Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ وفَضْله إلى أن تَرَك الْمُلك والدنيا رغبة فيما عند الله. ومما يدلّ على صحة ذلك، وعلى صدق النبيّ رَلله، وصحة نبوّته ما قد اشتهر من حال الحسن، وتواتر من قضيّة خلافته، وإصلاحه بين المسلمين، وذلك أنه لمّا قُتِل عليّ بايعه أكثر من أربعين ألفاً، وكثير ممن تخلَّف عن أبيه، وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز، والعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام، فلما تراءى الجمعان بموضع، يقال له: مَسْكَن، من أرض السواد بناحية الأنبار، كره الحسن القتال؛ لِعِلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلكَ أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلَّم الأمر لمعاوية على شروط شَرَطها عليه، منها: أن يكون الأمر له من بعد معاوية، فالتزم كل ذلك معاوية، واجتمع الناس على بيعته في النصف من جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين. هذا أصح ما قيل في ذلك، ولمّا فعل ذلك الحسن عَتَب عليه أصحابه، ولاموه على ذلك؛ حتى قال له بعض أصحابه: يا عار المؤمنين! فقال: العار خير من النار. وقال له شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر لمّا قَدِمها: السلام عليك يا مُذِلّ المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك يا أبا عامر! فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب المُلك. فقد ظهر ما قاله سيد المرسلين وَلهم من أن الحسن سيِّد، وأن الله أصلح به بين فئتين من المسلمين، لكن خُشي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره، ونقل الثقات: أنه لمّا سُمَّ لفظ قِطَعاً من كبده، وحينئذ قال: لقد سُقيتُ السُّمَّ ثلاث مرات لم أُسقَ مثل هذه المرة، فقال له الحسين: يا أخي من سقاك؟ قال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن؛ فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره فما أحب أن يُقتل بي بريء. ولمّا وَرَدَ البريد بموته على معاوية قال: يا عجباً من الحسن! شرب شربة من عسل بماء رُومة فقضى نحبه. انتهى(١). وأما الحسين: فهو ابن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو عبد الله، سبط رسول الله وَل*، وريحانته، قال الزبير وغيره: وُلد (١) ((المفهم)) ٢٩٥/٦ - ٢٩٧. ٦٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة في شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ستّ، وقيل: سنة سبع، وليس بشيء. وكانت إقامة الحسين بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة، فشهد معه الجَمَلِ، ثم صفّين، ثم قتال الخوارج، وبقي معه إلى أن قُتل، ثم مع أخيه إلى أن سَلَّم الأمر إلى معاوية، فتحول مع أخيه إلى المدينة، واستمرّ بها إلى أن مات معاوية، فخرج إلى مكة، ثم أتته كُتُب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب، فأخذ بيعتهم، وأرسل إليهم فتوجه، وكان من قصة قتله ما كان. وقال عمار بن معاوية الدُّهْنيّ: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: حدّثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته، قال: مات معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته ليلته، فقال: أَخِّرني، ورَفَق به، فأخّره، فخرج إلى مكة، فأتاه رُسُل أهل الكوفة: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فاقدُم علينا، وقال: وكان النعمان بن بشير الأنصاريّ على الكوفة، فبعث الحسين بن علي إليهم مسلم بن عَقيل، فقال: سِرْ إلى الكوفة، فانظر ما كتبوا به إليّ، فإن كان حقّاً قَدِمت إليه، فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرّا به في البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، فقَدِم مسلم الكوفة، فنزل على رجل يقال له: عوسجة، فلما علم أهل الكوفة بقدومه دَبُّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفاً، فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير، فقال: إنك ضعيف، أو مستضعف، قد فسد البلد، قال له النعمان: لَأَنْ أكون ضعيفاً في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويّاً في معصيته، ما كنت لأهتك ستراً، فكتب الرجل بذلك إلى يزيد، فدعا يزيد مولى له يقال له: سرحون، فاستشاره، فقال له: ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، وكان يزيد ساخطاً على عبيد الله، وكان هَمّ بعزله عن البصرة، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد أضاف إليه الكوفة، وأمَرَه أن يطلب مسلم بن عَقيل، فإن ظَفَر به قتله، فأقبل عبيد الله بن زياد في وجوه أهل البصرة، حتى قَدِم الكوفة متلئماً، فلا يمرّ على أحد، فيسلّم إلا قال له أهل المجلس: عليك السلام يا ابن رسول الله وَلات، يظنونه الحسين بن علي، قدم عليهم، فلما نزل عبيد الله القصر، دعا مولى له، ٦٨٣ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ فدفع إليه ثلاثة آلاف درهم، فقال: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايعه أهل الكوفة، فادخل عليه، وأعلمه أنك من حمص، وادفع إليه المال، وبايعه، فلم يزل المولى يتلطف حتى دلّوه على شيخ يلي البيعة، فذكر له أمره، فقال: لقد سرّني إذ هداك الله، وساءني أنّ أمْرنا لم يستحكم، ثم أدخله على مسلم بن عَقيل، فبايعه، ودفع له المال، وخرج حتى أتى عبيد الله فأخبره، وتحوّل مسلم حين قدم عبيد الله من تلك الدار إلى دار أخرى، فأقام عند هانئ بن عروة المراديّ، وكان عبيد الله قال لأهل الكوفة: ما بال هانئ بن عروة لم يأتني؟ فخرج إليه محمد بن الأشعث في أناس من وجوه أهل الكوفة، وهو على باب داره، فقالوا له: إن الأمير قد ذَكَرك، واستبطأك، فانطلق إليه، فركب معهم، حتى دخل على عبيد الله بن زياد، وعنده شريح القاضي، فقال عبيد الله لمّا نظر إليه لشريح: أتتك بحائن رجلاه، فلما سلّم عليه، قال له: يا هانئ أين مسلم بن عَقيل؟ فقال له: لا أدري، فأخرج إليه المولى الذي دفع الدراهم إلى مسلم، فلما رآه سُقط في يده، وقال: أيها الأمير والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء، فطرح نفسه عليّ، فقال: ائتني به، فتلكأ، فاستدناه، فأدْنوه منه، فضربه بالقضيب، وأمَر بحبسه، فبلغ الخبر قومه، فاجتمعوا على باب القصر، فسمع عبيد الله الجلبة، فقال لشريح القاضي: اخرج إليهم، فأعْلِمهم أنني ما حبسته إلا لأستخبره عن خبر مسلم، ولا بأس عليه مني، فبلّغهم ذلك، فتفرقوا، ونادى مسلم بن عَقيل لمّا بلغه الخبر بشعاره، فاجتمع عليه أربعون ألفاً من أهل الكوفة، فركب، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجَمَعهم عنده في القصر، فأمَر كلّ واحد منهم أن يُشرف على عشيرته، فيردّهم، فكلّموهم، فجعلوا يتسللون، فأمسى مسلم، وليس معه إلا عدد قليل منهم، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضاً، فلما بقي وحده تردد في الطُّرُق بالليل، فأتى باب امرأة، فقال: اسقيني ماء، فسَقَته، فاستمر قائماً، قالت: يا عبد الله إنك مرتاب، فما شأنك؟ قال: أنا مسلم بن عَقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم ادخل، فدخل، وكان لها ولد من موالي محمد بن الأشعث، فانطلق إلى محمد بن الأشعث، فأخبره، فلم يَفجأ مسلماً إلا والدار قد أحيط بها، فلما رأى ذلك خرج بسيفه يدفعهم عن نفسه، فأعطاه محمد بن الأشعث الأمان، ٦٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة فأمكن من يده، فأُتي به عبيد الله، فأمر به، فأُصعد إلى القصر، ثم قتله، وقتل هانئ بن عروة، وصلبهما، فقال شاعرهم في ذلك أبياتاً منها [من الطويل]: إِلَى هَانِئٍ فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلٍ فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوَتُ فَانْظُرِي ولم يبلغ الحسين ذلك حتى كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، فلقيه الحرّ بن يزيد التميميّ، فقال له: ارجع، فإني لم أَدَعْ لك خلفي خيراً، وأخبره الخبر، فهَمَّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم، فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا، أو نُقتل، فساروا، وكان عبيد الله قد جهّز الجيش لملاقاته، فوافوه بكربلاء، فنزلها ومعه خمسة وأربعون نفساً من الفرسان، ونحو مائة راجل، فلقيه الحسين، وأميرهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان عبيد الله ولّاه الريّ، وكَتَب له بعهده عليها إذا رجع من حرب الحسين، فلما التقيا قال له الحسين: اختر مني إحدى ثلاث، إما أن ألحق بثغر من الثغور، وإما أن أرجع إلى المدينة، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية، فقَبِل ذلك عمر منه، وكَتَب به إلى عبيد الله، فكَتَب إليه: لا أقبل منه حتى يضع يده في يدي، فامتنع الحسين، فقاتلوه، فقُتل معه أصحابه، وفيهم سبعة عشر شاباً من أهل بيته، ثم كان آخر ذلك أن قُتل، وأُتي برأسه إلى عبيد الله، فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى يزيد، ومنهم علي بن الحسين، وكان مريضاً، ومنهم عمته زينب، فلما قَدِموا على يزيد أدخلهم على عياله، ثم جهّزهم إلى المدينة. انتهى ملخّصاً من ((الإصابة))(١). وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: وأما الحسين ظبه: فكان فاضلاً، ديِّناً، كثير الصوم، والصلاة، والحج، قال مصعب الزبيري: حجَّ الحسين خمساً وعشرين حجَّة ماشياً، وقد قال النبيّ ◌َّ﴿ فيه وفي الحسن: ((إنهما سيِّدا شباب أهل الجنة))، وقال: ((هما رَيْحانتاي من الدنيا))، وكان النبيّ وَّ إذا رآهما هشَّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود: أنهما دخلا المسجد، وهو يخطب، فقطع خطبته، ونزل فأخذهما، وصعد بهما، وقال: ((رأيت هذين، فلم أصبر))، وكان يقول فيهما: ((اللهم إني أُحبهما، فأَحِبَّهما، وأحِبَّ من يحبهما))، (١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٨/٢ - ٧٣. ٦٨٥ (٨) - بَابُ فَضَائِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ وقُتل تَخُّْهُ، ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، بقرب موضع يقال له: الطفتُّ بقرب من الكوفة. قال أهلُ التواريخ: لما مات معاوية، وأفضت الخلافة إلى يزيد، وذلك في سنة ستين، وَرَدَت بيعته على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها، أرسل إلى الحسين بن عليّ، وإلى عبد الله بن الزبير ليلاً، فأُتي بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلنا لا يبايع سرّاً، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان، ورمضان، وشوال، وذا القعدة، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلاً لقتل الحسين، وأمَّر عليهم عمر بن سعد، فأدركه بكربلاء، فقُتل الحسين، وقُتل معه مِن وَلَده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً، وسُبي نساؤه، وذلك في يوم عاشوراء من السنة المذكورة، وكان من قضاء الله تعالى، وتعجيل عقوبته لعبيد الله بن زياد، أن قُتل يوم عاشوراء سنة سبع وستين، قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير، فبعث به إلى علي بن حسين. واختُلف في سنّ الحسين يوم قُتل. فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان. وقيل: أربع. وقال جعفر بن محمد: توفي عليّ بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين. وقُتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي علي بن الحسين، وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن علي، وهو ابن ثمان وخمسين. قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، وتوفي فيها، رحمة الله عليهم أجمعين. وروي عن ابن عباس ﴿ه أنه قال: رأيت النبيّ وَّ فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألقطه منذ اليوم، فُجد قد قُتل في ذلك اليوم. وأما الحسن فكان سنَّه يوم مات ستّاً وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وأربعين سنة. وروى الحسن عن النبيّ وَليل حديث الدعاء في القنوت. ٦٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقوله: ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)) (١)، وروى الحسين عن النبيّ ◌َّهِ: ((من حُسن إسلام المرء تَرْكه ما لا يعنيه))(٢). وقوله وسلّ في ابن صائد: ((اختلفتم وأنا بين أظهركم؟ فأنتم بعدي أشدُّ اختلافاً)). انتهى (٣). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٦] (٢٤٢١) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّه أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّةً، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المرَوزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيهُ حجةٌ، وهو رأس [١٠] (ت٢٤١) وله سبع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٠/ ٤٢٧. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبةٌ، ثقةٌ كثير الحديث [٤] (ت١٢٦) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في «الصيام)) ٢١/ ٢٦٦٢. ٣ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، وأبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت٩٩) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٢. والباقيان ذُكرا قبل باب، وشرح الحديث يأتي بعده، وإنما أخّرته إليه لكونه أتمّ مما هنا. وقوله: (قَالَ لِحَسَنٍ)؛ أي: عنه، فاللام بمعنى: ((عن))؛ أي: قال مخبراً عن شأن الحسن رضيته، وقيل: هي للتعليل، وقيل: هي لام التبليغ، أفاده ابن هشام تَظْتُهُ في ((مغنيه))(٤). (١) رواه عبد الرزاق، والطبرانيّ، وأبو نعيم. (٢) رواه الترمذيّ، ومالك في ((الموّأ)). (٣) ((المفهم)) ٢٩٧/٦ - ٢٩٩. (٤) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٤١٩/١ - ٤٢٠. ٦٨٧ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﴿ ٨ - حديث رقم (٦٢٣٧) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ، لََّّ يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: ((أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟))؛ يَعْنِي: حَسَناً، فَظَتَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لَأَنْ تُغَسِّلَهُ، وَتُلْبِسَهُ سِخَاباً، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلهم ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و((ابْنُ أَبِي عُمَرَ)): هو محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد الله، وشيخه وسفيان مكيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌ُئه رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الَّهَارِ)؛ أي: في قطعة منه، وحَكَى الكرمانيّ أن في بعض الروايات: ((صائفة)) بالصاد المهملة بدل ((طائفة))؛ أي: في حرّ النهار، يقال: يوم صائفٌ؛ أي: حارّ(١). (لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ) أما من جانب النبيّ وََّ، فلعله كان مشغولَ الفكر بوحي، أو غيره، وأما من جانب أبي هريرة فلتوقيره، وكان ذلك من شأن الصحابة ﴿ه إذا لم يروا منه وَِّ نشاطاً(٢). (حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ) قال ياقوت: ((قينقاع)) بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، وضمّ النون، وفتحها، (١) ((الفتح)) ٥٨٥/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢١٢٢). (٢) ((الفتح)) ٥٨٥/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢١٢٢). ٦٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وكسرها، كُلُّ يُروَى، بعدها قاف، وآخره عين مهملة: اسم لشَعْب من اليهود الذين كانوا بالمدينة، أضيف إليهم سُوق، كان بها، ويقال: سوق بني قينقاع. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): ((قينقاع)) بفتح القاف، وسكون التحتانية، وضم النون، بعدها قاف: قبيلة من اليهود، نُسِب السوق إليهم، وذكر ابن التين أنه ضُبِط قينقاع بكسر النون، في أكثر نُسخ القابسيّ، وهو صواب أيضاً، وقد حُكِي فَتْحها أيضاً، يُصرف على إرادة الحيّ ويجوز تركه على إرادة القبيلة. انتهى(٢). (ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: من سُوق بني قينقاع، (حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ) ابنته وَّهِ صَيْنَا، و((الخباء)) بكسر الخاء المعجمة، والمدّ: ما يُعمل من وَبَر، أو صُوف، وقد يكون من شعَرٍ، والجمع: أخبية بغير همز، مثلُ كِسَاء وأكسيةٍ، ويكون على عَمُودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيتٌ، قاله الفيّوميّ ◌َُّهُ(٣) . وقال القرطبيّ تَخْذَلُ: قوله: ((حتى أتى خباء فاطمة))؛ أي: بيتها، وأصل الخباء ما يخبأ فيه، وقد صار بحكم العرف العربيّ عبارةً عن بيوت الأعراب. انتھی(٤). ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((بفناء بيت فاطمة))، و((الفِناء)) بكسر الفاء، بعدها نون، ممدودة: الموضع المتَّسِع أمامَ البيت. (فَقَالَ) وَرِ ((أَثَمَّ) بهمزة الاستفهام بعدها ثاء مثلثة مفتوحة: اسم إشارة يشار به للمكان البعيد، كما يشار إليه بـ(هناك))، أو ((هنالك))، أو ((هِنّا))، كما قال في ((الخلاصة)): دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِلَا وَبِـ ((هُنَا)) أو ((هَا هُنَا)) أَشِرْ إِلَى وبِـ((هُنَالِكَ)) انْطِقَنْ أَوْ ((هِنَّا)) فِي الْبُعْدِ أَوْ بِـاثَمَّ)) فُهْ أَو ((هَنَّا)) وقال في ((العمدة)): (ثَمّ)) بفتح الثاء المثلثة: اسم يشار به إلى المكان (١) ((معجم البلدان)) ٤ / ٤٢٤. (٢) ((الفتح)) ٥٠٣/٥ - ٥٠٤، كتاب ((البيوع)) رقم (٢٠٤٨). (٣) ((المصباح المنير)) ١٦٣/١. (٤) ((المفهم)) ٢٩٩/٦. ٦٨٩ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٣٧) البعيد، وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غُلِّط مَن أعربه مفعولاً لـ((رأيت)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠]. انتهى(١). (لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟))) مكرّراً للتأكيد، وهو بضم اللام، وفتح الكاف، قال الخطابيّ: اللَّكَع على معنيين: أحدهما: الصغير، والآخر: اللئيم، والمراد هنا الأول، والمراد بالثاني ما ورد في حديث أبي هريرة ◌ُه أيضاً: ((يكون أسعدُ الناس بالدنيا لُكُ ابنُ لُگع)). وقال ابن التين: زاد ابن فارس أن العبد أيضاً يقال له: لُكَع. انتهى. ولعل من أطلقه على العبد أراد أحد الأمرين المذكورين، وقال بلال بن جرير التميميّ: اللكع في لغتنا: الصغير، وأصله في المُهْر ونحوه، وعن الأصمعيّ: اللكع: الذي لا يهتدي لمنطق، ولا غيره، مأخوذ من الملاكيع: وهي التي تخرج مع السَّلا من البطن، قال الأزهريّ: وهذا القول أرجح الأقوال هنا؛ لأنه أراد أن الحسن صغير، لا يهتدي لمنطق، ولم يُرد أنه لئيم، ولا عبد، قاله في ((الفتح)) (٢). وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((لُكَع))؛ يعني به: الصغير، وهي لغة بني تميم، وسئل ابن جرير عن اللكع، فقال: هو الصغير في لغتنا، وأصل هذه الكلمة: أنها تُستعمل للتحقير، والتجهيل، واللكع: العبد الوَعْد(٣)، والقليل العقل، ويقال للأنثى: لَكْعاء، ويُعْدَل به في النداء إلى لَكَاع، وقد تقدم القول فيه، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ ◌َ﴿ مُمازحاً له بذلك اللفظ، وَمُؤنساً، كما يقول الرجل لابنه الصغير: تعال يا كُليب، وكما قالت العربية لابنها وهي تُرَقِّصه: حُزُقَّةُ (٤) تَرَقّ عين بقَّةَ(٥) . (١) ((عمدة القاري)) ٢٤٠/١١. (٢) ((الفتح)) ٥٨٥/٥ - ٥٨٦، كتاب ((البيوع)) رقم (٢١٢٢). (٣) ((الوغد»: الأحمق الضعيف. (٤) في ((لسان العرب)) في مادّة: (حزق)، وفي كلامهم: حُزُقّةٌ حُزُقّة تَرَقَّ عينَ بقّة. ((الحزقّة)): الضعيف يقارب خطوه، (تَرَقَّ)): بمعنى: اصعد، ((عين بقّة)) كناية عن صِغَر العين. (٥) ((المفهم)» ٢٩٩/٦. ٦٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقوله: (يَعْنِي: حَسَناً) تفسير لقوله: (لُكَع))، والعناية من أبي هريرة، أو مَن دونه، والله تعالى أعلم. (فَظَتَنَّا)، وفي رواية البخاريّ: ((فحَبَسته شيئاً، فظننت أنها تُلبسه سِخاباً))، (أَنَّهُ)؛ أي: أن الشأنَ والحالَ، فالضمير للشأن، (إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لَأَنْ تُغَسَّلَهُ) بضمّ أوله، وتشديد ثالثه، من التغسيل؛ أي: لأجل تغسيله، ويجوز أن يُقرأ بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الغسل، والأول أظهر؛ لأن فيه معنى المبالغة. (وَتُلْبِسَهُ) بضمّ أوله، من الإلباس، (سِخَاباً) - بكسر السين المهملة، بعدها خاء معجمة، خفيفة، وبموحّدة - قال الخطابيّ: هي قلادة تُنَّخذ من طِيب، ليس فيها ذهب، ولا فضةٌ، وقال الداوديّ: من قَرَنْقُل، وقال الهرويّ: هو خيط من خَرَز يلبسه الصبيان، والجواري، ورَوَى الإسماعيلي عن ابن أبي عمر شيخ مسلم في هذا الحديث قال: السخاب شيء يُعمل من الحنظل؛ كالقميص، والوشاح. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: السِّخاب: خيطٌ فيه خرز يُنْظم، ويُجعل في عنق الصبيان، والسِّخاب مأخوذ من السَّخَب: وهو اختلاط الأصوات، وارتفاعها، وكأن هذه الخرزات لها أصوات مختلفة عند احتكاك بعضها مع البعض، وقيل: السِّخاب من القلائد: ما اتخذ من القَرَنْفُل، والمسك، والعُود وشِبْهه، دون الجوهر. انتهى(٢). (فَلَمْ يَلْبَثْ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع لَبِث، قال الفيّوميّ تَُّهُ: لَبِثَ بالمكان لَبَثاً، من باب تَعِبَ: مكَثَ فيه، وجاء في المصدر السكون؛ للتخفيف، واللَّبثة بالفتح: المرة، وبالكسر: الهيئة والنوع، والاسم: اللَّبثُ بالضم، واللَّبَاتُ بالفتح، وتَلَبَّثَ بمعناه، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أَلْبَثْتُهُ، (٣) ولَبَّثْتُهُ. انتهى(٣). (أَنْ جَاءَ) ((أن)) بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل ((يلبث))؛ أي: لم (١) ((الفتح)) ٥٨٦/٥، كتاب ((البيوع)) رقم (٢١٢٢). (٢) ((المفهم)) ٢٩٩/٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٤٧/٢ - ٥٤٨، بزيادة من ((القاموس)) ص١١٦٢. ٦٩١ - حديث رقم (٦٢٣٧) (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ. يتأخّر مجيؤه، وقوله: (يَسْعَى) جملة حاليّة، وفي رواية البخاريّ: ((فجاء يشتدّ))، (حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ أي: من النبيّ وََّ، والحسن، (صَاحِبَهُ)، وفي رواية البخاريّ: ((حتى عانقه، وقبّله))، وفي رواية ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ: ((فقال النبيّ ◌َ﴿ بيده هكذا - أي: مدّها - فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه))(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ) بضمّ همزة المتكلّم، (فَأَحِبَّهُ) بفتح الهمزة، بلفظ الدعاء، وبالإدغام، وفي رواية الكشميهنيّ: ((أحببه)) بفك الإدغام (٢). (وَأَحْبِبْ) بفكّ الإدغام، (مَنْ يُحِبُّهُ))) ((من)) اسم موصول في محلّ نصب على أنه مفعول ((أحبب))، زاد في رواية ابن ماجه: ((وضمّه إلى صدره))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة طلبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٣٦/٨ و٦٢٣٧] (٢٤٢١)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٢٢) و((اللباس)) (٥٨٨٤) وفي ((الأدب المفرد)) (١١٥٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٩/٥) وفي ((الفضائل)) (٦١)، و(ابن ماجه) في (المقدّمة)) (١٤٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٩/٢ و٣٣١) وفي ((الفضائل)) (١٣٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٦٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٧٩/١١)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (١٤٢٢/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٣/١٠)، و(البغويّ) في (شرح السُّنَّة)) (٣٩٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٣): ١ - (منها): بيان فضل الحسن بن عليّ ٢ - (ومنها): بيان فضل من يُحبّ الحسن نَظُه، حيث دعا له النبيّ وَل بأن يُحبّه الله رَتْ. (١) ((عمدة القاري)) ٢٤٠/١١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٤٠/١١. (٣) المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة المذكورة في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف، فتنبه. ٦٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة من توقير النبيّ والمشي معه. ٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَل من التواضع؛ حيث كان يدخل السوق ويجلس بفناء الدار. ٥ - (ومنها): بيان شفقته ◌َّ، ورحمته بالصغير، والمزاح معه، ومعانقته، وتقبيله. ٦ - (ومنها): أن فيه ملاطفةَ الصبيان، ورحمتهم، ومماسّتهم، وأن رطوبات وجهه ونحوها طاهرة، حتى تتحقق نجاستها، ولم يُنقل عن السلف التحفظ منها، ولا يخلُوَن منها غالباً(١). ٧ - (ومنها): المحافظة على النظافة، وعلى تحسين الصغار، وتزيينهم، وخصوصاً عند لقاء من يُعظّم، ويُحترم. ٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُهُ: فيه ما يدل على تواضع النبيّ وَّر، ورحمته بالصغار، وإكرامه، ومحبَّته للحَسن، ولا خلاف - فيما أحسب - في جواز عناق الصِّغار كما فعل النبيّ وَ﴿، وإنَّما اختلف في عِناق الكبير في حالة السلام، وكرهه مالك، وأجازه سفيان بن عيينة، وغيره، واحتج سفيان على مالك في ذلك بعناق النبيّ ◌ََّ جعفراً لَمّا قَدِم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوصٌ بجعفر، فقال سفيان: ما يخص جعفراً يعمُّنا، فسكت مالك، ويدلّ سكوت مالك على أنه ظهر له ما قاله سفيان من جواز ذلك، قال القاضي عياض: وهو الحقّ، حتى يدلّ دليل على تخصيص جعفر بذلك. انتھی . وقال النوويّ تَخْتُ: واختلف العلماء في معانقة الرجل للرجل القادم من سفر، فكرهها مالك، وقال: هي بدعةٌ، واستحبها سفيان وغيره، وهو الصحيح الذي عليه الأكثرون، والمحققون، وتناظر مالك وسفيان في المسألة، فاحتج سفيان بأن النبيّ ◌َ﴿ فعل ذلك بجعفر حين قَدِم، فقال مالك: هو خاصّ به، فقال سفيان: ما يخصه يعمّنا، فسكت مالك، قال القاضي عياض: وسكوت (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٤/١٥. ٦٩٣ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٣٨) مالك دليل لتسليمه قول سفيان، وموافقته، وهو الصواب، حتى يدلّ دليل للتخصيص. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاضي عياض، وتابعه عليه القرطبيّ، والنوويّ، من تصويب رأي سفيان على رأي مالك في المسألة هو الحقّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضاً: وفيه من الفقه ما يدلّ على: جواز حمل الصِّبيان، وترك التعمّق في التحفظ مما يكون منهم من المخاط، والبول، وغير ذلك، فلا يُجتنب من ذلك إلا ما ظهرت عينه، أو تحقَّق، أو تفاحش، وكان النبيّ وَله، وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السَّمحة، فيمشون حفاة في الطّين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة، ويلعقون أصابعهم، والقصعة عند الأكل، ولا يعيبون شيئاً من ذلك، ولا يتوسوسون فيه، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم؛ فإنَّهم يبالغون في نظافة الظواهر، والثياب، وبواطنهم وسخة خراب. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٨] (٢٤٢٢) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: رَأَبْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَائِقِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١٥. (٢) ((المفهم)) ٣٠٠/٦ - ٣٠١. ٦٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابي ابن الصحابي ﴿يَا، نزل الكوفة، واستُصغِر يوم بدر، ومات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفیّان، وفيه رواية الابن عن أبيه. وقوله: (رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) ووقع عند الإسماعيليّ من طريق عمرو بن مرزوق، عن شعبة: ((الحسن، أو الحسين)) بالشكّ، ثم ذكر أن أكثر أصحاب شعبة رووه، فقالوا: ((الحسن)) بغير شكّ، ثم عدّ منهم ثمانية، قاله في (الفتح))(١). وقوله: (عَلَى عَاتِقِ النَّبِيِّ بََّ) العاتق: ما بين المنكب إلى العنق، قيل: هو موضع الرداء من المنكب، قاله القرطبيّ ◌َذُهُ(٢). وقال الفيّوميّ تَُّ: يقال لِمَا بين المنكب والعُنُق: عاتقٌ، وهو موضع الرداء، ويُذكّر، ويؤنّث، والجمع عواتق. انتهى(٣)، وبقيّة شرح الحديث يُعلم مما قبله. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٣٨/٨ و٦٢٣٩] (٢٤٢٢)، و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٧٤٩) وفي ((الأدب المفرد)) (٨٦)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٧٨٢ و٣٧٨٣)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (٦٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠١/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٣/٤ - ٢٨٤ و٢٩٢) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٣٥٣ (١) ((الفتح)) ٤٥٩/٨. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٩٢/٢. (٢) ((المفهم)) ٣٠٠/٦. ٦٩٥ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﴿يَا - حديث رقم (٦٢٣٩ - ٦٢٤٠) و١٣٨٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٥٨٢ و٢٥٨٣ و٢٥٨٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٩٦٢)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٣/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٩٣٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٩] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ - وَهُوَ: ابْنُ ثَابِتٍ - عَنِ اَلْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيَّتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَاضِعاً الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صَّغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٦/ ٦٠٧. والباقون ذكروا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّفِ كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٤٠] (٢٤٢٣) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ ابْنُ الرُّومِيِّ الْيَمَامِيُّ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَذَّثَنَا إِيَاسٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللهِ ◌ّهِ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِّ نَّهِ، هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ ابْنُ الرُّومِيِّ الْيَمَامِيُّ) هو: عبد الله بن محمد اليماميّ، نزيل بغداد، المعروف بابن الرُّوميّ، ويقال: اسم أبيه عُمر، صدوق [١٠] (ت٢٣٦) (م) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٦/٦٣، من أفراد المصنّف نَُّهُ. ٦٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ٢ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيم بن إسماعيل الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت٢٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٣ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ - بالجيم المضمومة، والشين معجمة - أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ، يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٥ - (إِيَاسُ) بن سلمة بن الأكوع الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١١٩) وهو ابن سبع وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. ٦ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ المشهور، شَهِد بيعة الرضوان، مات ◌َظُته سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالتحديث، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: عن إياس بن سلمة (عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن الأكوع ◌َظُه أنه (قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ) بضم القاف، يقال: قَاد الرجل الفرس قَوْداً، من باب قال، وقِيَاداً، بالكسر، وقِيَادَةً، قال الخليل: القَوْدُ أن يكون الرجل أَمامَ الدابة آخذاً بقيادها، والسَّوْق أن يكون خلفها، فإن قَادَهَا لنفسه قيل: اقْتَادَهَا، ويُطلق على الخيل التي تُقَادُ بمقَاوِدِهَا، ولا تُرْكَب، قاله الأزهريّ، والمِقْوَدُ بالكسر: الحبل، يُقادُ به، والجمع: مَقَاوِدُ، والقِيَادُ مثلُ المِقْوَدِ، ومثله لِحَافٌ، ومِلْحَفٌ، وإِزارٌ، ومِتْزَرٌ، قاله الفيّوميّ كَذَتُهُ(١) . (١) ((المصباح المنير)) ٥١٨/٢. ٦٩٧ (٨) - بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٤٠) ـرة، وسبطي (بِنَبِيِّ اللهِ وَِّ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ) ابني عليّ رسول الله وَ﴿، ورَيحانَتيه. (بَغْلَتَهُ) منصوب على المفعوليّة لـ((قُدتُ))، و((البغل)) بفتح، فسكون: هو المولّد بين الحمار والفرس، وجَمْع القلّة منه: أَبْغالٌ، وجَمْع الكثرة: بِغَالٌ، والأنثى بالهاء، وجَمْعها بَغَلاتٌ، مثلُ سجَدَة وسَجَدَات، وبِغالٌ أيضاً، قاله الفيّوميّ (١)، وقوله: (الشَّهْبَاءَ) صفة لـ((بغلته))، وهو مؤنّث أشهب، والشَّهَب بفتحتين مصدر شَهِبَ، كتَعِبَ، وهو أن يغلب البياض السواد، والاسم: الشُّهْبة(٢). (حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ◌َ﴿) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم -؛ أي: بيته، وجَمْعه حُجَرٌ، وحُجُرَات، مثلُ غُرَفٍ، وغُرُفات في وجوهها، قاله الفيّوميّ ◌َّهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: ((في وجوهها)) إلى لغات ((غُرْفَات))، فإن فيها ثلاث لغات، ضمّ الراء؛ إتباعاً للفاء، وفَتْحها؛ تخفيفاً، وإسكانها كذلك، والغين في كلّها مضمومة، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة في ((الخلاصة))، حيث قال: إِنْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَائِي اسْماً أَنِلْ مُخْتَتَماً بِالثَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّئاً بَدَا خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلّاً قَدَ رَوَوْا وَسَكِّنِ الثَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ وقوله: (هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ)؛ أي: أحدهما راكب أَمامَ النبيّ وََّ، والآخر راكب خلفه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ظه هذا من أفراد المصنّف نَحْذَلُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((المصباح المنير)) ٥٦/١، بزيادة من ((تاج العروس)) ٦٨٨٣/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٢٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢٢. ٦٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٤٠/٨] (٢٤٢٣)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٧٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦١٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٢٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلل من كمال الشفقة، ورحمته للصغار، حيث إنه يردفهم أمامه وخلفه، يلاطفهم بذلك، ويؤانسهم. ٢ - (ومنها): بيان جواز استخدام الحرّ باختياره. ٣ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر. ٤ - (ومنها): جواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مُطيقة، قال النوويّ تَّتُهُ: وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، وحكى القاضي عن بعضهم مَنْع ذلك مطلقاً، وهو فاسد. انتهى. وقال في ((الفتح)): والأصل في ذلك - يعني: مَنْع ركوب الثلاثة على دابّة - ما أخرجه الطبرانيّ في (الأوسط)) عن جابر: ((نَهَى رسول اللهِ وَّل أن يَركب ثلاثة على دابة))، وسنده ضعيف، وأخرج الطبريّ عن أبي سعيد رفعه: ((لا يركب الدابة فوق اثنين))، وفي سنده لِيْن، وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل زاذان أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم، فإن رسول الله وَله لعن الثالث، ومن طريق أبي بردة عن أبيه نحوه، ولم يصرِّح برفعه، ومن طريق الشعبيّ قوله مثله، ومن حديث المهاجر بن قنفذ أنه لعن فاعل ذلك، وقال: إنا قد نُهينا أن يركب الثلاثة على الدابة، وسنده ضعيف، وأخرج الطبريّ عن عليّ قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم، حتي ينزل أحدهم. وعكسه ما أخرجه الطبريّ أيضاً بسند جيّد عن ابن مسعود قال: كان يوم بدر ثلاثة على بعير، وأخرج الطبرانيّ، وابن أبي شيبة أيضاً من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر قال: ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة، إذا أطاقت حمل ذلك. قال: وبهذا يُجْمَع بين مختلف الحديث في ذلك، فيُحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة؛ كالحمار مثلاً، وعكسه على عكسه؛ كالناقة، والبغلة. ٦٩٩ (٩) - بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَِّيِّ وَّهِ - حديث رقم (٦٢٤١) ثم نَقَل كلام النوويّ السابق، ثم قال: لم يصرِّح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيّد. انتهى ما في ((الفتح)) (١) وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ . (٩) - (بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ وََّ). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٤١] (٢٤٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ شَيْئَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَلِ غَدَاةً (٢) ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَخَلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ، فَدَخَلَ مَعَهَ(٣)، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ، فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٍّ، فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَّكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بأخرة [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣. ٢ - (مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ) بن جبير بن شيبة بن عثمان الْعَبْدريّ المكيّ الْحَجَبِيّ، لَيِّن الحديث [٥] (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٠/١٦. ٣ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْئَةَ) بن عثمان بن أبي طلحة الْعَبْدريّة، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي ((صحيح البخاريّ)) التصريح بسماعها من النبيّ وَّر، وأنكر الدار قطنيّ إدراكها (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٩/٣. (١) ((الفتح)) ٣٩٦/١٠. (٣) وفي نسخة: ((فأدخله معه)). (٢) وفي نسخة: ((ذات غداة)). ٧٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة والباقون تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وفيه رواية الابن عن أمه، ورواية صحابيّة عن صحابيّة عند من أثبت لصفيّة صحبة، وفيه عائشة رضيّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. شرح الحديث: (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) العبدريّة ◌ِ﴿ّ أنها (قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّ: (خَرَجَ النَّبِيُّ وَِّ غَدَاةً)، وفي بعض النسخ: ((ذات غداة))؛ أي: غداةً من الغداة، والغداة: أول النهار، قال الفيّوميّ دَخَّتُهُ: الغداة: الضحوة، وهي مؤنّثةٌ. (وَعَلَيْهِ مِرْطٌ) - بكسر الميم، وإسكان الراء -: كساءٌ يكون تارةً من صوف، وتارةً من شَعْر، أو كتان، أو خَزّ، قال الخطابيّ: هو کساء يؤتزر به، وقال النضر: لا يكون الْمِرْط إلا دِرْعاً، ولا يلبسه إلا النساء، ولا يكون إلا أخضر، قال النوويّ: وهذا الحديث يَرُدّ عليه(١). (مُرَخَّلْ) - بفتح الراء، وفتح الحاء المهملة المشدّدة - هذا هو الصواب الذي رواه الجمهور، وضبطه المتقنون، وحَكَى القاضي عياضٌ أن بعضهم رواه بالجيم؛ أي: عليه صُوَر الرجال، والصواب الأول، ومعنى المرحل بالحاء: هو الْمُوَشِيّ المنقوش عليه صور رجال الإبل، وبالجيم عليه صور المراجل: وهي القدور. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: المرحَّل يروى بالحاء؛ يعني: فيه صور الرِّحال، ويُروى بالجيم؛ أي: فيه صور الرجال، أو صور المراجل، وهي: القدور، يقال: ثوب مراجل، وثوب مرجَّل. هذا قولُ الشارحين. قال: ويظهر لي أن المرجَّل. هنا يُراد به: الممشوط خَمَلُه وزُبْرُه، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]: خَرَجْتُ بِهَا تَمْشِي تَجُرُّ وراءَنا على أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطِ مُرجَّلٍ وهذا أَولِى؛ لأنَّ النبيّ وَّ كيف يلبس الثوب الذي فيه صور الرِّجال؛ مع (١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٥٧.