Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) أوله، جمع نعمة، والأشهر الأول. (فَرِيّاً) بمثلثة؛ أي: كثيرةً، والثريّ: المال الكثير من الإبل، وغيرها، يقال: أثرى فلان فلاناً: إذا كَثَرَه، فكان في شيءٍ من الأشياء أكثر منه، وذكّر ((ثريّاً))، وإن كان وصف مؤنث لمراعاة السجع، ولأن كل ما ليس تأنيثه حقيقيّاً يجوز فيه التذكير والتأنيث. (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلُّ رَائِحَةٍ) براء، وتحتانية، ومهملة، في الرواية التالية عند مسلم: ((ذابحة)) بمعجمة، ثم موحّدة، ثم مهملة؛ أي: مذبوحة مثل عيشة راضية؛ أي: مرضية، فالمعنى: أعطاني من كل شيء يُذبح زوجاً، وفي رواية الطبرانيّ: ((من كل سائمة))، والسائمة: الراعية، والرائحة: الآتية وقت الرواح، وهو آخر النهار. (زَوْجاً)؛ أي: اثنين من كل شيء، من الحيوان الذي يَرعَى، والزوج يُطلق على الاثنين، وعلى الواحد أيضاً، وأرادت بذلك كثرة ما أعطاها، وأنه لم يقتصر على الفرد من ذلك. (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: ((وقال)) بالواو، (كُلِي أَمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ)؛ أي: صِلِيهم، وأوسعي عليهم بالميرة، بكسر الميم، وهي الطّعام. والحاصل: أنها وصفته بالسؤدد في ذاته، والشجاعة، والفضل، والجود، بكونه أباح لها أن تأكل ما شاءت من ماله، وتُهدي منه ما شاءت لأهلها مبالغةً في إكرامها، ومع ذلك فكانت أحواله عندها محتقرة بالنسبة لأبي زرع، وكان سبب ذلك أن أبا زرع كان أول أزواجها، فسكنت محبته في قلبها، كما قال الشاعر [من الكامل]: نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى مَا الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى وَحَنِينُهُ أَبَداً لأَوَّلِ مَنْزِلٍ(١) زاد أبو معاوية في روايته: ((فتزوجها رجل آخر، فأكرمها أيضاً، فكانت تقول: أكرَمني، وفَعَل لي، وتقول في آخر ذلك: لو جمع ذلك كله)). (فَلَوْ جَمَعْتُ) في رواية الهيثم: ((فجمعت ذلك كله)»، وفي رواية الطبرانيّ: ((فقلت: لو كان هذا أجمع في أصغر))، (كُلَّ شَيْءٍ) في رواية للنسائيّ: ((كل الذي)) (أَعْطَانِ) في رواية البخاريّ: ((أعطانيه)) بالهاء، (مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةٍ أَبِي زَرْعٍ) وفي رواية ابن أبي أويس: ((ما ملأ إناءً من آنية أبي (١) (شرح الأبيّ)) ٢٧٧/٦. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة زرع))، وفي رواية للنسائيّ: ((ما بلغت إناء))، وفي رواية الطبرانيّ: ((فلو جمعت كل شيء أصبته منه، فجعلته في أصغر وعاء من أوعية أبي زرع، ما ملأه))؛ لأن الإناء، أو الوعاء لا يسع ما ذكرت أنه أعطاها، من أصناف النِّعم، قال الحافظ: ويظهر لي حَمْله على معنى غير مستحيل، وهي أنها أرادت أن الذي أعطاها جملةً أراد أنها توزعه على المدة إلى أن يجيء أوان الغزو، فلو وزَّعته لكان حظ كل يوم مثلاً لا يملأ أصغر آنية أبي زرع التي كان يطبخ فيها في كل يوم على الدوام، والاستمرار، بغير نقص، ولا قطع. (قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَ لُ﴾) وفي رواية الترمذيّ: ((فقال لي رسول الله وَّ))، زاد الكاذي في روايته: ((يا عائشُ))، وفي رواية ابن أبي أويس: ((يا عائشةُ)) ((كُنْتُ لَكِ) وفي رواية للنسائيّ: ((فكنت لك))، وفي رواية الزبير: ((أنا لك))، وهي تفسير المراد برواية: ((كنت))، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ أي: أنتم، ومنه: ﴿مَنْ كَانَ فِي اٌلْمَهْدِ﴾ [مريم: ٢٩]؛ أي: من هو في المهد، ويَحْتَمِل أن تكون ((كان)) هنا على بابها، والمراد بها الاتصال، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]؛ إذ المراد بيان زمان ماض في الجملة؛ أي: كنت لك في سابق علم الله (كَأَبِي زَرْع لأَمَّ زَرْع)»). زاد في رواية الهيثم بن عديّ: «في الأُلفة والوفاء، لا في الفُرَّقة والجلَّاء))، وزاد الزبير في آخره: ((إلا أنه طلقها، وإني لا أطلقك))، ومثله في رواية للطبرانيّ، وزاد النسائيّ في رواية له، والطبرانيّ: ((قالت عائشة: يا رسول الله، بل أنت خير من أبي زرع))، وفي أول رواية للزبير: ((بأبي وأمي لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع))، وكأنه وَّه قال ذلك تطييباً لها، وطمأنينةً لقلبها، ودفعاً لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع؛ إذ لم يكن فيه ما تذمه النساء، سوى ذلك، وقد وقع الإفصاح بذلك، وأجابت هي عن ذلك جواب مثلها في فضلها، وعِلْمها . [تنبيه]: وقع عند أبي يعلى، عن سُويد بن سعيد، عن سفيان بن عيينة، عن داود بن شابور، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة، عن عائشة؛ أنها حدّثت عن رسول الله وَّ عن أبي زرع، وأم زرع، وذكرت شعر أبي زرع في أم زرع، قال الحافظ: كذا فيه، ولم يَسُقْ لفظه، ولم أقف في ١٦٣ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) شيء من طرقه على هذا الشعر، وأخرجه أبو عوانة، من طريق عبد الله بن عمران، والطبرانيّ من طريق ابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة بإسناده، ولم يسق لفظه أيضاً. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٨٥/١٤ و٦٢٨٦] (٢٤٤٨)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١٨٩)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٢٥١)، و(النسائيّ) في («الكبرى» (٣٥٥/٥ و٣٥٦ و٣٥٩)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٣٨/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٦٦/٢٣ و٢٦٩ و٢٧٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده) (٢٧٠٢ و٢٧٠٣)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٧١٠٤)، و(الخطيب البغداديّ) في ((الأسماء المبهمة)) (٥٢٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٣٤٠)، و(ابن عساكر) في ((تاريخه)) (١٠/١٣ و٢٧/٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس، والمحادثة بالأمور المباحة، ما لم يُقْضِ ذلك إلى ما يمنع. ٢ - (ومنها): أن فيه المزحَ أحياناً، وبسط النفس به، ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لها ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة تترتب على ذلك من تجنيها عليه، وإعراضها عنه. ٣ - (ومنها): منع الفخر بالمال، وبيان جواز ذِكر الفضل بأمور الدين، وإخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم، وتذكيرهم بذلك، لا سيما عند وجود ما طُبعن عليه من كفر الإحسان. ٤ - (ومنها): ذكر المرأة إحسان زوجها. ٥ - (ومنها): إكرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها بما يخصها به، (١) ((الفتح)) ٥٩٢/١١ - ٥٩٤، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٩). ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة من قول، أو فعل، ومحله عند السلامة من الميل المفضي إلى الجور. ٦ - (ومنها): جواز تخصيص بعض الزوجات بالتحف واللطف، إذا استوفى للأخرى حقها . ٧ - (ومنها): جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها . ٨ - (ومنها): الحديث عن الأمم الخالية، وضرب الأمثال بهم اعتباراً. ٩ - (ومنها): جواز الانبساط بذكر ◌ُرَف الأخبار، ومستطابات النوادر؛ تنشيطاً للنفوس. ١٠ - (ومنها): حَضّ النساء على الوفاء لبعولتهن، وقصر الطَّرْف عليهم، والشكر لجمیلهم. ١١ - (ومنها): وصف المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء. ١٢ - (ومنها): جواز المبالغة في الأوصاف، ومحله إذا لم يصر ذلك ديدناً؛ لأنه يفضي إلى خرم المروءة. ١٣ - (ومنها): تفسير ما يُجمله المخبر من الخبر، إما بالسؤال عنه، وإما ابتداء من تلقاء نفسه. ١٤ - (ومنها): أن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز، إذا قُصد التنفير عن ذلك الفعل، ولا يكون ذلك غيبة، أشار إلى ذلك الخطابيّ، وتعقبه أبو عبد الله التميميّ، شيخ عياض، بأن الاستدلال بذلك إنما يتمّ أن لو كان النبيّ وَّهل سمع المرأة تغتاب زوجها، فأقرّها، وأما الحكاية عمن ليس بحاضر فليس كذلك، وإنما هو نظير من قال: في الناس شخص يسيء، ولعل هذا هو الذي أراده الخطابيّ، فلا تعقب عليه، وقال المازريّ: قال بعضهم: ذكر بعض هؤلاء النسوة أزواجهن بما يكرهون، ولم يكن ذلك غيبةً؛ لكونهم لا يُعرفون بأعيانهم، وأسمائهم، قال المازريّ: وإنما يُحتاج إلى هذا الاعتذار لو كان مَن تُحُدِّث عنده بهذا الحديث سمع كلامهنّ في اغتياب أزواجهنّ، فأقرهنّ على ذلك، فأما والواقع خلاف ذلك، وهو أن عائشة ﴿ّا حَكَت قصة عن نساء مجهولات غائبات، فلا، ولو أن امرأة وصفت زوجها بما يكرهه لكان غيبة مجرمة على من يقوله، ويسمعه، إلا إن كانت في مقام الشكوى منه عند الحاكم، وهذا في حقّ المعيّن، فأما المجهول الذي لا يُعرف فلا حرج في ١٦٥ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمِّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٥) سماع الكلام فيه؛ لأنه لا يتأذى إلا إذا عَرَف أن من ذُكر عنده يَعرفه، ثم إن هؤلاء الرجال مجهولون، لا تُعرف أسماؤهم، ولا أعيانهم، فضلاً عن أسمائهم، ولم يثبت للنسوة إسلام، حتى يجري عليهنّ حكم الغيبة، فبطل الاستدلال به؛ لِمَا ذُكر. ١٥ - (ومنها): أن فيه تقويةً لمن كَرِه نكاح من كان لها زوج؛ لِمَا ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام زوجها الثاني لها بقَدْر طاقته، ومع ذلك حقّرته، وصغّرته بالنسبة إلى الزوج الأول. ١٦ - (ومنها): أن الحب يستر الإساءة؛ لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها، لم يمنعها ذلك من المبالغة في وصفه، إلى أن بلغت حدّ الإفراط والغلوّ، وقد وقع في بعض طرقه إشارة إلى أن أبا زرع نَدِمَ على طلاقها، وقال في ذلك شعراً، ففي رواية عُمر بن عبد الله بن عروة، عن جدّه، عن عائشة ﴿ّ؛ أنها حدّثت عن النبيّ وَّر، عن أبي زرع، وأم زرع، وذكرت شعر أبي زرع على أم زرع. ١٧ - (ومنها): جواز وصف النساء، ومحاسنهنّ للرجل، لكن محله إذا كنّ مجهولات، والذي يُمنع من ذلك وصف المرأة المعيّنة بحضرة الرجل، أو أن يَذكر من وصفها ما لا يجوز للرجال تعمّد النظر إليه. ١٨ - (ومنها): أن التشبيه لا يستلزم مساواة المشبَّه بالمشبَّه به من كل جهة؛ لقوله وَلير: ((كنت لك كأبي زرع))، والمراد ما بيَّنه بقوله في رواية الهيثم: ((في الألفة ... )) إلى آخره، لا في جميع ما وُصف به أبو زرع من الثروة الزائدة، والابن، والخادم، وغير ذلك، وما لم يُذكر من أمور الدين كلها. ١٩ - (ومنها): أن كناية الطلاق لا توقعه، الا مع مصاحبة النية، فإنه تشبّه بأبي زرع، وأبو زرع قد طلَّق، فلم يستلزم ذلك وقوع الطلاق؛ لكونه لم بقصد إليه. ٢٠ - (ومنها): جواز التأسي بأهل الفضل، من كل أمة؛ لأن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عِشرته، فامتثله النبيّ وَ®، كذا قال المهلَّب، واعترضه عياض، فأجاد، وهو أنه ليس في السياق ما يقتضي أنه تأسى به، بل فيه أنه أخبر أنّ حاله معها مثل حال أم زرع، نَعَم ما استنبطه صحيح باعتبار أن ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رة الخبر إذا سيق، وظهر من الشارع تقريره، مع الاستحسان له جاز التأسي به، ونحوٌ مما قاله المهلَّب قول آخر: إن فيه قبول خبر الواحد؛ لأن أم زرع أخبرت بحال أبي زرع، فامتثله النبيّ وَّه، وتعقبه عياض أيضاً، فأجاد، نَعَم يؤخذ منه القبول بطريق أن النبيّ وَلّر أقره، ولم ينكره. ٢١ - (ومنها): جواز قول: ((بأبي وأمي))؛ ومعناه: أفديك بأبي وأمي. ٢٢ - (ومنها): جواز مدح الرجل في وجهه، إذا عُلم أن ذلك لا يفسده. ٢٣ - (ومنها): جواز القول للمتزوج: ((بالرفاء والبنين)) إن ثبتت اللفظة 2 (١) الزائدة أخيراً(١). ٢٤ - (ومنها): أن من شأن النساء إذا تحدثن أن لا يكون حديثهن غالباً إلا في الرجال، وهذا بخلاف الرجال، فإن غالب حديثهم إنما هو فيما يتعلق بأمور المعاش. ٢٥ - (ومنها): جواز الكلام بالألفاظ الغريبة، واستعمال السجع في الكلام، إذا لم يكن متكلَّفاً، قال عياض تَظْتُهُ ما ملخّصه: في كلام هؤلاء النسوة من فصاحة الألفاظ، وبلاغة العبارة والبديع، ما لا مزيد عليه، ولا سيما كلام أم زرع، فإنه مع كثرة فصوله، وقلة فضوله، مختار الكلمات، واضح السمات، نيّر النسمات، قد قُدِّرت ألفاظه قَدْر معانيه، وقُررت قواعده، وشِيْدَت مبانيه، وفي كلامهن، ولا سيما الأُولى، والعاشرة أيضاً من فنون التشبيه، والاستعارة، والكناية، والإشارة، والموازنة، والترصيع، والمناسبة، والتوسيع، والمبالغة، والتسجيع، والتوليد، وضرب المثل، وأنواع المجانسة، وإلزام ما لا يلزم، والإيغال، والمقابلة، والمطابقة، والاحتراس، وحسن التفسير، والترديد، وغرابة التقسيم، وغير ذلك أشياء ظاهرة لمن تأملها، وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، وكَمَّل ذلك أن غالب ذلك أُفرغ في قَالَب الانسجام، وأَتَى به الخاطر بغير تكلف، وجاء لفظه تابعاً لمعناه، منقاداً له، غير مستكره، ولا منافر، والله يمنّ على من يشاء بما شاء، لا إله إلا هو، ذَكر (١) هي ما تقدّم من رواية الهيثم بن عديّ: ((في الألفة والوفاء، لا في الفرقة والجلاء)). ١٦٧ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٦) ذلك في ((الفتح))، وكله بحث نفيسٌ، وجليسٌ أنيسٌ، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ، وَلَمْ يَشُكَكَ، وَقَالَ: قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا، وَعَقْرُ جَارَتِهَا، وَقَالَ: وَلَا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيْئاً، وَقَالَ: وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجاً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْمِنْقريّ - بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف - مولاهم، أبو سلمة التَّبُوذكيّ - بفتح المثناة، وضم الموحّدة، وسكون الواو، وفتح المعجمة - البصريّ، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ، ولا التفات إلى قول ابن خِرَاش: تكلم الناس فيه. من صغار [٩]. روى عن جرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وهنيد بن القاسم، ومبارك بن فَضَالة، وأبان العطار، وهمام بن يحيى، ووهيب بن خالد، وأبي هلال الراسبيّ، ويزيد بن أبي إبراهيم التستريّ، وقيس بن الربيع، وحماد بن سلمة، وجويرية بن أسماء، وخَلْق كثير. وروى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة الحسن بن عليّ الخلال، والذهليّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وعبيد الله بن فَضَالة، وعبد الرحمن بن عبد الوهاب العميّ، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخَلْق کثیر. قال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: ما جلست إلى شيخ إلا هابني، أو عرف لي، خلا هذا التبوذكيّ، قال: وعددت ليحيى ما كتبنا عنه خمساً وثلاثين ألف حديث، وقال الحسين بن الحسن الرازيّ عن ابن معين: ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو حاتم: سمعت ابن معين، وأثنى على أبي سلمة، وقال: كان كَيِّساً، وكان الحجاج بن منهال رجلاً صالحاً، وأبو سلمة أتقنهما، قال أبو حاتم: سمعت ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أبا الوليد الطيالسيّ يقول: موسى بن إسماعيل ثقةٌ، صدوقٌ، قال: وقال ابن المدينيّ: من لا يَكتب عن أبي سلمة كتب عن رجل عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ثقةٌ، كان أيقظ من الحجاج، ولا أعلم أحداً ممن أدركناه أحسن حديثاً من أبي سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من المتقنين، ويُروَى أن ابن معين قال له في حديث: لم أجده في صدر كتابك، إنما وجدته على ظهره، فاحلف لي أنك سمعته، قال: فحلف له، وقال بعد ذلك: والله لا كلمتك أبداً. قال البخاريّ: مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقال أبو حاتم بن الليث: كان قد رأى سعيد بن أبي عروبة، وحَفِظ عنه مسائل، مات سنة ثلاث، وكذا أرّخه ابن سعد. وآخر من حدّث عنه أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وقال ابن خِرَاش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق. قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن خِرَاش: ((تكلم الناس فيه)) مما لا يُلتفت إليه، كما نبّه عليه في ((التقريب))، فقد عرفت في ترجمته السابقة ثناء النقاد عليه؛ كابن معين، وأبي حاتم، وغيرهما، فتنبّه. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن أبي الْحُسَام العدويّ مولاهم، أبو عمرو المدنيّ، وهو أبو عمرو السَّدوسيّ الذي روى عنه الْعَقَديّ، صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه [٧]. رَوَى عن أبيه، وهشام بن عروة، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وابن المنكدر، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو عامر الْعَقَديّ، وعبد الله بن رجاء البصريّ، وأبو سلمة التبوذكيّ، وغيرهم. قال أبو سلمة: ما رأيت كتاباً أصح من كتابه، وقال الآجريّ عن أبي داود: كان في لسانه، وليس في حديثه، وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه، فلم يعرفه؛ يعني: حقّ معرفته، وقال النسائيّ: شيخ ضعيف، وذكره ابن حبان في ((الثقات)». : ١٦٩ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٦) واستشهد به البخاريّ، وروى له البخاريّ حديثاً في الاستعاذة فقط، وروى أبو داود في ((الطلاق)) عن محمد بن معمر، عن أبي عامر العَقَديّ، عن أبي عمرو السدوسي، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة؛ أن حبيبة بنت سهل، كانت عند ثابت بن قيس بن شماس ... الحديث، وروى هذا الحديث أحمد بن محمد بن شعيب الرّجانيّ، عن محمد بن معمر، عن أبي عامر العَقَديّ، عن سعيد بن سلمة، عن عبد الله بن أبي بكر، بإسناده، فدلّت هذه الرواية أن أبا عمرو المذكور في رواية أبي داود، هو سعيد بن سلمة، والله أعلم. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لسعيد بن سلمة. وقوله: (عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ، وَلَمْ يَشُك)؛ يعني: أنه ذكر ((عیایاء)) بالعين المهملة، ولم يذكره ((عياياء)) أو ((غياياء طباقاء)) بالشكّ، كما شكّ فيه عيسى بن يونس في الرواية السابقة. قال القرطبيّ كَّتُهُ: قول السَّابعة: ((زوجي غياياء - أو عياياء - طباقاء)) الرواية التي لا يُعرف غيرها بالعين المهملة، وغياياء: بالغين المعجمة، و((أو)) للشك، وهو شكّ وقع من بعض الرواة، وقد أنكر أبو عبيد، وغيره الغين المعجمة، وقالوا: صوابه: عياياء، وقالوا: هو الْعِنِّين، وهو الذي تغلبه مباضعة النساء، وكذلك هو في الإبل التي لا تضرب، ولا تلقح. قلت(١): ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة أنهم قصروا عياياء على الذي يعجز عن الجماع والضِّراب، والصحيح من اللسان أنه يقال على ذلك، وعلى من لم يقم بأموره، ففي ((الصحاح)): يقال: جمل عياياء؛ أي: لم يهتد للضراب، ورجل عياياء: إذا عَيي بالأمر، والمنطق، وعلى هذا فتكون هذه المرأة قد وصفته بكل ذلك، وأما إنكار غياياء فليس بصحيح، قال القاضي أبو (١) القائل هو: القرطبيّ كَّلهُ. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الفضل: وقد يظهر له وجهٌ حسن، ولا سيما، وأكثر الرواة أثبتوه، ولم يشكُّوا فيه، وهو أن يكون مأخوذاً من الغياية، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه، فكأنه غُِّ عليه، وسُترت أموره، ويكون من الغيّ: وهو الانهماك في الشرّ، أو من الغيّ: وهو الخيبة، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]؛ أي: خيبة. والمعروف في ((الطباقاء)): أنه بمعنى: العياياء، وهو الذي تنطبق عليه الأمور، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعْمَر [من الطويل]: طَبَاقَاءُ لَمْ يَشْهَدْ خُصُوماً وَلَمْ يَقُدْ رِكاباً إلى أَكْوارِهَا حِينَ تُعْلَفُ قال: ويُروی عیایاء، وهو بمعنى واحد. قال القاضي: وحكى أبو عليّ - وأظنه البغداديّ - عن بعضهم أنه قال: الثقيل الصدر الذي ينطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة إليها، وهو من مذام الرجال، وقال الجاحظ: عياياء، طباقاء: أخبرت عن جهله بإتيان النساء، وعيِّه، وعجزه، وأنه إذا سقط عليها انطبق عليها، والنساء يكرهن صدور الرجال على صدورهن. انتهى (١). وقوله: (قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ) قال القرطبيّ تَّتُهُ: قولها: ((كثيرات المبارك، قليلات المسارح)) مبارك الإبل: مواضع بروكها، واحدها: مبرك، ومسارحها : مواضع رعيها، واحدها مسرح، واختلف في معناه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أكثر بروكها، وأقل تسريحها؛ مخافة أن ينزل به ضيف، وهي غائبة، ذكره أبو عبيد. والثاني: أنها إذا بَرَكت كانت كثيرةً؛ لِوَفْر عددها، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لكثرة ما يجزر منها للضيفان، قاله ابن أبي أويس. وثالثها: أنها إذا بركت كانت كثيرةً؛ لكثرة من ينضم إليها، ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلةً؛ لقلة من ينضم إليها منهم. انتهى(٢). وقولها: (وَصِفْرُ رِدَائِهَا)؛ أي: خاليته، والصفر: الشيء الفارغ، قال الهروي: أي: ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن، وقال غيره: تريد أنها (١) ((المفهم)) ٣٣٩/٦. (٢) ((المفهم)) ٣٤٢/٦. ١٧١ (١٤) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ أُمَّ زَرْعٍ - حديث رقم (٦٢٨٦) خفيفة أعلى البدن، وهو موضع الرداء، ممتلئة أسفله، وهو موضع الكساء، والأزرة، ويؤيده قولُها في بعض روايات الحديث: ((مِلُ إزارها))، قال القاضي: والأولى أنها أرادت أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها يرفضان الرداء عن أعلى جسدها، فهو لا يمسه، كالفارغ منها، بخلاف أسفلها، كما قال الشاعر [من الطويل]: أَبَتِ الرَّوادِفُ والنُّدِيُّ لِقُمْصِها مَسَّ البُطُونِ وأَنْ تَمَسَّ ظُهُورا وقولها: (وَعَقْرُ جَارَتِهَا) قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: الرواية الصحيحة: بعين مهملة، مفتوحة، وقاف من العَقْر، وهو الجرح، أو الهلاك؛ تعني: أن ضرتها تموت من أجلها حسداً، وغيظاً، أو ينعقر قلبها، وفي قولها: ((ملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها)) دليل لسيبويه على صحة ما أجازه من قوله: مررِتُ برجلٍ حَسَنٍ وجهه، وهو ردٌّ على المبرّد، والزجَّاج، فإنَّهما منعا ذلك، وعلَّل الزجاجيّ المنع بإضافة الشيء إلى نفسه، وخطّأ سيبويه في إجازة ذلك، وقال: إنما أجازه سيبويه وحده، وقد أخطأ الزجَّاجي في هذا النقل في مواضع، أخطأ في المنع، وأخطأ في التعليل، وفي تخطئته سيبويه، وفي قوله: إنه لم يقل به غير سيبويه، وقد قال أبو الحسن بن خروف: إنّه قال به طائفة لا يحصون، وفي قوله: إن جميع الناس خطّؤوا سيبويه؛ وليس بصحيح، وكيف يخطأ في اللسان من تمسك بالسَّماع الصحيح؟ كما جاء في هذا الحديث الىالله المتفق على صحته، وقد جاء عن بعض الصّحابة في وصف النبيّ ، فقال: ((شَئَنٌ أصابعه))، وقد اتفق أهل اللسان على صحة قول الشاعر [من الطويل]: أَمِنْ دِمْنتينٍ عرَّجَ الرَّكْبُ فِيهِمَا بِحَفْلِ الرُّخَامى قَدْ عَفَا طَلَلَاهُمَا كُمَيْتَا الأَعَالِي جَوْنتَا مُصْطَلَاهُمَا أقامَتْ عَلَى رَبْعَيهِما جَارَتَا صَفاً وقد تعسَّف المانع في تأويل هذا السماع بما تمُّه الأسماع، ولتفصيل ذلك مبسوطات النحو، ومن تمسّك بالسماع، فَرَدُّ حَجَّته لا يستطاع. انتهى(١). وقولها: (وَلَا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيئاً) أصل التنقيث: الإسراع، يقال: خرجت (١) ((المفهم)) ٣٤٦/٦ - ٣٤٧. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أنقث - بالضم -؛ أي: أسرع السير، وكذلك أنتقث، والميرة: ما يُمتار من موضع إلى موضع من الأطعمة، وأرادت: أنها أمينةٌ على حفظ طعامنا، وحافظة له. وقولها: (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجاً) الذابحة بالذال المعجمة: من الذبح، فاعلة بمعنى مفعولة؛ ك﴿عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]؛ أي: مرضية؛ يعني: أنه أعطاها من كل شيء يُذبح، وروي: ((وأعطاني من كل رائحة زوجاً))، والرائحة - بالراء -: اسم فاعل، من راح، تعني: أنه أعطاها من كل صنف من الإبل، والغنم، والبقر، والزوجُ: الصِّنف، كما قال تعالى: ﴿وَكُمُ [الواقعة: ٧]، وقد يراد بالزوج: اثنان، يقال: فرد، وزوج، أَزْوَجًا ثَلَاثَةُ (® وزوج المرأة: بعلها، وهي زوجٌ له، وقد جاء زوجة، ويقال: هما زوجان للاثنين، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، قاله الجوهريُّ، وقال غيره: ولا يوضع الزوج على الاثنين أبداً، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الَزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى @. : [النجم: ٤٥](١) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٥) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ وَّ ◌َِّا) هي: فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين، رسول الله وَّر، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية - صلى الله على أبيها وآله وسلم، ورضي عنها - كانت تكنى أم أبيها بكسر الموحّدة، بعدها تحتانية ساكنة، ونقل ابن فتحون عن بعضهم بسكون الموحّدة بعدها نون، وهو تصحيف، وتلقّب الزهراء، روت عن أبيها، روى عنها ابناها، وأبوهما، وعائشة، وأم سلمة، وسلمى أم رافع، وأنس، وأرسلت عنها فاطمة بنت الحسين، وغيرها. قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة أصغر (١) ((المفهم)) ٣٤٨/٦ - ٣٤٩. ١٧٣ (١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِعَةَ بِنْتِ النَّبِّ لَهِّ بنات النبيّ وَّهر، وأحبهنّ إليه، وقال أبو عمر: اختلفوا أيتهن أصغر، والذي يسكن إليه اليقين أن أكبرهنّ زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. واختلف في سنة مولدها، فروى الواقديّ عن طريق أبي جعفر الباقر قال: قال العباس: وُلدت فاطمة والكعبة تبنى، والنبيّ وَّ ابن خمس وثلاثين سنةً، وبهذا جزم المدائنيّ، ونقل أبو عمر عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشميّ أنها وُلدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبيّ وَّ﴾، وكان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة، أو أكثر، وهي أسنّ من عائشة بنحو خمس سنين، وتزوجها عليّ أوائل المحرم سنة اثنتين بعد عائشة بأربعة أشهر، وقيل غير ذلك، وانقطع نسل رسول الله وَله إلا من فاطمة. وقال الواقديّ: تُوفيت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان، سنة إحدى عشرة. انتهى مختصراً من ((الإصابة))(١) . وقال الحافظ تَخُّ في ((الفتح)): فاطمة بنت رسول الله بَل﴿ ظَنًا، وأمها خديجة ◌ّا، وُلدت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البعثة، وتزوجها عليّ بعد بدر، في السنة الثانية، وَوَلدت له، وماتت سنة إحدى عشرة بعد النبيّ وَ ◌ّ بستة اشهر، وقد ثبت في ((الصحيح)) من حديث عائشة رحُّا، وقيل: بل عاشت بعده ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: شهرين، وقيل: شهراً واحداً، ولها أربع وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، فقيل: إحدى، وقيل: خمس، وقيل: تسع، وقيل: عاشت ثلاثين سنة. قال: وأقوى ما يُستَدَلّ به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها، ومن بعدهنّ ما ذُكر من قوله وَله: ((إنها سيدة نساء العالمين))، إلا مريم، وإنها رُزئت بالنبيّ وَّ دون غيرها من بناته، فإنهنّ مُتْنَ في حياته، فكنّ في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها. قال الحافظ: وكنت أقول ذلك استنباطاً إلى أن وجدته منصوصاً، قال أبو جعفر الطبريّ في ((تفسير آل عمران)) من التفسير الكبير، من طريق فاطمة بنت الحسين بن عليّ؛ أن جدتها فاطمة قالت: دخل رسول الله وَ ل* يوماً، وأنا عند (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٦٢/٨ - ٢٦٣. ١٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لقد علمت، أأخبرك بسرّ رسول الله وَّر، فتركتني، فلما تُوفي سألت، فقلت: ناجاني ... فذكر الحديث في معارضة جبريل له بالقرآن مرتين، وأنه قال: ((أحسب أني ميت في عامي هذا، وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون امرأة منهنّ صبراً))، فبكيت، فقال: ((أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم))، فضحكتُ، قلت(١): وأصل الحديث في ((الصحيح)) دون هذه الزيادة. انتهى(٢). وقال القرطبيّ كَخَُّهُ: فاطمة سيدة نساء العالمين ﴿ّا، وقد اختلف في أصغر بنات رسول الله وَله، قال أبو عمر: والذي تسكن النفس إليه أن زينب هي الأُولى، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وُلدت لرسول الله وَليل سنة إحدى وأربعين من مولده وَّة، وتزوجها عليّ ها بعد وقعة أُحد، وقيل: بعد أن ابتنى النبيّ وَ﴿ بعائشة يا بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها عليٍّ بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف، وكان سِنُّها يوم تزوجها ظّا خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفاً، وسِنُّ علي يومئذ إحدى وعشرون سنة وستة أشهر، فوَلَدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم، وزينب، وتوفيت بعد رسول الله وَله بيسير، قيل: بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بسبعين يوماً، وقيل: بمائة يوم، وهي أحبُّ بناتِ رسول الله وَّه إليه، وأكرمهنّ عنده، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة، وكان رسول الله وَّل إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد، فيصلِّي فيه، ثم يبدأ ببيت فاطمة، فيسأل عنها، ثم يدور على سائر نسائه، إكراماً لها، واعتناء بها، وهي أوَّل من سُتِر نعشُها في الإسلام، وذلك أنها لمّا احتُضِرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد استقبحتُ ما يُفْعَلُ بالنساء؛ إنه يُطْرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء: يا بنة رسول الله وَه! ألا أريكِ شيئاً رأيتُه في الحبشة؟! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَتْها، ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا، وأجمله، تُعرف (١) القائل هو: الحافظ دَّثُ . (٢) ((الفتح)) ٤٧٤/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٧٦٧). ١٧٥ (١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةً بِنْتِ النَِّّ لَّهِ رَّا - حديث رقم (٦٢٨٧) به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٍّ، ولا تُدْخلي أحداً، فلما تُوفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر، وقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلحقير، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر، فوقف على الباب، فقال: یا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبيّ وَ * يدخلن على بنت رسول الله وَّة، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمَرَتني ألَّا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها، قال أبو بكر ظُه: اصنعي ما أمَرَتك، ثم انصرف، وغسَّلها عليٍّ، وأشارث أن يدفنها ليلاً، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو، وعليّ، والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين سنةً. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٨٧] (٢٤٤٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ الهِ بْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَ آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَ آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِنِي مَا آَذَاهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب. (١) ((المفهم)) ٣٥١/٦ - ٣٥٢. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيِْيُّ) تقدّم أيضاً قبل باب. ٥ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن له، ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٩/١٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٨٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره. شرح الحديث: عن (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) ﴿َا (حَدَّلَهُ) قال في ((الفتح)): كذا رواه عنه عمرو بن دينار، وتابعه الليث، وابن لهيعة، وغيرهما، ورواه أيوب، عن ابن أبي مليكة، فقال: عن عبد الله بن الزبير، أخرجه الترمذيّ، وصححه، وقال: يَحْتَمِل أن يكون ابن أبي مليكة سمعه منهما جميعاً، ورجّح الدارقطنيّ وغيره طريق المسور، والأول أثبت بلا ريب؛ لأن المسور قد روى في هذا الحديث قصة مطولة ستأتي بعد هذا، نعم يحتمل أن يكون ابن الزبير سمع هذه القطعة فقط، أو سمعها من المسور، فأرسلها. انتهى(١). (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النبويّ، وقوله: (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة، ((إِنَّ بَنِي هِشَام بْنِ الْمُغِيرَةِ) هو والد أبي جهل، وجدّ مخطوبة عليّ؛ وبنوه هم أعمامها. (اسْتَأْذَنُونِي)؛ أي: طلبوا مني أن آذن لهم (أَنْ يُنْكِحُوا) بضم حرف المضارعة، من الإنكاح؛ أي: يزوّجوا (ابْنَتَهُمْ) هي ابنة أبي جهل، واختلف في اسمها، فروى الحاكم في ((الإكليل)) أنها جويرية، وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء، أخرجه ابن طاهر في ((المبهمات))، وقيل: اسمها الحنفاء، ذكره ابن جرير الطبريّ، وقيل: جرهمة، حكاه السهيليّ، وقيل: اسمها جميلة، ذكره ابن الملقن في ((شرحه))، وكان لأبي جهل بنت (١) ((الفتح)) ٤٧٥/٨ رقم (٣٧٦٧). ١٧٧ (١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِّلَّه ◌ِ﴿َا - حديث رقم (٦٢٨٧) تسمى صفية، تزوجها سهل بن عمرو، سماها ابن السكيت وغيره، وقال: هي الحنفاء المذكورة(١). رزقه، هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة أن سبب (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) الْخُطبة استئذان بني هشام بن المغيرة وفي رواية الزهريّ عن عليّ بن الحسين بسبب آخر، ولفظه: ((أن عليّاً خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبيّ وَ *، فقالت: إن قومك يتحدثون ... ))، كذا في رواية شعيب، وفي رواية عبد الله بن أبي زياد، عنه في ((صحيح ابن حبان)): ((فبلغ ذلك فاطمة، فقالت: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل)»، هكذا أطلقت عليه اسم فاعل مجازاً؛ لكونه أراد ذلك، وصمَّم عليه، فنزَّلته منزلة مَن فعله. ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد: ((خطب))، ولا إشكال فيها، قال المسور: ((فقام النبيّ ◌َّر))، فذكر الحديث. ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حنظلة: ((أن عليّاً خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة)). قال الحافظ: فكأن ذلك كان سبب استئذانهم، وجاء أيضاً أن علياً استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سُويد بن غَفَلة، وهو أحد المخضرمين، ممن أسلم في حياة النبيّ وَّر، ولم يلقه، قال: ((خَطَب عليّ بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبيّ وَّر، فقال: أعن حَسَبها تسألني؟ فقال: لا، ولكن أتأمرني بها؟ قال: لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن، أو تجزع، فقال عليّ: لا آتي شيئاً تكرهه))، ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خُطبة النبيّ وَّه بما خطب، ولم يحضر عليّ الخطبة المذكورة، فاستشار، فلما قال له: لا، لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهريّ: ((فترك عليّ الْخِطبة))، وهي بكسر الخاء المعجمة. ووقع عند ابن أبي داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة: «فسکت عليّ عن ذلك النكاح)). (١) ((الفتح)) ٤٤٣/٨ رقم (٣٧٢٩). ١٧٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (فَلَ آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ) ولفظ البخاريّ: ((فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن))، كرر ذلك تأكيداً لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لِمَا خاف النبيّ ◌َِّ على فاطمة من الفتنة، من أجل الغَيْرة، ولِمَا توقع من مُناكدة هذه الضَّرَّة؛ لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء، قاله القرطبيّ ◌َظَّهُ(١) . وقال في ((الفتح)): فيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز؛ لاحتمال أن يُحمل النفي على مدة بعينها، فقال: ((ثم لا آذن))؛ أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديراً لا آذن بعدها، ثم كذلك أبداً، وفيه إشارة إلى ما في حديث الزهريّ من أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل؛ لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه: الحارث بن هشام، وسلمة بن هشام، عام الفتح، وحسن إسلامهما، ويؤيد ذلك جوابهما المتقدم لعليّ، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة: عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضاً، وحسن إسلامه، والمخطوبة تزوجها عَتّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص لمّا تركها عليّ ◌َظُبه(٢). (إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ) هو عليّ ◌َظُهِ، فكأنه كَرِه ذلك من عليّ، فلذلك لم يقل: عليّ بن أبي طالب(٣). (أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) هذا محمول على أن بعض من يُبغض عليّاً وشى به أنه مصمّم على ذلك، وإلا فلا يُظَنّ به أنه يستمر على الْخِطبة بعد أن استشار النبيّ وَّ، فمنعه، وسياق سُويد بن غَفَلة يدلّ على أن ذلك وقع قبل أن تعلم به فاطمة، فكأنه لما قيل لها ذلك، وشَكَت إلى النبيّ وَّ بعد أن أعلمه عليّ أنه ترك أنكر عليه ذلك، وزاد في رواية الزهريّ: ((وإني لست أحرّم حلالاً، ولا أحلّل حراماً، ولكن والله لا تُجمع بنت رسول الله، وبنت عدوّ الله عند رجل أبداً))، وفي رواية مسلم الآتي بعد حديث: ((مكاناً واحداً أبداً))، وفي رواية شعيب: ((عند رجل واحد أبداً)). (١) ((المفهم)) ٦/ ٣٥٣. (٢) ((الفتح)) ٦٨١/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٠). (٣) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٢٠. ١٧٩ (١٥) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ لَحْ ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٨٧) قال ابن التين: أصحّ ما تُحْمَل عليه هذه القصة أن النبيّ وَِّ حَرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه عَلَّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيّته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: ((لا أحرّم حلالاً))؛ أي: هي له حلال، لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبيّ رَّ لتأذي فاطمة به فلا . وزعم غيره أن السياق يُشعر بأن ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبيّ وَلـ رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك؛ امتثالاً لأمر النبيّ وَلّ. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه لا يَبعد أن يُعَدّ في خصائص النبيّ وَل أن لا يُتزوج على بناته، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصّاً بفاطمة عليها. انتهى(١). (فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي) بفتح الباء الموحّدة، وسكون الضاد المعجمة؛ أي: قِطعة، ووقع في حديث سُويد بن غَفَلة بلفظ ((مضغة)) بضم الميم، وبغين معجمة، والسبب في ذلك أنها كانت أصيبت بأمها، ثم بأخواتها واحدةً بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به، ممن يخفف عليها الأمر، ممن تُفضي إليه بسرّها إذا حصلت لها الغيرة، قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ تَّثُهُ: قوله ◌َلّى: (بضعة مني، يريبني ما رابها)) البضعة - بفتح الباء -: القطعة من اللحم، وتُجمع على بضاع؛ كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى: ((مُضْغَة))، وهي قَدْرُ ما يَمضغه الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه، يؤلمه ما آلمها، و(يريبني ما رابها))؛ أي: يَشُقّ عليّ، ويؤلمني، يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه - ثلاثيّاً - والاسم منه: الرِّيبة، وهذيل تقول فيه: أرابني - رباعيّاً . والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مُريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك. انتهى(٢). (يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا) كذا هنا في رواية مسلم: ((يَرِيبني ما رابها)) من راب يريب ثلاثيّاً، وفي رواية البخاريّ: ((يُريبني ما أرابها))، رباعيّاً، وزاد في رواية (١) ((الفتح)) ٦٨١/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٠). (٢) ((المفهم)) ٣٥٢/٦ - ٣٥٣. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الزهريّ: ((وأنا أتخوف أن تُفْتَن في دينها))؛ يعني: أنها لا تصبر على الغيرة، فيقع منها في حقّ زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدِّين. وفي رواية شعيب: ((وأنا أكره أن يسوءها))؛ أي: تزويج غيرها عليها، وفي رواية مسلم الآتية من هذا الوجه: ((أن يفتنوها))، وهي بمعنى أن تُفْتَن. (وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا))) في رواية أبي حنظلة: ((فمن آذاها فقد آذاني))، وفي حديث عبد الله بن الزبير: ((يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها))، وهو بنون، وصاد مهملة، وموحّدة، من النّصَب، بفتحتين، وهو التعب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن المسور: ((يَقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها))، أخرجها الحاكم(١). وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((يريبني)) بفتح الياء، قال إبراهيم الحربي: الريب ما رابك من شيء، خِفت عقباه، وقال الفراء: راب، وأراب بمعنى، وقال أبو زيد: رابني الأمر: تيقنت منه الريبة، وأرابني: شكّكني، وأوهمني، وحُكي عن أبي زيد أيضاً وغيره كقول الفراء، قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبيّ وَّ بكل حال، وعلى كل وجه، وإن تولَّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً، وهو حيّ، وهذا بخلاف غيره، قالوا: وقد أعلم بَّر بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ بقوله وَلجر: ((لست أحرّم حلالاً))، ولكن نهى عن الجمع بينهما؛ لعلتين منصوصتين، إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة، فيتأذى حينئذ النبيّ رَّر، فيهلك من آذاه، فنَهَى عن ذلك؛ لكمال شفقته على عليّ، وعلى فاطمة. والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، وقيل: ليس المراد به النهي عن جَمْعهما، بل معناه: أَعْلَم من فضل الله أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النضر: والله لا تُكسر ثنية الرُّبَيِّع، ويَحْتَمِل أن المراد تحريم جَمْعهما، ويكون معنى: ((لا أحرّم حلالاً))؛ أي: لا أقول شيئاً يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئاً لم أحرمه، وإذا حرّمه لم أحلله، ولم أسكت عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل (١) ((الفتح)) ٦٨١/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٣٠).