Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٦٧) تدرّب النساء من صغرهن على النظر لأنفسهنّ، وبيوتهنّ، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن، غير مالك فإنَّه كره ذلك، وحَمَله بعض أصحابه على كراهية الاكتساب بذلك. انتهى(١). (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي) جمع صاحبة، ويُجمع أيضاً على صواحبات، وهنّ الجواري من أقرانها، وفي رواية البخاريّ: (وكان لي صواحب يلعبن معي))، (فَكُنَّ)؛ أي: صواحباتها (يَنْقَمِعْنَ)؛ أي: ينقبضن، ويستترن حياء، وفي لفظ للبخاريّ: ((يتقمّعن))، بمثناة، وتشديد الميم المفتوحة، قال في ((الفتح)): وفي رواية الكشميهنيّ بنون ساكنة، وكسر الميم: ومعناه: أنهن يتغيين منه، ويدخلن من وراء الستر، وأصله من قِمَع التمرة (٢)؛ أي: يدخلن في الستر، كما يدخلن التمرة في قِمَعها. انتهى. وقال في ((العمدة)): قوله: ((ينقمعن منه))؛ أي: يذهبن، ويستترن من النبيّ وَّه، وهو من الانقماع، من باب الانفعال، وهو رواية الكشميهنيّ، وعند غيره: ((يتقمعن)) من التقمع من باب التفعل، ومادته قاف، وميم، وعين مهملة، وقال أبو عبيد: يتقمعن؛ يعني: يدخلن البيت، ويَغِبْن، ويقال: الإنسان قد انقمع، وتقمّع: إذا دخل في الشيء، وقال الأصمعيّ: ومنه سمّي القِمَع الذي يُصب فيه الدهن وغيره؛ لدخوله في الإناء. انتهى(٣). (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ هيبةً له، (قَالَتْ) عائشة: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ) بسين مهملة، ثم موحّدة؛ أي: يُرسلهنّ إليها، ويسكِّنهنَّ، ويؤنسهنَّ حتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ منه، فيَرجعنَ يلعبْنَ معها كما كنَّ (٤) . وقال في ((العمدة)): قوله: ((فيسرّبهنّ)) بالسين المهملة؛ أي: يرسلهنّ، من (١) ((المفهم)» ٦/ ٣٢٣. (٢) القمع بكسر، ففتح: ما على التمر ونحوها، وهو الذي تتعلّق به، والقِمَع أيضاً: آلة تُجعل في فم السقاء، ويُصبّ فيها الزيت ونحوه، وهما مثلُ عِنَبٍ في الحجاز، ومثل حِمْل للتخفيف في تميم، والجمع أقماع. انتهى. ((المصباح)) ٥١٦/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٢/ ١٧٠. (٤) ((المفهم)) ٣٢٣/٦ - ٣٢٤. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رضـ التسريب، وهو الإرسال، والتسريح، والسارب: الذاهب، يقال: سَرَّب عليه الخيلَ، وهو أن يبعث عليه الخيل قطعةً بعد قطعة، وقوله: ((إليّ)) بتشديد الياء المفتوحة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٦٧/١٣ و٦٢٦٨] (٢٤٤٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦١٣٠)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٣١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٣١/٦)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٨٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٢٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٦٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٦/٦ و٢٣٣ و٢٣٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٧٥/٢٣ و٢٧٧ و٢٧٨ و٢٨٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٦٣)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٦٢/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٩/١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عائشة ◌َيًُّا، حيث كان النبيّ وَلَ يُحبها حبّاً شديداً . ٢ - (ومنها): بيان لُطف النبيّ وَّل، وحُسْن معاشرته، فمن ذلك أنه كان يترك عائشة يا تلعب بالبنات مع صواحباتها، بل إذا خِفن منه، وانقمعن، يرسلهن إليها، حتى تقضي وَطَرَها من اللعب، وهذا غاية اللطف، وكريم الأخلاق، وحُسْن المعاشرة. ٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض دخّلُهُ: فيه جواز اللعب بالبنات، قال: وهنّ مخصوصات من الصور المنهيّ عنها؛ لهذا الحديث، ولِمَا فيه من تدريب النساء في صغرهنّ لأَمْر أنفسهنّ، وبيوتهنّ، وأولادهنّ، قال: وقد أجاز العلماء بيعهنّ وشراءهنّ، ورُوي عن مالك كراهة شرائهنّ، وهذا محمول على (١) ((عمدة القاري) ١٧٠/٢٢. ٦٣ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّا - حديث رقم (٦٢٦٧) كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولّي بيع ذلك، لا كراهة اللعب، قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهنّ، وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور. انتهى كلام القاضي كَّقُ(١). وقال في ((الفتح)»: واستُدِلّ بهذا الحديث على جواز اتخاذ صُوَر البنات، واللَّعَب من أجل لَعِب البنات بهنّ، وخُصّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللَّعَب للبنات لتدريبهنّ من صِغَرهنّ على أمر بيوتهن، وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، وحَكَى عن ابن أبي زيد، عن مالك، أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجّح الداودي أنه منسوخ، وقد ترجم ابن حبان الإباحة لصغار النساء اللَّعِبَ باللَّعَب، وترجم له النسائيّ: ((إباحةُ الرجل لزوجته اللعب بالبنات))، فلم يقيّد بالصغر، وفيه نظر. قال البيهقيّ بعد تخريجه: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيُحْمَل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزيّ، وقال المنذريّ: إن كانت اللَّعَب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وبهذا جزم الْحَلِيمَيّ، فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يَجُزْ، وإلا جاز. وقيل: معنى الحديث: اللَّعب مع البنات؛ أي: الجواري، والباء هنا بمعنى (مع))، حكاه ابن التين عن الداوديّ، وردّه. قال الحافظ: ويردّه ما أخرجه ابن عيينة في ((الجامع)) من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، عنه، عن هشام بن عروة، في هذا الحديث: ((وكنّ جواري يأتين، فيلعبن بها معي))، وفي رواية جرير، عن هشام: ((كنت ألعب بالبنات، وهُنَّ اللُّعَب))، أخرجه أبو عوانة وغيره. وأخرج أبو داود، والنسائيّ من وجه آخر، عن عائشة قالت: ((قَدِم رسول الله (18 من غزوة تبوك، أو خيبر ... )) فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها، قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لُعَب، (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٤/١٥. ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت بناتي، قالت: ورأى فيها فرساً مربوطاً له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس، قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة، فضحك))، فهذا صريح في أن المراد باللُّعَب غير الآدميات. قال الخطابيّ: في هذا الحديث أن اللَّعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها؛ لأنها إذ ذاك كانت غیر بالغ. قال الحافظ: وفي الجزم به نظر، لكنه مُحْتَمِلٌ؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها، أو جاوزتها، أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك، فكانت قد بلغت قطعاً، فيترجح رواية من قال: في خيبر، ويُجْمَع بما قال الخطابيّ؛ لأن ذلك أولى من التعارض. انتهى الحافظ تَّتُهُ(١)، وهو بحث مفيد. خلاصته: أن الحديث يدلّ على الترخيص للبنات قبل البلوغ أن يلعبن بالبنات؛ لتدريبهنّ على تربية أولادهنّ، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٦٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِهِ، وَهُنَّ اللُّعَّبُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، و(جرير)) هو: ابن عبد الحميد، و((ابن نمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نمير. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام) ضمير الجماعة لهؤلاء الثلاثة: أبي أسامة، وجرير بن عبد الحميد، ومحمد بن بشر. (١) ((الفتح)) ٧٠٠/١٣ - ٧٠١، كتاب «الأدب)) رقم (٦١٣٠). ٦٥ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٦٩) [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها أبو عوانة نَّهُ في ((مسنده))، فقال: (٤٢٦٢) - حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، قثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، بإسناده: ((كنت ألعب بالبنات، فتجيء صواحبي، فكنّ ينقمعن من رسول الله وَ﴿ إذا دخل، وكان رسول الله وَلؤ يُسَرِّبهنّ يلعبن معي)). انتھی(١). ورواية جرير بن عبد الحميد عن هشام ساقها ابن أبي الدنيا ◌َُّ في ((كتاب العيال)) بسند المصنّف، فقال: (٥٥٩) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((تزوجني رسول الله وَليل، وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي، وأنا بنت تسع سنين، قالت: وكنت ألعب بالبنات في بيته، وهي اللَّعَب، وكُنّ جَواري يختلفن إليّ، فكن ينقمعن - يعني: يستترن - من رسول الله ◌َالقار، فكان يسرّبهنّ، فيدخلن عليّ، فيلعبن معي)). انتهى(٢). ورواية محمد بن بشر عن هشام ساقها الإمام أحمد تَّتُ في ((مسنده))، فقال : (٢٦٠٠٣) - حدّثنا محمد بن بشر، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها: ((كانت تلعب بالبنات، فكان النبيّ وَلقر يأتي بصواحبي يلعبن معي)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٦٩] (٢٤٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَّلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ وَِ). (١) ((مسند أبي عوانة)) ٧٨/٢٣. (٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٦/ ٢٣٣. (٢) ((العيال)) ٧٥٦/٢. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ)؛ أي: في تقديمها إلى النبيّ ◌َِّ، (يَوْمَ عَائِشَةَ)؛ المعنى: أنهم ينتظرون اليوم الذي يبيت فيه رسول الله ﴿ عند عائشة ◌َّ، فيُقدّمون إليه هداياهم في ذلك اليوم؛ لِعِلْمهم بأنه وَ* يحب ذلك؛ لحبّه عائشة ◌َّا أكثر من غيرها. (يَبْتَغُونَ) بالغين المعجمة، من الابتغاء؛ أي: يطلبون، ويُروى: ((يتّبعون)) من الاتّباع. (بِذَلِكَ)؛ أي: بتحرّيهم يوم عائشة وضَّا (مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ وَلَّ)؛ أي: لأنه يفرح به؛ لكونه أهدي له، وهو في بيت أحبّ الناس إليه. [تنبيه]: أخرج البخاريّ كَلُّ هذا الحديث في ((صحيحه)) مختصراً، ولفظه : (٢٥٨٠) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا قالت: كان الناس يتحرّون بهداياهم يومي، وقالت أم سلمة: إن صواحبي اجتمعن، فذكَرَت له، فأعرض عنها. انتهى(١). فقال في ((الفتح)): هكذا أورده مختصراً جدّاً، وقد أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم، والإسماعيليّ من طريق محمد بن عبيد، زاد الإسماعيليّ، وخلف بن هشام، كلاهما عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد، بلفظ: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة، فقلن لها: خَبِّري رسول الله * أن يأمر الناس أن يُهدوا له حيث كان، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبيّ ◌َّ قالت: فأعرض عني، قالت: فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عني ... )) الحديث، وقد أخرجه البخاريّ في مناقب عائشة، عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن حماد بن زيد، فقال: عن هشام، عن أبيه: ((كان الناس يتحرون ... )) فذكره بتمامه، مرسلاً. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٩١١/٢. ٦٧ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ُّ - حديث رقم (٦٢٧٠) ورَوَى ابن سعد في طبقات النساء، من حديث أم سلمة قالت: ((كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله صل: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعمارة بن حزم، وأبو أيوب، وذلك لِقُرب جوارهم من رسول الله وَلات)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٦٩/١٣] (٢٤٤١)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٥٧٤ و٢٥٨٠ و٢٥٨١) و((فضائل الصحابة)) (٣٧٧٥)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٧٩)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٦٨/٧) و((الكبرى)) (٢٨٤/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٩/٦)، وفوائده تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٠] (٢٤٤٢) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَِّ قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ نَّهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّةِ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِينَ مَا أُحِبُّ؟))، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَأَحِّي هَذِهِ»، قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّ، فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَقُلْنَ (١) ((الفتح)) ٤٢٩/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٨٠). ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة. لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِوَهِ، فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَداً، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَِّّ ◌َّهِ﴾ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِنَِّ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْراً فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَنْقَى اللهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثاً، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالاً لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ، كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَرَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟ قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَتَبَشَّمَ: ((إِنَّهَا ابْنَهُ أَبِي بَكٍْ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلال، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر هاشم بن القاشم البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، واسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريباً ٥ - (صَالِحُ) بن كيسان أبو محمد أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب ولد ٦٩ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّ - حديث رقم (٦٢٧٠) عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ المدنيّ، أخو أبي بكر، ثقةٌ [٣] (خت م س). رَوَى عن عائشة، وعنه الزهريّ. قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وقال الأزدي في ((الضعفاء)): محمد بن عبد الرحمن بن الحارث: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. قال الجامع عفا الله عنه: من المعلوم أن ابن معين يُطلق هذه العبارة أحياناً على من يكون قليل الحديث، ولا يريد بذلك تضعيف الراوي، وهو الظاهر هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف دخلتُ، وهو مسلسل بالمدنیین، سوی شیوخه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: صالح، وابن شهاب، ومحمد بن عبد الرحمن، وفيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة. شرح الحديث : (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام) المخزوميّ المدنيّ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَهْ قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَِّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الهِ وَّ) وروى ابن سعد من مرسل علي بن الحسين؛ أن التي خاطبتها بذلك منهنّ زينب بنت جحش، وأن النبيّ سألها: أرسلتك زينب؟ قالت: زينب وغيرها، قال: أهي التي وَلِيَتْ ذلك؟ ٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قالت: نعم (١). (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّة) وسبب الإرسال هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما، واللفظ للبخاريّ، من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، قال: كان الناس يَتَحَرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير، كما تريده عائشة، فمُرِي رسول الله وَر، أن يأمر الناس أن يُهدُوا إليه، حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبيّ وَّ، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذاك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: ((يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليَّ الوحيُّ، وأنا في لِحَاف امرأة منكن غيرها)). وأخرج أيضاً من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضيّا؛ ((أن نساء رسول الله وَّهِ، كُنّ حزبين، فحزب فيه عائشة، وحفصة، وصفية، وسودة، والحزب الآخر أم سلمة، وسائر نساء رسول الله وَالچ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صَلّ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية، يريد أن يُهديها إلى رسول الله وَله، أخَّرها حتى إذا كان رسول الله وَهُ، في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله وَّل في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول الله وَّر، يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يُهدي إلى رسول الله وَّ هدية، فليُهده إليه، حيث كان، من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها: فكلميه، قالت فكَلَّمَتْهُ حين دار إليها أيضاً، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: ((لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة، إلا عائشة))، قالت: فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهنّ دعون فاطمة، بنت رسول الله وَسليه، فأَرْسَلَت إلى رسول الله وَهُ، تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر ... )) الحديث. (فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ)؛ أي: طلبت الإذن بالدخول عليه بَّهِ (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) (١) ((الفتح)) ٤٣٠/٦. ٧١ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ُنا - حديث رقم (٦٢٧٠) اسم فاعل من الاضطجاع، افتعال من الضَّجْع، يقال: ضَجَعتُ ضَجْعاً، من باب نفع، وضُجُوعاً: وَضَعْتُ جنبي بالأرضَ،َ وأَضْجعتُ بالألف لغةٌ. قاله الفيّوميّ تَخْشُهُ. والجملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنه وَلّى واضع جنبه على الأرض. (مَعِي فِي مِرْطِي) بكسر الميم، وسكون الراء: كساء من صوفٍ، أو خَزٍّ، يُؤتزرُ به، وتَتَلَفَّع المرأة به، والجمع: مُرُوط، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول. قاله الفيّوميّ تَّتُهُ. قال أبو العباس القرطبيّ كَّلُهُ: وفي دخول فاطمة، وزينب على رسول الله وَ﴾، وهو مع عائشة في مِرْطها، دليلٌ على جواز مثل ذلك؛ إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يُستقبح على من فَعَل ذلك مع خاصّته، وأهله. (١) انتھی(١). قال الحافظ وليّ الدين كَّلُ: قد تبيّن برواية مسلم، والنسائيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة أن كلّاً منهما لم يدخل إلا بعد استئذان، فلو كره ◌َ و دخولهما على تلك الحالة لحجبهما، أو تغيّر عن حالته التي كان عليها . [فإن قلت]: فقد رَوَى النسائيّ(٢)، وابن ماجه من رواية البَهِيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله أحسبك، إذا قَلَبَتْ بُنَّةُ أبي بكر ذُرَيْعَتَيها، ثم أقبلت عليّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي ◌َّر: ((دونك فانتصري))، فأقبلت عليها، حتى رأيتها، وقد يبس ريقها في فيها، ما تردّ عليّ شيئاً، فرأيت النبيّ ێ يتهلل وجهه. [قلت]: الظاهر أن هذه واقعة أخرى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور حديث صحيح، وهذا الذي قاله وليّ الدين كَُّهُ: مِن حَمْل هذه القصّة على أنها واقعة أخرى حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (فَأَذِنَ) وَ (لَهَا)؛ أي: لفاطمة بالدخول عليه، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ (١) ((المفهم)) ٣٢٤/٦. (٢) أي: في ((الكبرى)) ٢٩٠/٥. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةً) قال النوويّ ◌َُّهُ: معناه: يسألنك التسوية في محبّة القلب، وكان ◌َّ يُسوّي بينهنّ في الأفعال، والمبيت، ونحوه، وأما محبّة القلب فكان يحبّ عائشة ﴿ّا أكثر منهنّ، وأجمع المسلمون على أن محبّتهنّ لا تكليف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله، وإنما أمر بالعدل في الأفعال، وقد اختلف أصحابنا، وغيرهم من العلماء في أنه ◌َ﴿، هل كان يلزمه القَسْم بينهنّ في الدوام، والمساواة في ذلك، كما يلزم غيره، أم لا يلزمه، بل يفعل ما يشاء، من إيثار وحرمان؟، فالمراد بالحديث: طلب المساواة في محبّة القلب، لا العدل في الأفعال، فإنه كان حاصلاً قطعاً، ولهذا كان يُطاف به وَّهَ في مرضه عليهنّ حتى ضَعُف، فاستأذنهنّ في أن يُمَرَّض في بيت عائشة، فأَذِنَّ له. انتهى(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَُّهُ: طلبُ أزواج النبيّ وََّ منه العدل بينهنّ، وبين عائشة - رضي الله تعالى عنهنّ - ليس على معنى أنه جارَ عليهنّ، فمنَعهنّ حقّاً هو لهنّ؛ لأنه وَّهِ منزَّةٌ عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهنّ واجباً عليه، لكن صَدَر ذلك منهنّ بمقتضى الْغَيْرة، والحرص على أن يكون لهنّ مثلُ ما كان لعائشة ﴿ّا من إهداء الناس له، إذا كان في بيوتهنّ، فكأنهنّ أردن أن يأمر من أراد أن يُهدي له شيئاً ألّا يتحرّى يوم عائشة ظُّا، ولذلك قال: ((وكان الناس یتحرّون بهدایاهم يوم عائشة)). ويَحْتَمِل أن يقال: إنهنّ طلبن منه أن يُسوّي بينهنّ في الحبّ، ولذلك قال ◌َله لفاطمة ظّ: ((ألست تُحبّين من أُحبّ؟)) قالت: بلى، قال: ((فَأَحِبِّي هذه))، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء، أما الهديّة فلا تُطلب من المهدي، فلا يتعيّن لها وقتٌ، وأما الحبّ، فغير داخل تحت قدرة الإنسان، (٢) ٠ ولا كسبه. انتهى وقال الحافظ وليّ الدين تَّتُهُ: مقتضى القصّة التي سُقناها من عند البخاريّ أن الذي طَلَيْنه منه مساواتهنّ لعائشة في الإهداء للنبيّ وَّ في بيوتهنّ، وقد صرّحت له أم سلمة بذلك مراراً قبل حضور فاطمة، وزينب، ولم يصدُر (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٥ - ٢٠٦. (٢) ((المفهم)) ٣٢٤/٦ - ٣٢٥. ٧٣ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ُّ - حديث رقم (٦٢٧٠) ذلك منهنّ عن اعتدال، وهذا الكلام فيه تعريضٌ بطلب الهديّة، واستدعائها، وذلك ينافي كماله ير أن يقوله على سبيل العموم، أما قوله ذلك لواحد بعينه على سبيل الانبساط إليه، وتكريمه فلا مانع منه، بل آحاد ذوي المودّات يمتنع من مثل ذلك، ولعلّ قوله وَسير في جواب أم سلمة: ((لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة))، إشارة إلى أن تقليب قلوب الناس للإهداء في نوبة عائشة أمرٌ سماويٌّ، لا حِيلة لي فيه، ولا صُنْع بدليل اختصاصها بنزول الوحي عليّ، وأنا في ثوبها، دون غيرها من أمهات المؤمنين، فلا يمكنني قَطْعُ ذلك، ولا آمُرُ الناس بخلافه. انتهى كلام وليّ الدين كَخُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقولها: (وَأَنَا سَاكِتَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال. (قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَيْ بُنَّةُ) ((أيْ)) حرف نداء للقريب، (أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟))، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَأَحِبِّي هَذِهِ))) يريد عائشة رضّا. (قَالَتْ) عائشة: (فَقَامَتْ فَاطِمَةُ) ◌َؤُها من مجلسها ذلك (حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وََّ، فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ)؛ أي: بما قالته فاطمة للنبيّ وَّ من قولها: ((إن أزواجك أرسلنني إليك ... إلخ))، (وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَل﴾)؛ أي: وبالجواب الذي ردّه عليها النبيّ وَله، وهو قوله: ((ألست تُحبّين ... إلخ))، (فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ)؛ أي: لم تنفعينا بقضاء حاجتنا، (فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِهِ)؛ أي: مرّةً أخرى، (فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ) - بفتح حرف المضارعة، وضمّ الشين المعجمة -: أي: يسألنك، يقال: نَشَدتُ فلاناً: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك اللهَ، كأنك ذكّرته إيّاه. وفي رواية: ((يناشدنك الله العدل))؛ أي: يسألنك بالله العدل (فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ) أبو قُحافة: هو والد أبي بكر ﴿هَا، وفي نِسبتها إلى جدِّها، وإن كان صحيحاً سائغاً، إلا أن فيه نوع غضٍّ منها؛ لِنَقْص رتبته بالنسبة ـى، قاله وليّ إلى أبيها الصدّيق، لا سيّما إن كان ذلك قبل إسلام أبي قُحافة الدين ◌َُّ. (فَقَالَتْ فَاطِمَةُ) ◌ِّ: (وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَداً) وفي رواية (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٥١/٧ - ٥٢. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة النسائيّ: ((قالت فاطمة: لَا وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَداً)) بتكرار ((لا))، والثانية مؤكّدة للأولى، كُرّرت للفصل بينها وبين الفعل بالقَسَم. (قَالَتْ عَائِشَةُ) رَّا: (فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َّهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّه ◌ِفْنَا، قالت عائشة: (وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي)؛ أي: تطاولني، وترافعني، وهو مأخوذٌ من السّمُوّ، وهو العلوّ والرفعة. تعني أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الْحُظوة والمنزلة عند رسول الله وٌَّ مثلُ ما كان لعائشة عنده. وقيل: إنه مأخوذٌ من قولهم: سامه؛ أي: كلّفه ما يَشُقّ عليه، ويُذلّه. وفيه بُعْدٌ من جهة اللسان والمعنى. قاله أبو العباس القرطبيّ. وقال القاضي عياض كَُّ في ((المشارق)): معنى (تساميني))؛ أي: تضاهيني، وتعاندني، وتطاولني، وأصله من السّمُوّ، والارتفاع، يقال: فلان يسمو إلى المعالي؛ أي: يتطاول إليها، ورأيت بعضهم فسَّره مِن سَوْمِ الْخَسْف، وهو تجشّم الإنسان ما يشق عليه، ويكرهه، وملازمة ذلك عليه، كأنهَ ذهب إلى أن معناه: تؤذيني، وتُغيظني، ولا يصح على هذا من جهة العربية أن يقال في المفاعلة منه: سامَني، إنما يصح فيه ساوم، والوجه ما قلناه. (١) انتھی(١). (مِنْهُنَّ)؛ أي: من أزواجه وََّ، (فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهَِ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةَ قَطُّ خَيْراً فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَنْقَى اللهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثاً، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالاً لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ) الابتذال مصدر ابتذل، من البِذْلة، وهي الامتهان بالعمل والخِدْمة. (الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى) بحذف إحدى التاءين من الفعلين، كما في قوله ◌َى: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) والمعنى: تتصدّق به على الفقراء والمساكين، وتتقرّب به إلى الله تعالى، فكانت زينب ◌ّا تعمل بيديها عمل النساء، من الغزل، والنسج، وغير ذلك، مما جرت به عادة النساء بعمله، والكسب به، فتتصدّق بذلك، وتَصِل به ذوي (١) ((مشارق الأنوار)) ٢٢١/٢. ٧٥ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٧٠) رحمها، وهي التي كانت أطولهنّ يداً بالعمل والصدقة، وهي التي قال النبيّ وَل عنها: ((أسرعكنّ لحاقاً بي أطولكنّ يداً))، فقد أخرج الشيخان، واللفظ للبخاريّ، عن عائشة ﴿ّا؛ أن بعض أزواج النبيّ وَ ﴿، قلن للنبيّ وَّ: أينا أسرع بك لحوقاً؟، قال: ((أطولكن يداً))، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعدُ أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقاً به، وكانت تحب الصدقة. وفيه فضيلة ظاهرةٌ لعائشة وزينب ﴿ّ، أما زينب، فَلِما اتّصفت به من هذه الخصال الحميدة، وأما عائشة، فلأنه لم يمنعها ما كان بينهما من وصفها بما تعرفه منها . وقوله: (مَا عَدَا) من صيغ الاستثناء، وهي مع ((ما)) فعل يَنصب ما بعده، وبدونها حرف يَخفِضُ ما بعده على المشهور في الحالتين، ومثلها ((خلا))، و(حاشا)) لكنها لا تصحب ((ما))، كما أشار إلى ذلك ابن مالك تَظُّ في «الخلاصة)) حیث قال: وَبِـ ((عَدَا)) وَبِـ ((يَكُونُ)) بَعْدَ ((لَا)) وَاسْتَثْنِ نَاصِباً بِـ (لَيْسَ)) و((خَلَا)) وَبَعْدَ ((مَا)) انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ ((يَكُونُ)) إِنْ تُرِدْ كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلَانِ وَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانٍ وَقِيلَ ((حَاشَ)) و((حَشَا)) فَاحْفَظُهُمَا وَكَـ (خَلَا)) ((حَاشَا)) وَلَا تَصْحَبُ ((مَا)) (سَوْرَةً) - بفتح السين المهملة، وإسكان الواو، وبعدها راء، ثم هاء -: هو الثَّوَرَان، وعَجَلَة الغضب، ومنه سَوْرة الشراب، وهي قوّته، وحدّته؛ أي: يعتريها ما يعتري الشاربَ من الشراب. وهو منصوب على الاستثناء، كما قدّمناه، ويجوز جرّه على قلّة. وقولها: (مِنْ حِدَّةٍ) بيان للسورة، وهو - بكسر الحاء، وتشديد الدال المهملتين -: الغضب. وقولها: (كَانَتْ فِيهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ ((حِدّة))، قال القرطبيّ: ويُروى هذا الحرف: ((ما عدا سَوْرة حَدِّ) - بفتح الحاء، من غير تاء تأنيث؛ أي: سرعة غضب. انتهى. قال النوويّ: ومعنى الكلام: أنها كانت كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خُلُق، وسُرْعة غضب، تُسرع منها . ٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال القرطبيّ: ولأجل هذه الحدّة وقعت بعائشة، واستطالت عليها؛ أي: أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة ﴿ُنا ساكتةٌ تنتظر الإذن من رسول الله وَ﴿ في الانتصار، فلمّا علمت أنه لا يَكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها، فجاوبتها، وردّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لمّا بدأتها بالعتب واللوم، كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر؛ لقوله تعالى: ٤١ ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ فُلْمِ فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ [الشورى: ٤١]. انتهى. (كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) - بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة -: المرة من الفيء، وهو الرجوع؛ تعني: أن زينب، وإن كان فيها سُرْعة غضب، إلا أنها تسرع الرجوع من ذلك، ولا تصرّ عليه. قال النوويّ: وقد صحّف صاحب ((التحرير)) في هذا الحديث تصحيفاً قبيحاً جدّاً، فقال: ((ما عدا سودة)) وجعلها سودة بنت زمعة. وهذا من الغلط الفاحش، نبّهت عليه؛ لئلا يُغترّ به. انتهى(١). (قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّةِ، وَرَسُولُ اللهِ ◌ِ ◌ّهِ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا) تقدّم ضبطه، ومعناه قريباً. (عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ بِهَا)؛ أي: والحال أنه وَلَ﴿ بتلك الحالة، (فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي)؛ أي: سَبَّتني على عادة الضرّات، قال القرطبيّ: هو مأخوذ من الوقيعة التي هي معركة الحرب. وقيل: هو مأخوذٌ من الوقع، وهو أَلَمُ الرِّجْل من المشي، ومنه قولهم: كلّ الحذا يَحتذي الحافي الْوَقِعُ - بكسر القاف -. انتهى(٢). (فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ)؛ أي: أكثرت عليّ من القول، والْعَثْب (وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ﴾ - بضمّ القاف ـ من باب نصر؛ أي: أنتظر، وأراعي (وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ) - بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء -؛ أي: عَيْنه، (هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟)؛ أي: في الانتصار منها. (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ) - بفتح الراء - مِن باب تَعِب؛ أي: لم تزل من مكانها، ولم ترجع إلى بيتها، (حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ)؛ أي: من قرائن أحواله ربَّهِ. (١) (شرح النوويّ)) ٢٠٦/١٥ - ٢٠٧. (٢) ((المفهم)) ٣٢٦/٦. ٧٧ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَّا - حديث رقم (٦٢٧٠) قال النوويّ ◌َخَّثُهُ: اعلم أنه ليس فيه دليلٌ على أنّ النبيّ وَّوَ أَذِن لعائشة، ولا أشار بعينه، وغيرها، بل لا يحلّ اعتقاد ذلك، فإنه وَّ يحرُمُ عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم يَنهها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه لا يحلّ اعتقاد ذلك يعكر عليه ما رواه النسائيّ في ((الكبرى))، وابن ماجه في ((سننه)) بإسناد صحيح، من أنه وَّ قال لعائشة ﴿ّا: ((دونك، فانتصري))، فالذي يظهر أن هذا ليس من خائنة الأعين، بل هو من نَصْر المظلوم، فلا يَحْرُم عليه وَِّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): وفي هذا جواز العمل بما يُفهَم من القرائن، لكن روى النسائيّ، وابن ماجه مختصراً من طريق عبد الله البهيّ، عن عروة، عن عائشة قالت: ((دخلت عليّ زينب بنت جحش، فسبّتني، فردعها النبيّ وَّر، فأبت، فقال: سُبّيها، فسَبَبْتُها حتى جَفّ ريقها في فمها))، فيمكن أن يُحْمَل على (١) التعدد. انتهى (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا)؛ أي: سَبَبْتُها؛ جزاء لسبّها، (لَمْ أَنْشَبْهَا) وفي الرواية التالية: ((لم أنشبها أن أثخنتها عليه))، وفي رواية النسائيّ: (لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ)؛ أي: لم أُمهلها، ولم أتلبّث حتى أوقعت بها، وأصله من نَشِبَ بالشيء، أو في الشيء: إذا تعلّق به، واحتبس فيه، أو بسببه. (حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا) - بالنون، والحاء المهملة، بعدها مثنّةٌ تحتيّةٌ -؛ أي: قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، ـ والمشهور بالثاء المثلّثة، والخاء المعجمة، والنون -؛ أي: قمعتها، وقهرتها، أو بالغت في جوابها، وأفحمتها . وقال القرطبيّ: كذا الرواية بالنون، والحاء المهملة، والياء المثنّاة من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمّ ما يؤلمها، فكأنها أصابت منها مَقْتلاً. وفي ((الصحاح)): أنحيت على حَلْقه بالسكّين؛ أي: عَرَضت، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي ((أثخنتها))؛ أي: أثقلتها بجراح الكَلِم، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ََّ إِذَا أَنْتَتُهُوُهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ﴾ الآية [محمد: ٤]؛ (١) ((الفتح)) ٤٣١/٦. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أي: أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل. انتهى(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: أما ((أنحيت)) فبالنون المهملة؛ أي: قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، وفي بعض النسخ: ((حين)) بدل ((حتى))، وكلاهما صحيح، ورجّح القاضي ((حين)) بالنون، ومعنى ((لم أنشبها)»: لم أُمهلها، وفي الرواية الثانية: ((لم أنشبها أن أثخنتها عليه)) بالعين المهملة وبالياء، وفي بعض النسخ: ((غَلَبَةً)) بِالغين المعجمة، و((أثخنتها)) بالثاء المثلثة، والخاء المعجمة؛ أي: قمعتها، وقهرتها، وقولها أوّلاً: ((ثم وقعت بي))؛ أي: استطالت عليّ، ونالت مني بالوقيعة فيّ. انتهى(٢). (قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَتَبَسَّمَ: ((إِنَّهَا ابْنَهُ أَبِي بَكْرٍ)))؛ أي: إنها شريفة عاقلةٌ، عارفةٌ كأبيها، ففيه إشارة إلى كمال فهمها، ومتانة عقلها، حيث صبرت إلى أن أثبتت أن التعدّي من جانب الخصم، ثم أجابت بجواب إلزام. وكأنه ◌َ ﴿ أشار إلى أن أبا بكر كان عالماً بمناقب مُضَر، ومثالبها، فلا يُستغرب من بنته أن تتلقى ذلك منه، كما قال الشاعر [من الرجز]: بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ وقال القرطبيّ: قوله: ((إنها ابنة أبي بكر)) تنبيهٌ على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيبُ الفروع بطيب عروقها، وغذاؤها من عروقها، كما قال [من الكامل]: طِيبُ الْفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ وَلَمْ يُرَ فَرْعٌ يَطِيبُ وَأَضْلُهُ الزَّقُّومُ ففيه مَدْح عائشة، وأبيها رضي الله تعالى عنهما. انتهى، والله تعالى أعلم(٣). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حْ رِّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): حديث عائشة (١) ((المفهم)) ٦/ ٣٢٧. (٣) ((المفهم)) ٣٢٧/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/١٥. ٧٩ (١٣) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٧٠) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٧٠/١٣ و٦٢٧١] (٢٤٤٢)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٥٨١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٣٣٩٥ و٣٣٩٦ و٣٣٩٧) و((الكبرى)) (٨٨٩٢ و٨٨٩٣ و٨٨٩٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١١/ ٤٣٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٠/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢/ ٣٤٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧١٠٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢/ ٥٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٩/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عائشة رضينا، ومنقبتها الظاهرة، حيث كان النبيّ وَال يُحبّها أكثر من غيرها من أزواجه، حتى عرف الناس ذلك، فكانوا يتحرّون بهداياهم يومها؛ طلباً لمرضاته وَله. ٢ - (ومنها): بيان جواز حبّ الرجل بعض زوجاته أكثر من بعض، لكن بشرط أن لا يميل بسببه عن العدل في القَسْم إلى الجور. ٣ - (ومنها): تنافس الضرائر، وتغايرهنّ على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض. ٤ - (ومنها): أنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتُّحَف، وإنما اللازم العدل في المبيت، والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة. كذا قرّره ابن بطّال عن المهلّب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن النبيّ وَّ لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبيّ وَّ؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرّض الرجل إلى الناس بمثل ذلك؛ لِمَا فيه من التعرّض لطلب الهديّة، وأيضاً فالذي يُهدي لأجل عائشة كأنه مَلَّك الهديّة بشرط، والتمليك يتّبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه وَل# كان يُشَرّكهنّ في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطيّة تصل إليهنّ من بيت عائشة - رضي الله تعالى عنهنّ -. ٥ - (ومنها): قَصْد الناس بالهدايا أوقات المسرّة، ومواضعها؛ ليزيد ذلك في سُرور المُهْدَی إلیه. ٦ - (ومنها): جواز التشكّي، والتوسّل في ذلك. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٧ - (ومنها): ما كان عليه أزواج النبيّ وَل من مهابته، والحياء منه، حتى راسلنه بأعزّ الناس عنده فاطمة هيتا. ٨ - (ومنها): سرعة فهمهنّ، ورجوعهنّ إلى الحقّ، والتوقّف عنه. ٩ - (ومنها): إدلال زينب بنت جحش على النبيّ وَّ؛ لكونها كانت بنت عمّته، كانت أمها أُمَيمة - بالتصغير - بنت عبد المطلب. ١٠ - (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تتصدّق مما تكسبه في بيت زوجها، من غير أَمْره. ١١ - (ومنها): ما قاله الداوديّ: وفيه عذر النبيّ وَلّ لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه؟. قال الحافظ: كأنه أخذه من مخاطبتها النبيّ وَّه لطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها الغيرة، فلم يؤاخذها النبيّ وَّ بإطلاق ذلك. وإنما خصّ زينب بالذُكر؛ لأن فاطمة ضَوّ كانت حاملة رسالة خاصّة، بخلاف زينب، فإنها شريكتهنّ في ذلك، بل رأسهنّ؛ لأنها هي التي تولّت إرسال فاطمة أوّلاً، ثم سارت بنفسها. ١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القَسْم كان واجباً على النبيّ وَّه كذا قيل، ولكن تقدّم أن الأصحّ أنه ليس واجباً عليه، بل يَقسم من عند نفسه كرماً وفضلاً، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧١] ( .. ) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَنْخَتْتُهَا غَلَبَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) - بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي - المروزيّ، ثقةٌ [١١] (٢٦٢) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جبلة - بفتح الجيم، والموحّدة - ابن أبي رَوَّاد - بفتح الراء، وتشديد الواو - العتكيّ - بفتح العين المهملة، والمثناة - أبو عبد الرحمن المروزيّ الملَقَّب عبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٢١) في شعبان (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.