Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ ئه - حديث رقم (٦٢١٨) (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ شرح الحديث: عن مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص ◌َظُهُ (أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ) هي أربع آيات، كما يأتي في الحديث التالي، وفي رواية الترمذي قال: أُنزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصة، فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أموت، أو تَكْفُر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شَجَروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ الآية، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورُوي عن سعد أنه قال: كنت بارّاً بأمي، فأسلمتُ، فقالت: لتدعَنّ دينك، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت، فتُعَيَّر بي، ويقال: يا قاتل أمه، وبَقِيَتْ يوماً ويوماً، فقلت: يا أماه! لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا، فإن شئت فَكُلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكَلَتْ، ونزلت: ﴿وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِىِ﴾ الآية. ثم أشار إلى الآية الأُولى بقوله: (قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ) هي حمنة بنت سفيان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، كما ذكرها ابن سعد في ((الطبقات))(١). (أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ)؛ أي: سعداً (أَبَداً، حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ) دين الإسلام، (وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ) أمه (زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ)؛ أي: أمَرك بالإحسان إليهما (وَأَنَا أُمُّكَ)؛ أي: فأحْسِن إليَّ بتنفيذ ما طلبته منك، (وَأَنَا آمُرَُكَ بِهَذَا)؛ أي: بالكفر بدينك. (قَالَ) سعد (مَكَثَتْ ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث ليال، لا تأكل، ولا تشرب (حَتَّى غُشِيَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ) بفتح الجيم، وضمّها؛ أي: المشقّة من الجوع والعطش، (فَقَامَ ابْنٌ لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ) هو أخو سعد، (فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْهُو عَلَى سَعْدٍ) حيث حَمَلها على هذا الجَهْد، (فَأَنْزَلَ اللهُ رَتْ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَةَ) هي آية العنكبوت (﴿وَوَضَيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَاً﴾)؛ أي: أمرناه بأن يحسن إليهما إحساناً، (﴿وَإِن جَهَدَالَ﴾)؛ أي: كلّفاك (﴿لِتُشْرِكَ بِىِ﴾) ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]، (وَ) نزلت أيضاً (فِيهَا) آية لقمان، وفيها (﴿وَصَاحِبْهُمَا﴾) (١) ((الطبقات الكبرى)) ١٣٧/٣ و١٢/٦. ٦٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أي الوالدين (﴿فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥])؛ أي: بالمعروف والإحسان الدنيويّ، من الخُلُق الجميل، والحِلم، والاحتمال، والبرّ، والصلة. قال الإمام ابن كثير تَّتُهُ: يقول تعالى آمراً عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحثّ على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبِّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا (﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَ تَقُل لَُّمَآ أُنِّ وَلَ نَهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبََّنِ صَغِيرًا [الإسراء: ٢٣، ٢٤]. ٢٤ ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِن جَهَدَالَكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصَبْرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يُحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبّاً دينيّاً؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدِْلَّهُمْ فِ [العنكبوت: ٩]. انتهى(١). ٩ الصَّلِحِينَ ثم أشار إلى الآية الثانية، فـ(قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ غَنِيمَةً عَظِيمَةً)، وذلك في غزوة بدر، (فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ وَهِ، فَقُلْتُ: نَقِّلْنِي)؛ أي: أعطنيه زيادة على نصيبي من المغنم، (هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ)؛ أي: من الشجاعة، وقَتْل المشركين، واستئصالهم، (فَقَالَ) وَله («رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)))؛ أي: في الغنائم، والظاهر أنه لم يوحَ إليه بحِلٌ الغنائم، فأمَرَه بالردّ حتى يتبيّن أمره. (فَانْطَلَّقْتُ)؛ أي: ذهبت لأردّه، (حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ) - بفتح القاف، والباء الموحّدة، والضاد المعجمة -: الموضع الذي يُجمعِ فيه الغنائم(٢). (لَا مَْنِي نَفْسِي)؛ أي: على ردّه، (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) وَ (فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ، قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ)؛ أي: رَفَعه أكثر من الأول (١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٦٤/٦ - ٢٦٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/١٥. ٦٢٣ (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ُه - حديث رقم (٦٢١٨) مبالغة في الزجر ((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، قَالَ: فَأَنْزَّلَ اللهُ رَى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١])؛ أي: يجعلانها حيث شاءا، ولذلك أعطاه سعداً، فأخذه، فقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّا كان يومُ بدر، وقُتل أخي عُمَيْر، وقَتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى ((ذا الكتيفة))، فأتيت به نبيّ الله وَل فير فقال: ((اذهب فاطرحه في القَبَض))، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخذ سَلَبي، قال: فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ◌َ: ((اذهب فخذ سيفك))(١). وأخرج أحمد أيضاً عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: يا رسول الله، قد شفاني الله اليوم من المشركين، فَهَبْ لي هذا السيف، فقال: ((إن هذا السيف لا لك، ولا لي، ضعه)). قال: فوضعته، ثم رجعت، قلت: عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي! قال: إذا رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً؟ قال: ((كنتَ سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وُهب لي، فهو لك)). قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَِّ وَالرَّسُولِ﴾(٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما يتعلّق بقصّة السيف وآية الأنفال قد تقدّم البحث فيه مستوفَّى في ((كتاب الجهاد والسِّيَر)) برقم [٤٥٤٦/١٢] (١٧٤٨) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ورواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طرق، وقال الترمذيّ: حسن صحیح. (قَالَ) سعد (وَمَرِضْتُ) بكسر الراء، من باب تَعِبَ، (فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي)؛ أي: اتركني، ولا تمنعني (أَقْسِمْ) بفتح الهمزة مضارع قَسَم ثلاثيّاً، من باب ضرب، (مَالِي حَيْثُ شِئْتُ)؛ أي: على الأقارب، والمساكين. (قَالَ: فَأَبَى) وَِّ ذلك، (قُلْتُ: فَالنِّصْفَ) بالنصب على المفعوليّة؛ أي: أَقسم النصف حيث شئت، (قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ، (١) ((المسند)) ١٨٠/١. (٢) ((المسند)) ١٧٨/١. ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قَالَ: فَسَكَتَ)؛ أي: لأن الثلث حقّ الشخص عند موته يتصدّق به، ويوصي به، (فَكَانَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد تلك الواقعة، (الثُّلُثُ)؛ أي: قَسْم الثلث بالوصيّة (جَائِزاً)؛ أي: فيجوز الآن لكلّ أحد أن يوصي بالثلث، وقصّة سعد في الوصيّة قد تقدّم البحث فيها مستوفى في ((الوصايا)). ثم أشار إلى الآية الثالثة، فـ(قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ) بفتحتين؛ أي: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة(١). (مِنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ) بفتح اللام: أمْر من تعالى يتعالى؛ أي: ارتفع، قال الفيّوميّ: تَعَالَ فِعل أمْر من تعالى يتعالى، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُر في كلامهم، حتى استُعْمِل بمعنى هَلُمّ مطلقاً، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساوياً، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استُعمل في معنى عامّ، ويتصل به الضمائر باقياً على فَتْحه، فيقال: تَعَالَوا، تَعَالَيَا، تَعْالُيُنْ، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكُسرت مع المؤنثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوَا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. (٢). . انتھی (نُطْعِمْكَ) بضمّ أوله، من الإطعام، (وَنَسْقِيكَ) بفتح أوله، من سقى يسقي ثلاثيّاً، كما قال تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بضمّه، من أسقى يُسقي رباعيّاً، كما قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّةُ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (خَمْراً، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ) سعد (فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشِّ) بفتح الحاء المهملة، وضمّها، وفسّره بقوله: (- وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ - فَإِذَا) هي الفجائيّة، (رَأْسُ جَزُورٍ) قال الفيّوميّ تَظَُّهُ: الجَزُورُ من الإبل خاصّةً يقع على الذكر والأنثى، والجمع: جُزُرٌ، مثل رسول ورُسُل، ويُجمع أيضاً على جُزُرَاتٍ، ثم على جَزَائِرَ، ولفظ الْجَزُور أنثى، يقال: رعت الجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصغانيّ: وقيل: الجَزُورُ: الناقة التي تُنحر، وجَزَرْتُ الجَزُورَ وغيرها، (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢. ٦٢٥ (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢١٨) من باب قتل: نحرتُها، والفاعل جَزَّارٌ، والحرفة الجِزَارَةُ، بالكسر، والمَجْزَرُ: موضع الجزر، مثل جعفر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرَةٌ. انتهى(١). (مَشْوِيٌّ) مفعول مِن شوى اللحم، من باب ضرب، وأصله مشوويٌ، اجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأُدغمت في الياء، فصار مشويّاً بياء مشدّدة، كما قال في ((الخلاصة)): إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَاَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا وَشَذَّ مُعْطَاً غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا (عِنْدَهُمْ، وَزِقٍّ) بكسر الزاي: الّرْف، وبعضهم يقول: ظَرْف زَقْتٍ، أو قِيرٍ، والجمع أزقاق، وزِقَاق، وزُفَّاقٌ، مثلُ كِتاب، ورُغْفان، قاله الفيّومي(٢)، وقال المجد: الزِّقّ بالكسر: السِّقَاءُ، أو جلدٌ يُجزّ، ولا يُنتف للشراب وغيره. انتهى (٣). (مِنْ خَمْرٍ، قَالَ) سعد (فَأَكَلْتُ) من ذلك المشويّ (وَشَرِبْتُ) من تلك الخمر (مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتٍ) بالبناء للمفعول، (الأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ)؛ أي: ذُكر في ذلك المجلس حال الأنصار والمهاجرين، وفي بعض النسخ: ((فَذَكَرتُ الأنصار ... إلخ)) بالبناء للفاعل؛ يعني: أن سعداً هو بدأ بذكرهم (عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأَنَّصَارِ) حيث إنهم هاجروا في الله، وفارقوا الأهل، والأموال، وتركوا الأوطان لله ◌َاءَ، فهم خير. (قَالَ) سعد (فَأَخَذَ رَجُلٌ) زاد في رواية: ((منهم))، قال ابن بشكوال: الرجل الأنصاريّ عِتبان بن مالك، وساق له شاهداً، قال: وقيل: إنه حمزة بن عبد المطلب، ذكره فتح بن إبراهيم عن أبي الطيّب الحريريّ البغداديّ، صاحب محمد بن جرير الطبريّ، واسم أبي الطيّب أحمد بن سليمان، وقال الشيخ وليّ الدين: قال الزهريّ: إن سعداً كان هو الضارب لعتبان، ذكره صاحب ((التنبيه)) (٤). قال الجامع عفا الله عنه: كون الضارب هو حمزة، أو سعد فيه نَظَر لا يخفى؛ لتصريح رواية مسلم بأنه من الأنصار، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَحَدَ لَحْبَي الرَّأْسِ) بفتح اللام، وسكون الحاء المهملة: تثنية لَحْىٍ، وهو (١) ((المصباح المنير)) ٩٨/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ٥٦٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٥٤/١. (٤) ((تنبيه المعلم)) ص ٤١٠. ٦٢٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة عَظْم الحَنَك، وهو الذي عليه الأسنان، وهو من الإنسان حيثُ ينبت الشعرُ، وهو أعلى وأسفلُ، وجمعه أَلْحِ، ولُحيّ، مثلُ فَلْسٍ، وفُلُوسٍ، وأفلُسٍ(١). (فَضَرَبَنِي بِهِ) وهذا الذي حصل بين سعد، وبين الأنصاريّ إنما هو لمّا سكروا من شُرب الخمر، كما سيأتي في رواية شعبة بلفظ: ((فانتشينا))؛ أي: سَكِرنا، والله تعالى أعلم. (فَجَرَحَ بِأَنْفِي)، وفي الرواية التالية: ((فضرب به أنف سعد، ففزره، - أي: شقّه - وكان أنف سعد مفزوراً))؛ أي: مشقوقاً. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَأَخْبَرْتُهُ) بما حصل بينه وبين الأنصاريّ من الضرب، (فَأَنْزَلَ اللهُ وَيْ فِيَّ - يَعْنِي: نَفْسَهُ - شَأْنَ الْخَمْرِ)؛ يعني: أن الله تعالى حرّمها بسبب تلك الواقعة. (﴿إِنََّ الْخَرُ وَاُلْمَيْسِرُ﴾)؛ أي: القمار (﴿وَالْأَصَابُ﴾)؛ أي: الأصنام التي تُنصب، فتُعبد من دون الله تعالى، (﴿وَآلْأَزْلَمُ﴾)؛ أي: القِداح التي يستقسمون بها، كانت في البيت عند سدنة البيت، وخدام الأصنام، يأتي الرجل إذا أراد حاجة، فيقبض منها شيئاً، فإن كان عليه: أمرني ربي، خرج إلى حاجته على ما أحب، أو كره (٢). (﴿يَجْشُ﴾)؛ أي: خبيث مستقذَر، (﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠])؛ أي: مما يحمل الشيطان عليه، فكأنه عَمَله، وتمام الآية: ﴿فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والضمير في ((فاجتنبوه)) للرجس، أو لعمل الشيطان، أو للمذكور، أو للمضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما تعاطي الخمر والميسر، قال النسفيّ كَّثُ في ((تفسيره)): أكّد تحريم الخمر والميسر من وجوه، حيث صدّر الجملة بـ((إنما))، وقرنهما بعبادة الأصنام، ومنه الحديث: ((شارب الخمر كعابد الوثن))(٣)، وجعلهما رجساً من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشرّ البحت، وأمَر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خسارةً. (٤) . انتھی [تنبيه]: لم يذكر في هذه الرواية الآية الرابعة، وستأتي، وهي آية: ﴿وَلَا (١) ((المصباح المنير)) ٥٥١/٢. (٢) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٨٦/٦. (٣) صححه الشيخ الألبانيّ ◌َّفُهُ. ((الإيمان)) لابن سلام (٩٦). (٤) (تفسير النسفيّ)) ٣٠٠/١. ٦٢٧ به - حديث رقم (٦٢١٨) (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هـ تَظْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص مضى هذا من أفراد عَنَّه المصنّف نَّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢١٨/٥ و٦٢١٩] (١٧٤٨)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٢٠٨)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/ ١٨١ و١٨٥ - ١٨٦)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٧٤/٩ و٧٠/٢١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٠٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٩٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٨٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٦ و٢٩١ و٢٨٥/٨ و٢٦/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: حيث نزلت الآيات ١ - (منها): بيان فضل سعد بن أبي وقّاص المذكورة فيه. ٢ - (ومنها): وجوب برّ الوالدين، وإن كانا كافرين بما لا يخالف الشرع. ٣ - (ومنها): حلّ الغنائم خصوصيّةٌ لهذا الأمة، وجواز تنفيل الإمام بعض الغزاة بما يراه. ٤ - (ومنها): جواز الوصيّة، وأنه لا يجوز إلا بالثلث. ٥ - (ومنها): تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر تَخْتُهُ: الأحاديث تدلّ على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحاً معمولاً به معروفاً عندهم، بحيث لا يُنكَر، ولا يغيَّر، وأن النبيّ وَّ أقرّهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]. وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسكر؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين ٦٢٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة بَقَر خواصر ناقَتَي عليّ ﴿هَا، وجَبّ أسنمتهما، فأخبر عليّ بذلك النبيّ وَّهِ، فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزة للنبيّ وَّر من القول الجافي المخالف لِمَا يجب عليه من احترام النبيّ وَّر، وتوقيره، وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله وَلي أنه ثمل، ثم إن النبي ◌ِّو لم يُنكِر على حمزة ولا عنَّفه، لا في حال سُكره ولا بعد ذلك، بل رجع لمَّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ على عقبيه القهقرى وخرج عنه . وهذا خلاف ما قاله الأصوليون، وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه، أو يشوّشه، إلا أنه يَحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشُربه السُّكر، لكنه أسرع فيه، فغلبه، والله أعلم. انتهى(١). [تنبيه]: قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر ◌َّتُهُ أيضاً: كان تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مولَعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوْةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يَشغلنا عن الصلاة، وشَرِبها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَصَابُ وَآلْأَزْلَمُ رِجْسُ﴾ الآية؛ فصارت حراماً عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرَّم الله شيئاً أشد من الخمر. وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذكر للنبيّ وَّ عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها، وقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا. (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٨٧/٦. ٦٢٩ (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ◌َُه - حديث رقم (٦٢١٩) وروى أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، و﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] نسختها التي في المائدة: ﴿إِنََّ الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢١٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: أَنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ زُهَيْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصاً، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضاً: فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُوراً). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير شعبة. وقوله: (يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصاً)؛ أي: فتحوه، ثم صبّوا فيها الطعام، وإنما شَجَروها بالعصا؛ لئلا تُطَبِّقه، فيمتنع وصول الطعام جوفها، قال النوويّ: وهكذا صوابه بالشين المعجمة، والجيم، والراء، وهكذا في جميع النسخ، قال القاضي: ويروى ((شحّوا فاها)) بالحاء المهملة، وحذف الراء، ومعناه قريب من الأول؛ أي: أوسعوه، وفتحوه، والشَّحْو: التوسعة، ودابة شحوٌ: واسعة الخطو. انتهى(٢). وقوله: (ثُمَّ أَوْجَرُوهَا)؛ أي: صبّوا الطعام في حلقها، قال الفيّوميّ ◌َظُّهُ: الْوَجُور بفتح الواو، وزانُ رَسُول: الدواء يُصبّ في الحلق، أوجرت المريض إيجاراً، فعلتُ به ذلك، ووجَرْته أَجِرُهُ، من باب وَعَدَ لغةٌ. انتهى(٣). (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٨٦/٦. (٣) (المصباح المنير)) ٦٤٨/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/١٥. ٦٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقال القرطبيّ تَخّْثُ: قوله: ((شجروا فاها بعصاً، ثم أوجروها)) - بالشين والجيم -؛ أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا؛ لئلا تُغلقه حتى يوجروها الغذاء، والوَجُور : - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود - بفتح اللام -: ما يُصَبُّ من جانب الفم، ويقال: وجرته، وأوجرته ــ ثلاثيّاً، ورباعيّاً - وقد رواه بعضُهم: ((شخُّوا فاها)) - بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول؛ أي: وسَّعوه بالفتح، والشحو: التوسع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو، ويقال: شحا فاه، وشحا فوه - مُعَدَّى، ولازماً -؛ أي: فَتَحه، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين، والإحسان إليهما، وإن كانا كافرَين، وحريصين على حَمْل الولد على الكفر، يدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُّد حقوقهم. انتهى(١). وقوله: (فَزَرَهُ) بزاي، ثم راء؛ أي: شقّه. وقوله: (وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُوراً)؛ أي: مشقوقاً . [تنبيه]: رواية شعبة، عن سماك بن حرب هذه ساقها ابن حبّان في ((صحيحه))، فقال: (٦٩٩٢) - أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، حدّثنا بندار، حدّثنا محمد، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أنزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفاً، فأتيت به النبيّ وَّ، فقلت: يا رسول الله نفّلنيه، قال: ضَعْه، ثم قلت: يا رسول الله نفّلنيه، وأُجْعَل كمن لا غناء له؟ قال: ضعه من حيث أخذت، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]. وصنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعانا، فشربنا الخمر، حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب أنف سعد، ففزره، فكان أنف سعد مفزوراً، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ [المائدة: ٩٠]. وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١) ((المفهم)) ٢٨٢/٦. ٦٣١ (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٢٠) وقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبِرّ، والله لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى أموت، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شَجَروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. قال: ودخل عليّ رسول الله وَلغيره، وأنا مريض يعودني، قلت: يا رسول الله أُوصي بمالي كله؟، قال: ((لا))، قلت: فبثلثيه؟، قال: ((لا))، قلت: فبنصفه؟ قال: ((لا))، قلت: فبثلثه؟ قال: فسكت. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٢٠] (٢٤١٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ: فِيَّ نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ، أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءٍ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْح) بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة)) ٥٩٦/١٥. ٣ - (أَبُوهُ) شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو المقدام الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان سنة (٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٦/١٥. والباقون ذُكروا في الباب، و((سفيان)) هو الثوريّ، هو شيخ وكيع الذي سقط من الإسناد قبل خمسة أحاديث. وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وقوله: (قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءٍ)؛ أي: قال المشركون: إنك يا محمد تقرّب هؤلاء الفقراء إلى مجلسك، ونحن لا نجلس معهم، أو الكلام على تقدير الاستفهام الإنكاريّ، كأنهم قالوا: أتدني هؤلاء، وتدعونا أن نجلس معهم؟؛ أي: وهذا غير ممكن؛ لأننا (١) ((صحيح ابن حبان)) ١٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣. ٦٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة أصحاب شرف وعلوّ منزلة، فلا ينبغي لنا أن نجلس معهم، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَِّ سِنَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: الْرُدْ هَؤُلَاءِ، لَا يَجْتَرِتُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلِ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانٍ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا(١)، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَّتِ: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم، أبو أحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٤/٥٠. ٢ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلُّم فيه بلا حجة [٧] (ت١٦٠)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٢/ ٥٤٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف نَُّ، وأنه مسلسل بالکوفیین، وفيه سعد ـنْه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص رَبُ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَّهُ سِنَّةَ نَفَرِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) قال الخطيب: قائل هذا الكلام هو الأقرع بن حابس، وعُيّينة بن (١) وفي نسخة: ((نسيت اسميهما)). ٦٣٣ (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلُه - حديث رقم (٦٢٢١) حِصْن. انتهى(١). (لِلنَّبِيِّ نََّ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ) الفقراء (لَا يَجْتَرِتُونَ عَلَيْنَا) قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخَّلهُ: كان هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم، وقيل: كان منهم عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبيّ وَّ؛ كصهيب، وسلمان، وعمار، وبلال، وسالم، ومِهجَع، وسعد هذا، وابن مسعود، وغيرهم، ممن كان على مثل حالهم استصغاراً لهم، وكِبراً عليهم، واستقذاراً لهم؛ فإنهم قالوا: يُؤذوننا بريحهم، وفي بعض كتب التفسير أنهم لمّا عَرَضوا ذلك على النبيّ وَ ﴿ أبى، فقالوا له: اجعل لنا يوماً، ولهم يوماً، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك، فهمَّ النبيّ وَّهِ بذلك، دعا عليّاً ليكتب، فقام الفقراء، وجلسوا ناحية، فأنزل الله تعالى الآية. قلتُ(٢): ولهذا أشار سعد بقوله: فوقع في نفس رسول الله صلفار ما شاء الله أن يقع، وكان النبيّ وَ﴿ إنما مال إلى ذلك طمعاً في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يُفَوِّتُ أصحابه شيئاً، ولا ينقصُ لهم قَدْراً، فمال إليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَظِرُِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]؛ فنهاه عما هَمَّ به من الطرد، لا أنه أوقع الطرد، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم، وأمره أن يصبر نفسه معهم بقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ [الكهف: ٢٨]، فكان رسول الله وَل إذا رآهم بعد ذلك يقول: ((مرحباً بقوم عاتبني الله فيهم))، وإذا جالَسَهم لم يَقُم عنهم حتی یکونوا هم الذين يبدؤون حوله بالقيام. انتهى(٣). (قَالَ) سعد (وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلِ) لم يُسمَّ، (وَبِلَالٌ) المؤذِّن، (وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا)؛ أي: لم أتذكّر اسمهما، وفي بعض النسخ: «نسیتُ اسميهما)). وفي رواية ابن ماجه من طريق قيس بن الربيع، عن المقدام بن شُريح، عن أبيه، عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا ستةٍ، فيّ، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقداد، وبلال، قال: قالت قريش لرسول الله وله: إنا لا (١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٤١١. (٣) ((المفهم)) ٢٨٤/٦ - ٢٨٥. (٢) القائل هو: القرطبيّ. ٦٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة نرضى أن نكون أتباعاً لهم، فاطردهم عنك، قال: فدخل قلب رسول الله وَالله من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله وَت: ﴿وَلَا تَظْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِدُونَ وَجْهَةٌ﴾ الآية. انتهى(١). وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عديّ، والحارث بن نوفل، وقَرَظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف، من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا، وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا، وعُسَفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبيّ وَلَّ، فحدّثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب ظه: لو فعلتَ ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون من قولهم، فأنزل الله دمك هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿أَيَّسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥١ - ٥٣] قال: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبيحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء: ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القارىء، وواقد بن عبد الله الحنظليّ، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنويّ حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، فنزلت في أئمة الكفر من قريش، والموالي، والحلفاء: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنُ بَيْنِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٥٣]، فلما نزلت أقبل عمر ظُه، فأتى النبيّ وَّ، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله وَى: ﴿وَإِذَا جَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]، وقوله: ﴿وَإِذَا جَمَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]؛ أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم. انتهى(٢). (فَوَقَعَ فِي نَفْسٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ)؛ أي: حيث أراد أن يجعل لهؤلاء يوماً، ولهؤلاء يوماً، (فَحَدَّثَ نَفْسَهُ) بذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ رَّى: (١) ((سُنن ابن ماجه)) ١٣٨٣/٢. (٢) ((تفسير ابن كثير)) ١٣٦/٢. ٦٣٥ (٥) - بَابُ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٢١) ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]). قال القرطبيّ كَّلُهُ: وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾، قيل: معناه: يدعون ربهم بالغداة بطلب التوفيق والتيسير، وبالعشي: قيل: معناه: بطلب العفو عن التقصير، وقيل: معناه: يذكرون الله بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر، وقيل: يصلّون الصبح والعصر، وقال ابن عباس : يصلّون الصلوات الخمس، وقال يحيى بن أبي كثير: هي مجالس الفقه بالغداة والعشيّ، وقيل: يعني به: دوام أعمالهم، وعباداتهم؛ وإنَّما خصَّ طرفي النهار بالذِّكر؛ لأنَّ مَن عمل في وقت الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَدٌ﴾؛ أي: يُخْلصون في عباداتهم، وأعمالهم لله تعالى، ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره، ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم رؤية وجهه الكريم. وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾؛ أي: من جزائهم، ولا كفاية رزقهم؛ أي: جزاؤهم، ورزقهم، وجزاؤك، ورزقك على الله تعالى، لا على غيره، فكأنه يقول: وإذا كان الأمر كذلك، فأقبِل عليهم، وجالِسهم، ولا تطردهم؛ مراعاةً لحقّ من ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل، فإنْ فعلت كنت ظالِماً، وحاشاه من وقوع ذلك منه؛ وإنَّما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقد علم الله منه أنه لا يشرك، ولا يحبط عمله. وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نصب بالفاء في جواب النفي، وقد تقدم أن الظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه، ويحصل من فوائد الآية والحديث: النهي عن أن يُعظّم أحدٌ لجاهه، وأثوابه، وعن أن يُحتقر أحدٌ لخموله، ورثاثة ثوبیه. انتهى(١). وقال الإمام ابن كثير كَُّ: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْهِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: لا تُبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك، وأخصاءك؛ كقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ (١) ((المفهم)) ٢٨٥/٦ - ٢٨٦. ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنياً وَلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطَا ٢٨) [الكهف: ٢٨]. وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾؛ أي: يعبدونه، ويسألونه ﴿بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾، قال سعيد بن المسيِّب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: المراد به: الصلاة المكتوبة، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ أي: أتقبّل منكم، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات، والطاعات، وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾؛ كقول نوحِلعلّ في جواب إِنْ الذين قالوا: ﴿أَنُوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴿ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٠٠٠٠٠ [الشعراء: ١١١ - ١١٣]؛ أي: إنما حسابهم ١١١٣ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ على الله ريَّ، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص به هذا من أفراد المصنّف رَخْدَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٢٠/٥ و٦٢٢١] (٢٤١٣)، و(النسائيّ) في (الكبرى)) (٦٢/٥ و٦٦ و٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١٢٨)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٣١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٥٧٣)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٣٢٦٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣١٩/٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده)) (١٤١/٢)، و(البزّار) في («مسنده)) (٦٢/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) (تفسير ابن كثير)) ١٣٥/٢. ٦٣٧ (٦) - بَابُ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﴿ا ١ - (منها): بيان فضائل هؤلاء الصحابة سعد، ومن معه حيث أنزل الله تعالى فيهم الآية المذكورة، وأَمَره بالصبر معهم، وعدم الالتفات إلى ما يقوله المشركون. ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة المذكورة. ٣ - (ومنها): بيان أن أول من يتّبع الأنبياء هم الضعفاء، والفقراء، والمساكين، وهو موافق لِمَا في حديث أبي سفيان لمّا قال له هرقل: ((فأشراف الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال له: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: وهم أتباع الرسل))، فبيّن أن من سُنَّة الله تعالى أن يكون أول من يتّبعهم هم الضعفاء، وذلك لأنهم لا طمع لهم في الرئاسة، فينقادون للحقّ، وأما الأشراف، فإنَّ طمعهم في الرئاسة والملك يمنعهم أن يخضعوا للحقّ؛ لظنهم أن رئاستهم تَذهب عنهم، مع أنهم لو أسلموا وانقادوا للحقّ لزادهم الإسلام شرفاً إلى شرفهم، ولكنّ النفس ﴿لَأَمَّارَةٌ بِلشّوْءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٦) - (بَابُ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أما طلحة: فهو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة بن كعب، يجتمع مع النبيّ وَّر في مرة بن كعب، ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرّة، وعَدَد ما بينهم من الآباء سواء، يكنى أبا محمد، وأمه: الصعبة بنت الحضرمي، أخت العلاء، أسلمت، وهاجرت، وعاشت بعد أبيها قليلاً، وروى الطبرانيّ من حديث ابن عباس قال: أسلمت أم أبي بكر، وأم عثمان، وأم طلحة، وأم عبد الرحمن بن عوف، وقُتل طلحة يوم الجمل، سنة ست وثلاثين، رُمي بسهم، جاء من طرق كثيرة أن مروان بن الحكم رماه، فأصاب ركبته، فلم يزل ينزف الدم منها حتى مات، وكان يومئذ أول قتيل، واختلف في سنّه على أقوال، أكثرها أنه خمس وسبعون، وأقلّها ثمان ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وخمسون، ذكره في ((الفتح))(١) . وقال القرطبيّ كَّتُهُ: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب(٢) بن لؤيّ، شهد مع رسول الله وَلم المشاهد كلها إلا بدراً؛ فإنَّ رسول الله بَّه كان بعثه، وسعيد بن زيد يتجسَّسان خبر عير قريش، فلقيا رسول الله ﴿ منصرفه من بدر، فضرب لهما رسول الله له بسهمهما، وأجْرهما، فكانا كمن شهدها، وسَمَّاه رسول الله ◌َّله يومئذ طلحة الخير، ويوم ذات العشيرة: طلحة الفياض، ويوم حنين: طلحة الجود، وثبت مع رسول الله وَ﴿ يوم أُحد، ووقى النبيّ وَ ◌ّه بيده، فَشُلَّت إصبعاه، وجُرح يومئذ أربعاً وعشرين جراحة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وجملة ما رُوي عنه من الحديث ثمانية وثلاثون حديثاً، أُخرج له منها في ((الصحيحين)) سبعة، وقُتل يوم الجمل، وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ويقال: إن سهماً غَرباً أتاه، فوقع في حلقه، فقال: بسم الله ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، ويقال: إن مروان بن الحكم قتله، ودُفن بالبصرة، وهو ابن ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين سنة، وقيل: ابن أربع. انتهى (٣). وأما الزبير: فهو الزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ، يجتمع مع النبيّ ◌َ﴿ في قصيّ، وعَدَد ما بينهما من الآباء سواء، وأمه صفية بنت عبد المطلب، عمة النبيّ وَّة، وكان يُكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح، عن عروة، قال: أسلم الزبير، وهو ابن ثمان سنين(٤). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وأما الزبير رظُته، فيكنى أبا عبد الله بولده عبد الله؛ لأنَّه كان أكبر أولاده، وهو الزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أمه: صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صل# أسلمت، وأسلم الزبير، وهو ابن ثمان سنين، وقيل: ابن ست عشرة سنة، فعذَّبه عمُّه (١) ((الفتح)) ٤٣٨/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٢٢). (٢) ((المفهم)) ٢٨٦/٦ - ٢٨٧. (٣) ((الفتح)) ٤٣٤/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧١٧). ٦٣٩ (٦) - بَابُ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﴿ - حديث رقم (٦٢٢٢) بالدخان؛ لكي يرجع عن الإسلام، فلم يفعل، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله وَله، وهو أول من سَلّ سيفاً في سبيل الله، وكان عليه يوم بدر ريطة صفراء، قد اعتجر بها، وكان على الميمنة، فنزلت الملائكة على سيماه، وثبت مع رسول الله وَليم يوم أحد، وبايعه على الموت، فقُتل يوم الجمل، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: خمس وستین، وقيل: بضع وخمسين، قتله ابن جرموز، وكان من أصحاب عليّ، فأُخبر عليّ بذلك، فقال: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وروي عنه من الحديث مثل ما روي عن طلحة، وله في ((الصحيحين)) مثل ما له سواءً. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٢٢] (٢٤١٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ - وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ فِي بَعْضٍ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ،وَلِ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ، عَنْ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠. ٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ قاضي كرمان، وقيل: إن حفصاً جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢. (١) «المفهم)) ٢٨٧/٦ - ٢٨٨. ٦٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ ٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقة عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٩. ٦ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مَلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - ابن عمرو النَّهْدِيّ - بفتح النون، وسكون الهاء - الكوفيّ، ثم البصريّ، مشهور بكنيته، مخضرمٌ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ من كبار [٢] (ت٩٥) وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنةً، وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. و((طلحة)) ذُكر أول الترجمة، و((سعد)) ذُكر في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، عن صحابيین. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ النَّهْدِيّ أنه (قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فِي بَعْضٍ تِلْكَ الأَيَّام) يريد: يوم أُحد، (الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ غَيْرُ طَلْحَةً) بن عبيد الله (وَسَعْدٍ) بن أبي وقّاص، وقوله: (عَنْ حَدِيثِهِمَا)؛ يعني: أنهما حدّثا بذلك أبا عثمان النهديّ، ووقع في فوائد أبي بكر بن المقرىء من وجه آخر عن معتمر بن سليمان، عن أبيه: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: هما أخبراني بذلك، قاله في ((الفتح))(١). وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: قوله: ((عن حديثهما)) يريد أنهما حدثا أبا عثمان بذلك، ووقع عند أبي نعيم في ((المستخرج)) من طريق عبد الله بن معاذ، عن معتمر، في هذا الحديث: ((قال سليمان: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما)). وهذا قد يعكر عليه ما ثبت أن المقداد كان ممن بقي معه، لكن يَحْتَمِل (١) (الفتح)) ٤٣٨/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٢٢).