:
يَشبَع منه الإنسان، وما يُطْعِم أكلُ هذا الطعام؛ أي ما يُشبع منه، غير أنه قد
قال الجوهريّ: الظُّعْمُ بالضم: الطعام، وبالفتح: ما يُشتَهَى منه، قال: قال أبو
خراش [من الطويل]:
ويُؤْثَرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالظُّعمِ
أُرَدُّ شُجَاعَ البَطنِ لَوْ تَعْلَمينه
إذا الزَّادُ أَمْسَى للمُزَلَّجِ ذَا طَعْمٍ
وأَغْتَبِقُ الْمَاءَ الفَرَاحَ فَأَنْتَهِي
قال: فأراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يُشتھی.
قلت(٢): وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى؛ فإنَّه يكون
(١) ((المفهم)) ٣٩٨/٦.
(٢) القائل: القرطبيّ كَّلُهُ.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
كقولك: طعامُ طعام، ولا يصحُّ؛ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه؛ وإنَّما يستقيم
معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل، ويحصل من قولهما: أن طُعْماً يُستعمل
بمعنى الاسم، كما قاله الجوهريّ، وبمعنى الصفة، كما قاله ابن شميل، والله
تعالى أعلم.
وقد روى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ ◌َظُهُ عن النبيّ وَّ في
زمزم: ((إنها مباركةٌ، وهي طعام طعم، وشفاء سُقم)): أي: طعام من جوع،
وشفاء من سُقْم. انتهى(١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ: ((إنها طعام
طُعْم))، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم: ((وشِفاء سُقْم))(٢).
قال: وفي ((المستدرك)) من حديث ابن عباس ◌ًا مرفوعاً: ((ماء زمزم لِمَا
شُرب له))(٣)، رجاله موثّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله، ووَصْله، وإرساله
أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن
ماجه، ورجاله ثقات، إلا عبد الله بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرد
به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن
طريق حمزة الزيات، كلاهما عن أبي الزبير بن سعيد، عن جابر.
ووقع في ((فوائد ابن المقرئ)) من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن
المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر، وزعم الدمياطي
أنه على رَسْم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال، إلا أن سُويداً، وإن
أخرج له مسلم، فإنه خَلَط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن
المبارك، عن ابن المؤمل، وقد جمعت في ذلك جزءاً، والله أعلم. انتهى(٤).
(١) ((المفهم)) ٣٩٧/٦ - ٣٩٨.
(٢) حديث صحيح.
(٣) حديث صحيح، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألبانيّ تَذَثُ في ((الصحيحة)) ٥٤٣/٢
وأورد ما أخرجه البيهقيّ: ((كان يَحمل ماء زمزم في الأداوي والقِرَب، وكان يصبّ
على المرضى، ويَسقيهم))، ثم قال: صحيح، وله شاهد، ثم ذكر ذلك، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٤) ((الفتح)) ٤٩٣/٣.

٣٨٧
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َُبه - حديث رقم (٦٣٣٩)
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ ◌َبهِ: (يَا رَسُولَ اللهِ اْذَنْ لِي فِي طَعَامِه)؛ أي:
إطعامه الطعام (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: في هذه الليلة، (فَانْطَلَقَ
(وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَاباً، فَجَعَلَ
رَسُولُ اللهِ، وَأَبُو بَكْرِ) ◌َُّ
يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِّفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا)؛ أيّ: بمكة، (ثُمَّ
غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ)؛ أي: بقِيتُ ما بقيت بهذه الحالة، وقد تقدّم أن ((غَبَر)) من
الأضداد، قال الفيّوميّ كَّلُ: غَبَر غُبُوراً، من باب قَعَد: بقي، وقد يُستعمل
فيما مضى أيضاً، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُوراً: مكَثَ، وفي
لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. انتهى(١).
(ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ) وَلِ: ((إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي
تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك كَّلُ في ((الكافية)):
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى)»
(قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أُريت جهتها بالوحي،
(ذَاتُ نَخْلٍ) صفة لـ((أرض))، (لَا أُرَاهَا) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: لا أظنّ
تلك الأرضِّ (إِلَّا يَغْرِبَ)؛ يعني: المدينة؛ والمعنى: أنه وَلّ أُري دار هجرته
أرضاً ذات نخل من غير أن تُسمّى له في الوحي، ولكنه فَهِمَ أنه أرض يثرب،
وهذا اسمها الجاهليّ، قال في ((المشارق)): يثرب: اسم مدينة النبيّ وَّ بثاء
مثلّثة، وراء مكسورة، وقد غَيّر النبيّ وَّ و ذلك، فسمّاها طابة، وطَيْبة، كراهةً
لِمَا في يثرب من التثريب، وقيل: سُمّيت يثرب بأرض بها، تُسَمَّى كذلك
المدينة بناحية منها. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ: ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ، من باب ضرب: عَتَبَ، ولام،
وبالمضارع بياء الغائب سُمِّي رجل من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبيّ وَّ،
فسُميت المدينة باسمه، قاله السهيليّ. انتهى (٣).
وقال النوويّ: ((لا أراها إلا يثرب)) وهذا كان قبل تسمية المدينة طابة،
وطيبة، وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن تسميتها يثرب، أو أنه سمّاها
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٤٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥/١.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٣٠٦/٢.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
باسم معروف عند الناس حينئذ. انتهى (١).
(فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟)؛ أي: هل ترجع إلى قومك، وتدعوهم إلى
الإيمان بي، واتباع ما جئت به؟؛ لأنه لا داعي في إقامتك بمكة، والمسلمون
مضطهدون فيها، فهل تغتنم هذا الوقت بحمل رسالة الإسلام إليهم؟ (عَسَى اللهُ
أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ)؛ أي: بسبب دعوتك، (وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ)))؛ أي: يعطيك أجر
دعوتهم، يقال: أَجَره الله أَجْراً، من باب قَتَلَ، ومن باب ضَرَب لغة بني كعب،
وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه(٢).
وهذا الحديث يفسّره، ويوضّحه حديث أبي هريرة ◌َُّه؛ أن رسول الله وَ اه
قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك
من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه،
لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»، رواه مسلم.
قال أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ أُنَيْساً) أخاه، (فَقَالَ) أنيس: (مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ:
صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ) النبيّ وَّوَ بما جاء به من عند الله تعالى.
(قَالَ) أُنيس: (مَا) نافية، (بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ)؛ أي: ما أكره دينك الذي جئت
به من عند النبيّ وَ﴿؛ لأن رغب إذا تعدّى بـ(عن)) يكون بمعنى عدم إرادة
الشيء، وإذا تعدّى بـ(في)) يكون بمعنى إرادة الشيء، قال الفيّوميّ كَُّهُ: رَغِبْتُ
في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدى بنفسه أيضاً: إذا أردته، رَغْباً، بفتح الغين،
وسكونها، ورُغْبَى، بفتح الراء، وضمّها، ورَغْبَاءُ، بالفتح، والمدّ، وَرَغِبْتَ،
عنه: إذا لم تُرِدْه. انتهى (٣) .
(فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا) تقدّم أنها رملة بنت الوقيعة،
(فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا)؛ أي: لا أكرهه، بل أدخل فيه، (فَإِنِّي قَدْ
أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا) مبالغة الحمل؛ أي: حملنا، أنفسنا، وأمتعتنا،
وكلّ ما كان معنا على إبلنا، ثم سافرنا .
وأخرج ابن سعد من طريق الواقديّ: أن أبا ذرّ ((جاء إلى النبيّ
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٨١.

٣٨٩
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيَِّظ ◌ُبه - حديث رقم (٦٣٣٩)
فقال: يا رسول الله أما قريش فلا أَدَعُهم، حتى أثأر منهم، ضربوني، فخرج،
حتى أقام بعُسفان، وكلما أقبلت عِير لقريش يحملون الطعام يُنَفِّر بهم على ثنية
غزال، فتلقي أحمالها، فجمعوا الحنط، قال: يقول أبو ذرّ لقومه: لا يمس
أحدٌ حبة، حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون
الغرائر))(١).
(حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَاراً) بدل، أو عطف بيان، (فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ) معطوف
على مقدّر؛ أي: دعوتها إلى الإسلام، فأسلم نصفهم، (وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ
رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ) ((إيماء)) بكسر الهمزة في المشهور ممدوداً، وحَكَّى القاضي فتح
الهمزة أيضاً، وأشار إلى ترجيحه، قال النوويّ: وليس براجح، و((رَحَضَة))
بِراء، وحاء مهملة، وضاد معجمة مفتوحات.
قال في ((الإصابة)): إيماء بن رَحَصَة بن خربة بن خُفاف بن حارثة بن
غِفار، قديم الإسلام، قال ابن المدينيّ: له صحبة، قال: وقد روى حنظلة
الأسلميّ عن خفاف بن إيماء بن رَحَضة حديث القنوت، وقال بعضهم: عن
إيماء بن رحضة، ثم ذكر قصّة مسلم هنا، وقوله: ((وكان يؤمّهم إيماء بن رحضة
الغفاريّ))، قال: ولكن ذكر أحمد في هذا الحديث الاختلاف على رواية
سليمان بن المغيرة، هل هو خُفاف بن إيماء، أو أبوه إيماء بن رحضة؟ وعلى
هذا فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدم على إسلام أبيه، والله أعلم.
وذَكَر الزبير بن بكار من حديث حكيم بن حزام أن إيماء بن رحضة حضر
بدراً مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك، وذكر ابن سعد أنه أسلم قريباً من
الحديبية، وهذا يعارض رواية مسلم، وقال ابن سعد: كان سكن غَيقة من ناحية
السُّقْيَا، ويأوي إلى المدينة. انتهى(٢).
(وَكَانَ) إيماء بن رَحَضَة (سَيِّدَهُمْ)؛ أي: سيّد قبيلة غفار، (وَقَالَ نِصْفُهُمْ)
الباقي: (إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال، (رَسُولُ اللهِ﴿ِ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ)؛ أي: قبيلة أسلم
(١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢٢٣/٤ - ٢٢٤.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٦٩/١.

٣٩٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
- بفتح الهمزة، وسكون السين، وفتح اللام - بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن
عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في
(اللباب))(١). (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا) يعنون غِفاراً، (نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي
أَسْلَمُوا عَلَيْهِ)؛ أي: على دين الإسلام الذي جئت به من عند الله تعالى.
(فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ)) قال
القرطبيّ تَخْتُهُ: إنما دعا النبيّ ◌َّ﴿ لهاتين القبيلتين؛ لأنَّهما أسلمتا طوعاً، من
غير قتال، ولا إكراه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خبراً عما فعل الله بهاتين القبيلتين
من المغفرة، والمسالمة لهما، وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق،
وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َظُه عنه هذا بهذا السياق من أفراد
المصنّف .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٣٩/٢٨ و٦٣٤٠ و٦٣٤١] (٢٤٧٣)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) مختصراً (٤٥٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٤/٥) وفي
((فضائل الصحابة)) (٢٤٧٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢١٩/٤ - ٢٢٢)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٧٣) و((الأوسط)) (١٠٨/٣)
وفي (الأحاديث الطوال)) (٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٣٣)، و(أبو نعيم)
في ((الحلية)) (١٥٧/١ -١٥٨) و((دلائل النبوّة)) (١٩٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك))
(٣٤١/٣)، وفوائده تأتي في شرح رواية ابن عبّاس ◌ُّ التالية - إن شاء الله
تعالی ۔۔
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ
شُمَيْلِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ بَعْدَ
(١) (اللباب في تهذيب الأنساب)) ٥٨/١. (٢) ((المفهم)) ٣٩٩/٦.

٣٩١
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َبه - حديث رقم (٦٣٤٠)
قَوْلِهِ: قُلْتُ: فَاكْفِنِ، حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ
مَكّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ، وَتَجَهَّمُوا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل
مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [4] (ت٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣٩/٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدْ شَنِفُوا لَهُ) بشين معجمة مفتوحة، ثم نون مكسورة، ثم فاء؛ أي:
أبغضوه، ويقال: رجلٌ شَنِفٌ، مثالُ حَذِرٍ؛ أي: شانئٌ مُبْغِضٌ، قاله النوويّ(١).
وقال المجد: شَنِف له، كفرِحَ: أبغضه، وتنكّره، فهو شَنِفٌ، والشانف:
المعرض، وإنه لمشانف عنّا بأنفه: رافع. انتهى.
وقوله: (وَتَجَهَّمُوا)؛ أي: قابلوه بوجوه غليظة كريهة، من الجهم، وهو
الوجه الغليظ السَّمِجُ، وجَهَمه، من باب منه، وسَمِع، وتجهّمه، وتجهّم له: إذا
استقبله بوجه كريه، والمراد: أن أُنيساً لمّا أَذِن لأبي ذرّ ﴿ّ في الذهاب إلى
مكة حذّره من أهلها؛ لأنه لمّا ذهب إليها أوّلاً رأى في وجوه أهلها غلظةً،
وكراهيةً للنبيّ وَّر، وأصحابه ﴿ه، ولمن يستخبر عن شأنهم، فأشار على أبي
ذرّ بأن يكون منهم على حذر؛ لئلا يصيبوه بأذاهم.
وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((إنهم قد شَنِفُوا له، وتَجَهَّمُوا))؛ أي:
أبغضوه، وعبسوا في وجهه، والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه: إذا
كان غليظه، منعقده؛ كأنه يُعَبِّس وجهه لكل أحد. انتهى(٢).
[تنبيه]: رواية النضر بن شُميل عن سليمان بن المغيرة هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
(١) (شرح النوويّ)) ٣١/١٦ - ٣٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٩٩/٦.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤١] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ،
قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْذٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ
أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كُنْتَ
تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِي اللهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ
الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي
أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ(١) حَتَّى غَلَبَهُ، قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ
أَيْضاً فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ
الْمَقَامِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَإِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، قَالَ: قُلْتُ: السَّلَامُ
عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟))، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضاً: فَقَالَ:
((مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا؟»، قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَتْحِفْنِ(٢) بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم
قريباً .
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [٥] (ت١٥٠) على
الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ ... إلخ) تقدّم وجه الجمع بينه وبين رواية ثلاث
سنین قبل حديث.
وقوله: (فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء والجيم، وفي بعض النسخ: ((تُوَجِّهُ))
(١) وفي نسخة: ((يمدحه، ويُثني عليه حتى)).
(٢) وفي نسخة: ((ألحقني)).

٣٩٣
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َظ ◌ُه - حديث رقم (٦٣٤١)
بضمّ التاء، وكسر الجيم، وكلاهما صحيح، قاله النوويّ تَخْذَلُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ((تُوجِّه)) بالضبط الثاني، مضارع وَجَّهَ، بتشديد
الجيم، وهو بمعنى توَجّه، يقال: وَجَّهُتُ إليك توجيهاً: بمعنى توجّهت، قاله
في ((القاموس))(٢).
وقوله: (وَاقْتَصِنَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) فاعل ((اقتصّ))
ضمير ابن عون.
وقوله: (فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلِ مِنَ الْكُهَّانِ)؛ أي: تحاكما.
وقوله: (فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أَنَّسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله:
((فلم يزل أخي أُنَّيْس يمدحه حتى غلبه)) كذا في رواية السِّجْزيّ وغيره، وهي
واضحة؛ أي: لم يزل يُنشد شعراً يقتضي المدح، حتى حكم له الكاهن بالغلبة
على الآخر، وأنه أشعر منه، وكأنّ هذا الكاهن كان شاعراً، فقضى بينهما
بذلك، وفي رواية الْعُذْريّ: ((فلم يزل أخي أنَيْس يمدحه، ويثني عليه)) مكان:
((حتى غلبه)). قال: ((فأخذنا صِرْمَته، فَضَمَمْناها إلى صرمتنا))، والرواية الأُولى
أَولى؛ لأنَّها أفادت معنى مناسباً به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ
صِرْمته؛ لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة؛ ولأن قوله: ((ويثني عليه)) مكرر؛ لأنَّه قد
فُهم ذلك من قوله: ((يمدحه)، فحَمْلُ الكلام على فائدة جديدة أَولی.
وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبيّن أن أخاه أُنَيْساً كان شاعراً مُفْلِقاً مُجيداً،
بحيث يُحكم له بغلبة الشعراء، ومن كان هكذا عَلِم أنه عالم بالشعر، وأنواعه،
فلما كان كذلك، وسمع القرآن، علم قطعاً أنه ليس بشعر، ولذلك قال: لقد
وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر، ولا
أنه {وَ ﴿ شاعر، فكان ذلك تكذيباً لمن زَعَمه من جهَّال الكفار، ومن المعاندين
الفجَّار.
قال القرطبيّ: وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت، وبين حديث
عبد الله بن عباس تباعد، واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث
يبعد الجمع بينهما فيه، وذلك: أن في حديث ابن الصامت: أن أبا ذر لقي
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٢/١٦.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٣٨٤.
,

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
النبيّ وَّ﴿ أول ما لقيه ليلاً، وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام
ثلاثين بين يوم وليلة، ولا زاد له؛ وإنَّما اغتذى بماء زمزم، وفي حديث ابن
عباس: أنه كان له قِربة، وزاد، وأن عليّاً ظله أضافه ثلاث ليال، ثم أدخله
على النبيّ وَّه في بيته، فأسلم، ثم خرج، فصرخ بكلمتي الإسلام، وكل واحد
من السندين صحيح، فالله أعلم أيُّ المتنين الواقع، ويَحْتَمِل أن يقال: إن أبا
ذرّ لمّا لقي النبيّ وَ﴿ حول الكعبة، وأسلم، لم يعلم به إذ ذاك عليّ؛ إذ لم
يكن معهم، ثم إن أبا ذرّ بقي متستراً بحاله، إلى أن استتبعه عليّ، ثم أدخله
على النبيّ وَ﴿، فجدَّد إسلامه، فظن الراوي: أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا
الاحتمال بُعد، والله أعلم بحقيقة ذلك، قال: ولم أر من الشارحين لهذا
الحديث من تنبّه لهذا التعارض، ولا لهذا التأويل. انتهى كلام القرطبيّ ◌َظُّهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولم أر من الشارحين ... إلخ)) بل قد
تعرّضوا للجمع بين الحديثين، وسيأتي ما قاله الحافظ تَتُ عند شرح حديث
ابن عبّاس ◌ّ التالي - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا) الصرمة بكسر الصاد
المهملة، وسكون الراء: القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصغّر
على صُرَيمة، والجمع صِرَمٌ، مثلُ سِدْرة، وسِدَر(١).
وقوله: (مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ) لا تعارض بينه وبين ما سبق: ((ثلاثين بين يوم
وليلة))؛ لأن التقدير: خمس عشرة ليلة بأيامها .
وقوله: (أَتْحِفْنِي(٢) بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ)؛ أي: خُصّني بها، وأكرمني بذلك،
قال أهل اللغة: التحفة بإسكان الحاء، وفتحها: هو ما يُكرم به الإنسان،
والفعل منه أتحفه، قاله النوويّ(٣).
ووقع في بعض النسخ: ((ألحقني)) بدل ((أتحفني))، والظاهر أنه مصحّف
منه، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٣٩/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣٢/١٦.
(٢) وفي نسخة: ((ألحقني)).

٣٩٥
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َله - حديث رقم (٦٣٤١)
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن حميد بن هلال هذه ساقها البزّار ◌َّتُهُ في
((مسنده)) بسند المصنّف، فقال:
(٣٩٤٦) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا ابن أبي عديّ، عن ابن
عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: قال
لي: يا ابن أخي صليت قبل أن ألقى رسول الله وَّر ثلاث سنين، قال: قلت:
فأين كنت توجه؟ قال: كنت أتوجه حيث وجَّهني الله، كنت أقوم من الليل ما
شاء الله، فإذا كان من آخر الليل أَلقيت نفسي، كأني خِفَاء، وكنا مع خالنا،
فقال له إنسان: إن أنيساً يَخلُفُك في أهلك، قال: فقال له أخي أنيس: يا
خالاه، أما ما صنعت من معروفك، فقد والله كدّرته، وأما نحن فلا نساكنك
ببلد أنت به، قال: وكنا مع أمنا في صرمتنا، فنافر أخي أنيس رجلاً بصرمتنا،
فتنافر إلى رجل من الكهان، ولم يزل أنيس يمدحه حتى غلبه، فأخذ صرمته،
فضمّها إلى صرمتنا، وانطلق أخي أنيس إلى مكة، فقال: لقد رأيت بها رجلاً
إنه لأشبه الناس بك، يقال له: الصابئ، قال: قلت: حتى أذهب، فأنظر،
قال: فأتيت مكة، فدنوت من إنسان، فقلت: أين هذا الذي يقال له: الصابئ؟
قال: فرفع صوته، وقال: صابي، صابي؟ قال: فرُميت، حتى تُركت كأني
كذا، كلمة ذكرها ابن أبي عديّ، فانطلقت، فكنت بين مكة وأستارها،
فخرجت ذات ليلة، فإذا أنا بامرأتين، تطوفان، تدعوان إسافاً ونائلة، قال:
قلت: زوِّجوا إحداهما الأخرى، فقالتا: صابي، صابي، قال: قلت: أنا هَنٌ
مثل خشبة في هَنٍ، غير أني ما أكني، قال: فانطلقتا، فإذا هما بالنبيّ وَّ،
وأبي بكر، مقبلين من أسفل مكة، فقالتا: هذا صابي بين الكعبة وأستارها،
فجاء النبيّ وَّر، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام، قال: فأتيته،
قال: فإني أول الناس حيّاه بتحية الإسلام، قال: قلت: السلام عليك يا
رسول الله، قال: ((وعليك، من أنت؟))، قلت: أنا من بني غفار، قال: فقال:
((بيده كذا على وجهه))، قال: قلت: كره القومَ الذين انتميت إليهم، فذهبت
أقول بيده، قال: فقال صاحبه بيده دون يدي، وكان أعلم مني، قال: فرفع
يده، فقال: ((منذ كم أنت ها هنا؟)) قال: قلت: منذ خمس عشرة، قال: ((فما
كان طعامك؟)) قلت: شراب زمزم، وما وجدت على كبدي سُخفة جوع، ولقد

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
تكسرت ◌ُكَن بطني، قال: ((أمَا إنه طعام طُعْم، وشفاء سُقْم))، قال: فقال أبو
بكر: متِّعني بضيافة الليلة، قال: فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة، فقبض لي
قبضات من زبيب، قال: وقال لي رسول الله وَله: ((إنه قد ذُكر لي أرض بها
نخل، فإذا بلغك أنّا قد أتيناها، فأُتِنا))، قال: فرجعت إلى أهلي، فقال أنيس:
ما صنعت؟ قلت: بايعت رسول الله وَ﴾، وأسلمت، فقال: ما بي رغبة عن
دينك، أو ما بي عن دينك من رغبة، فأسلم أخي، وقالت أمي: ما بي عن
دينكما من رغبة، فأسلمت، وأسلم ناس من قومنا، وقال الشطر الآخر: حتى
أتلقى رسول الله وَله، فنشترط لأنفسنا. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٤٢] (٢٤٧٤) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ - وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ حَاتِم - قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُّ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرِّ مَبْعَثُ النَّبِّ ◌َّهِ بِمَكَّةَ، قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي،
فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاسْمَعْ مِنْ
قَوْلِهِ، ثُمَّ اثْنِي، فَانْطَلَقَ الآخَرُ، حَتَّى قَدِمَ مَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي
ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَلَاماً مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي
فِيمَا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ،
فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ، حَتَّى أَدْرَكَهُ - يَعْنِي: اللَّيْلَ -
فَاضْطَجَعَ، فَرَآهُ عَلِيٍّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قُرَيْبَتَهُ، وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ
الْيَوْمَ، وَلَا يَرَى النَّبِيَّ وَّهِ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: مَا
أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ، فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ
عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٍّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:
(١) ((مسند البزار)) ٣٦٧/٩ - ٣٦٩.

٣٩٧
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َلُه - حديث رقم (٦٣٤٢)
أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْداً وَمِيثَاقاً لَتُرْشِدَنِّي
فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ،
فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئاً أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ،
فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ،
وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَلِهِ: ((ارْجِعْ إِلَى
قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي))، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ
ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ، فَأَكَبَّ
عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ(١) إِلَى
الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ
عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) ((عَرْعَرة)) - بمهملات - الساميّ -
بالمهملة - البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تَكَلَّم أحمد في بعض سماعه
[١٠] (ت٢٣١) (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩٤/٣١.
[تنبيه]: قوله: (السَّامِيُّ) بسين مهملة: نسبة إلى سامة بن لؤيّ بن غالب،
قاله في ((اللباب))(٢).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) أبو سعيد البصريّ الناقد الجِهِْذ، تقدّم أيضاً
قريباً .
٤ - (الْمُثَتَّى بْنُ سَعِيدٍ) الضُّبَعيّ - بضم المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو
سعيد البصريّ القَسّام القصير، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)» ١٥٦٩/٥٧.
(١) وفي نسخة: ((تجارتكم)).
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٩٥/٢.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٥ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - نصر بن عمران بن عِصام الضُّبعيّ البصريّ، نزيل
خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٢٨) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٢٤/٦.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف، ابن عمّ رسول الله وَلّة، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة
ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من
فقهاء الصحابة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه،
فالأول بصري، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، ثم بغداديّ، وفيه ابن عبّاس ◌ًُّا،
ذو المناقب الجمّة، دعا له رسول الله وَله بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر
والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر رظلُله: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا
أحد، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، روى (١٦٩٦)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ِّ؛ أنه (قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ) هو جندب، وقيل:
بريد بن جُنادة - بضم الجيم، والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن
عبيد بن حرام - بالمهملتين - ابن غِفار، وغِفار من بني كنانة، قاله في
((الفتح)) (١)، وتقدّم ذِكر الخلاف في اسمه، واسم أبيه في أول الباب.
(مَبْعَثُ النَّبِيِّ بَّهِ بِمَكَّةَ)؛ أي: بَعْته، وإرساله إلى الناس، فالمبعث مصدر
ميميّ لِبَعَث. (قَالَ لأَخِيهِ) تقدّم أنه أُنيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي)؛ أي: وادي
مكة، وفي أول رواية أبي قتيبة عند البخاريّ: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم
بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلاً من غفار،
وهذا السياق يقتضي أن ابن عباس تلقّاه من أبي ذر رظُه.
قال في (الفتح)): وقد أخرج مسلم قصة إسلام أبي ذرّ من طريق عبد الله بن
(١) ((الفتح)) ٥٨٢/٨، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١).

٣٩٩
(٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َظُبه - حديث رقم (٦٣٤٢)
الصامت عنه، وفيها مغايرة كثيرة لسياق ابن عباس، ولكن الجمع بينهما
ممكن، ثم ساق قطعة من أوله إلى قوله: ((لقد سمعت كلام الكهنة، فما هو
بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم عليها، والله إنه
لصادق)».
ثم قال: وهذا الفصل في الظاهر مغاير لقوله في حديث ابن الصامت:
((إن أبا ذر قال لأخيه: ما شفيتني))، ويُمكن الجمع بأنه كان أراد منه أن يأتيه
بتفاصيل من كلامه، وأخباره، فلم يأته إلا بمجمل(١).
(فَاعْلَمْ لِي)؛ أي: لأجلي، (عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ) منصوب بقوله: ((اعلم)).
(الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ) ((من)) للتبعيض؛
أي: اسمع بعض قوله؛ يعني: أنه يكفيه أن يسمع بعضه؛ لأنه يتبيّن به الصادق
من الكاذب. (ثُمَّ اثْتِنِي، فَانْطَلَقَ الآخَرُ)؛ أي: أُنيس، وفي رواية للبخاريّ:
((فانطلق الأخ))، وفي رواية الكشميهني: ((فانطلق الآخر))، قال عياض: وقع
عند بعضهم: ((فانطلق الأخ الآخر))، والصواب الاقتصار على أحدهما؛ لأنه لا
يُعرف لأبي ذرّ إلا أخ واحد، وهو أنيس. انتهى.
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((فانطلق الآخر)) هكذا هو في أكثر النُّسخ،
وفي بعضها: ((الأخ))، بدل (الآخر))، وهو هو، فكلاهما صحيح. انتهى(٢).
(حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال، (مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ)؛ أي: من قول
النبيّ وَّه (ثُمَّ رَجَعَ) أُنيس (إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ)؛ يعني: النبيّ ◌َِّ، (يَأْمُرُ
بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ)؛ أي: بالأخلاق الحسان، وقوله: (وَكَلَاماً مَا هُوَ بِالشِّعْرِ) كذا
في هذه الرواية، بنصب ((كلاماً))، وهو منصوب بالعطف على الضمير
المنصوب، وفيه إشكال؛ لأن الكلام لا يُرَى، ويجاب عنه بأنه من قبيل قوله:
عَلَفْتُهَا تبناً وماء بارداً حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
وفيه الوجهان: الإضمار؛ أي: وَسَقَيْتها، أو ضَمَّن العَلْف معنى الإعطاء،
وهنا يمكن أن يقال: التقدير: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعته يقول كلاماً
(١) ((الفتح)) ٨/ ٥٨٢، كتاب ((مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٣/١٦.

٤٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ما هو بالشعر، أو ضَمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، ووقع في رواية أبي قتيبة:
((رأيته يأمر بالخير، وينهى عن الشرّ))، ولا إشكال فيها، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): [فإن قلت]: الكلام لا يُرَى.
[قلت]: فيه وجهان: الإضمار، والمجاز، من قبيل قوله :
عَلَفْتُهَا تبناً وماء بارداً
أما الإضمار فهو: سَقَيْتُها ماءً، وأما المجاز فهو أنّ ((عَلَفتها)) بمعنى
أعطيتها، وأما ههنا فالإضمار هو أن يقدّر: وسمعته يقول كلاماً، وأما المجاز
فهو أن يُضمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، فالتقدير: وأخذت عنه كلاماً ما هو
بالشعر. انتهى (١) .
(فَقَالَ) أبو ذرّ لأخيه أُنْيس ◌ِّ: (مَا) نافية، (شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ)؛ أي:
ما أتيتني بالتفاصيل التي كنت أحبّ أن أعرفها .
وقال النوويّ: قوله: ((فيما أردت)) كذا في جميع نُسخ مسلم: ((فيما))
بـ(في))، وفي رواية البخاريّ: ((مما)) بالميم، وهو أجود؛ أي: ما بلّغتني
غرضي، وأزلت عني هَمَّ كشف هذا الأمر. انتهى (٢).
(فَتَزَوَّدَ)؛ أي: أخذ زاد، وهو طعام المسافر المتّخذ لسفره، والجمع
أزواد. (وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ) بفتح الشين المعجمة: القربة البالية، وقوله: (فِيهَا مَاءٌ)
جملة في محلّ نصب صفة لـ((شنّةً)).
هذه الرواية صريحة في أن أبا ذرّ ◌َهُبه كان معه زاد حين سافر إلى مكة،
وقد مرّ في رواية عبد الله بن الصامت أنه لم يكن له طعام إلا ماء زمزم مدّة
ثلاثين يوماً .
ويُمكن الجمع بينهما بأنه كان معه زاد في ابتداء سفره إلى مكة، ولكنه
فني بعد وصوله إليها، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَّى الْمَسْجِدَ) الحرامِ (فَالْتَمَسَ)؛ أي: طلب (النَِّيَّ ◌ََّ،
وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ)؛ أي: لأنه عَرَف أن قومه يؤذون من يقصده، أو
يؤذونه بسبب قَصْد من يقصده، أو لكراهتهم في ظهور أمره لا يَدلّون من يسأل
(١) ((عمدة القاري)) ٣/١٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٣/١٦.