Indexed OCR Text

Pages 1-20

التِ الحَيُظُ التجارى
فِشرح
جَمْيُ الأَمْعِ مُسُلِمُ الحَجَاج
لَجَامِعِهِ الفَقِيْرِ المِصَوْلَه الغَنِالْقَدِ
◌ُخَدَابرُ السَُّ العُلَّمَ بَكِ ◌ّنْ آدَمْ برُمُوسَ الإِنْيُّوُبِالْوُلّوَيّ
مُخْوَيَدْمِ الْعِلْم بمَكّة المُكرَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَن وَالديه آمين
المَجَلَّهُ التَّاسِعِ وَالثَّلاثون
كتَابُ: فَضَائل الصَّحَابَة
رقم الأحاديث (٦٢٥١ - ٦٤١٦)
دارابن الجوزي

بِشِـ

النَّ المخيط التجاري
في شرح
صَعِ الأَمْظُهُِمُ الَّخَارِ
٣٩

حِقُوق الطّبْع محفوظة ◌ِدَارِابْنُ الجَوزيّ
الطّبعَة الأُولى
١٤٣٥هـ
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
د/ رابن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِلنَّشرٌ والتوزيْع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧
الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨
جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت
هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨
تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ا
براس الرحمن الرحيم
قال الجامع عفا الله عنه: بدأتُ بكتابة الجزء التاسع والثلاثين
من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط الثجّاج
في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج وَتُهُ» ليلة الخميس
التاسعة والعشرين من شهر ذي القعدة (١٤٣٢/١١/٢٩هـ).
(١٢) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلٍ خَدِيجَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
هي: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ القرشيّة
الأسديّة، زوج النبيّ وَّله، وأول من صدَّقت ببعثته مطلقاً، قال الزبير بن بكار:
كانت تدعى قبل البعثة: الطاهرة، وأمها: فاطمة بنت زائدة، قرشية من بني
عامر بن لؤيّ، وكانت عند أبي هالة بن زرارة بن النباش بن عديّ التميميّ
أوّلاً، ثم خَلَف عليها بعدَ أبي هالة: عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم، ثم خَلَف عليها رسول الله وَّهِ، هذا قول ابن عبد البرّ، ونَسَبه للأكثر،
وعن قتادة عَكْس هذا، إن أول أزواجها عتيق، ثم أبو هالة، ووافقه ابن إسحاق
في رواية يونس بن بكير عنه، وهكذا في كتاب النَّسَب للزبير بن بكار، لكن
حكى القول الأخير أيضاً عن بعض الناس، وكان تزويج النبيّ ◌َّقر خديجة قبل
البعثة بخمس عشرة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت موسرةً، وكان سبب
رغبتها فيه ما حكاه لها غلامها ميسرة، مما شاهده من علامات النبوة قبل
البعثة، ومما سمعته من بَحِيرا الراهب في حقه ◌َ ﴿ لمّا سافر معه ميسرة، في
تجارة خديجة، وولدت من رسول الله وَلفر أولاده كلهم، إلا إبراهيم.
وقد ذكرت عائشة ﴿يا في حديث بدء الوحي ما صنعته خديجة من تقوية
قلب النبيّ وَّ﴿ لتلقّي ما أنزل الله عليه، فقال لها: ((لقد خَشِيتُ على نفسي))،
فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، وذَكَرَتْ خصاله الحميدة، وتوجهت به
إلى ورقة، وهو في ((الصحيح))، وقد ذكره ابن إسحاق، فقال: وكانت خديجة

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أول من آمن بالله، ورسوله، وصدَّق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن
رسول الله ◌َ ، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من الردّ عليه، فيرجع إليها إلا
تثبته، وتهوّن عليه أمر الناس.
وذكر الواقدي من حديث نفيسة أخت يعلى بن أمية قالت: كانت خديجة
ذات شرف وجمال، فذَكَر قصة إرسالها إلى النبيّ وَّ، وخروجه في التجارة لها
إلى سوق بُصْرَى، فربح ضَعف ما كان غيره يربح، قالت نفيسة: فأرسلتني
خديجة إليه دسيساً أَعْرِض عليه نكاحها، فقَبِل، وتزوجها وهو ابن خمس
وعشرين سنةً، فولدت له القاسم، وعبد الله، وهو الطيب، وهو الطاهر، سُمِّي
بذلك؛ لأنها ولدته في الإسلام، وبناته الأربع.
وقد أسند الواقديّ أيضاً قصة تزويج خديجة من طريق أم سعد بنت
سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى، قالت: كانت خديجة امرأة
شريفةً، جَلْدةً، كثيرة المال، ولمّا تأيّمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن
يتزوجها، فلما أن سافر النبيّ وَّ ﴿ في تجارتها، ورجع بربح وافر رغبت فيه،
فأرسلتني دسيساً إليه، فقلت له: ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال: ((ما في يدي
شيء))، فقلت: فإن كُفيت، ودُعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال:
((ومن؟)) قلت: خديجة فأجاب.
ماتت خديجة ضيها قبل الهجرة بثلاث سنين، على الصحيح، وقيل:
بأربع، وقيل: بخمس، وقالت عائشة: ماتت قبل أن تُفرض الصلاة؛ يعني:
قبل أن يُعرج بالنبيّ وَّ﴾، ويقال: كان موتها في رمضان، وقال الواقديّ:
توفيت لعشر خلون من رمضان، وهي بنت خمس وستين سنة، ثم أسند من
حديث حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة، بعد خروج بني هاشم
من الشِّعْب، ودُفنت بالحجون، ونزل النبيّ وَّ في حفرتها، ولم تكن شُرعت
الصلاة على الجنائز. انتهى ملخّصاً من ((الإصابة)) (١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: كانت خديجة ◌ّا تُدعى في الجاهلية: الطاهرة،
تزوَّجها رسول الله وَ﴿ قبل النبوة ثيّباً بعد زواج زوجين: أبي هالة؛ هند بن
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٩٩/٨ - ١٠٣.

٧
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َ - حديث رقم (٦٢٥١)
النباش التميميّ، فولدت له هنداً، وعتيقٍ بن عائذ المخزوميّ، ثم تزوَّجها
رسول الله وَلثر، وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعاً وعشرين سنة،
وتُوفيت، وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسول الله وَ ط﴿ إذا تزوج
خديجة ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، وهو قول
الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن
أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم.
وأجمعوا أنها ولدت له ابناً يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا هل
ولدت له ذكراً غير القاسم؛ فقيل: لم تلد له ذكراً غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة
ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب
والطاهر: اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم.
ومات القاسم بمكة صغيراً. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش
إلا أياماً يسيرة، ولم يكن للنبيّ وَل﴿ ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته
مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بنات النبيّ وَّ ر كلهن قبل
موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر.
وكانت خديجة رؤيتها امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال، وقد تقدَّم
أنها أول من آمن بالنبيّ وَّه، وأنه ◌َِّ نُبِّى يوم الإثنين، فصلّت آخر ذلك اليوم،
وكانت عوناً للنبيّ وَ ﴿ على حاله كله، وردءاً له تثبّتُه على أمره، وتصدّقه فيما
يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، ولم يتزوج عليها
إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مُهاجَر النبيّ وَّ إلى المدينة بسبع سنين.
وقيل: بخمس. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها - إن
شاء الله تعالى - وتوفيت هي وأبو طالب - عم رسول الله وَ طير - في سنة واحدة.
قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون. انتهى(١).
[٦٢٥١] (٢٤٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ،
(١) ((المفهم)) ٣١٣/٦ - ٣١٤.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةً، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيّاً
بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَّمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ
نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلٍِ))، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضاً قريباً .
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب ◌َُّه، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و((أَبُو مُعَاوِيَةَ)) هو: محمد بن خازم
الضرير.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هشام عن أبيه،
وصحابيّ عن صحابيّ هو عمّه، عبد الله بن جعفر عن عليّ
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَام) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب، ووقع عند عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، وهو
من المزيد في متصل الأسانيد؛ لتصريح عبدة في هذه الرواية بسماع عروة عن
عبد الله بن جعفر، قاله في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٥٢١/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٨١٥).

٩
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا - حديث رقم (٦٢٥١)
(يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيّاً)؛ أي: ابن أبي طالب ◌َظُته، قال في ((الفتح)): اتفق
أصحاب هشام على ذكر عليّ فيه، وقصر به محمد بن إسحاق، فرواه عن
هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن النبيّ وَّر، أخرجه أحمد، وابن
حبان، والحاكم، لكن بلفظ مغاير لهذا اللفظ، فالظاهر أنهما حديثان.
(١)
انتھی(١).
(بِالْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، وسكون الواو: مدينة مشهورة بالعراق، قيل:
سُمّيت كوفة؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا،
واستداروا، قاله الفيّوميّ كَُّ(٢) .
وقال في ((التاج)): الكُوفَةُ بالضَّمِّ: الرَّمْلَةُ الحمْراءُ المُجْتَمِعةُ، وقِيلَ:
المُسْتَدِيرةُ، أَو كلُّ رَمْلَةٍ تُخالِطُها حصْباءُ، أَو الرَّمْلَة ما كانتْ، والكُوفَةُ: مَدِينَةُ
العِراقِ الكُبْرى، وهي قُبَّةُ الإِسلام، ودارُ هِجرَةِ المُسْلِمِينَ، قيل: مَصَّرَها
سعْدُ بنُ أَبي وقّاصٍ، وكانَ قبل ذلك مَنْزَلَ نُوحِ عِلُ*، وبَنَى مَسْجِدَها
الأَعظَم، واختُلِفَ فِي سَبَب تَسْمِيَتِها، فقِيلَ: سُمِّيَّتْ؛ لاسْتِدارتِها، وقيل:
بسبَب اجْتِماعِ الناسِ بها، وقِيلَ: لكَوْنِها كانتْ رَمَلَةً حمْراءَ، أَو لاخْتِلاطِ
تُرابِها بالحَصَى، ويقال لها أيضاً: كُوفانُ بالضم، ويُفتح، وقالَ اللِّحْيانِيُّ:
كُوفانُ: اسمٌ للكُوفَةِ، وبها كانَتْ تُدْعَى قبلُ، وقال الكِسائِيُّ: كانَت الكُوفَةُ
تُدْعَى كُوفَانَ، ويُقالُ لها أيضاً: كُوفَةُ الجُنْدِ؛ لأنّه اخْتُطَّتْ فيها خِطَطُ العربِ
أَيّامَ عُثْمانَ ◌َُبه، ويقال: أَيامَ عُمرَ ◌َه، خَطَّطَها - أي: تَولَّى تَخْطِيطَها -
السائِبُ بنُ الأَقْرَعِ بنِ عْفِ الثَّقَفِيُّ ◌َ﴿به، وهو الذي شَهد فتحُ نَهاوَنْدَ مع
النُّعمانِ بنِ مُقَرِّنٍ، وقد ولِيَ أَصبهانَ أيضاً، وبها ماتَ وعَقِبُه بها، أَو سُمِّيَتْ
بِكُوفانَ، وهو جُبَيْلٌ صَغِيرٌ، فسَهَّلُوهُ، واخْتَطُوا عَلَيْهِ، أَو مِنَ الكَيْفِ، وهو
القَطْعُ؛ لأَنَّ أَبْرَوِيزَ أَقْطَعَه لِبَهْرامَ، أَو لأَنَّها قِطْعَةٌ من البلادِ، والأَصلُ كُيْفَة،
فلمّا سَكَنَت الياءُ، وانْضَمَّ ما قَبْلَها جُعِلَتْ واواً، أَو هي من قولهم: هُمْ فِي
كُوفانٍ بالضّمِّ، وكَوَّفانٍ مُحَرَّكَةً مِشَدَّدَةَ الواوِ؛ أَي: في عِزِّ ومَنَعَةٍ، أَو لأَنَّ
(١) ((الفتح)) ٥٢١/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٨١٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٤/٢.

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
جَبَل ساتِيدَمَا مُحِيطٌ بها، كالكافِ، أَو لأَنَّ سَعْداً؛ أَي: ابنُ أَبي وقّاصٍ
لَمّا أَراد أَنْ يَبْنِيَ الكُوفَةَ ارْتَادَ هذهِ المَنْزِلَةَ للمُسْلِمينَ، قال لهمُ: تَكَوَّفُوا في
هذا المكانِ؛ أَي: اجْتَمِعُوا فيه، أَو لأَنَّه قالَ: كَوِّفُوا هذه الرَّمْلَةَ؛ أَي:
نَخُوها، وانْزِلُوا. انتهى باختصار(١).
(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَِّ يَقُولُ: ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ)؛
أي: نساء أهل الدنيا في زمانها، وليس المراد أن مريم خير نسائها؛ لأنه
يصير كقولهم: زيد أفضل إخوانه، وقد صرَّحوا بمنعه، فهو كما لو قيل: فلان
أفضل الدنيا، وقد رواه النسائيّ من حديث ابن عباس ◌ّ بلفظ: ((أفضل
نساء أهل الجنة))، فعلى هذا فالمعنى: خير نساء أهل الجنة مريم، وفي
رواية: ((خير نساء العالمين))، وهو كقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَكِ وَطَهَرَكِ وَأَصْطَفَكِ
عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وظاهره أن مريم أفضل من جميع
النساء، وهذا لا يمتنع عند من يقول: إنها نبيّة، وأما من قال: ليست بنبيّة،
فيحمله على عالَمِي زمانها، وبالأول جزم الزجاج، وجماعة، واختاره
القرطبيّ، ويَحْتَمِل أيضاً أن يراد نساء بني إسرائيل، أو نساء تلك الأمة، أو
((مِنْ)) فيه مضمرة، والمعنى أنها من جملة النساء الفاضلات، ويدفع ذلك
حديث أبي موسى الأشعريّ رظُّه الآتي بعده بصيغة الحصر: أنه لم يكمل من
النساء غيرها، وغير آسية (٢).
(وَخَيْرُ نِسَائِهَا)؛ أي: نساء هذه الأمة (خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ)) قال القاضي
أبو بكر ابن العربيّ: خديجة أفضل نساء الأمة مطلقاً لهذا الحديث، وقد تقدم
في آخر قصة موسى حديث أبي موسى في ذِكر مريم وآسية، وهو يقتضي
فضلهما على غيرهما من النساء، ودل هذا الحديث على أن مريم أفضل من
آسية، وأن خديجة أفضل نساء هذه الأمة، وكأنه لم يتعرض في الحديث الأول
لنساء هذه الأمة حيث قال: ((ولم يكمل من النساء))؛ أي: من نساء الأمم
الماضية، إلا إن حملنا الكمال على النبوة فيكون على إطلاقه، وعند النسائي
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٦١٠٨/١ - ٦١٠٩.
(٢) ((الفتح)) ٥٤/٨ - ٥٦، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٤٣٢).

١١
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٥١)
بإسناد صحيح عن ابن عباس: ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم
وآسية))، وعند الترمذي بإسناد صحيح عن أنس: ((حسبك من نساء العالمين))
فَذَكرهن، وللحاكم من حديث حذيفة؛ أن رسول الله وَ ل ﴿ أتاه ملك فبشّره أن
فاطمة سيدة نساء أهل الجنة(١).
(قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِبِعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في ((نسائها))، وأن المراد به جميع نساء
الأرض؛ أي: كلّ من بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أن معناه: أن
كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت
عنه، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن المراد: أنهما من خير نساء الأرض،
والصحيح الأول. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ: قوله: ((خير نسائها مريم ... إلخ)) هذا الضمير عائد على
غير مذكور؛ لكنه تفسّره الحال والمشاهدة؛ يعني به: الدنيا، وفي رواية:
وأشار وكيع إلى السماء والأرض - يريد الدُّنيا - كأنه يفسر ذلك الضمير، فكأنه
قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس
المتقدِّم، الذي قال فيه: ((خير نساء العالمين: مريم)). ويشهد لهذه الأحاديث
في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ
وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، فظاهر القرآن والأحاديث
يقتضي: أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم
عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صدّيقة ونبيّة بلَّغتها الملائكةُ الوحي
عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك؛ كما بلَّغته سائر
الأنبياء، فهي إذاً نبيَّة، وهذا أَولى مِن قول من قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت
ذلك، ولم يُسمع في الصحيح أن في النساء نبئة غيرها فهي أفضل من كل
النساء الأولين والآخرين؛ إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي
أفضل مطلقاً، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه
(١) ((فتح الباري)) ٧/ ١٣٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١٥.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس طيها قال: قال رسول الله وَله: ((سيدة
نساء العالمين: مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية))(١)، وهذا حديث
حسن، رافع الإشكال هذه الأحاديث.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب الحافظ قول القرطبيّ كَّلُهُ: حديث
حسنٌ، فقال ما حاصله: هذا الحديث الدال على الترتيب ليس بثابت، وأصله
عند أبي داود، والحاكم بغير صيغة ترتيب. انتهى.
قال: فأمَّا من يرى: أن مريم صدّيقة، وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه
الأحاديث طريقان :
أحدهما: أن معناها: أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم
زمانها، وسيدة وقتها .
وثانيهما: أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم؛ وإن كنَّ في
أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورُتَب متفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. والله
أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذُهُ(٢).
وقال الطيبيّ تَخَّهُ: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم،
والثاني على هذه الأمة، قال: ولهذا كرر الكلام تنبيهاً على أن حُكم كل واحدة
منها غير حكم الأخرى.
قال الحافظ: ووقع عند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا
الحديث: ((وأشار وكيع إلى السماء والأرض))، فكأنه أراد أن يبيّن أن
المراد: نساء الدنيا، وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا، وبهذا جزم القرطبيّ
أيضاً .
وقال الطيبيّ: أراد أنهما خيرُ مَن تحت السماء وفوق الأرض من النساء،
قال: ولا يستقيم أن يكون تفسيراً لقوله: ((نسائها))؛ لأن هذا الضمير لا يصلح
أن يعود إلى السماء، كذا قال، ويَحْتَمِل أن يريد أن الضمير الأول يرجع إلى
(١) رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))، و((الكبير)) بنحوه. راجع: ((مجمع الزوائد)) ٩/
٢٠١.
(٢) ((المفهم)) ٣١٥/٦ - ٣١٦.

١٣
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ُّ - حديث رقم (٦٢٥١)
السماء، والثاني إلى الأرض إن ثبت أن ذلك صدر في حياة خديجة، وتكون
النكتة في ذلك أن مريم ماتت، فعُرج بروحها إلى السماء، فلمّا ذَكَرها أشار
إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاك في الحياة، فكانت في الأرض، فلما ذكرها
أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجة، فالمراد أنهما خير
من صُعِد بروحهنّ إلى السماء، وخير من دُفِن جسدهنّ في الأرض، وتكون
الإشارة عند ذكر كل واحدة منهما .
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قوله: ((خير نسائها)) خبر مقدَّم،
والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نسائها؛ أي: نساء زمانها، وكذا في
خديجة .
وقد جزم كثير من الشراح أن المراد: نساء زمانها؛ لحديث أبي
موسى ربه الآتي بعد هذا، قال: قال رسول الله وَله: (كَمُل من الرجال كثير،
ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية))، فقد أثبت في هذا الحديث الكمال
لآسية، كما أثبته لمريم، فامتنع حمل الخيرية في هذا الحديث على الإطلاق.
وقد جاء ما يفسِّر المراد صريحاً، فروى البزار، والطبرانيّ من حديث
عمار بن ياسر ﴿ّ رفعه: ((لقد فُضِّلت خديجة على نساء أمتي، كما فُضِّلت
مريم على نساء العالمين))، وهو حديث حسن الإسناد(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ◌َّهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٥١/١٢] (٢٤٣٠)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء))
(٣٤٣٢) و((الفضائل)) (٣٨١٥)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٧٧)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٩٣/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٩٢/٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٤/١ و١٣٢ و١٤٣) وفي (الفضائل)) (٨٤٧/٢)، (وابن
أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٣٨٠/٥ و٣٨١)، و(البزّار) في ((مسنده))
(١) ((الفتح)) ٥٢١/٨ - ٥٢٢، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٨١٥).

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(١١٥/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨/٢٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/
٣٩٩ و٤٥٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٠٣/٣)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد
أهل السُّنَّة)) (١٤٢٤/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٧/٦)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين
.
٢ - (ومنها): بيان فضل مريم الشََّلاء.
٣ - (ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من
عائشة ﴿هًا، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك؛ لأنها
كان لها عند موت خديجة ثلاث سنين، فلعل المراد: النساء البوالغ، قال
الحافظ: كذا قال، وهو ضعيف، فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ، ومن
لم تَبْلُغ، وأعم ممن كانت موجودة، وممن ستوجد، وقد أخرج النسائيّ بإسناد
صحيح، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس رضيها مرفوعاً: ((أفضل نساء أهل
الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية))، وهذا نصّ صريح، لا يَحْتَمِل
التأويل.
٤ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وقد يتمسك بحديث الباب من يقول:
إن مريم ليست بنبيّة؛ لتسويتها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبيّة
بالاتفاق .
والجواب: أنه لا يلزم من التسوية في الخيرية التسوية في جميع
الصفات، وقد استدلّ من قال بنبوة مريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾
[آل عمران: ٤٢]، وليس بصريح في ذلك، وأيّده بذكرها مع الأنبياء في سورة
مريم، ولا يمنع وصفها بأنها صدّيقة، فقد وُصِف يوسف بذلك، وقد نُقل عن
الأشعريّ أن في النساء عدّة نبيات، وحصرهنّ ابن حزم في ستّ: حواء،
وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، وأسقط القرطبيّ سارة، وهاجر،
ونقله في ((التمهيد)) عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ،
وقال عياض: الجمهور على خلافه، ونقل النوويّ في ((الأذكار)) أن الإمام نقل
الإجماع على أن مريم ليست نبيةً، وعن الحسن: ليس في النساء نبية، ولا في

١٥
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َّا - حديث رقم (٦٢٥٢)
الجنّ، وقال السبكي الكبير: لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله
السهيليّ في آخر ((الروض)) عن أكثر الفقهاء، قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: إني أتعجّب من الاختلاف المذكور - أعني: في
نبوّة مريم، وغيرها من النساء - فإنهم إن أرادوا بالوحي إرسال الله تعالى الملَك
إليهنّ، فهذا مما لا مجال للاختلاف فيه؛ لظواهر النصوص؛ كقوله تعالى:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيَّهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧]، وقوله دمك: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ
إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَبِ إِنَا
[القصص: ٧]، واضح في ذلك،
رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾
وقوله رَّك: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] إلى أن قال:
٧٣
﴿قَالُواْ أَتَجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللِّّ رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ غَجِيدٌ
[هود: ٧٣]، وغير ذلك من الآيات، فإنها نصوص صريحة واضحة إلى هؤلاء
النساء.
وإن أرادوا بالنبوّة: النبوّة بإرشاد الخلق، وهدايتهم، فهذا مما لا يدلّ
عليه نصّ الكتاب والسُّنَّة، فلا ينبغي أن يُختلف فيه.
والحاصل: أن وحي الله رَبك إلى بعض النساء ببعض الأمور التكلفيّة، أو
بالبشارة، ونحو ذلك مما لا يُتوقّف في صحته، فمن هذه الجهة القول بنبوّة
بعضهنّ صحيح، وأما الوحي بما يتعلّق بإرشاد الناس، وقيادتهم بالشريعة، فهذا
غير ثابت، فلا يصحّ القول به؛ لأنه مما لم يُنزل به الله تعالى من سلطان،
فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٥٢] (٢٤٣١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ
(١) ((الفتح)) ٥٤/٨.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ
عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةٍ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى
سَائِرِ الطَّعَام))).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ - بفتح الجيم والميم -
المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلس، ورُمي
بالإرجاء [٥] (ت١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٢/٨٥.
٢ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - أبو إسماعيل الكوفيّ
هو الذي يقال له: مُرّة الطّيّب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (٧٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٥٥.
٣ - (أَبُو مُوسَى) عبد بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ
الشهير ظه، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن
صحابيّه من مشاهير الصحابة
، ذو مناقب جمّة، وقد تقدّم قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ) قال في ((الفتح)): مُرّة والد عمرو غير مُرَّة
شيخه، وهو عمرو بن مرّة بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ - بفتح الجيم والميم -
المرادي ثقة عابد، من صغار التابعين، وأما شيخه مرة فهو ابن شَرَاحيل
مخضرٌ، ثقةٌ عابدٌ أيضاً، من كبار التابعين، ويقال له: مرّة الطّيّب، ومرّة
الخير. انتهى (١).
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس ظُه؛ أنه (قَالَ: قَالَ
(١) ((الفتح)) ١٤/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤١١).

١٧
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َنا - حديث رقم (٦٢٥٢)
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كَمَلَ) بتثليث الميم، قال الفيّوميّ تَخْتُ: كَمَلَ الشيءُ كُمُولاً،
من باب قَعَدَ، والاسم الكَمَالُ، ويستعمل في الذوات، وفي الصفات، يقال:
كَمَلَ: إذا تمّت أجزاؤه، وكَمَلَت محاسنه، وكَمَل الشهرُ؛ أي: کمل دوره،
وتَكَامَلَ تَكَامُلاً، واكتَمَلَ اكتِمَالاً، وكَمَلَ من أبواب: قَرُب، وضَرَب، وتَعِبَ
أيضاً، لغاتٌ، لكن باب تَعِبَ أردؤها. انتهى (١).
(مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) قال في ((العمدة)): المراد من الكمال: التناهي في
جميع فضائل الرجال(٢).
وقال القاضي عياض تَُّ في ((المشارق)): كمل؛ أي: انتهى في الفضل
نهاية التمام والكمال، دون نقص، وقيل: كمل في العقل؛ إذ قد وُصف النساء
(٣)
بنقص ذلك. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((كَمَل من الرجال كثير ... إلخ)) الكمال: هو
التناهي والتمام، ويقال في ماضيه: ((كَمُّل)) بفتح الميم، وضمها (٤)، ويكمُل في
مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق: إنما هو الله تعالى
خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء، ثم تليهم الأولياء؛ ويعني
بهم: الصدّيقين والشهداء والصالحين.
وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به:
النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم
نبيَّة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، كما أوحى إلى سائر النبيين،
وأما آسية، فلم يَرِد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة، بل على صدّيقيتها
وفضيلتها، فلو صحَّت لها نبوّتها لَمَا كان في الحديث إشكال، فإنَّه يكون
معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبيّ إلا هاتين المرأتين،
ومن عداهما من فضلاء النساء صدّيقات لا نبيَّات، وحينئذ يصحُّ أن تكونا
أفضل نساء العالمين.
(١) ((المصباح المنير)) ٥٤١/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/١٥.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٤٢/١.
(٤) تقدّم أنه مثلّث الميم، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.

١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والأَوْلى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصوراً على
كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نَوْعَي
الكمال وُجد في الرجال كثيراً، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على
زمانه* أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبيّ وَير في هذا الحديث
لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصة، فإنَّه فضّلها على سائر النساء،
ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة، وهنَّ: مريم بنت
عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية؛ فإنَّهن أفضل من عائشة، بدليل أحاديث
الباب، وبهذا يصحُّ الجمع، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى. انتهى(١).
(وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةٍ فِرْعَوْنَ) قال في
((الفتح)): استُدِلّ بهذا الحصر على أنهما نبيّتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني
الأنبياء، ثم الأولياء، والصديقون، والشهداء، فلو كانتا غير نبيّتين لَلَزم ألا
يكون في النساء وليّة، ولا صدّيقة، ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في
كثير منهنّ موجودة، فكأنه قال: ولم ينبّأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال:
لم تثبت صفة الصدّيقية، أو الولاية، أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح؛
لوجود ذلك في غيرهنّ، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء،
فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، والله أعلم.
وعلى هذا فالمراد مَنْ تقدَّم زمانه وَِّ، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه
إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة ثها على غيرها؛ لأن فضل الثريد
على غيره من الطعام إنما هو لِمَا فيه من تيسير المؤنة، وسهولة الإساغة، وكان
أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل
جهة، فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى.
[تنبيه]: إنما أورد مسلم هذا الحديث في ترجمة خديجة رضيوثقا، وإن لم
يكن فيه ذكرها، إشارة إلى ما ورد من زيادتها في بعض الروايات(٢)، فقد ورد
(١) ((المفهم)) ٣٣١/٦ - ٣٣٢.
(٢) فلا حاجة لِمَا قاله بعض الشرّاح من استبعاده ذِكْره هنا. راجع: ((شرح الشيخ
الهرريّ)) ٥٢٨/٢٣.

١٩
(١٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٥٢)
في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: (ومريم ابنة عمران)): ((وخديجة بنت
خُويلد، وفاطمة بنت محمد))، أخرجه الطبرانيّ عن يوسف بن يعقوب القاضي،
عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة بالسند المذكور هنا، وأخرجه أبو نعيم في
((الحلية)) في ترجمة عمرو بن مرة أحد رواته عند الطبرانيّ بهذا الإسناد،
وأخرجه الثعلبي في ((تفسيره)) من طريق عمرو بن مرزوق به، وقد ورد من طريق
صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة على غيرهما، وذلك فيما سبق في
قصة مريم من حديث عليّ حظ ه بلفظ: ((خير نسائها خديجة)).
وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة، وذلك فيما
أخرجه ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وأبو داود، في ((كتاب
الزهد))، والحاكم كلهم من طريق موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن
عباس ﴿ما قال: قال رسول الله وَله: ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت
خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون))، وله
شاهد من حديث أبي هريرة ه في ((الأوسط)) للطبرانيّ، ولأحمد في حديث
أبي سعيد ظُه، رفعه: ((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم
بنت عمران))، وإسناده حسن، فإن ثَبَت ففيه حجة لمن قال: إن آسية امرأة
فرعون ليست نبيّة، وأخرج البخاريّ في مناقب فاطمة ظها قوله وَلي لها: ((إنها
سيدة نساء أهل الجنة)).
قال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة
الملَك، وأما آسية فلم يَرِد ما يدل على نبوّتها، وقال الكرمانيّ: لا يلزم من
لَفْظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يُطلق لتمام الشيء وتناهیه في بابه، فالمراد:
بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على
عدم نبوّة النساء، كذا قال، وقد نُقل عن الأشعريّ أن من النساء من نُبِّئ، وهنّ
ست: حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضابط عنده أن
من جاءه الملَك عن الله بحكم من أمر، أو نهي، أو بإعلام، فهو نبيّ، وقد
ثبت مجيء الملَك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله ، ووقع التصريح
بالإيحاء لبعضهنّ في القرآن.
وذكر ابن حزم في ((الملل والنحل)) أن هذه المسألة لم يحدث التنازع

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالاً، ثالثها الوقف، قال: وحجة
المانعين قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية [يوسف: ١٠٩]
قال: وهذا لا حجة فيه، فإن أحداً لم يدّع فيهنّ الرسالة، وإنما الكلام في
النبوة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم، وفي قصة أم موسى ما
يدلّ على ثبوت ذلك لها، من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي
إليها بذلك، قال: وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها:
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ﴾ الآية [مريم: ٥٨]، فدخلت في عمومه
والله أعلم.
ومن فضائل آسية امرأة فرعون: أنها اختارت القتل على المُلْك،
والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى ظلّلا
صادقة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِ﴾ [القصص: ٩](١).
(وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ) رِّهَا (عَلَى النِّسَاءِ) الظاهر أنه أراد نساء النبيّ وَّه
قال في ((الفتح)): هذا لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان
إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيّدة بنساء النبيّ وَّ حتى
لا يدخل فيها مثل فاطمة ظلهلا جمعاً بين هذا الحديث، وبين حديث: ((أفضل
نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة ... )) الحديث، وقد أخرجه الحاكم بهذا
اللفظ، من حديث ابن عباس، وكذلك حديث عليّ ◌َلُهُ مرفوعاً: ((خير نسائها
خديجة))(٢)، وقد تقدّم.
(كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَام)») الثريد: الخبز الْمُفَتَّت في المرق
وغيره، وهو طعام سريع الهضم، كثير الَنفع، كما أن الصدّيقة ◌َّا كثيرة النفع
للأمة بحسب العلم والفتيا(٣).
وقال في («العمدة)): هو مِن ثردت الخبز ثرداً: إذا كسرته فهو ثريد،
ومثرود، والاسم: الثُّردة بالضم، والثريد غالباً لا يكون إلا باللحم، وقال ابن
(١) ((الفتح)) ١٦/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤١١).
(٢) ((الفتح)) ٤٧٨/٨، رقم (٣٧٦٩).
(٣) ((شرح سنن ابن ماجه)) ٢٣٦/١.