Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٢٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَيْبِيبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦٣٣٨) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ) الْهُذَليّ، أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٢٩) أو بعدها بسنة (م صد) تقدم في ((الصيام)) ٢٧٠٩/٣٢. ٢ - (كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْم) الْعَدَويّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٤] (م دس) تقدم في ((الزكاة)) ٣٧/ ٢٤٠٤. ٣ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلَة بن عُبيد الأسلميّ الصحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُرَاسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين، على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٦/٣٦. والباقيان ذكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأن كلّاً من ثابت، وكنانة من الطبقة الرابعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، نَضْلة بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، ابن عُبيد الأسلميّ ﴿ُه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ فِي مَغْزَّى لَهُ) بفتح الميمِ، وسكون الغين المعجمة؛ أي: في سفر غَزْو، ولم تُسمَّ هذه الغزوة، (فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ)؛ أي: نَصَره الله تعالى على أعدائه، وردّ الله أموالهم إليه فيئاً، والفيء: الغنيمة، قال في ((التاج)): وقد تكرَّر في الحديثِ ذِكْرُ الفَيْءِ على اختلافٍ تَصَرُّفِه، وهو ما حصلَ للمُسْلِمين من أَموالِ الكُفَّارِ من غير حربٍ، ولا جِهادٍ، وقال أيضاً: وسُمِّي هذا المال فَيْئاً؛ لأنَّه رَجَع إلى المُسْلِمين من أَموال الكفَّار عَقْواً، بلا قِتالٍ. انتهى(١). (فَقَالَ) وَِّ الأَصْحَابِهِ) ﴿ه: ((هَلْ تَفْقِدُونَ) بكسر القاف، يقال: فقدته. فقْداً، من باب ضرب، وفِقْداناً: عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله(٢). (مِنْ أَحَدٍ؟))) ((من)) زائدة للتوكيد، كما قال في ((الخلاصة)): (١) (تاج العروس)) ١٨١/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٧٨/٢. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرّ نَكِرَةً كَـ((مَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرّ)) (قَالُوا: نَعَمْ فُلَاناً)؛ أي: نفقد فلاناً، ولم يسمَّ، والاثنانّ بعده. (وَفُلَاناً، وَفُلَاناً، ثُمَّ قَالَ) بَيَِّ مرّةً ثانيةً: ((هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟))، قَالُوا: نَعَمْ فُلَاناً، وَفُلَاناً، وَفُلَاناً، ثُمَّ قَالَ) وَ مرّة ثالثةً: ((هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟))، قَالُوا: لَا)؛ أي: لا نفقد غير هؤلاء الذين ذكرناهم. وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((هل تفقدون أحداً؟)) هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلامَ كونهم فقدوا أحداً ممن يعزّ عليهم فَقْده؛ إذ ذاك كان معلوماً له بالمشاهدة؛ وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يَخْتفلوا به، ولا التفتوا إليه؛ لكونه كان غامضاً في الناس، ولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه، أو حبيبه، فكان مشغولاً بمُصابِه، لم يتفرَّغ منه إلى غيره، ولَمَّا أطلع الله تعالى نبيَّهِ بَ﴿ على ما كان من جليبيب ◌َُّهُ من قَتْله السَّبعة الذين وجدوا إلى جنبه، نوَّه باسمه، وعرَّف بقَدْره، فقال: ((لكني أفقدُ جُليبيباً))؛ أي: فقدُهُ أعظم من فَقْد كل من فُقِد، والمصاب به أشدّ، ثم إنه أقبل بإكرامه عليه، ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته، ولتناله بركة ملامسته وَالول. انتهى(١). (قَالَ) ◌َ: (لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيباً))، فَاطْلُبُوهُ، فَطُلِبَ) بالبناء للمفعول، (فِي الْقَتْلَى) بفتح، فسكون، مقصوراً: جَمْع قتيل، (فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبٍ سَبْعَةٍ) من المشركين (قَدْ قَتَلَّهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ وَّهِ﴾ ببناء الفعل للفاعل، وفي بعض النسخ: ((فأتاه النبيّ بَ ◌ّ)، (فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ) ◌َّهِ: (قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا)؛ أي: جُليبيب (مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ))) كرّره للتأكيد. (قَالَ) أبو برزة رَُّله: (فَوَضَعَهُ) وَّهِ (عَلَى سَاعِدَيْهِ) تثنية ساعد، وهو من الإنسان: ما بين الْمِرْفق والكفّ، وهو مذكّرٌ، سُمّي ساعداً؛ لأنه يساعد الكفّ في بطشها(٢). (لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ◌ََّ) وفي بعض النُّسخ: ((ليس له سرير إلا ساعدا النبيّ ◌َّه)). (قَالَ) أبو برزة: (فَحُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: حفر الصحابة الحاضرون في ذلك المكان حُفرةً؛ ليدفنوه فيها، (وَوُضِعَ) بالبناء (١) ((المفهم)) ٣٨٩/٦ - ٣٩٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٧٧/١. ٣٦٣ (٢٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَّيْبِيبٍ رَأُبه - حديث رقم (٦٣٣٨) للمفعول أيضاً، (فِي قَبْرِهِ)، وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلاً)؛ أي: لم يذكر الراوي، وهو أبو برزة ظُه في جملة ما ذكره من قصّة جُليبيب غسله؛ لأنه لم يُغسل؛ حيث كان شهيد المعركة، وشهداء المعركة لا يغسلون، لقوله ودير في شهداء أُحد: ((زمّلوهم بدمائهم))، وفي رواية: ((زمّلوهم بكلومهم، ودمائهم))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ ظُه هذا من أفراد المصنّف رَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٣٨/٢٧] (٢٤٧٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٨/٥) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢١/٤ و٤٢٢ و٤٢٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٢٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٣٥)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٣٢٨/٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٩٥/٩ و٣٠٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل جُليبيب ظُه، فقد بجّله النبيّ وَّه، وأعلى قَدْره، وأشهَرَ ذِكره، بقوله: ((هذا منّي، وأنا منه))، مرّتين، فما أعظم هذه الفضيلة، والمنزلة الرفيعة التي حازها هذا الصحابيّ ـه مع رضيع كونه غير مشهور فيما بين الناس، ولكنه مشهور عند الله رَك، وعند رسوله وَّه. ٢ - (ومنها): بيان فضل الشهادة في سبيل الله ربك. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َل من التواضع، وكريم الأخلاق، حيث كان يجعل مثل هذا الصحابيّ على ساعديه، حتى يُرفع، ويوضع في لَحْده، فما أصدق قوله رَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): أن قصّة جليبيب ظله أوردها المصنّف مختصرة، وقد ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ساقها أحمد في ((مسنده))، وابن حبّان في ((صحيحه))، وغيرهما، ولفظ أحمد: (١٩٧٩٩) - حدّثنا عفّان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدويّ، عن أبي برزة الأسلميّ؛ أن جُليبيباً كان امرءاً يدخل على النساء، يمرّ بهنّ، ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلنّ عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلنّ، ولأفعلنّ، قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّم، لم يزوّجها حتى يَعْلَمَ هل للنبيِ نَّه فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله وَّو لرجل من الأنصار: ((زوّجني ابنتك))، فقال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونِعْم عَيْني، فقال: ((إني لست أريدها لنفسي))، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: لجليبيب، قال: فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله وَليقول يخطب ابنتك، فقالت: نعم ونعمة عيني، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب، فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه، أجليبيب إنيه، لا، لَعَمْر الله، لا تزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله وَله ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردّون على رسول الله ولي أمره؟ ادفعوني، فإنه لم يضيّعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله وَّل، فأخبره، قال: شأنك بها، فزوَّجها جليبيباً، قال: فخرج رسول الله رَّ في غزوة له، قال: فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه: ((هل تفقدون من أحد؟)) قالوا: نفقد فلاناً، ونفقد فلاناً، قال: ((انظروا هل تفقدون من أحد؟)) قالوا: لا، قال: ((لكني أفقد جليبيباً، قال: فاطلبوه في القتلى))، قال: فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قَتَلهم، ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة، قد قَتَلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبيّ وَّل، فقام عليه، فقال: ((قتل سبعة، وقتلوه، هذا مني، وأنا منه، هذا مني، وأنا منه))، مرتين، أو ثلاثاً، ثم وضعه رسول الله وَ ﴿ على ساعديه، وحَفَر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله وَّر، ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غَسّله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيِّم أنفق منها . وحدّث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتاً، قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله وَ لا؟ قال: ((اللَّهُمَّ صُبّ عليها الخير صبّاً، ولا تجعل عيشها كَدّاً كَدّاً))، قال: فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها. ٣٦٥ (٢٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَّبِیپٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٣٨) قال أبو عبد الرحمن: ما حدّث به في الدنيا أحد إلا حماد بن سلمة، ما أحسنه من حديث. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لم يتبيّن لي من هو أبو عبد الرحمن، وقوله: ((ما حدّث به ... إلخ)) فيه نظر، إلا أن يريد الأصحيّة، فقد ذكروا ممن رواه عن ثابت، معمراً، وله متابع أيضاً، قال الحافظ في ((المطالب العالية)) بعد إيراده من رواية أبي يعلى في ((مسنده)) مطوّلاً ما نصّه: قلت: رواه معمر، عن ثابت، عن أنس رظُه، وتابعه ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس عنه ، ورواية حماد بن سلمة أصحّ. انتهى. وقال الهيثميّ تَكْثُ في ((المجمع)): وعن أنس قال: ((خطب رسول الله ◌َ﴿ على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، قال: أستأمر أمها، قال: فنَعَم إذاً، قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لا ها الله، إذاً ما وجد رسول الله وَلّ إلا جليبيباً، وقد منعناها فلاناً، وفلاناً، قال: والجارية في خِدرها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبيّ ﴿ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردّوا على رسول الله ◌َ﴿ أمره؟ إن كان رضي لكم، فأنكحوه، قال: فكأنها جلّت عن أبويها، وقالا: صدقت، فذهب أبوها إلى النبيّ وَل 9، فقال: إن كنتَ رضيتَه، فقد رضيناه، فقال: إني قد رضيتُه، فزوَّجها، ثم فَزع أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قُتل وحوله ناس من المشركين، قد قَتَلهم، قال أنس: فلقد رأيتُها، وإنها لَمِن أنفق أيّم بالمدينة))، رواه أحمد، والبزار، إلا أنه قال: فكأنما حلّت عن أبويها عقالاً، ورجال أحمد رجال الصحيح. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ . (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٢٢/٤. (٢) («مجمع الزوائد» ٣٦٨/٩. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـّه) (٢٨) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ هو: أبو ذَرّ الغفاريّ الصحابيّ الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جُنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل: بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، إلا في السكن، ويقال: إنه أخو عمرو بن عبسة لأمه، وقع في رواية لابن ماجه: أن النبيّ وَ﴾ قال لأبي ذر: يا جنيدب بالتصغير، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في ((الصحيحين)) على صفتين بينهما اختلاف ظاهر. وقال الآجريّ عن أبي داود: لم يشهد بدراً، ولكن عمر ألحقه بهم، وكان يوازي ابن مسعود في العلم. وكانت وفاته بالرَّبَذَة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود، في قصة رُويت بسند لا بأس به، وقال المدائني: إنه صلى عليه ابن مسعود بالربذة، ثم قَدِم المدينة، فمات بعده بقليل. انتهى مختصراً من ((الإصابة))(١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: أبو ذرّ الغفاريّ، اسمه جندب - على الأصح، والأكثر - ابن جُنادة بن قيس بن عمرو بن مُليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، هو من كبار الصحابة ظيم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامساً، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها، حتى قَدِم على النبيّ ◌َّه عام الحديبية، بعد أن مضت بدر، وأُحد، والخندق، ويدل على كيفية إسلامه، وتفصيل أحواله: حديثه المذكور في مسلم، وكان قد غَلَب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فَضَل عن الحاجة كنز، وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبيّ بِّر، فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأقدمه عثمان المدينة، فقدِمها، فزهد أبو ذر (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٢٥/٧. ٣٦٧ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َهُبه - حديث رقم (٦٣٣٩) في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة، فأَذِن له، وقد كان رسول الله ﴿ ﴿ أَذِن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين، على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في رَكْب، ولم يوجد له شيء يُكفّن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غَزْل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفّنه أحدٌ وَلِيَ شيئاً من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف. روى عن رسول الله وَ ل﴿ مائتي حديث، وواحداً وثمانين حديثاً، أُخرج له منها في ((الصحيحين)) ثلاثة وثلاثون حديثاً. انتهى(١). وتقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٩] (٢٤٧٣) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ، وَأُمُّنَا، فَتَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا، فَتَنَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةٍ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَنَا الْكَاهِنَ(٢)، فَخَيَّرَ أُنَيْساً، فَأَتَّانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ نَّهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ لِمَنْ؟ قَالَ: للهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّ عِشَاءً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءُ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسُ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فَاكْفِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسُ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاتَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: (١) ((المفهم)) ٣٩٠/٦ - ٣٩١. (٢) وفي نسخة: ((فأتى الكاهن)). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة لَقِيتُ رَجُلاً بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ(١)، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِي حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتَبْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِىَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِىَ؟ فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ، وَعَظْم، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيّاً عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبُّ أَحْمَرُ، قَلَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْم، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَّدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ(٢) عَلَى أَسْمِّخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَاناً وَنَائِلَةَ، قَالَ: فَأَتْنَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى، قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ(٣) قَوْلِهِمَا، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ، وَتَقُولَانٍ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا(٤)، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَبُو بَكْرِ، وَهُمَا هَابِطَانٍ، قَالَ: ((مَا لَكُمَا؟))، قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، قَالَ: ((مَا قَالَ لَكُمَا؟))، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ حَتَى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَانَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ»، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَنْتَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ فِي (١) وفي نسخة: ((على أقراء الشعراء)). (٢) وفي نسخة: (إذ ضرب الله على أسمختهم)). (٣) وفي نسخة: ((على)). (٤) وفي نسخة: ((من أنصارنا)). ٣٦٩ ضريبه - حديث رقم (٦٣٣٩) (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي فَرِّ الْغِفَارِيِّ نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟))، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، قَالَ: ((فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنَّتُ، حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ اثْذَنْ لِي فِيِّ طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَأَبُو بَكْرِ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَاباً، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَام أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلِ، لَا أُرَاهَا إِلَّ يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟، عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ، وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ))، فَأَتَيْتُ أُنَيْساً، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَاراً، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَهِ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) هو: هُدبة بن خالد، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩١/٢١. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٢/٥٢. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة و((أَبُو ذَرِّ ◌َظَبه)) تقدّم أول الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َقْتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، كما سبق قريباً . شرح الحديث: ـه : se (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ) الغفاريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ (خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ) بدل، أو عطف بيان، وهو بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء: نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قاله في ((اللباب))(١). (وَكَانُوا)؛ أي: قومهم، (يُحِلَّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ)؛ أي: يستبيحونه، ويفعلون فيه ما يفعلون في الأشهر غير الحُرُم، والظاهر: أن المراد جنس الشهر الحرام، فيشمل الأربعة، وهي ذُو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب، ويَحتَمِل أن يريد بعضها، والأربعة هي أنزل الله تعالى فيها قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ الَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]. قال الإمام ابن كثير كَُّهُ: قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ فهذا مما كانت العرب في الجاهلية تحرّمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم، يقال لهم: البَسْل، كانوا يحرّمون من السنة ثمانية أشهر؛ تعمّقاً، وتشديداً، والأربعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فإنما أضافه إلى مضر ليبيّن صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرَّم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبيّن ◌َّو أنه رجب مضر، لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعةً، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحد فَرْد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرّم قبل شهر الحج شهراً، وهو ذو (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٨٧/٢. ٣٧١ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َُه - حديث رقم (٦٣٣٩) القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرّم بعده شهراً آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحَوْل؛ لأجل زيارة البيت، والاعتمار به لمن يَقْدَم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره، ثم يعود إلى وطنه فيه آمناً. انتهى كلام ابن كثير تَخْذُ بتصرّف يسير(١). (فَخَرَجْتُ أَنَا) أتى به؛ لِيُمْكنه عَظْف ما بعده على ضمير الرفع المتّصل من غير ضعف، قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ (وَأَخِي أَنَيْسُ) بن جُنادة بن سفيان بن عُبيد بن حرام بن غِفار الغفاريّ، أخو أبي ذرّ، وكان أكبر منه، تأتي قصّته في الحديث. (وَأَمُّنَا) هي رملة بن الوقيعة، كما في ((الإصابة)). (فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا) لم يُعرف اسمه، (فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ)؛ أي: عشيرته الذين يجاورونه، (فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ)؛ أي: زوجتك، (خَالَفَ إِلَيْهِمْ أَنَيْسٌ) يريدون: أنه يتعرّض لزوجته بالفاحشة. (فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا) بنون، ثم ثاء مثّثة؛ أي: أشاع، وأفشى، يقال: نثوت الخبرَ نثواً من باب قتل: أظهرته، والنثا وزانُ الحصى: إظهار القبيح، والحسَن، قاله الفيّوميّ(٢). وقال في ((المشارق)): قوله: ((فنثا علينا الذي قيل)): نثا؛ أي: أخبر بتقديم النون في الخير والشرّ، والثناء بتقديم الثاء ممدوداً في الخير وحده. (٣) انتھی(٣). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((فنثا علينا))؛ أي: أظهر لنا بالقول، وإنما يقال: النثى - بتقديم النون، والقصر - في الشرّ، والكلام القبيح، وإذا قَدَّمْتَ الثاء، ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل. انتهى (٤). (عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ) من اتّهام أنيس بأهله، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا (١) (تفسير ابن كثير)) ٣٥٦/٢. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٤/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٣/٢. (٤) ((المفهم)) ٣٩٢/٦. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ)؛ أي: إحسانك علينا، (فَقَدْ كَدَّرْتَهُ)؛ أي: أذهبت صفاءه، وأفسدته بما ذَكَرته من اتّهامك أنيساً بما هو بريء منه، (وَلَّا جِمَاعَ لَكَ) بكسر الجيم؛ أي: لا اجتماع بيننا وبينك يبقى بعدما أسأت إلينا بسوء الظنّ فينا، (فِيمَا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعِه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد اليوم. (فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا) بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: هي القطعة من الإبل، وتُطلق أيضاً على القطعة من الغنم، قال النوويّ، وقال الفيّومي: الصِّرْمَةُ بالكسر: القطعة من الإبل، ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصَغَّر على صُرَيْمَةٍ، والجَمْعِ صِرَمٌ، مثل سِدرة وسِدَرٍ، والصِّرْمَةُ: القطعة من السحاب، والصِّرْمُ: الطائفة المجتمعة من القوم، ينزلون بإبلهم ناحيةً من الماء، والجمعُ: أَصْرَامٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَالٍ. انتهى (١) . والمعنى: طلبنا إبلنا حتى نركب عليها، ونَحْمل متاعنا؛ لنغادر ذلك المكان. (فَاحْتَمَلْنَا)؛ أي: حَمَلنا أمتعتنا (عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك الصِّرْمِ، (وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي) لعله فَعَل ذلك ندماً على ما فعل بأضيافه، أو حزناً على فراقهم. (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من ذلك المكان، (حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ)؛ أي: بمكان قريب من مكة، قال الفيّوميّ: حَضْرة الشيء: فناؤه، وقُربه (٢). (فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا) قال أبو عبيد وغيره في شرح هذا: المنافرة: وهي المفاخرة، والمحاكمة، فَيَفْخَر كلّ واحد من الرجلين على الآخر، ثم يتحاكمان إلى رجل؛ ليحكم أيهما خير، وأعزّ نفراً؟ وكانت منافرة أنيس هذه المفاخرة في الشعر أيهما أشعر؟ كما بيَّنه في الرواية الآخرى. وقال النوويّ: معناه: تراهَنَ هو وآخر أيهما أفضل، وكان الرهن صِرْمة ذا، وصِرْمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحَكَم بأن أُنيساً أفضل، وهو معنى قوله: ((فخَيَّر أنيساً))؛ أي: جعله الخيارَ، والأفضلَ. انتهى (٣). (١) ((المصباح المنير)) ٣٣٩/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٧/١٦. (٢) ((المصباح المنير)) ١٤٠/١. ٣٧٣ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َلُه - حديث رقم (٦٣٣٩) وقال القرطبيّ: قوله: ((فنافر أُنَيْس))؛ أي: التزم أن من قُضي له بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يُحَكِّما رجلاً بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب، يقال: نَفَره، يَنْفِرُه، ويَنفُره نفراً: إذا غلب عليه. انتهى(١). (فَأَتَّبَا الْكَاهِنَ) قال المجد ◌َُّ: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَر، وكَرُمَ، كَهانَةً بالفتح، وتَكَهَّنَ تَكَهُّناً: قَضَى له بالغَيْبِ، فهو كاهِنٌ، جَمْعه: كَهَنَةٌ، وكُهَانٌ، وحِرْفَتُه: الكِهانَةُ بالكسر. انتهى(٢). وقال ابن الأثير ◌َُّهُ: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنة؛ کشِقِّ، وسَطِيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعاً من الجنّ، ورَئِيّاً يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها على مواقعها، من كلام مَن يسأله، أو فِعله، أو حاله، وهذا يخصونه باسم العرّاف؛ كالذي يَدّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما. انتھی (٣) . (فَخَيَّرَ أُنَيْساً)؛ أي: فضّله، وحَكَم بأنه خَيْر من منافره، وغالب له. (فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا) وهو الذي أخذه من مُنافره. (قَالَ) أبو ذرّ ◌َبه: (وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ وَهـ بِثَلَاثِ سِنِينَ) وفي رواية ابن عون الآتية: ((سنتين))، ولا تَخالُف بينهما؛ إذ يُجمع بأنه كان سنتين وزيادة، فمن قال: ((سنتين)) ألغى الكسر، ومن قال: (ثلاث سنين)) جَبَر الكسر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخَّلهُ: هذا إلهام للقلوب الطاهرة، ومقتضى العقول السَّليمة؛ فإنَّها تُوفَّق للصواب، وتُلْهَم للرشد(٤). قال عبد الله بن الصامت: (قُلْتُ: لِمَنْ؟)؛ أي: لمن صلّيت؟ (قَالَ) (١) ((المفهم)) ٣٩٢/٦. (٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢١٤/٤ - ٢١٥. (٤) ((المفهم)» ٣٩٢/٦. (٢) ((القاموس المحيط)) ١٥٨٥/١. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أبو ذرّ: (اللّهِ) وَ (قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء، أصله: تتوجّه بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفاً، كما قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) (قَالَ) أبو ذرّ: (أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي)؛ أي: لا أخصّ جهة معيّنة أتوجّه إليها، بل إلى الجهة التي يوجهني الله تعالى إليها. (أُصَلَّي عِشَاءً)؛ أي: صلاتها، (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) الظاهر أن ((كان)) هنا تامّة، و((من)) زائدة على قول من يرى زيادتها في الإثبات، و((آخر الليل)) مرفوع على الفاعليّة؛ أي: أصلي من أول العشاء، وأواصل صلاتي إلى أن يجيء آخر الليل. والمراد: أن أبا ذرّ رَُّه كان يصليّ قبل أن يؤمن بالنبيّ وَّ، وقد أخرج ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي معشر قال: ((كان أبو ذرّ يتألّه في الجاهلية، ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام)) (١)، والظاهر: أن صلاته كانت تختلف عن الصلاة المشروعة في الإسلام. (أَلْقِيتُ كَأَنّي خِفَاءٌ) قال القرطبيّ تَخْفُ: الرواية في ((أَلقيت)) بضم الهمزة، وكَسْر القاف؛ مبنيّاً لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، والْخِفَاء بكسر الخاء والمدّ: هو الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء، أو ثوب، فذلك الغطاء خِفَاءٌ، ويُجمع على أَخْفِية، قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء: كساء يُظْرَح على السقاء. (٢) . انتھی والمراد: أنه كان يصلّي من الليل طويلاً، حتى إذا كان آخر الليل اضطجع على فراشه، ونام كأنه كساء(٣). وقال النوويّ: قوله: ((كأني خِفاء))، هو بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الفاء، وبالمدّ، وهو الكساء، وجَمْعه أَخْفية، ككساء وأكسية، قال القاضي: ورواه بعضهم عن ابن ماهان: ((جُفَاء)» بجيم مضمومة، وهو غُثاء السيل، والصواب المعروف هو الأول. انتهى (٤). (حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ)؛ أي: حتى تطلع الشمس، وظهر عليّ حرّها. (١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢٢٢/٤. (٢) ((المفهم)) ٣٩٣/٦. (٣) راجع: ((التكملة)) ٢١٣/٥. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢٨/١٦. ٣٧٥ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َ﴿ُبه - حديث رقم (٦٣٣٩) (فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ) الظاهر: أن أنيساً قال هذا عندما كانوا مقيمين بموضع قريب من مكة. (فَاكْفِي)؛ أي: قُمْ بالأمر الذي أقوم به هنا. (فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَّى مَكَّةَ، فَرَاتَ عَلَيَّ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر عن الرجوع، (ثُمَّ جَاءَ) قال أبو ذرّ (فَقُلْتُ) له: (مَا صَنَعْتَ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيءٍ صنعت؟ (قَالَ) أنيس: (لَقِيتُ رَجُلاً) يريد النبيّ وَِّ، (بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ)؛ أي: على التوحيد، ونفي الأضداد، والأنداد، (يَزْعُمُ)؛ أي: يقول، وإنما عبّر بزعم؛ لكونه غير مسلم وقتئذ، (أَنَّ اللهَ) تعالى (أَرْسَلَهُ) قال أبو ذرّ: (قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟) في شأنه، هل استجابوا له، أو خالفوه، وعادوه؟ (قَالَ) أنيس: (يَقُولُونَ) هو (شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ)؛ أي: قال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ساحر، (وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ) الذين يميّزون الشعر وغيره. (قَالَ أَنَيْسُ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ) وفي نسخة: ((أقراء الشعراء))، والأقراء: بالفتح: جمع قَرْء بفتح القاف، وسكون الراء، وهو في اللغة: القافية، وأقراء الشعر: أنواعه، وأنحاؤه، كما في ((القاموس))، والمراد: إني قارنت بين قوله، وبين أنواع الشعر. وقال القرطبيّ: قوله: ((على أقراء الشعر)) قال ابن قتيبة: يريد أنواعه، وطُرقه، واحدها: قَرْء، فيقال: هذا الشعر على قَرْء هذا. وقال أيضاً: ((على أقراء الشعر)) كذا الرواية الصحيحة: أقراء بالراء، جَمْع قَرْءٍ على ما تقدم، وقيَّده العذريّ: أقواء بالواو، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة، قال القاضي: لا وجه له. انتهى(١). (فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ) مراده: أني تيقّنت بأن ما يقوله رسول الله ﴿ ليس شعراً، وكذلك لا يستطيع أحد غيري أن يجعله شعراً(٢). وقال القرطبيّ: قوله: ((فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر)) هكذا الرواية عند جميع الشيوخ ((بعدي)) بالباء بواحدة، والعين المهملة بمعنى غيري، (١) ((المفهم)) ٣٩٣/٦ - ٣٩٤. (٢) راجع: ((التكملة)) ٢١٤/٥. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة يقال: ما فعل هذا أحد بعدك؛ أي: غيرك، كما يقال ذلك في (دُون))، وهو کثیرٌ فيها . ومعنى الكلام: أنه لمّا اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قَطَع بأنه لا يصح لأحد أن يقول: إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخِ: يَقْرِي بفتح الياء، قال القاضي: وهو جيّد، وأحسن منه: يُقْرِي، بضمها، وهو مِمَّا تقدَّم، يقال: أقرأت في الشعر، وهذا الشعر على قَرْء هذا، وقرؤه؛ أي: قافيته، وجَمْعها: أقراء، وفي بعض النُّسخ أيضاً: ((على لسان أحد يُعْزَى إلى شعر))؛ أي: يُنسب إليه، ويوصف به، وللروايات كلها وجه. انتهى(١). (وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ) في قوله: إن الله أرسله، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في قولهم: شاعر، كاهن، ساحر. (قَالَ) أبو ذرّ ◌َُّهُ: (قُلْتُ: فَاكْفِنِي)؛ أي: كن أنت قائماً بما قمت به أنا، (حَتَّى أَذْهَبَ) إلى مكة (فَأَنَّظُرَ) حال هذا الرسول، وصِدْقه في دعواه، فأتّبعه على دينه. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَغَّفْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ)؛ يعني: نظرت إلى أضعفهم، فسألته؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً، وفي رواية ابن ماهان: ((فتضيّقت)) بالياء، وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا(٢). (فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟) اسم فاعل من صبأ من دين إلى دين يَصْبَأُ مهموزاً بفتحتين: إذا خرج، فهو صَابِىٌّ، ثم جُعِل هذا اللقب عَلَماً على طائفة من الكفار، يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتُنسب إلى النصرانية في الظاهر، وهم الصَّابِئَةُ، والصَّابِئُونَ، ويَدَّعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، ويجوز التخفيف، فيقال: الصَّابُونُ، وقرأ به نافعٌ، قاله الفيّوميّ دَخَذْتُهُ(٣). والمراد هنا: هو النبيّ ◌َ﴿؛ لأن العرب كانت تسميه وسله الصابئة؛ لأنه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويُسمّون من يدخل في دين الإسلام مَصْبُوّاً؛ (١) ((المفهم)) ٣٩٤/٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٣٢/١ - ٣٣٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٨/١٦. ٣٧٧ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َلُبه - حديث رقم (٦٣٣٩) لأنهم كانوا لا يهمزون، فأبدلوا من الهمزة واواً، ويُسمّون المسلمين الصُّباة، بغير همز، كأنه جَمْع الصابي غير مهموز، كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، قاله في ((اللسان))(١). (فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟) بالنصب على الإغراء؛ يعني: أن الرجل بدلاً من أن يدلّني على رسول الله وَلّ، دعا الناس إليّ، وأغراهم على أن يُلحقوا بي ضرراً قائلاً: الصابئ؛ أي: الزموه، واضربوه،، ويَحْتَمل أن يكون ((الصابئ)) منصوباً على المفعوليّة لفعل مقدّر مع أداة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أتَذْكُر الصابئ؟. (فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي)؛ أي: أهل مكة، (بِكُلِّ مَدَرَةٍ) واحدة المَدَرُ، مثل قَصَبة وقَصَب، وهو التراب المتلبد، قال الأزهريّ: المَدَرُ: قِطَع الطين، وبعضهم يقول: الطين العِلْك الذي لا يخالطه رَمْلٌ، والعرب تسمي القرية مَدَرَةً؛ لأن بنيانها غالباً من المدر، وفلان سَيّدُ مَدرَتِهِ؛ أي: قريته، قاله الفيّوميّ(٢). (وَعَظْم) معروف، جَمْعه: عِظامٌ، وأعظُمٌ، مثلُ سَهْمٍ، وسِهام، وأسهُم، (حَتَّى خَرَّرْتُ) من باب ضرب، ونصر؛ أي: سقطت، حال كوني (مَغْشِيّاً عَلَيَّ)؛ أي: مغمّى عليّ، يقال: غُشي عليه كعُني غَشْياً، وغَشَياناً: أُغمي، فهو مغشيّ عليه، والاسم: الْغَشْيةُ، قاله المجد(٣)، وقال الفيّوميّ: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْياً، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِيٍّ عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل: الغَشْيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. انتهى(٤). (قَالَ) أبو ذرّ: (فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ)؛ أي: قُمت حين قُمت (كَأَنّي نُصُبُّ أَحْمَرُ) بضمّ النون، والصاد، ويجوز تسكين الصاد، وهو الصنم والحجر (١) ((لسان العرب)) لابن منظور ١٠٨/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ٩٥٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٦٦/٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٤٧ - ٤٤٨. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الذي كانت الجاهليّة تنصبه للعبادة، وتذبح عنده، فيحمرّ بالدم، شبّه أبو ذرّ ظُه نفسه بالنصب الأحمر؛ لتلوّثه بالدماء التي سالت من بدنه بسبب ضربهم إياه بالحجرة والمدرة، والعظم. وقال القرطبيّ: أي: قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحدُ الأنصاب، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها، فتحمرّ بالدماء. وقال النوويّ: قوله: ((كأني نصب أحمر))؛ يعني: من كثرة الدماء التي سالت مِن ضَرْبهم له، والنصب: الصنم والحجر، كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمر بالدم، وهو بضم الصاد، وإسكانها، وجمعه أنصاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ الآية [المائدة: ٣](١). (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ) اسم للبئر المعروفة بمكة، ولا تنصرف؛ للتأنيث، والعلميّة، قال ابن فارس: هو من قولهم: زممت الناقةَ: إذا جعلت لها زماماً تحبسها به، وذلك أن جبريلنُلِّ لَمّا هَمَز الأرض بمقاديم جناحه، ففاض الماء زَمّتها هاجر، فسُمِّيت: زمزم (٢). وقال ابن الأثير: هي البئر المعروفة بمكة، قيل: سُمّيت بها؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمازم، وزمزم، وقيل: هو اسم عَلَمٌ لها. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): سميت زمزم؛ لكثرتها، يقال: ماء زمزم؛ أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام، وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد: إنما سُمّيت زمزم؛ لأنها مشتقة من الْهَزْمة، والهزمة: الْغَمْز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاکھیّ بإسناد صحيح عنه، وقيل: لحركتها، قاله الحربيّ، وقيل: لأنها زُمَّت بالميزان؛ لئلا تأخذ يميناً وشمالاً. انتهى(٤). وقال في ((التاج)): وماء زمزم، كجَعْفَر، وعُلابِط؛ أي: كثير، قال أيضاً: زَمَّم، كبَقَّم، وزمزم، كجعفر، وزُمازِم مثلُ عُلابِط: بئر عند الكعبة، قال ابن بَرّيّ: لزمزم اثنا عشر اسماً: زمزم، مكنومة، مضنونة، شُباعة سُقيا، الرِّواء، (١) ((شرح النوويّ)) ٢٨/١٦. (٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣١٣/٢. (٢) («المفهم)» ٣٩٣/٦. (٤) ((الفتح)) ٤٩٣/٣. ٣٧٩ (٢٨) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ ◌َلُبه - حديث رقم (٦٣٣٩) رَكْضة جبريل، هَزْمة جبريل، شِفاء سُقْم، طعام ◌ُعْم، حَفِيرة عبد المطلب، قال المرتضى: وقد جَمَعت أسماءها في نُبذة لطيفة، فجاءت على ما يَنيف على ستين اسماً، مما استخرجتها من كتب الحديث، واللغة. انتهى(١). (فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ) بكسر الموحّدة؛ أي: مكثتُ، قال المجد: اللَّبْثُ، ويُضَمُّ، واللَّبَثُ مُحَرَّكَةً: المُكْثُ، لَبِثَ كَسَمِعَ، وهو نادرٌ؛ لأنّ المصدرَ من فَعِلَ بالكسرِ قِياسُهُ بالثَّحْرِيكِ، إذا لم يَتَعَدَّ. انتهى باختصار(٢). (يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْم)؛ يعني: خمسة عشر يوماً بلياليها، (مَا) نافية، (كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَمْزَمِّ)؛ يعني: أنه يستغني بشربها عن الطعام، (فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، يقال: سَمِنَ يَسْمَنُ، من باب تَعِب، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه، وشحمه، ويتعدى بالهمزة، وبالتضعيف، قاله الفيّوميّ(٣). (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي) بضم العين المهملة، وفتح الكاف: جَمْع عُكْنة، بضمّ، فسكون، مثل غُرْفَة وغُرِفٍ، والعُكْنَةُ: الطيّ في البطن، من السمن، وربما جُمع على أَعْكَانٌ، وتَعَكَّنَ البطن: صار ذا عُكَنٍ(٤). (وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة: هي من الأمعاء معروفة، وهي مؤنّثة، وقال الفرّاء: تُذكّر، وتؤنّث، ويجوز التخفيف بفتح الكاف، وكسرها، مع سكون الباء، والجمع أكباد، وكُبُود قليلاً(٥). (سُخْفَةَ ◌ُوعٍ) بفتح السين المهملة، وضمّها، وإسكان الخاء المعجمة، وهي رِقّة الجَوَّع، وضَعفه، وهُزاله، قال الأصمعيّ: السخفة: الخفّة، ولا أحسب قولهم: سخيف إلا منه (٦). (قَالَ) أبو ذرّ: (فَبَيْنَا) تقدّم أن أصلها ((بين)) الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وهي تضاف إلى الجملة بعدها، وتحتاج إلى جواب، وهو هنا قوله: ((إذا ضُرب ... إلخ)). (أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ)؛ (١) ((تاج العروس)) ٧٧٤٨/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٢٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٩٠/١. (٤) ((المصباح المنير)) ٤٢٤/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢ بزيادة يسيرة من ((القاموس)). (٦) ((شرح النوويّ)) ٢٨/١٦ - ٢٩، و((المفهم)) ٣٩٤/٦ - ٣٩٥. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ةـ أي: مقمرة طلع قمرها، (إِضْحِيَانَ) بكسر الهمزة، والحاء، وإسكان الضاد المعجمة بينهما، وهي المضيئة، ويقال: ليلة إضحيان، وإضحيانة، وضَحْياء، ویوم ضخیان. انتھی. وقال القرطبيّ تَّتُ: قوله: ((في ليلة قمراء إصْحِيان)) القمراء: المقمرة، وهي التي يكون فيها قمر، ويُسمَّى الهلالُ قمراً من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدراً، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر، وإضحيان - بكسر الهمزة، والضاد المعجمة -: معناه كثيرٌ ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال: ليلة إضحيانٌ، وإضحيانةٌ، وضَحیانة: إذا كانت مضيئة. انتهى (١). (إِذْ ضُرِبَ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: ((إذ ضرب الله)) (عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ) قال النوويّ كَذُ: هكذا هو في جميع النسخ، وهو جمع سِماخ، وهو الْخَرْق الذي في الأُذُن، يفضي إلى الرأس، يقال: صِماخ بالصاد، وسِماخ بالسين، والصاد أفصح، وأشهر، والمراد بأصمختهم هنا: آذانهم؛ أي: ناموا، قال الله تعالى: ﴿فَضَرَيْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ﴾ الآية [الكهف: ١١]؛ أي: أنمناهم. (٢) انتھی(٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((ضُرب على أصمختهم))؛ أي: ناموا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَيْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾﴾؛ أي: أنمناهم. الأصمخة: جمع صماخ، وهو خُرق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله: بالسين. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أخطأ من قاله بالسين)) فيه نظر، بل هذا هو الخطأ، فإن السين لغة ثابتة، كما تقدّم في كلام النوويّ، وقد أثْبَتَه في ((القاموس))، وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ) قال النوويّ: هكذا هو في معظم النسخ بالياء، وفي بعضها: ((وامرأتان)» بالألف، والأول منصوب بفعل (١) ((المفهم)» ٣٩٥/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٩/١٦.