Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ نَّه ◌ِ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٩٣)
الوحيُّ في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن
(١)
یکمله. انتهى(١).
(وَإِنِّي لَا) نافية، (أُرَى) بضمّ الهمزة، ويجوز فتحها؛ أي: لا أظنّ
(الأَجَلَ إِلَّ قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي) على فقدك إياي، (فَإِنَّهُ) الضمير
للشأن، (نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ)))؛ أي: المتقدّم إلى الدار الآخرة، قال
النوويّ تَُّهُ: معناه أنا متقدِّم قُدّامك، فَتَرِدِين علي(٢). (قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي
الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) بفتحتين، يقال: جَزَعَ جَزَعاً، من باب تَعِبَ،
فهو جَزٌِ، وجَزُوعٌ مبالغة: إذا ضَعُفت مُنَّتُهُ(٣) عن حمل ما نَزَل به، ولم يجد
صبراً، وأجزعه غيره، قاله الفيّوميّ ◌َُّ(٤). (سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ
أَمَا تَرْضَيْ) قال النوويّ تَكْثُ: هكذا هو في النسخ في هذه الرواية: ((أما
ترضي))، وهو لغة، والمشهور: ((ترضين)). انتهى(٥).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ كَُّ أن حذف النون من ((ترضين))
خلاف المشهور، وهو كما قال؛ لأن الفعل مرفوع بالنون؛ لكونه من الأفعال
الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتجزم، وتنصب بحذفها، فحقّها أن لا تُحذف
هنا، كما قال في ((الخلاصة)):
وَاجْعَلْ لِنَحْوٍ يَفْعَلَانِ النُّونَا رَفْعاً وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا
کَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَمَهْ
وَحَذْقُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ
لكن ورد حذفها بدون جازم، أو ناصب، قال ابن مالك تَخْذُّهُ في
(«الكافية» :
فِي النَّثْرِ وَالنَّظْم وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
وَدُونَ ((نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا
وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي
أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيَتِي تَدْلُكِي
ووقع في بعض النسخ: ((أمَا ترضين))، ولفظ البخاريّ: ((ألا ترضين)).
(أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ)) ((أو)) هنا
(١) ((المفهم)) ٣٥٦/٦ - ٣٥٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/١٦.
(٣) ((المُنّة بالضمّ: القوّة، والضَّعف، من الأضداد. قاله في ((المصباح)) ٥٨١/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٩.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٦/١٦.
٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
للشكّ من الراوي. (قَالَتْ) فاطمة: (فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ) قال في
((العمدة): وبكاؤها في هذه الرواية كان من أجل قوله وَلور: ((ما أراه إلا حضر
أجلي))، وضحكها كان لأجل إخباره لها أنها سيدة نساء أهل الجنة، أو سيدة
نساء المسلمين، وأما بكاؤها في الرواية السابقة فكان لأجل قوله: إنه يقبض
في وجعه الذي توفي فيه، وضحكها كان لأجل قولها: ((فأخبرني أني أول من
يتبعه من أهله))، وماتت فاطمة ؤها بعد أبيها بستة أشهر، قالت عائشة: وذلك
في رمضان عن خمس وعشرين سنةً، وقيل: ماتت بعده بثلاثة أشهر. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٩٢/١٥ و٦٢٩٣ و٦٢٩٤] (٢٤٥٠)،
و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٦٢٣) و((الفضائل)) (٣٧١٥) و((المغازي)) (٤٤٣٣)
و((الاستئذان)) (٦٢٨٥) وفي ((الأدب المفرد)) (٣٥٦/١)، و(أبو داود) في
((الأدب)) (٥٢١٧)، و(الترمذيّ) في ((مناقب فاطمة)) (٣٨٧١)، و(ابن ماجه) في
((الجنائز)) (١٦٢١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٥١/٤ و٩٦/٥ و١٤٦)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٧/٦ و٢٤٠
و٢٨٢) وفي ((فضائل الصحابة)) (٧٦٢/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٦/٥)،
و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٤٧/٢ و٢٦/٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد
والمثاني)) (٣٥٨/٥ و٣٦٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤١٨/٢٢ و٤١٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان فضل فاطمة ضيها، فقد أخبر صل بأنها سيدة نساء
ـرّ، والمسألة مختلف فيها، ولكن
أهل الجنة، فهي أفضل من خديجة وعائشة
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٥٤/١٦.
٢٠٣
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَه ◌َّا - حديث رقم (٦٢٩٣)
الراجح ما دلّ عليه هذا الحديث، قال في ((العمدة)): والمتبادر إلى الذهن من
لفظ المؤمنين غير النبيّ وَ ﴿ل عرفاً، ودخول المتكلم في عموم كلامه مختلف فيه
عند الأصوليين. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عدم دخوله وَّ في هذا مما لا يخفى، وإن كان .
الأصوليّون يختلفون في أصل المسألة، فلا يختلفون هنا، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَّ، بل معجزتان، فقد أخبر
ببقاء فاطمة وما بعده والتر، وبأنها أول أهله لحاقاً به، ووقع كذلك.
٣ - (ومنها): أن في ضحك فاطمة ﴿يّا بيان إيثارهم الآخرة، وسرورهم
بالانتقال إليها، والخلاص من الدنيا.
٤ - (ومنها): بيان أن المرء لا يحب البقاء بعد محبوبه، قال ابن عمر في
عاصم [من الطويل]:
فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِماً فَعِشْنَا جَمِيعاً أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا
٥ - (ومنها): أن فيه إخبارَه ◌َّ بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا
على أن فاطمة ﴿ّا كانت أول من مات من أهل بيت النبيّ وَّر بعده حتى من
أزواجه(٢)، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): جواز قول الرجل لآخر: مرحباً، وقد عقد البخاريّ في
((صحيحه) لهذا باباً، فقال: ((باب قول الرجل: مرحباً))، ثم قال: وقالت
عائشة: قال النبيّ وَّ ر لفاطمة عليمثل: ((مرحباً بابنتي))، وقالت أم هانئ: جئت
النبيّ ﴿، فقال: ((مرحباً بأم هانئ))، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس
قال: ((لمّا قَدِم وفد عبد القيس على النبيّ وَّر قال: مرحباً بالوفد الذين جاؤوا
غیر خزایا، ولا ندامی)».
وأخرج ابن أبي عاصم حديث بريدة أن عليّاً لمّا خطب فاطمة قال له
النبيّ وَله: ((مرحباً وأهلاً))، وهو عند النسائيّ، وصححه الحاكم، وأخرج فيه
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٤/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٦/٩ - ٥٩٧، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٤٣٣).
٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أيضاً من حديث عليّ: ((استأذن عمار بن ياسر على النبيّ وَّر، فقال: مرحباً
بالطيِّب المطيب))، وهو عند الترمذيّ، وابن ماجه، والبخاريّ في ((الأدب
المفرد))، وصححه ابن حبان، والحاكم، ذكره في ((الفتح))(١).
٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَّتُهُ: مساررة الواحد مع الواحد بحضرة
الجماعة جائز؛ لأن المعنى الذي يُخاف من ترك الواحد لا يُخاف من ترك
الجماعة.
٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال أيضاً: إنه لا ينبغي إفشاء السرّ إذا كانت
فيه مضرة على المسِرِّ؛ لأن فاطمة ﴿ّا لو أخبرتهن لحزن لذلك حزناً شديداً،
وكذا لو أخبرتهنّ أنها سيدة نساء المؤمنين لَعَظُم ذلك عليهنّ، واشتدّ حزنهنّ،
فلما أَمنت من ذلك بعد موتهن أخبرت به.
وتعقّبه الحافظ، فقال: أما الشق الأول فحقّ العبارة أن يقول: فيه جواز
إفشاء السرّ إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة؛ لأن الأصل في السر
الكتمان، وإلا فما فائدته.
وأما الشق الثاني: فالعلة التي ذكرها مردودة؛ لأن فاطمة ◌َّا ماتت
قبلهنّ كلِّهنّ، وما أدري كيف خفي عليه هذا؟ ثم جَوّزتُ أن يكون في النسخة
سقم، وأن الصواب: فلما أمنت من ذلك بعد موته، وهو أيضاً مردود؛ لأن
الحزن الذي عَلَّل به لم ينزل بموت النبيّ و9َّ، بل لو كان كما زعم لاستمرّ
حزنهن على ما فاتهن من ذلك.
٩ - (ومنها): ما قاله ابن التين تَخّْلهُ: يستفاد من قول عائشة ضعيها:
((عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ)) جواز العزم بغير الله تعالى، قال: وفي
((المدونة)) عن مالك إذا قال: أعزم عليك بالله فلم يفعل لم يحنث، وهو
كقوله: أسألك بالله، وإن قال: أعزم بالله أن تفعل فلم يفعل حَنِث؛ لأن هذا
یمین. انتھی.
قال الحافظ: والذي عند الشافعية أن ذلك في الصورتين يرجع إلى قَصْد
(١) ((الفتح)) ٤٦/١٤ - ٤٧، كتاب ((الأدب)) رقم (٦١٧٦).
٢٠٥
(١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَه ◌َّا - حديث رقم (٦٢٩٤)
الحالف، فإن قَصَد يمين نفسه فيمين، وإن قصد يمين المخاطَب، أو الشفاعة،
أو أطلق فلا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ،
عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ نَّهِ، فَلَمْ يُغَادِرْ
مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِيٍ، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ وَةِ، فَقَالَ:
(مَرْحَباً بِابْنَتِي))، فَأَجْلَسَهَا عَنْ بَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً،
فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ أَيْضاً، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ:
مَا كُنْتُ لِأَفْشِيَ سِزَّ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحاً أَقْرَبَ مِنْ
حُزْنٍ، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِوَهَ بِحَدِيثِهِ دُونَنَا، ثُمَّ تَبْكِينَ؟
وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ وََّ. حَتَّى إِذَا قُبِضَ
سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي ((أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً،
وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنٍ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكَّ أَوَّلُ
أَهْلِي لُحُوقاً بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ))، فَبَكَيْتُ لِذَلِكِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ:
((أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟»،
فَضَحِكْتُ لِذَلِك).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن
عبد الله بن نُمير، و((زكريّاء)) هو: ابن أبي زائدة.
(فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحاً أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ)؛ أي: ما رأيت كفرح
اليوم فرحاً، أو ما رأيت فرحاً كَفرح رأيته اليوم، قاله في ((الفتح))(٢).
(١) ((الفتح)) ٢٥٢/١٤ - ٢٥٣، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٨٥).
(٢) ((الفتح)) ١٣٥/٨.
٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقوله: (وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي) ((أراني)) بضم الهمزة؛ أي: ولا
أظنه إلا أن موتي قَرُب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكُلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(
(١٦) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
هي: هند بنت أبي أمية - واسمه حذيفة، وقيل: سهل - ابن المغيرة بن
عبد الله بن عُمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها ،
معروفة باسمها، وشذّ من قال: إن اسمها رملة، وكان أبوها يُلَّقَّب زاد الركب؛
لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته، زاداً، بل
هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فِرَاس، وكانت تحت
أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم
هاجرت إلى المدينة، فيقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما
مات زوجها من الجراحة التي أصابته خطبها النبيّ وَل .
وأخرج ابن أبي عاصم من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن أم سلمة قالت: لمّا خطبني النبيّ وَّ قلت له: فِيَّ خلالٌ
ثلاثٌ: أما أنا فكبيرة السنّ، وأنا امرأة مُعِيل، وأنا امرأة شديدة الغيرة، فقال:
((أنا أكبر منك، وأما العيال فإلى الله، وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها عنك))،
فتزوجها، فلمّا دخل عليها قال: ((إن شئت سبّعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت
النسائي))، فرضيت بالثلاث، والحديث في (الصحيح)) من طرق.
وأخرج ابن سعد من طريق عاصم الأحول، عن زياد بن أبي مريم قال:
قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل
الجنة، ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذا إذا ماتت امرأة،
وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا أتزوج بعدك، ولا تتزوج بعدي،
قال: أتطيعيني؟ قالت: ما استأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك، قال: فإذا مت
٢٠٧
(١٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُّ سَلَمَةَ، أُمّ الْمُؤْمِنِينَ
فتزوجي، ثم قال: اللَّهُمَّ ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني، لا يُخزيها،
ولا يؤذيها، قالت: فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟
فلبثت ما لبثت، ثم تزوجني رسول الله وَ له. وفي ((الصحيح)) عن أم سلمة؛ أن
أبا سلمة قال: قال رسول الله ويتليفون: ((إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله
وإنا إليه راجعون، اللَّهُمَّ عندك أحتسب مصيبتي، وآجرني فيها))، وأردت أن
أقول: ((وأبدلني بها خيراً منها))، فقلت: من هو خير من أبي سلمة؟ فما زلت
حتى قلتها، فذكَرَتِ القصة.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي
الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: لمّا تزوج رسول الله وله
أم سلمة حَزِنت حزناً شديداً؛ لِمَا ذُكر لنا في جمالها، قالت: فتلطفت لها
حتى رأيتها، فرأيتها أضعاف ما وُصف لي في الحسن والجمال، فقالت
حفصة: والله إِنْ هذا إلا الغيرة، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت لي:
لا والله ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعدُ فكانت كما
قالت حفصة.
قال الواقديّ: ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو
هريرة، ولها أربع وثمانون سنةً.
قال الحافظ: كذا قال، وتلقاه عنه جماعة، وليس بجيد، فقد ثبت في
((صحيح مسلم)) أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان
دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي
يُخسف به ... الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد موت أبيه في سنة ستين.
وقال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر
بقتل الحسين بن عليّ ها، وهذا - كما قال الحافظ - أقرب.
قال محارب بن دثار: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد،
وكان أميرُ المدينة يومئذ مروان بن الحكم، وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي
سفيان، والثاني - كما قال الحافظ - أقرب، فإن سعيد بن زيد مات قبل تاريخ
موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلي سعيد عليها
٢٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
في مرضة مرضتها، ثم عوفيت، ومات سعيد قبلها. انتهى مختصراً من
((الإصابة))(١) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٥] (٢٤٥١) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ - قَالَ ابْنُ حَمَّاٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِنِ
اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ،
وَبِهَا يَنْصِبُ رَابَتَهُ، قَالَ: وَأَنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّهُ أَتَى نَبِيَّ اللهِ لَّهِ، وَعِنْدَهُ أُمُّ
سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ نَ ◌ّهِ لِأُمُّ سَلَمَةَ: ((مَنْ هَذَا؟))،
أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا
إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ وَّهِ يُخْبِرُ خَبَرَنَا (٢)، أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَ: فَقُلْتُ
لأَّبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ أبو يحيى
المعروف بالنَّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ(٣)، من
كبار [١٠] (ت٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٣.
٣ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، تقدّم قريباً.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٥١/٨ - ١٥٢.
(٢) وفي نسخة: ((یخبر خبر جبريل)).
(٣) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): لا بأس به، كما يتبيّن ذلك من ترجمته في
((التهذيب))، فتنبه.
٢٠٩
(١٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمُّ سَلَمَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٩٥)
٥ - (أَبُو عُثْمَانَ) النَّهديّ، عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو، مخضرم تقدّم
أيضاً قريباً .
٦ - (سَلْمَانُ) الفارسيّ، أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، الصحابيّ
الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات
سنة أربع وثلاثين، وهو من المعمّرين (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٧/ ٦١٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو مسلسل بالتحديث والسماع،
ومسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، ثم مدائنيّ، وأما أبو عثمان
فسكن الكوفة، ثم البصرة وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وهو أبو عثمان،
وهو من المعمّرين، قيل: عاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وأربعين، وهو
معدود فيمن عاش ستين سنة في الجاهليّة، وفي الإسلام أكثر من ذلك(١).
وأما سلمان ظُبه فقد قيل: إنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، قال في
((تهذيب التهذيب)): إن أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة،
فأما مائتان وخمسون فلا يشكّون فيه، ثم نقل عن الذهبيّ أنه قال: رجعت عن
القول إنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها، وتبيّن لي أنه ما جاوز الثمانين، قال:
ولم يذكر مستنده في ذلك، والعلم عند الله. انتهى(٢).
شرح الحديث:
(عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ ◌َظُه؛ أنه (قَالَ: لَا تَكُونَنَّ) ظاهر سياق
المصنّف ◌َُّ أن الحديث موقوف، لكن قد أورده الْبَرْقاني في ((مستخرجه)) من
طريق عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعاً، قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ كََّثُهُ: كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفاً على سلمان من
قوله، وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعاً للنبيّ وَّ من طريق صحيح(٣)، وهو
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٥٥٦/٢.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٦٩/٢.
(٣) قوله: ((من طريق صحيح)) فيه نظر؛ لأن شيخ البزّار القاسم بن محمد لم أجد من
ترجمه، فالظاهر أنه مجهول، والله تعالى أعلم.
٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الذي يليق بمساق الخبر؛ لأنَّ معناه ليس مما يُدرك بالرأي والقياس، وإنما
يُدرك بالوحي، وأخرجه الإمام أبو بكر الْبَرْقانيّ في كتابه مسنداً عن أبي محمد
عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان النَّهديّ، عن
سلمان، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تكن أوَّل من يدخل السوق، ولا آخر
من يخرج منها؛ فإنَّها معركة الشيطان، فيها باض الشيطان، وفرَّخ)). انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: نصّ أبي بكر البزار نَّتُهُ في ((مسنده)):
(٢٥٤١) - حدّثنا القاسم بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن فضيل، عن
عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان ظُه، عن النبيّ وَلّ: ((لا تكوننّ
إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة
الشيطان، وبها ينصب رايته)). انتهى(٢).
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلا شيخ البزّار، فلم أعرفه،
فتصحيح رَفع الحديث فيه نَظَر لا يخفى، بل هو موقوف، كما أخرجه مسلم
هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِنِ اسْتَطَعْتَ) جملة معترضة بين ((تكوننّ)) وخبرها، وهو قوله:
(أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ) بضمّ السين المهملة، يذكّر، ويؤنّث، وقال أبو
إسحاق: السُّوق التي يباع فيها مؤنّثة، وهو أفصح، وأصحّ، وتصغيرها سُويقة،
والتذكير خطأٌ؛ لأنه يقال: سُوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع ساقٌ نافقٌ بغير هاء، والنسبة
إليها سوقيّ على لفظها(٣).
وقال النوويّ: والسوق تؤنّث، وتذكّر، سُمّيت بذلك؛ لقيام الناس فيها
على سُوقهم (٤).
(وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا)؛ أي: السوق، (مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ) قال
القرطبيّ تَخْتُهُ: المعركة: موضع القتال، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه،
ومصارعة بعضهم بعضاً، فشبّه السوقَ، وفعلَ الشيطان بأهلها، ونيله منهم بما
يَحملهم عليه من المكر، والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب،
(١) ((المفهم)) ٣٥٨/٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٩٦/١.
(٢) ((مسند البزار)) ٦/ ٥٠٢.
(٤) (شرح النوويّ)) ١٦/ ٧ - ٨.
٢١١
(١٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٩٥)
والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات، وغير ذلك بمعركة الحرب، وبمن
يُصْرَع فيها. انتهى(١) .
وقال النوويّ دَّثُ: قال أهل اللغة: المعركة بفتح الراء: موضع القتال؛
لمعاركة الأبطال بعضهم بعضاً فيها، ومصارعتهم، فشَبَّه السوق، وفعلَ الشيطان
بأهلها، ونيلَه منهم بالمعركة؛ لكثرة ما يقع فيها من أنواع الباطل؛ كالغشّ،
والخداع، والأيمان الخائنة، والعقود الفاسدة، والنجش، والبيع على بيع أخيه،
والشراء على شرائه، والسوم على سومه، وبخس المكيال والميزان. انتهى(٢).
(وَبِهَا)؛ أي: بالسوق، (يَنْصِبُ) بكسر الصاد المهملة، من باب ضرب؛
أي: يرفع (رَايَتَهُ) قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: الراية: عَلَمُ الجيش، يقال: أصلها
الهمز، لكن العرب آثرت تَرْكه تخفيفاً، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم
يُسمع الهمز، والجمع: رايات. انتهى (٣).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((وبها ينصب رايته)) إشارة إلى ثبوته هناك،
واجتماع أعوانه إليه؛ للتحريش بين الناس، وحَمْلهم على هذه المفاسد
المذكورة، ونحوها، فهي موضعه، وموضع أعوانه. انتهى(٤).
وقال ابن الأثير تَّتُ: المعركة، والمعترك: موضع القتال؛ أي: موطن
الشيطان، ومحله الذي يأوي إليه، ويكثر منه؛ لِمَا يجري فيه من الحرام،
والكذب، والربا، والغصب، ولذلك قال: ((وبها ينصب رايته)) كنايةً عن قوّة
طمعه في إغوائهم؛ لأن الرايات في الحروب لا تُنصب إلا مع قوّة الطمع في
الغلبة، وإلا فهي مع اليأس تُخَطّ، ولا تُرفع. انتهى(٥) .
(قَالَ) أبو عثمان النهديّ: (وَأَنْبِئْتُ) بالبناء للمجهول، وسيأتي في آخر
الحديث أن الذي أنبأه هو أسامة بن زيد ﴿ها. (أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّا أَتَى نَِيَّ اللهِ نَّهِ،
وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ) جملة في محلّ نصب على الحال. (قَالَ) الذي أنبأ أبا عثمان،
وهو أسامة، وليس في ((البخاريّ)) لفظ ((قال)). (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع وأخذ
(١) ((المفهم)) ٣٥٨/٦ - ٣٥٩.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٤٦/١.
(٥) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٢٢/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ٧.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦/ ٧.
٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
جبريل نَّا (يَتَحَدَّثُ) مع النبيّ ◌َِّ (ثُمَّ قَامَ) جبريل عَلَّا؛ أي: ذهب من
مجلس النبيّ ◌َِّ، (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وَهِّ لأَمِّ سَلَمَةَ) ◌َّا: ((مَنْ هَذَا؟))) الذي كان
يتحدّث معي، استفهمها وَّ عنه، هل فَطِنت لكونه مَلَكاً أم لا؟ (أَوْ كَمَا قَالَ)
هذا للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون أبا عثمان، أو مَنْ دونه.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أو كما قال)) يريد أن الراوي شكّ في اللفظ،
مع بقاء المعنى في ذهنه، وهذه الكلمة كثُر استعمال المحدثين لها في مثل
ذلك، قال الداوديّ: هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل، وظاهر سياق
الحديث يخالفه، وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، ولم يظهر لي ما ادّعاه من
الظهور، بل هو محتمل للأمرين. انتهى(١).
(قَالَتْ) أم سلمة رضيّا: (هَذَا) الذي تحدّث معك (دِخْبَةُ) بكسر الدال،
وحُكي فتحها، لغتان، ويقال: إنه الرئيس بلغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة بن
فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بفتح المعجمة، وسكون
الزاي، ثم جيم - ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف الكلبيّ الصحابي
المشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل: أُحُد، ولم يشهد بدراً، وكان يُضرَب
به المَثَل في حُسن الصورة، وكان جبرائيل ◌ُالَُّ ينزل على صورته، جاء ذلك
من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة، وغيرهما، وهو رسولُ رسولِ الله وَله
إلى قيصر، فلقيه بحمص أول سنة سبع، أو آخر سنة ست. وعن مجاهد قال:
بعث رسول الله وَ﴾ دحية سَرِيّة وحده، وقد شَهِد دحية اليرموك، وكان على
كُردوس، وقد نزل دمشق، وسكن الْمِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية ﴾(٢).
وقال في ((الفتح)): أسلم قديماً، وبعثه النبيّ وَّ في آخر سنة ست، بعد
أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله إلى هرقل في المحرّم سنة
سبع، قاله الواقدي(٣) .
(قَالَ) الراوي، وهو أسامة نَظُهُ: (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) ◌ِّا: (ايْمُ اللهِ) تقدّم
أنه مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: قَسَمي؛ أي: يمين الله قسمي، (مَا) نافية
(١) ((الفتح)) ١٥٦/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٤٩٨٠).
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٨٥/٢.
(٣) ((الفتح)) ٨٠/١.
٢١٣
(١٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمّ سَلَمَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَّا - حديث رقم (٦٢٩٥)
(حَسِبْتُهُ) بكسر السين، من بابي عَلِم، وورِثَ. (إِلَّا إِيَّاهُ)؛ أي: دحية، (حَتَّى
سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِهِ يُخْبِرُ خَبَرَنَا)(١) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في نسخ
بلادنا، وكذا نقله القاضي عن بعض الرواة، والنُّسخ، وعن بعضهم: ((يخبر خبر
جبريل))، قال: وهو الصواب، وقد وقع في البخاريّ على الصواب. انتهى (٢).
(أَوْ كَمَا قَالَ) تقدّم الكلام فيه.
[تنبيه]: قال الحافظ تخَّثُ: لم أر هذا الحديث في شيء من المسانيد إلا
من هذا الطريق، فهو من غرائب الصحيح، ولم أقف في شيء من الروايات
على بيان هذا الخبر في أيّ قصة، ويَحْتَمِل أن يكون في قصة بني قريظة، فقد
وقع في ((دلائل البيهقي))، وفي ((الغيلانيات)) من رواية عبد الرحمن بن القاسم،
عن أبيه، عن عائشة؛ أنها رأت النبيّ وَ ل﴿ يكلم رجلاً، وهو راكب، فلما دخل
قلت: من هذا الذي كنت تكلمه؟ قال: ((بمن تشبّهينه؟)) قلت: بدحية بن
خليفة، قال: ((ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة))(٣).
(قَالَ) سليمان التيميّ: (فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ) النهديّ الذي حدثه بالحديث:
(مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﴿يَا، وفيه الاستفسار عن اسم من
أُبْهِم من الرواة، ولو كان الذي أَبْهَم ثقةً معتمَداً، وفائدته احتمال أن لا يكون
عند السامع كذلك، ففي بيانه رفع لهذا الاحتمال(٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): هذا الحديث طرفه الأول - وهو حديث سلمان
﴿يُّ فهو متّفقٌ
الموقوف ۔ هو من أفراد المصنّف، وأما حديث أسامة بن زيد
عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أما حديث سلمان الموقوف فأخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٩٥/١٦]، وأخرجه
(الطبرانيّ) مرفوعاً (٦١١٨ و٦١٣١)، و(الخطيب) في ((تاريخه)) (٤٢٦/١٢)،
(١) وفي نسخة: ((یخبر خبر جبريل)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨/١٦.
(٣) ((الفتح)) ١٥٧/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٤٩٨٠).
(٤) ((الفتح)) ١١/ ١٥٧.
٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
و(ابن الجوزيّ) في ((العلل المتناهية)) (٩٧٠)، والصحيح وَقْفه، كما هو عند
المصنّف، فتنبّه .
وأما حديث أسامة ظه المرفوع فأخرجه أيضاً هنا [٦٢٩٥/١٦]
(٢٤٥١)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦٣٤) و((فضائل القرآن)) (٤٩٨٠)،
و(البزّار) في ((مسنده)) (٥٠٢/٦)، و(أحمد) في ((الزهد)) (١٥٠/١)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه منقبةً لأم سلمة
٢ - (ومنها): جواز رؤية البشر الملائكة، ووقوع ذلك، ويرونهم على
صورة الآدميين؛ لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صُوَرهم، وكان النبيّ وَّـ
يرى جبريل على صورة دحية غالباً، ورآه مرتين على صورته الأصلية.
٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض وغيره: في هذا الحديث أن للمَلَك
أن يتصور على صورة الآدميّ، وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدميّ أن
يراه فيها؛ لِضَعف القُوَى البشرية، إلا من يشاء الله أن يقوّيه على ذلك، ولهذا
كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبيّ بَّ في صورة الرجل كما تقدم، في ذِكر
بدء الوحي: ((وأحياناً يتمثّل لي المَلَك رجلاً))، ولم ير بَّه جبريل على صورته
التي خُلق عليها إلا مرتين، كما ثبت في ((الصحيحين)).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قد تقدَّم القول في تمثّل الملائكة والجن في الصور
المختلفة، وأن لهم في أنفسهم صوراً خلقهم الله تعالى عليها، وأن الإيمان
بذلك كله واجب؛ لِمَا دلَّ عليه من السمع الصادق. انتهى (١).
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَظّتُهُ: ويفيد هذا الحديث أن الأسواق إذا
كانت موطن الشياطين، ومواضع لهلاك الناس، فينبغي للإنسان أن لا يدخلها
إلا بحكم الضرورة، ولذلك قال: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل
السوق، ولا آخر من يخرج منها))، ولأن من كان أول داخل فيها، وآخر خارج
منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان، وصَرَفه عن أمور دينه، وجعل همَّه
(١) ((المفهم)) ٣٥٩/٦.
٢١٥
(١٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
السوق، وما يُفعل فيها، فأهلكه، فحقّ من ابتلاه الله تعالى بالسوق أن يَخطُر
بباله أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هنالك هلك،
ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قَدْر ضرورته، وتحرّز من سوء عاقبته،
وبليّته. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
ينوج)
(١٧) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
هي: زينب بنت جحش الأسديّة أم المؤمنين، زوج النبيّ وَّله، وأمها أمية
عمة النبيّ ◌َ* تزوجها النبيّ وَّل سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، ونزلت بسببها
آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت: ﴿فَلَمَّا قَضَى
زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْتَكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وكان زيد يُدعى ابن محمد،
فلما نزلت: ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَانِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِندَ اللَّهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥]، وتزوج
النبيّ وَّ امرأته بعده انتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه، من أن الذي يتبنى
غيره يصير ابنه، بحيث يتوارثان إلى غير ذلك.
قال الواقديّ: تزوجها النبيّ ◌َّ﴾، وهي بنت خمس وثلاثين سنةً، وماتت
سنة عشرين، وهي بنت خمسين، ونُقِل عن عمر بن عثمان الحجبي أنها عاشت .
ثلاثا وخمسين. انتهى مختصراً من ((الإصابة))(٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: وأما زينب ﴿هَا: فهي ابنة جحش بن رِئاب بن
يعمر بن صَبِرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة، وهي التي
كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله وَجه، وقد أثنت عليها عائشة
بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة، وكانت تفخر على أزواج النبيِّ وَّهِ،
فتقول لهنَّ: أنكحكنّ أولياؤكنّ، وإن الله أنكحني نبيّه وٌَّ من فوق سبع
سموات؛ تعني بذلك قوله تعالى: ﴿زَوَّحْنَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(١) ((المفهم)) ٣٥٩/٦.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧ / ٦٦٧ - ٦٦٩.
٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
توفيت سنة عشرين في خلافة عمر ◌ًا، وفي هذا العام استُفتحت مصر.
وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها فُتحت الإسكندرية، وكانت زينب هذه
أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقاً به، وكان للنبيّ وَ﴿ زوجة أخرى تسمَّى
زينب بنت خزيمة الهلالية، وتُدعى أم المساكين؛ لحنوِّها عليهم، وهي من بني
عامر، تزوجها النبيّ وَّه سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلا يسيراً؛ شهرين، أو
ثلاثة، وتوفيت في حياة النبيّ ◌َّة، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، قُتل
عنها يوم أُحد. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٩٦] (٢٤٥٢) - (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ
مُوسَى السِّيْنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ بَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقاً بِي أَطْوَلُكُنَّ
يَدَ))، قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَتُهُنَّ أَطْوَلُ بَداً، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا بَدأَ زَيْنَبُ؛
لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا، وَتَصَدَّقُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ) العدويّ مولاهم المروزيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٩) وقيل: بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٢ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ) - بسين مهملة مكسورة، ونونين - أبو
عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وربما أغرب(٢)، من كبار [٩] (ت١٩٢) في ربيع
الأول (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٦/٢٦.
٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل
الكوفة، صدوقٌ يخطئ [٦] (ت١٤٨) (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
(١) ((المفهم)) ٣٥٧/٦ - ٣٥٨.
(٢) كذا قال في ((التقريب))، والأَولى حذف هذه الجملة. راجع ترجمته في: ((تهذيب
التهذيب)) تَرَ الصواب.
٢١٧
(١٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْتَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّ - حديث رقم (٦٢٩٦)
٤ - (عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيمية، أم عمران، كانت فائقة
الجمال، وهي ثقةٌ حجّةٌ [٣] (ع) تقدمت في ((الصيام)) ٢٧١٤/٣٤.
و((عائشة)) أم المؤمنين څا ذُكرت قبل حدیث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّ تَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من طلحة، والباقيان
مروزيّان، وفيه عائشة أم المؤمنين وهنا، روت من الحديث (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) ◌ِّ؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه:
((أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقاً) بالنصب على التمييز؛ أي: من حيث اللّحَاق، وهو بفتح
اللام: مصدر لَحِقٍ، بكسر الحاء، يقال: لَحِقْتُهُ، ولَحِقْتُ به أَلْحَقُ، من باب
تَعِبَ لَحَاقاً بالفتح: أدركته، وأَلْحَقْتُهُ بالألف مثله، وأَلْحَقْتُ زيداً بعمرو: أتبعته
إياه، فَلَحِقَ هو، وأَلْحَقَ أيضاً، وفي الدعاء: ((إن عذابك بالكفار مُلْحَقٌ)) يجوز
بالكسر: اسم فاعل، بمعنى لاحِقٍ، ويجوز بالفتح: اسم مفعول؛ لأن الله تعالى
أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: يُنزله بهم، قاله الفيّوميّ ◌َُّ(١).
وقال في ((التاج)): لَحِق به؛ كسَمِع، ولَحِقه لَحْقاً، ولَحاقاً بفَتْحِهما:
أدرَكَه، وكذلك اللَّحوق بالضمِّ؛ كألْحَقَه إلحاقاً، وهذا لازِمٌ متَعدِّ، يُقال: ألحقَه
به غيرُه، وألحَقَه: أدْرَكَه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة ((التاج)) أن مصدر لَحِقَ ثلاثة:
لَحْقٌ، ولَحَاقٌ بفتحهما، ولُحُوقٌ بالضمّ، وأن لَحِقَ، وألحق يتعدّى كلّ منهما،
ويلزم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ووقع في رواية البخاريّ: أن بعض أزواج النبيّ وَّهِ قُلن للنبيّ وَّ: ((أينا
أسرع بك لحوقاً، قال: أطولكن يداً ... )) الحديث، فظهر بهذا أن النبيّ وَل
إنما قال ذلك جواباً عن سؤال بعض أزواجه.
وقد بيّن ابن حبّان في روايته أن السائلة هي عائشة ﴿إنا، ولفظه: ((عن
(١) ((المصباح المنير)) ٥٥٠/٢.
(٢) ((تاج العروس)) ١/ ٦٥٦٧.
٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
مسروق قال: حدّثتني عائشة؛ أن نساء النبيّ وَّ اجتمعن عنده، لم تغادر منهنّ
واحدة، قالت: فقلت: يا رسول الله، أيتنا أسرع بك لحوقاً ... )) الحديث(١).
(بِي أَطْوَلُكُنَّ يَداً))) منصوب على التمييز؛ أي: أكثركنّ عطاء، تقول:
فلان طويل اليد والباع: إذا كان كريماً، قاله في ((المشارق))(٢)، وقال في
موضع آخر: يريد: أسمحكنّ، وأفعلكنّ للمعروف، وأكثركنّ صدقةً، يقال:
فلان طويل اليد، وطويل الباع: إذا كان سمحاً جواداً، وضدّه قصير اليد،
وجَعْد البنان. انتهى(٣).
قال القرطبيّ كَّثُ: قوله وَلجر: ((أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً)) هذا
خطاب منه وَ ﴿ لزوجاته خاصة، ألا ترى أنه قال لفاطمة رؤيتها: ((أنت أوَّل أهل
بيتي لحوقاً بي))، فكانت زينب أوَّلَ أزواجه وفاةً بعده، وفاطمةُ أوَّلَ أهل بيته
وفاةً، ولم يُرد بِالْتِحاق به الموت فقط، بل الموت، والكون معه وَّ في
الجنة، والكرامة. انتهى (٤).
[تنبيه]: إنما لم يقل: ((سُرْعاكنّ))، و((طُولاكنّ)) بلفظ التأنيث؛ لأن أفعل
التفضيل إذا أريد به التفضيل، وكان مضافاً إلى معرفة، جاز فيه وجهان:
المطابقة، وعدمها، بخلاف المضاف إلى نكرة، والمجرّد، فيذكّران، ويُفردان،
وبخلاف المحلّى بـ((أل))، فإنه تلزم مطابقته، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في
((الخلاصة)) بقوله :
أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَخَّدَا
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدًا
أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
وَتِلْوَ ((أَنْ)) طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَه
لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى ((مِنْ)) وَإِنْ
(قَالَتْ) عائشة ◌ِوَّا: (فَكُنَّ)؛ أي: أزواجه ◌َِّ (يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ
يَدأَ)؛ أي: يتنافسن أيتهن أطول يداً، زعماً منهنّ أن المراد الطول الحقيقيّ في
(٥)
اليد (٥) .
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٠٨/٨.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٠٣/٢.
(٥) ((مشارق الأنوار)) ٣٢٢/١.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٣٢٢/١.
(٤) ((المفهم)) ٣٦٠/٦.
٢١٩
- حديث رقم (٦٢٩٦)
(١٧) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ◌ُّ
وفي رواية النسائيّ: ((فَأَخَذْنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا))، ولفظ البخاريّ:
((فأخذوا قصبةً يذرعونها)) بالواو؛ أي: يقدّرونها بذراع كل واحدة منهنّ، وإنما
ذكره بلفظ جمع المذكر بالنظر إلى لفظ الجمع، لا بلفظ جماعة النساء، وقد
قيل في قول الشاعر:
وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
أنه ذَكره بلفظ جَمْع المذكر تعظيماً، وقوله: ((أطولكنّ)) يناسب ذلك، وإلا
لقال: طولاكنّ، قاله في ((الفتح))(١).
(قَالَتْ) عائشة ﴿ّا: (فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدَأَ زَيْنَبُ) بنت جحش ﴿ّا، ثم
بيّنت سبب كونها أطولهنّ، فقال: (لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا، وَتَصَدَّقُ) وفي
رواية للبيهقي في «دلائل النبوّة)): ((قُلن النسوة لرسول الله وَلاير: أينا أسرع بك
لحوقاً؟ قال: أطولكن يداً، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يداً، فلما تُوفيت زينب
علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير والصدقة)).
وأخرج الحاكم في ((مستدركه) عن عائشة رضيوثًا: ((قالت: قال رسول الله وَله
الأزواجه: أسرعكنّ لحوقاً بي أطولكن يداً، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في
بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله #8# نمدّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل
نفعل ذلك، حتى تُوفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن
أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبيّ وَ ل﴿ إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب
امرأة صَنّاعةً باليد، وكانت تدبُغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل الله))، قال
الحاكم: على شرط مسلم(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((تطاول أزواجه وَ له بأيديهنَّ: مقايسة أيدي بعضهنّ
ببعض؛ لأنَّهن حَمَلن الطول على أصله، وحقيقته، ولم يكن مقصودُ النبيّ وَلَ ه
ذلك؛ وإنَّما كان مقصودُه طولَ اليد بإعطاء الصدقات، وفعلِ المعروف، وبيَّن
ذلك أنه لمّا كانت زينب أكثر أزواجه فعلاً للمعروف، والصدقات كانت أوّلهن
موتاً، فظهر صِدْقه، وصحّ قوله {َّ)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٤٠/٤ - ٢٤١، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٢٠).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٤٢/٤ - ٢٤٣.
(٣) ((المفهم)» ٦/ ٣٦٠.
٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضيّا هذا متّفقٌ عليه، لكن ذكره البخاريّ
بلفظ: («فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعدُ إنما كانت طول يدها الصدقة،
وكانت أسرعنا لحوقاً به، وكانت تحب الصدقة))، وسيأتي ما في ذِكر سودة هنا
من الإشكال في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٩٦/١٧] (٢٤٥٢)، و(البخاريّ) في ((الزكاة))
(١٤٢٠)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٦٧/٥) و((الكبرى)) (٣٥/٢)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٢١/٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣١٤)، و(ابن أبي عاصم)
في ((الآحاد والمثاني)) (٤٢٦/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٣٣/٦)
و ((الكبير)) (٥٠/٢٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٥٤/٢)، و(ابن سعد) في
(الطبقات)) (٥٥/٨ و١٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل زينب بنت جحش أم المؤمنين
٢ - (ومنها): بيان فضل الصدقة.
.
ينيج)
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَله بأوّل
من يموت من أزواجه - رضي الله عنهنّ - فكان كما قال.
٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز
بغير قرينة، وهو لفظ: ((أطولكنّ))، إذا لم يكن هناك محذور.
قال الزين ابن المنّر ◌َّتُهُ: لمّا كان السؤال عن آجال مقدّرة، لا تُعلم إلا
بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريح، وأحالهنّ على ما لا يتبيّن إلا بآخره، وساغ
ذلك؛ لكونه ليس من الأحكام التكليفيّة. انتهى(١).
٥ - (ومنها): ما ذكره في ((الفتح)) من أنّ من حَمَلَ الكلام على ظاهره،
وحقيقته، لم يُلَمْ، وإن كان مراد المتكلّم مجازه؛ لأنّ نسوة النبيّ وَ﴿ حملن
طول اليد على الحقيقة، فلم يُنْكِر عليهنّ، هكذا قال في ((الفتح).
(١) ((الفتح)) ٢٤٤/٤، كتاب ((الزكاة)) رقم (١٤٢٠).