Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣٠٩)
المعجمة - الْجُشَميّ - بضم الجيم، وفتح المعجمة - الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ
[٣] قُتل في ولاية الحجاج على العراق (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابي
الجليل، مات رؤيته قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٥٨.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعِيّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَخْوَصِ) عوف بن
مالك بن نَصْلة (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرت (أَبًا مُوسَى) عبد الله بن
قيس الأشعريّ رَُّه (وَأَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ رَُّه (حِينَ مَاتَ)
عبد الله (بْنُ مَسْعُودٍ) رَه، تقدّم أنه مات سنة (٣٢) على الصحيح، (فَقَالَ
أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ) هذا القائل هو أبو مسعود نظالله، كما تبيّنه الرواية التالية.
(أَتْرَاهُ) بضمّ الهمزة؛ أي: أتظنّ ابن مسعود (تَرَّكَ بَعْدَهُ)؛ أي: بعد موته،
(مِثْلَهُ؟) في العِلم، والهدي، والسَّمت الصالح، (فَقَالَ) الآخر، وهو أبو
موسى، كما في الرواية التالية أيضاً: (إِنْ قُلْتَ ذَاكَ)؛ أي: قلتَ: لم يترك بعده
مثله، فسببه ما يلي: (إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام الفارقة بينها
وبين ((إن)) النافية بعدها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ)) فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
أي: إنه (كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يأذن له النبيّ ◌َّ بالدخول
عليه (إِذَا حُجِبْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا مُنِعنا نحن من الدخول عليه، (وَ)
لكثرة ملازمته وقال* حضراً وسفراً كان (يَشْهَدُ)؛ أي: يحضر عنده وََّ، (إِذَا غِبْنَا)
نحن بسبب أشغالنا .
قال الجامع عفا الله عنه: الغرض من هذا الكلام بيان فضل عبد الله بن
مسعود، للسَّبْق المذكور، وهو أنه لو كان يأذن له في الوقت الذي يُحجب عنه
الناس، وذلك في الوقت الذي يكون فيه مشتغلاً بخاصّته، وكان هو ملازماً
له ◌َّ في غالب أوقاته، فيحضر ما لا يحضره الآخرون، ويشهد ما يغيبون

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٤، والله
عنه، فيحفظ من العلم ما لا يحفظون، فبهذا فاق كثيراً من الصحابة
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أثر أبي موسى، وأبي مسعود ◌ًّا هذا من أفراد
المصنّف نَاتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣٠٩/٢٢ و٦٣١٠ و٦٣١١] (٢٤٦١)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٩/٩)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٢٨/١ و١٢٩)،
و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٤٣/٢ و١٦٠/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ
آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ،
عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، قَالَ: كُنَّا فِي دَارٍ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ عَبْدِ اللهِ،
وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللهِ وَلول
تَرََكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ هَذَا الْقَائِمِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ،
لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن سِيَاه - بكسر المهملة، بعدها تحتانية خفيفة -
الأسديّ الْحِمّاني الكوفيّ، ثقةٌ(١) [٨].
رَوَى عن الأعمش، وليث بن أبي سُليم، ويوسف بن ميمون الصباغ.
وروى عنه أبو معاوية، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، ويحيى بن آدم،
ويحيى بن عبد الحميد الْحِمّاني.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال أيضاً: كان أبي يتتبع
(١) هذا أَولى من قوله في ((التقريب)): صدوقٌ؛ لِمَا ستعرفه في ترجمته من توثيق الأئمة
له، فتنبه.

٢٨٣
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣١٠)
حديث قطبة، وسليمان بن قرم، ويزيد بن عبد العزيز، ويقول: هؤلاء قوم
ثقاتٌ، وهم أتمّ حديثاً من حديث شعبة، وسفيان، هم أصحاب ليث، وإن كان
سفيان وشعبة أحفظ منهم، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن
أبي حاتم: سألت أبي عن قطبة ويزيد ابني عبد العزيز؟ فقال: قطبة أحلى،
وقال الترمذيّ: هو ثقةٌ عند أهل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال البزار: صالحٌ، وليس بالحافظ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط
هذا برقم (٢٤٦١)، وحديث (٢٦٤٣): ((ما من كتاب الله سورة ... )) الحديث،
وحديث (٢٧٤٤): ((لَلَّه أشدّ فرحاً بتوبة العبد ... )) الحديث.
٣ - (مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ) السلميّ الرقيّ، ويقال: الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي الأحوص،
وعلقمة بن قيس، وعبد الله بن ربيعة، وأبي وائل، وأبي ميسرة عمرو بن
شرحبیل، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والأعمش، ومنصور، وعبد الملك بن
ميسرة، وطلحة بن مصرِّف، وجماعة.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ،
تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال عمرو بن عليّ: مات سنة أربع وتسعين.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١) والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٤٦١)، وحديث
(٢٧٦٠): ((ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله رَملك ... )) الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب وقبل ثلاثة أبواب.
(١) قال الحافظ: وله رواية عن أبيه، عن أبي موسى، علّقها البخاريّ في ((الصحيح))
لأبي موسى. انتهى.

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة؛ أنه (قَالَ: كُنَّا فِي دَارٍ أَبِي
مُوسَى) الأشعريّ رَتُه (مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َُّه (وَهُمْ
يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ) بضمّ الميم، أشهر من كسرها، قاله الفيّوميّ(١)، وقال
المجد: مثلّث الميم (٢)، ولعلّهم كانوا يقابلون بعضه ببعض، أو يتدارسونه،
والله تعالى أعلم، (فَقَّامَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رضيُه من المجلس لبعض حاجته،
وهذه الرواية تدلّ على أن ابن مسعود رُه كان في ذلك الوقت حيث أثنى عليه
أبو مسعود موجوداً، والرواية السابقة تدلّ على أنه كان بعد موته، ويمكن
الجمع بأنه كان ذلك مرّتين، فمرّة أثنى عليه وهو حيّ، ومرّةً وهو ميتٌ، والله
تعالى أعلم (٣) .
(فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ رَظُهُ: (مَا) نافية، (أَعْلَمُ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ تَرََكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)؛ أي: من القرآن الكريم، (مِنْ هَذَا
الْقَائِم) قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: يعني: ابن مسعود خصّه بما أنزل الله، وبعلم
القرآنَ، ولا يقال: إنه أعلم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ على الجملة،
وقد يكون أحد الرجلين أعلم من الآخر بالجملة، والأقلّ علماً أعلم بباب من
العلم، ألا تراه كيف قال عن نفسه في الحديث الآخر: ((لقد عَلِم أصحاب
رسول الله ◌َ﴿ أني أعلم بكتاب الله، وما من كتاب الله آية إلا أعلم فيمن
نزلت، ولا سورة إلا أعلم حيث نزلت)). انتهى (٤)
.
(فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ◌َظَلّه مبيّناً سبب كون ابن مسعود رُه أعلم
بكتاب الله رَ: (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، كـ((ألا))، (لَئِنْ) اللام هي الموّئة
للقَسَم؛ أي: والله لئن (قُلْتَ ذَاَكَ)؛ أي: الذي قلته من كونه أعلم بما في
كتاب الله، (لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا)؛ يعني: أنه إنما
حصل له هذا الفضل بسبب ملازمته النبيّ وَل و ليلاً ونهاراً، وحضراً وسفراً.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٣٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٧٢٩.
(٣) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٩٧/٥ - ١٩٨.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٤٨٩/٧ - ٤٩٠.

٢٨٥
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ ﴾ - حديث رقم (٦٣١١)
والحديث من أفراد المصنّف تَخْتُهُ وتقدّم تخريجه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِبَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - هُوَ ابْنُ
مُوسَى - عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ،
قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى، فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا مُوسَى (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ وَهْبٍ، قَالَّ: كُنْتُ
جَالِساً مَعَ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ قُطْبَةَ أَتَمُّ، وَأَكْثَرُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطَّحّان،
وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (ت ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ، كان يتشيع [٩] قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستُصغِر
في سفيان الثوريّ (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى ((نحوة)) بطنٍ
من الأزد، لا إلى علم النحو [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن أبيه، واسمه عبد الملك، وعنه ابنه إبراهيم، وابن ابنه يحيى بن
إبراهيم بن محمد، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير،
ومحمد بن سعيد بن الأصبهانيّ، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، وعلي بن سلم
الطوسيّ، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس لي به عِلْمٌ، وقال أبو بكر بن
أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، ولا
بأس به عندي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال البخاريّ، عن علي بن مسلم: مات سنة خمس ومائتين.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢٤٦١)، وحديث (٢٧١٣): ((اللَّهُمَّ رب
السماوات والأرض ... )) الحديث.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن مَعْن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
الْهُذَليّ، أبو عُبيدة المسعوديّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن الأعمش، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وعنه ابنه محمد، وابن
المحاربيّ، وحسين بن ثابت، وأحمد بن يحيى الأحول، مشهور بكنيته، وقَلَّ
أن يَرِد في الرواية إلا بها.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ابنه آنفاً .
٦ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ،
لم يُصِب من قال: في حديثه خللٌ [٢] مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست
وتسعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٧ / ٣٧٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية شيبان النحويّ عن الأعمش ساقها يعقوب بن سفيان تَخْشُهُ
في ((المعرفة والتاريخ))، فقال:
حدّثنا عبيد الله، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن
أبي الأحوص، قال: أتيت أبا موسى الأشعريّ، وعبد الله بن مسعود، وأبا
مسعود الأنصاريّ، وهم ينظرون إلى مصحف، فتحدثنا ساعةً، ثم خرج
عبد الله، فذهب، فقال أبو مسعود: والله ما أعلم النبيّ ◌َّ ترك أحداً أعلم
بكتاب الله من هذا القائم. انتهى (١).
وأما رواية أبي عبيدة عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المعرفة والتاريخ)) ٣١٦/٢.

٢٨٧
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣١٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٢] (٢٤٦٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، حَدَّثْنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَن يَغْلُلٌ بَأْتِ بِمَا
غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾، ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةٍ مَنْ تَأْمُرُونِي(١) أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِضْعاً وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَرِ أَنِّي
أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابٍ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَداً أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ، قَالَ شَقِيقٌ:
فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَ﴿ فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَا
يَعِیبُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، مخضرٌ ثقةٌ [٢] مات
في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه،
فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه عبد الله مهملاً، وتقدّم أنه
ابن مسعود رضيُه؛ لكون الإسناد كوفيّاً.
شرح الحديث:
(عَنْ شَقِيقٍ) بن سلمة أبي وائل، قال في ((الفتح)): في رواية مسلم(٢)
والنسائيّ جميعاً: عن إسحاق، عن عبدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، وهو
شقيق المذكور، وجاء عن الأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه النسائيّ عن
(١) وفي نسخة: ((تأمرونني)).
(٢) هكذا قال في ((الفتح))، ولا يوجد فيما بين أيدينا من نُسخ مسلم هنا: ((عن أبي
وائل))، وإنما هو: عن شقيق، ولعل نسخة الحافظ فيها ذلك، فليُحرّر، والله تعالى
أعلم.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الحسن بن إسماعيل، عن عبدة بن سليمان، عنه، عن أبي إسحاق، عن
هُبيرة بن يَرِيم، عن ابن مسعود، فإن كان محفوظاً احتَمَل أن يكون للأعمش فيه
طريقان، وإلا فإسحاق، وهو ابن راهويه أتقن من الحسن بن إسماعيل، مع أن
المحفوظ عن أبي إسحاق فيه ما أخرجه أحمد، وابن أبي داود، من طريق
الثوريّ وإسرائيل وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن خُمَير - بالخاء المعجمة،
مصغراً - عن ابن مسعود، فحصل الشذوذ في رواية الحسن بن إسماعيل في
موضعین. انتهى(١).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود نَّه؛ (أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ بَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]) قال النوويّ كَّلُهُ: فيه محذوف، وهو مختصر مما
جاء في غير هذه الرواية، معناه: أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف
الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك
مصحفه، وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرّقوه، كما فعلوا
بغيره، فامتَنَعَ، وقالٍ لأصحابه: غُلُّوا مصاحفكم؛ أي: اكتموها، ﴿وَمَن يَغْلُلٌ
يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾؛ يعني: فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى
لكم بذلك شرفاً، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ
بقراءته، وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله وَلا؟ انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَخُّْ: قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في مسلم
مختصر، مبتور، إنما ذكر منه أطرافاً لا تشرح مقصد الحديث، وبيانه في سياق
آخر، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل، وهو شقيق، راوي الحديث في
مسلم؛ قال: لمّا أُمر في المصاحف بما أُمر؛ يعني: أمر عثمان بتحريقها ما
عدا المصحف المجتمَع عليه الذي وجَّه منه النُّسخ إلى الآفاق، ورأى هو
أن بقاء تلك المصاحف يُدخل اللَّبس والاختلاف، ذكر ابن
والصحابة
مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف، إني غالٌّ مصحفي، فمن
استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ
(١) ((الفتح)) ٢٢٥/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٠).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/١٦.

٢٨٩
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّهِ ﴿ - حديث رقم (٦٣١٢)
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟؛ على
قراءة زيد بن ثابت؛ لقد أخذت القرآن من في رسول الله وَله بضعاً وسبعين
سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبي من
الصبيان، فتمام هذا الحديث يُظهر كلام عبد الله.
وقوله: ((غُلُّوا مصاحفكم ... )) إلى آخره؛ أي: اكتموها، ولا تُسَلِّموها،
والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها، كما يفعل مَن غَلّ شيئاً، فإنه يأتي به يوم
القيامة، ويحمله، وكان هذا رأياً منه رآه، انفرد به عن الصحابة ﴿ه، ولم
يوافقه أحد منهم عليه، فإنَّه كتم مصحفه، ولم يُظهره، ولم يَقْدر عثمان ولا
غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان، واجتمع عليها
الصحابة في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وتُرك مصحف عبد الله، وخُفِيَ
إلى أن وُجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة
المعزّ، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين، على ما سمعناه من بعض
مشايخنا، فأُحرق. انتهى(١) .
(ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود ◌َظُه: (عَلَى قِرَاءَةٍ مَنْ تَأْمُرُونِي) وفي نسخة:
(تأمرونني))، و((على قراءة)) متعلّق بـ((أقرأ))، و((قراءة)) مضاف، و((من)) استفهاميّة
مضاف إليها؛ أي: على قراءة أيِّ شخص تأمروني (أَنْ أَقْرَأَ؟) هذا إنكار منه
على الناس الذين أمروه أن يقرأ بمصحف عثمان
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟)) إنكار منه
على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد، مع أنه سابق له إلى حفظ
القرآن، وإلى أَخْذه عن رسول الله وَّهِ، فصَعُب عليه أن يترك قراءة قرأها على
رسول الله وَ﴿، ويقرأ بما قرأه زيد، أو غيره، فتمسَّك بمصحفه، وقراءته،
وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة ﴿ه من المصلحة التي هي من
أعظم ما حَفِظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخلّ به، والتغيير بالزيادة
والنقصان.
وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من
(١) ((المفهم)) ٦/ ٣٧٣.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود نظّ ◌ُله: أن الصحابة ﴿ه لمّا عزموا على
كَتْب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود، فكتبوه
على لغة قريش، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لِحِفظ القرآن،
ومِنْ أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنه ظُبه كان هُذلياً كما تقدم،
وكانت قراءته على لغتهم، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم، فلذلك لم
يُدخلوه معهم، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
ثم علّل إنكاره بقوله: (فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِّهِ)؛ أي: أخذت
القراءة من فيه ونَ﴿ إلى فيّ مشافهةً، فكيف أتركها، وأقرأ بما لم آخذه منه؟
(بِضْعاً وَسَبْعِينَ سُورَةً) قال الفيّوميّ تَُّهُ: البِضْعُ في العدد بالكسر، وبعض
العرب يَفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب: من الأربعة إلى
التسعة، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة،
ويُستعمل أيضاً من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تَثبت الهاء في بِضْعٍ مع
المذكر، وتُحذف مع المؤنث؛ كالنَّيِّف، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين،
وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَةٌ وعشرون رجلاً، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً،
وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البِضْع، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ
مبهمةٌ غير محدودة. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لقد أخذت من في رسول الله وَل بضعاً
وسبعين سورةً)) زاد عاصم عن بدر، عن عبد الله: ((وأخذت بقية القرآن عن
أصحابه))، وعند إسحاق بن راهويه في روايته المذكورة في أوله: ((﴿وَمَنْ يَغْلُلٌ
يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ثم قال: على قراءة من تأمرونني أن
أقرأ، وقد قرأت على رسول الله وَالر ... )) فذكر الحديث، وفي رواية النسائيّ،
وأبي عوانة، وابن أبي داود، من طريق ابن شهاب، عن الأعمش، عن أبي
وائل، قال: ((خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر، فقال: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا
غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ غُلُّوا مصاحفكم، وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن
ثابت، وقد قرأت من في رسول الله وَي؟))، مثله. وفي رواية خُمير بن مالك
(١) ((المفهم)) ٦/ ٣٧٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٠/١ - ٥١.

٢٩١
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ رِ﴿ُها - حديث رقم (٦٣١٢)
المذكورة: بيان السبب في قول ابن مسعود هذا، ولفظه: ((لمّا أُمر بالمصاحف
أن تُغَيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود، فقال: ((من استطاع ... )) وقال في آخره:
((أفأترك ما أخذت من في رسول الله وَّر ... ))، وفي رواية له: ((فقال: إني غالّ
مصحفي، فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل))، وعند الحاكم من طريق أبي
ميسرة، قال: رُحت، فإذا أنا بالأشعريّ، وحذيفة، وابن مسعود، فقال ابن
مسعود: والله لا أدفعه - يعني: مصحفه - أقرأني رسول الله وَله، فذَكَره.
انتھی(١).
(وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللّهِ) قال
القرطبيّ ◌َّثُ: يعني: أنه أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله
في الرواية الأخرى: ((ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما
من آية إلا أعلم فيما أُنزلت))، وسَبَبُ ذلك ملازمته للنبيّ وَّ، ومباطنته إيّاه
سفراً وحضراً؛ كما قدَّمنا، وأما في القراءة فأَبيَّ أقرأ منه، بدليل قول النبيّ وَّ:
(أقرؤكم أُبَّ))(٢)، والخطابُ للصحابة كلَّهم. انتهى(٣).
وفي رواية البخاريّ: ((والله لقد عَلِم أصحاب رسول الله وَلقر أني من
أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم))، قال في ((الفتح)): وقع في رواية عبدة،
وأبي شهاب جميعاً عن الأعمش: ((أني أعلمهم بكتاب الله)) بحذف ((من))،
وزاد: ((ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه))، وهذا لا ينفي إثبات (مِنْ))،
فإنه نفى الأغلبية، ولم يَنْف المساواة.
وقوله: ((وما أنا بخيرهم)) يُستفاد منه أن الزيادة في صفة من صفات
الفضل لا تقتضي الأفضلية المطلقة، فالأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية
المطلقة، بل يَحْتَمِل أن يكون غيره أعلم منه بعلوم أخرى، فلهذا قال: ((وما أنا
بخیرهم)). انتھی (٤).
(وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَداً أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ) هذا تأكيد لكونه أعلمَهم
(١) ((الفتح)) ٢٢٥/١١ - ٢٢٦.
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) ١٨٤/٣، والترمذيّ ٣٧٩٠، وابن ماجه ١٥٥.
(٤) ((الفتح)) ٢٢٥/١١ - ٢٢٦.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ٣٧٥.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
بكتاب الله، وفيه شدّة حرصه على الاستزادة من العلم، فلو وجد أحداً أعلم
منه لرحل إليه، وأخذ منه.
(قَالَ شَقِيقٌ)؛ أي: ابن سلمة بالإسناد المذكور: (فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ
أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ نََّ﴾ ((الْحَلَقِ)) بفتح الحاء واللام، ويقال: بكسر الحاء وفتح
اللام، قال القاضي: وقالها الحربيّ: بفتح الحاء، وإسكان اللام، وهو جمع
حَلْقة بإسكان اللام، على المشهور، وحَكَى الجوهريّ وغيره فَتْحها أيضاً،
واتفقوا على أن فَتْحها ضعيف، فعلى قول الحربيّ هو كتَمْر وتَمْرة، قاله
النوويّ تَخْذَهُ(١).
(فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعِيبُهُ) بفتح أوله ثلاثيّاً، من العيب،
وفي رواية البخاريّ: ((فما سمعت رادّاً يقول غير ذلك))، قال في ((العمدة)):
قوله: ((رادّاً))؛ أي: عالِماً يُرُدّ الأقوال؛ لأن ردّ الأقوال لا يكون إلا للعلماء،
وغرضه: أن أحداً لم يردّ عليه هذا الكلام، بل سلموا إليه. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): يعني: أنه لم يسمع من يخالف ابن مسعود يقول غير
ذلك، أو المراد: من يردّ قوله ذلك، وفي رواية أبي شهاب: ((فلما نزل عن
المنبر جلست في الحلق، فما أحدٌ يُنكر ما قال))، وهذا يُخَصِّص عموم قوله:
((أصحاب محمد وَل بمن كان منهم بالكوفة)).
ولا يعارض ذلك ما أخرجه ابن أبي داود، من طريق الزهريّ، عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، فذكر نحو
حديث الباب، وفيه: قال الزهريّ: فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود
رجال من أصحاب رسول الله وَلقر؛ لأنه محمول على أن الذين كَرِهوا ذلك من
غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة.
ويَحْتَمِل اختلاف الجهة، فالذي نَفَى شقيق أن أحداً ردّه، أو عابه:
وَصْف ابن مسعود بأنه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبته الزهريّ: ما يتعلق بأمره
بِغَلِّ المصاحف، وكأن مراد ابن مسعود بغَلّ المصاحف كَتْمها، وإخفاؤها؛ لئلا
تَخْرِج، فتُعْدَم، وكأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان، ومن وافقه في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/١٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٥/٢٠.

٢٩٣
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿مَا - حديث رقم (٦٣١٢)
الاقتصار على قراءة واحدة، وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا يُنكر الاقتصار؛
لِمَا في عدمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءته هي التي يُعَوَّل عليها
دون غيرها؛ لِمَا له من المزيّة في ذلك، مما ليس لغيره، كما يؤخذ ذلك من
ظاهر كلامه، فلمّا فاته ذلك، ورأى أن الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير
مرجح عنده اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه، على أن ابن أبي داود
ترجم: ((باب رِضَى ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان))، لكن لم يورد ما
يُصَرِّح بمطابقة ما ترجم به، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): أثر عبد الله بن مسعود عظته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣١٢/٢٢] (٢٤٦٢)، و(البخاريّ) في ((فضائل
القرآن)) (٥٠٠٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨/٥) و((فضائل القرآن)) (٧٦/١)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٢/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٩/٢)،
و(الشاشيّ) في («مسنده)) (٧٥/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٣/
١٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
، حيث كان أعلم
١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود رضييه
الصحابة ﴿﴿ بكتاب الله ريت .
٢ - (ومنها): جواز ذِكر الإنسان نفسه بالفضيلة، والعلم، ونحوه،
للحاجة، وأما النهي عن تزكية النفس فإنما هو لمن زكَّاها ومَدَحها لغير حاجة،
بل للفخر والإعجاب، وقد كثرت تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة، كدفع
شرّ عنه بذلك، أو تحصيل مصلحة للناس، أو ترغيب في أخذ العلم عنه، أو
نحو ذلك، فمن المصلحة: قول يوسف وَله: ﴿أَجْعَلِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِ
حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ومِن دفع الشرّ: قول عثمان ظُه في وقت
(١) ((الفتح)) ٢٢٥/١١ - ٢٢٦، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٠).

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
حِصاره: إنه جَهَّز جيش العسرة، وحفر بئر رُومة، ومن الترغيب: قول ابن
مسعود نظبه هذا، وقول سهل بن سعد رَّهًا: ((ما بقي أحدٌ أعلم بذلك مني))،
وقول غيره: ((على الخبير سقطتَ))، وأشباهه(١).
٣ - (ومنها): أن قوله: ((وما أنا بخيرهم))؛ يعني: ما أنا بأفضلهم؛ إذ
العشرة المبشرون بالجنّة أفضل منه بالاتفاق.
٤ - (ومنها): أن زيادة العلم لا توجب الأفضلية؛ لأن كثرة الثواب لها
أسباب أُخَر من التقوى، والإخلاص، وإعلاء كلمة الله رَك، وغيرها، مع أن
الأعلمية بكتاب الله تعالى لا تستلزم الأعلمية مطلقاً؛ لاحتمال أن يكون غيره
أعلم بالسُّنَّة.
٥ - (ومنها): استحباب الرحلة في طلب العلم، والذهاب إلى الفضلاء،
حيث كانوا .
٦ - (ومنها): أن الصحابة
﴿ّ لم ينكروا قول ابن مسعود نظر اته: إنه
أعلمهم، والمراد: أعلمهم بكتاب الله رَّ، كما صَرَّح به، فلا يلزم منه أن
يكون أعلم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم ﴿ه بالسُّنَّة، ولا
يلزم من ذلك أيضاً أن يكون أفضل منهم عند الله تعالى، فقد يكون واحد أعلم
من آخر بباب من العلم، أو بنوع، والآخر أعلم من حيث الجملة، وقد يكون
واحد أعلم من آخر، وذاك أفضل عند الله بزيادة تقواه، وخشيته، وورعه،
وزهده، وطهارة قلبه، وغير ذلك، ولا شكّ أن الخلفاء الراشدين الأربعة
كلٌّ منهم أفضل من ابن مسعود رَظُته(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٣] (٢٤٦٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا
مِنْ كِتَابِ اللهِ سُورَةٌ إِلََّّ أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا
أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَداً هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦/١٦ - ١٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ١٧.

٢٩٥
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿ه - حديث رقم (٦٣١٣)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح - بالتصغير - الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطار،
مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة
الكوفيّ، مُخضرٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث
وستين (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٢١٧/٢٧.
والباقون ذُكروا قبل حديثين(١).
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
آخره، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مسلم،
عن مسرق، وفيه عبد الله بالإهمال، وقد سبق القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ مُسْلِم) هو ابن صُبيح، أبو الضحى الكوفيّ، وقع كذلك في رواية أبي
حمزة، عن الأعَّمش، عند الإسماعيليّ، وفي طبقة مسلم هذان رجلان من أهل
الكوفة، يقال لكل منهما: مسلم، أحدهما يقال له: الأعور، والآخر يقال له:
الْبَطِين، فالأول هو مسلم بن كيسان، والثاني مسلم بن عمران، قال الحافظ:
ولم أر لواحد منهما رواية عن مسروق، فإذا أُطلق مسلم عن مسروق عُرِف أنه
هو أبو الضحى، ولو اشتركوا في أن الأعمش روى عن الثلاثة. انتهى (٢).
(عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدعِ الْهَمْدانيّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود نَظ ◌ُبه، قال
في ((الفتح)): في رواية قطبة، عن الأعمش، عند مسلم: ((عن عبد الله بن
مسعود)). انتهى.
(١) [تنبيه]: وقع في هذا السند غلط في برنامج الحديث للكتب التسعة، حيث كتب هنا
ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو غلط فاحش، والصواب أنه عبد الله بن
مسعود، وأما ابن العاص فسيأتي في الحديث التالي، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ
التوفيق.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٩/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٢).

٢٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((الفتح))، ولكن الموجود في
النُّسخ التي بين أيدينا من ((صحيح مسلم)): ((عن عبد الله))، فقط، ولعلّ نسخة
الحافظ كما قال، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وفي رواية جرير، عن الأعمش، عند ابن أبي
داود: ((قال عبد الله لَمّا صُنِعٍ بالمصاحف ما صنع: والله ... إلخ)). (مَا) نافية
(مِنْ كِتَابِ اللهِ) الجارّ والمجرور بيان مقدّم لقوله: (سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ
نَزَلَتْ)؛ أي: المكان الذي أُنزلت فيه، (وَمَا) نافية أيضاً، (مِنْ آيَةٍ) ((من)) زائدة
للتوكيد، (إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أَنْزِلَتْ) ((ما)) موصولة؛ أي: في الأمر الذي أُنزلت
من أجله، وفي رواية عند البخاريّ: ((فيمن نزلت))؛ أي: في الشخص الذي
نزلت من أجله، (وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَداً هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ) في رواية
للبخاريّ: ((تبلغنيه)) (الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ) تقدم في الحديث الماضي بلفظ:
(لرحلت إليه))، ولأبي عبيدة من طريق ابن سيرين: ((نُبِّئت أن ابن مسعود قال:
لو أعلم أحداً تُبلغنيه الإبل، أحدثُ عهداً بالعرضة الأخيرة مني لأتيته، أو قال:
لتكلفت أن آتيه))، وكأنه احترز بقوله: ((تبلغنيه الإبل)) عمن لا يَصِل إليه على
الرواحل، إما لكونه كان لا يركب البحر، فقَّد بالبرّ، أو لأنه كان جازماً بأنه
لا أحد يفوقه في ذلك من البشر، فاحترز عن سكّان السماء.
وفي الحديث جواز ذِكر الإنسان نفسه بما فيه من الفضيلة بقدر الحاجة،
ويُحْمَل ما ورد من ذمّ ذلك على من وقع ذلك منه فخراً أو إعجاباً(١)، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رؤيته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣١٣/٢٢] (٢٤٦٣)، و(البخاريّ) في
((فضائل القرآن)) (٥٠٠٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٣/٩)، و(البزّار) في
(١) ((الفتح)) ٢٢٩/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٠٢).

٢٩٧
(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمِّهِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٣١٤)
(«مسنده)) (٣٤٣/٥)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٤٢/٢)، و(الشاشيّ) في
(مسنده)) (٧٥/٢)، و(يعقوب بن سفيان) في ((المعرفة والتاريخ)) (٣١٥/٢)،
و(الخطيب) في ((الرحلة في طلب الحديث)) (٩٥/١)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ
دمشق)) (١٣٦/٣٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣١٤] (٢٤٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَثُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا نَأْتِي
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، فَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ - وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرِ: عِنْدَهُ - فَذَكَرْنَا يَوْماً عَبْدَ اللهِ بْنَ
مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلاً لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ،
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنٍ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ
بِهِ - وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد - بالتصغير -
ابن سعد بن سهم السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين
المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي
الحرّة، على الأصح بالطائف، على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ستّة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَقْذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالكوفيين إلا الصحابيّ،
فطائفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أي: ابن الأجدع؛ أنه (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي عَبْدَ اللهِ بْنَ
ا (فَتَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ)، وقوله: (وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ يعني: شيخه
عَمْرِو) بن العاص
الثاني محمد بن عبد الله بن نُمير، (عِنْدَهُ) بدل قول ابن أبي شيبة: ((إليه))؛ أي:

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة .
(نتحدّث عنده))، (فَذَكَرْنَا يَوْماً عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) تَظُهُ (فَقَالَ) عبد الله بن
عمرو ضَّ: (لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلاً)؛ يعني: ابن مسعود، (لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ
سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّ﴾﴾ ثم بيّن الشيء الذي سمعه منه بََّ، بقوله: (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ) جملة ((سمعت ... إلخ)) مستأنَفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما
وقع جواباً عن سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا سمعت؟، فأجابهم بقوله:
((سمعت رسول الله وَ ﴾ يقول: ((خُذُوا الْقُرْآنَ)؛ أي: تعلّموه (مِنْ أَرْبَعَةٍ) قال
العلماء: سببه أن هؤلاء أكثر ضبطاً لألفاظه، وأتقن لأدائه، وإن كان غيرهم
أفقه في معانيه منهم، أو لأن هؤلاء الأربعة تفرّغوا لِأخذه منه وَ ل* مشافهةً،
وغيرهم اقتصروا على أَخْذ بعضهم من بعض، أو لأن هؤلاء تفرغوا لَأَن يؤخذ
عنهم، أو أنه سير أراد الاعلام بما يكون بعد وفاته وَله مِن تقدّم هؤلاء
الأربعة، وتمكّنهم، وأنهم أقعد من غيرهم في ذلك، فليؤخذ عنهم، ذَكَره
النوويّ ◌َّهُ(١).
وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أنه * أراد الإعلام بما يكون بعده؛ أي: أن
هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك.
وتُعُقّب بأنهم لم ينفردوا، بل الذين مَهَروا في تجويد القرآن بعد العصر
النبويّ أضعاف المذكورين، وقد قُتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبيّ وَّ في
وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أَبَيّ، وابن مسعود في خلافة
عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت، وانتهت إليه الرياسة في القراءة، وعاش
بعدهم زماناً طويلاً، فالظاهر أنه أَمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صَدَر فيه
ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في
حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه، وأَزْيد منهم جماعة من
الصحابة ظه، وقد تقدم في غزوة بئر معونة أن الذين قُتلوا بها من الصحابة
كان يقال لهم: القراء، وكانوا سبعين رجلاً، قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: (مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) بدل من الجارّ والمجرور، وهو عبد الله بن
مسعود، نُسب لأمه؛ لكونها أسلمت، فأحرزت الفضل، بخلاف أبيه، فقد مات
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/١٦ - ١٨.
(٢) ((الفتح)) ٤٨/٩.

(٢٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ عِ﴾ - حديث رقم (٦٣١٤)
٢٩٩
كافراً. (فَبَدَأَ) وَله (بِهِ)؛ أي: بابن مسعود قبل الثلاثة؛ تنويهاً بفضله، وإشادة
برفعة درجته، (وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، وقال
القرطبيّ ◌َثّلهُ: هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، يُكنى: أبا
عبد الرحمن، قيل: بولد كان له كَبُر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك، ومات
بالطاعون قبل أبيه بأيام، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزديّ البصريّ في
((فتوح الشام)) وغيره. وقال الواقديّ: إنه لم يولد لمعاذ قط، وقاله المدائنيّ.
أسلم معاذ، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين، وشهد بدراً،
وجميع المشاهد، وولّاه رسول الله وسير على عمل من أعمال اليمن، وخرج معه
النبيّ وَ﴿ مودِّعاً ماشياً، ومعاذ راكباً، منعه من أن ينزل، وقال فيه الآن:
((أعلمكم بالحلال والحرام معاذ)). وقال: ((إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة (١)
بحجر))، وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمة قانتاً لله، وقال: الأمة: هو الذي
يعمّ الناس الخير، والقانت: هو المطيع الله رَك، وكان عابداً، مجتهداً، وَرِعاً،
محققاً، كان له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما: لم يشرب من بيت الأخرى،
وماتتا بالطاعون في وقت واحد، فحَفَر لهما حفرة، فأسهم بينهما أيتهما تُقدَّم
في القبر، وكان مجاب الدعوة؛ لمّا كان طاعون عمواس - وعمواس قرية من
قرى الشام، وكأنها إنما نُسب الطاعون إليها؛ لأنَّه أول ما نزل فيها - فقال بعض
الناس: هذا عذابٌ، فبلغ ذلك معاذاً فأنكر ذلك، وخطب فقال: أيها الناس!
إن هذا الوجع رحمةُ ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم. اللَّهُمَّ آت آل
معاذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى. فما أمسى حتى طُعِن ابنه عبد الرحمن،
وماتت زوجتاه، ثم ◌ُعِن من الغد مِن دَفْن وَلَده، فاشتد وجعه فمات منه، وذلك
في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وسنُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة،
وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، رُوي عنه من الحديث: مائة حديث، وسبعة
وخمسون حديثاً، أخرج له منها في ((الصحيحين)) ستة أحاديث. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّمت ترجمة معاذ ظه في ((الإيمان)) ٧/
١٣٠، وإنما أعَدْتها لطول العهد بها، فتنبّه.
(١) ((الرتوة)): الرمية.
(٢) ((المفهم)) ٣٧٦/٦ - ٣٧٧.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) بن قيس بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ، سيّد القرّاء
المتوفّى سنة (١٩ أو ٣٢) تقدّمت ترجمته في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦،
وتأتي مناقبه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى. (وَسَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ)
وهو سالم بن معقل - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف ــ يكنى
أبا عبد الله، كان من الفُرس، وكان عبداً لثُبيتة - بضمّ الثاء المثلّثة، وفتح الباء
الموحّدة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها تاءٌ - وقيل في اسمها غير
ذلك، استُشهد باليمامة سنة اثنتي عشرة.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: هو سالم بن مَعْقِل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن
ربيعة، يُكنى سالم أبا عبد الله، وكان من أهل فارس من اصطخر، وكان من
فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبرائهم، وهو معدودٌ في المهاجرين؛
لأَنَّه لمّا أعتقته مولاته زَوْج أبي حذيفة (١)، وهي عمرة بنت يعار. وقيل:
سلمى، وقيل غير ذلك، تولى أبا حذيفة فتبنّاه أبو حذيفة، وهو أيضاً معدودٌ في
الأنصار؛ لِعِثْق مولاته المذكورة له وهي أنصارية، وهو معدودٌ في القرَّاء، قيل:
إنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة ﴿، فكان يؤمهم؛
لأنَّه كان أكثرهم قراناً، وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب، شهد
سالم بدراً، وقُتل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة. فوجد رأس أحدهما عند
رِجْلَي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّمت ترجمة سالم هذا في ((كتاب الرضاع))
برقم [٧/ ٣٦٠٠] (١٤٥٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٣١٤/٢٢ و٦٣١٥ و٦٣١٦ و٦٣١٧ و ٦٣١٨
(١) هذا فيه نظر، فإن مولاته ليست امرأة أبي حُذيفة، وإنما هي امرأة أخرى أنصاريّة
اختلف في اسمها، فقيل: ثُبيتة، وقيل غير ذلك، فتنبّه.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨.