Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَظُه - حديث رقم (٦٢٠٣)
نفسِهِ: ((قال: فوضع رأسي في حَجره، ثم بَزَق في ألية راحته، فدلك بها
عيني)). (حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ)، وعند بريدة في ((الدلائل)) للبيهقيّ: ((فما
وَجِعها عليّ حتى مضى لسبيله))؛ أي: مات، وعند الطبرانيّ من حديث عليّ:
((فما رَمِدت، ولا صُدِعت، مذ دفع النبيّ وَّهِ إليّ الرايةَ يوم خيبر))، وله من
وجه آخر: ((فما اشتكيتها حتى الساعة، قال: ودعا لي، فقال: اللهم أذهب عنه
الحرّ والقرّ، قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا)). (فَأَعْطَاهُ) وَ (الرَّايَةَ، فَقَالَ
عَلِيٍّ) ◌َّتُه (يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُهُمْ) حُذف منه همزة الاستفهام؛ أي: أأقاتلهم؟
(حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟)؛ أي: مسلمين مثلنا، (فَقَالَ) وَّهِ ((انْفُذْ) بضمّ الفاء،
والذال المعجمة؛ أي: امض (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر، فسكون؛ أي: على هينتك،
(حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ) قال الفيّومِيّ كَُّهُ: ساحةُ الدار: الموضع المتّسع أمامها،
والجمع: ساحاتٌ، وساحٌ، مثلُ ساعة وساعات، وسَاعٍ. انتهى(١).
(ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ) استُدِلّ به على أن الدعوةَ شرط في جواز القتال،
والخلاف في ذلك مشهور،َ فقيل: يُشترط مطلقاً، وهو عن مالك، سواء من
بلغتهم الدعوة، أو لم تبلغهم، قال: إلا أن يعجلوا المسلمين، وقيل: لا
مطلقاً، وعن الشافعي مثله، وعنه: لا يُقَاتِل من لم تبلغه حتى يدعوهم، وأما
من بلغته فتجوز الإغارة عليهم بغير دعاء، وهو مقتضى الأحاديث، ويُحمل ما
في حديث سهل حظه هذا على الاستحباب، بدليل أن في حديث أنس
أنه وَ* أغار على أهل خيبر لمّا لم يسمع النداء، وكان ذلك أول ما طَرَقَهم،
وكانت قصة عليّ بعد ذلك، وعن الحنفية: تجوز الإغارة عليهم مطلقاً،
وتستحب الدعوة(٢)، وقد تقدّم في ((كتاب الجهاد)) البحث في هذا مستوفّى،
ولله الحمد والمنّة.
(وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ)؛ أي: في الإسلام؛ يعني:
شرائع الإسلام، (فَوَ اللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً) يؤخذ منه أن تألّف
الكافر حتى يُسلم أولى من المبادرة إلى قتله. (خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ
النَّعَمِ))) - بسكون الميم - من ((حُمْر))، وبفتح النون، والعين المهملة، وهو من
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩٤/١.
(٢) ((الفتح)) ٣١٦/٩.

٥٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ألوان الإبل المحمودة، قيل: المراد: خير لك من أن تكون لك، فتتصدق بها،
وقيل: تقتنيها، وتملكها، وكانت مما تتفاخر العرب بها(١).
وقال القرطبيّ ◌َُّ: فيه حضٌٍّ عظيمٌ على تعليم العلم، وبثّه في الناس،
وعلى الوعظ، والتذكير بالدار الآخرة والخير، وهذا كما قال في الحديث
الآخر: ((إن الله وملائكته يصلّون على معلمي الناس الخير))(٢).
والهداية: الدَّلالة والإرشاد، والنَّعَم: هي الإبل، وحُمْرها هي خيارها
حُسناً وقوة ونفاسة؛ لأنَّها أفضل عند العرب، ويعني به - والله أعلم -: أن
ثواب تعليم رجل واحد، وإرشاده للخير أعظم من ثواب هذه الإبل النفيسة لو
كانت لك فتصدّقت بها؛ لأنَّ ثواب تلك الصدقة ينقطع بموتها، وثواب العلم
والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة، كما قال ◌َ: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله
إلا من ثلاثه))، فذكر منها: ((علم يُنتفع به))(٣). انتهى (٤).
وذكر ابن إسحاق من حديث أبي رافع: ((قال: خرجنا مع عليّ حين بعثه
رسول الله ◌َ*ل برايته، فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه، فتناول عليّ باباً كان
عند الحصن، فتترس به عن نفسه، حتى فتح الله عليه، فلقد رأيتني أنا في
سبعة، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه))، وللحاكم من
حديث جابر: ((أن عليّاً حَمَل الباب يوم خيبر، وأنه جُرِّب بعد ذلك، فلم يحمله
أربعون رجلاً».
قال الحافظ ◌َُّهُ: والجمع بينهما أن السبعة عالجوا قَلْبَه، والأربعين
عالجوا حَمْله، والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو لم يكن إلا باختلاف حال
الأبطال.
وفي حديث إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: ((وخرج مرحب، فقال:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ
الأبيات.
(١) ((الفتح)) ٣١٧/٩.
(٢) حديث صحيح، رواه الترمذيّ وغيره.
(٣) رواه مسلم.
(٤) (المفهم)) ٢٧٦/٦.

٥٨٣
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ُه - حديث رقم (٦٢٠٣)
فقال عليّ
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
الأبيات(١).
فضرب رأس مرحب فقتله، فكان الفتح على يديه، وكذا في حديث
بريدة، وخالف ذلك أهل السير، فجزم ابن إسحاق، وموسى بن عقبة،
والواقديّ بأن الذي قتل مرحباً هو محمد بن مسلمة، وكذا روى أحمد بإسناد
حسن، عن جابر، وقيل: إن محمد بن مسلمة كان بارَزه، فقطع رجليه، فأجهز
عليه عليّ، وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب، فاشتبه على بعض
الرواة، فإن لم يكن كذلك، وإلا فما في ((الصحيح)) مقدَّم على ما سواه، ولا
سيما وقد جاء من حديث بريدة أيضاً، وكان اسم الحصن الذي فتحه عليّ:
القموص، وهو من أعظم حصونهم، ومنه سُبيت صفية بنت حُييّ، والله
أعلم (٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ؤها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٠٣/٤] (٢٤٠٦)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٢٩٤٢ و٣٠٠٩) و((الفضائل)) (٣٧٠١) و((المغازي)) (٤٢١٠)، و(أبو داود) في
(العلم)) (٣٦٦١)، و(النسائيّ) في ((الفضائل)) (٤٦) و((الخصائص)) (١٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٣/٥) وفي ((الفضائل)) (١٠٣٧)، و(سعيد بن منصور)
في ((سننه)) (٢٤٧٢ و٢٤٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٣٢)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٢/١ و٥٢٣/١٣ و٥٣١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٥٨٧٧ و٥٩٩١)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٠٧/٣)، و(أبو نعيم) في
(الحلية)) (٦٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٦/٩ - ١٠٧)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣٩٠٦)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم.
(١) تقدّمت الأبيات في باب ((غزوة خيبر))، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((الفتح)) ٣١٧/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢١٠).

٥٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٤] (٢٤٠٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ
إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: كَانَ عَلِيٍّ قَدْ
تَخَلَّفَ عَنِ النَِّيِّ نَّهِ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِداً، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ؟!
فَخَرَجَ عَلِيٍّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِّ وَِّ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللهُ فِي صَبَاحِهَا،
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: («الأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ - أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ - غَدَأَ رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ
وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ))، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ، وَمَا
نَرْجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع، ثقةٌ [٤] مات
سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١.
٢ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب
لجدّه، أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات
سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف لَُّ، كسابقه، وهو (٤٧٩) من رباعيّات
الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ) بن عمرو (بْنِ الأَكْوَعِ) رَبِهِ أنه (قَالَ: كَانَ عَلِيٍّ)؛ أي: ابن
أبي طالب ◌َُّه (قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِي خَيْبَرَ)؛ أي: في غزوتها، بسبب
رَمَده، كما بيّنه بقوله: (وَكَانَ رَمِداً) بفتح الراءِ، وكسر الميم، ويقال أيضاً:
أرمد، والأنثى رَمْداء، (فَقَالَ) عليّ ◌َّهِ (أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَِّ؟) استنكار
على نفسه، وتوبيخ لها في تخلّفها عن النبيّ وَّرِ. (فَخَرَجَ عَلِيٍّ) ◌َُّه من المدينة
متوجّهاً إلى خيبر، (فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ وَ﴿) بكسر الحاء، يقال: لَحِقته، ولحِقتُ به

٥٨٥
(٤) - بَابُ فَضَائِلٍ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٠٥)
ألحَق، من باب تَعِب لَحَاقاً بالفتح: إذا أدركته، وألحقته بالألف مثله، وألحقتُ
زيداً بعمرو: أتبعته إياه، فلَحِق هو، وألحق أيضاً، قاله الفيّوميّ تَظَهُ(١).
(فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ) برفع «مساءُ» على الفاعليّة؛ لأن ((كان)» هنا تامّة،
بمعنی «جاء»، کما قال الحريريّ ◌ُّتُهُ:
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ
فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، و((مساءً)) منصوب على الخبريّة، واسمها مقدّر؛
أي: فلما كان الوقت مساءَ الليلة (الَّتِي فَتَحَهَا)؛ أي: خيبر، (اللهُ فِي صَبَاحِهَا)؛
أي: صباح الليلة، (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ - أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ -)
((أو)) للشكّ من الراوي؛ أي: أول قال: ((ليأخذنّ الراية)) (غَداً رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ
وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ) ((أو)) أيضاً للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (يُحِبُّ اللهَ
وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ))، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ) ((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففجأنا
حضور عليّ، (وَمَا نَرْجُوهُ)؛ أي: ما نرجو حضوره هناك؛ لكونه رَمِداً،
(فَقَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون، (هَذَا عَلِيٍّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ الرَّايَةَ،
فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
صُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٠٤/٤] (٢٤٠٧)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٢٩٧٥) و((الفضائل)) (٣٧٠٢) و((المغازي)) (٤٢٠٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٣١/٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٥] (٢٤٠٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَيَّنَ، حَدَّثَنِي
يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ
(١) ((المصباح المنير)) ٥٥٠/٢.

٥٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً، رَأَيْتَ
رَسُولَ اللهِ وَّ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ
خَيْراً كَثِيراً، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ
لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ،
فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَوْماً فِينَا
خَطِيباً بِمَاءٍ يُدْعَى خُمّاً، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ،
وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، أَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ
رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكْ فِيكُمْ ثَقَلَيْنٍ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ،
فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ:
((وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ
فِي أَهْلِ بَيْتِي))، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ
بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ:
وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَأَلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ
هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ) الفلاس، أبو الفضل البغويّ، نزيل بغداد،
صدوقٌ، وَهِمَ في حديث واحد، رفعه وهو موقوف، فذكره بسببه العقيلي في
((الضعفاء)) [١٠] (ت٢٣٥) (م د ق) تقدم في ((الصيام)) ١٢/ ٢٥٧٦.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر
البصريّ، المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (أَبُو حَيَّانَ) يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦]
(ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ حَيَّنَ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].

٥٨٧
ـنه - حديث رقم (٦٢٠٥)
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴾
روى عن زيد بن أرقم، وشبرمة بن الطفيل، وكدير الضبيّ، وعنبس بن
عقبة .
وروى عنه ابن أخيه أبو حيان التيميّ، والأعمش، وفطر بن خليفة،
وسعيد بن مسروق الثوريّ.
قال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال يعقوب بن
سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان بن سعيد، ثنا يزيد بن حيّان، وهو من قدماء
أهل الكوفة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحدیث.
٦ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي
المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في ((سورة المنافقين))، مات
سنة ست، أو ثمان وستين (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٠٨/٧.
[تنبيه] من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف وَظَُّ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، وأن
صحابيّه ◌ُه من مشاهير الصحابة، وقد أنزل الله تعالى في تصديقه سورة
كاملة، وهي ((سورة المنافقون)).
شرح الحديث:
عن يَزِيدَ بْنِ حَيَّنَ التيميّ، أنه (قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا) أتى به لِيُمْكِنه عَظْف
الاسم الظاهر على الضمير المتصل المرفوع، كما قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهْ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
(وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ) هذا ليس من رجال الكتب السّة، فلذا لم يُترجم في
((التهذيبين))، ولا في فرعهما، وإنما ترجمه البخاريّ في ((التاريخ الكبير))،
فقال: حصين بن سَبْرة، سمع عمر قوله، روى عنه إبراهيم التيميّ. انتهى(١).
(١) ((التاريخ الكبير)) للبخاريّ ٦/٣.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال العينيّ تَظُّ في ((مغاني الأخبار)): حصين بن سبرة: ذكره ابن حبّان
في ((الثقات)) من التابعين، وقال: يروي عن عمر، وروى عنه إبراهيم التيميّ،
روى له أبو جعفر الطحاويّ. انتهى (١).
وذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) قال ابن معين: حصين بن
سبرة ثقةٌ. انتهى(٢) .
(وَهُمَرُ بْنُ مُسْلِم) هذا أيضاً ليس من رجال الكتب الستّة، وإنما ترجمه
البخاريّ أيضاً في ((التّاريخ))، فقال: عُمر بن مسلم بن سالم، هو عمر بن أبي
فروة، أبو حفص الْجُهنيّ الكوفيّ، سمع أباه، مراسيل. انتهى(٣).
(إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رَبِهِ (فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا
زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً)، ثمّ فصّل ما أجمله بقوله: (رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِنَّهِ، وَسَمِعْتَ
حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ بَا زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً) هذا الكلام
قدّمه ليستحثّه على أن يحدّثهم، كما قال: (حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَ ◌ِّ، قَالَ) زيد نَظُه (يَا ابْنَ أَخِي) هذا قاله من باب التلطّف
والتكريم، وإلا فليس هو ابن أخيه؛ لأنه لا قربة بينهما. (وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ) بكسر
الباء الموحّدة، يقال: كَبِرَ الصبيّ، وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِب مَكْبِراً، مثل
مسجد، وكِبَراً، وزانُ عِنَب: طَعَنَ في السنّ، فهو كبِيرٌ، وجمعه كِبَارٌ، والأنثى
كَبِيرَةٌ، وفي التفضيل هو الأكبرُ، وجَمْعه الأَكَابِرُ، وهي الكُبْرِى، وجمعها ◌ُبَرٌ،
وكُبْرَيَاتٌ، وهذا أَكْبَرُ من زيد: إذا زادت سنه على سن زيد، قاله الفيّوميّ (٤).
(سِنِّي) بكسر السين المهملة، وتشديد النون؛ أي: عمري، وإنما أنّث
فِعلها؛ لكونها مؤنّثة؛ لأنها بمعنى المدّة(٥). (وَقَدُمَ) بضمّ الدال المهملة،
يقال: قَدُم الشيءُ بالضم قِدَماً، وزانُ عِنَب: خلاف حَدُث، فهو قديم(٦).
(١) ((مغاني الأخبار في شرح أسامي رجال معاني الآثار)) ١/ ١٨٢.
(٢) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم، الترجمة (٨٣١).
(٣) ((التاريخ الكبير)) للبخاريّ ٤٩/٦.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢، بزيادة من ((القاموس)) ص١١١٠.
(٥) ((المصباح المنير)) ٢٩٢/١.
(٦) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٩٢.

٥٨٩
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُبه - حديث رقم (٦٢٠٥)
(عَهْدِي)؛ أي: تقدّم زمان لقائي به وَ له، (وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي)؛
أي: أحفظه (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ) من قِبَل نفسي (فَاقْبَلُوا)؛ لأنه مما
لم أنسه (وَمَا لَا)؛ أي: والذي لم أحدّثكم به من قِبَل نفسي (فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ)؛
أي: بأن أحدّثكم؛ لأنه ليس من محفوظي. (ثُمَّ قَالَ) زيد ◌ُْ (قَامَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يَوْماً فِينَا)؛ أي: معاشر الصحابة، حال كونه (خَطِيباً بِمَاءٍ
يُدْعَى)؛ أي: يسمّى ذلك الماء (خُمّاً) بضمّ الخاء المعجمة، وتشديد الميم:
اسم لِغَيْضة على ثلاثة أميال من الجحفة، عندها غَدِير مشهور يضاف إلى
الغيضة، فيقال: غَدير خُمّ، قاله النوويّ كَذَتُهُ(١).
(بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) الظرف متعلّق بحال من ((خمّاً))، وقوله: (فَحَمِدَ اللهَ،
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ)؛ أي: أمر بالطاعة، ووصى بها (وَذَكَّرَ)؛ أي: وعظ، فهو
من عَطْف المرادف. (ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (أَيُّهَا النَّاسُ)
بحذف حرف النداء؛ أي: يا أيها الناس (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، يُوشِك)؛ أي: يقرب
(أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي)؛ أي: ملك الموت، (فَأُجِيبَ)؛ أي: أموت، كَنَى عنه
بالإجابة؛ إشارةً إلى أنه ينبغي تلقيه بالقبول، كأنه مجيب إليه باختياره(٢). (وَأَنَا
تَارِكُ فِيكُمْ ثَقَلَيْنٍ) قال العلماء: سُمّيا ثقلين؛ لِعِظَمهما، وكِبَر شأنهما، وقيل:
لِيثِقَل العمل بهما، قاله النوويّ (٣)، وقال الزمخشريّ في ((الفائق)): الثقل: المتاع
المحمول على الدابّة، وإنما قيل للجنّ والإنس: الثقلان؛ لأنهما قُطّان
الأرض، فكأنهما ثقّلاها، وقد شُبّه بهما الكتاب والعترة في أن الدين يُستصلح
بهما، كما عَمُرت الدنيا بالثقلين. انتهى (٤).
وقال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((تارك فيكم)) إشارة إلى أنهما بمنزلة التوأمين
الخَلَفَين عن رسول الله وَّر، وأنه يوصي الأمة بحسن الخلافة معهما، وإيثار
حقّهما، كما يوصي الأب الشفيق الناس في حقّ أولاده، ويعضده قوله:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/١٥ - ١٨٠.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ١٧٤/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٠/١٥.
(٤) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٩٠٣/١٢.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
((أذكّركم الله في أهل بيتي)) كما يقول الأب المشفق: الله الله في حقّ أولادي.
انتھی(١).
(أَوَّلُهُمَا)؛ أي: أول الثقلين: (كِتَابُ اللهِ) تعالى، قدَّمه؛ لأحقيته
بالتقديم، (فِيهِ الْهُدَى)؛ أي: الهداية من الضلال، (وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ،
وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ))) فإنه السبب الموصل إلى المقامات العليّة، والسعادة الأبدية،
فمن أخذ به واستمسك، كان على الهدى، ومن أخطأه ضلّ وأخطأ طريق
السعادة، وهلك في ميادين الحيرة، والشقاوة.
قال الطيبيّ كَّتُهُ: معنى التمسّك بالقرآن: هو العمل بما فيه، وهو
الائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والتمسّك بأهل البيت: محبّتهم،
والاهتداء بهديهم وسيرتهم. انتهى(٢).
(فَحَثَّ)؛ أي: حرّض (عَلَى كِتَابِ اللهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ) وَلِّ موضّحاً
الأمر الثاني ((وَأَهْلُ بَيْتِي)؛ أي: ثاني الثقلين هم أهل بيتي، (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي
أَهْلِ بَيْتِي)؛ أي: في الوصية بهم، واحترامهم، وكرّره ثلاثاً للتأكيد، قال الفخر
الرازيّ: جعل الله تعالى أهل بيته مساوين له في خمسة أشياء: في المحبة،
وتحريم الصدقة، والطهارة، والسلام والصلاة، ولم يقع ذلك لغيرهم.
(٣)
انتھی(٣).
(أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْنِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي))) كرّره للتأكيد،
والمعنى: أحذّركم الله في شأن أهل بيتي، وأقول لكم: اتقوا الله، ولا
تؤذوهم، بل احفظوهم، فالتذكير بمعنى الوعظ، كما يدلّ عليه، قوله:
((ووعظ، وذكّر)).
قال الطيبيّ كَّهُ: لعل السرّ في هذه التوصية، واقتران العترة بالقرآن أن
إيجاب محبتهم لائح من معنى قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى
الْقُرْبِىِ﴾ الآية [الشورى: ٢٣]، فإنه تعالى جَعَل شُكر إنعامه وإحسانه بالقرآن منوطاً
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٩٠٩/١٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٩٠٩/١٢.
(٣) ((فيض القدير)) ١٧٥/٢.

٥٩١
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٠٥)
بمحبتهم على سبيل الحصر، فكأنه ◌َ ﴿ يوصي الأمة بقيام الشكر، وقيّد تلك
النعمة به، ويحذّرهم عن الكفران، فمن قام بالوصية، وشكر تلك الصنيعة
بحسن الخلافة فيهما لن يفترقا، فلا يفارقانه في مواطن القيامة، ومشاهدها
حتی یردا الحوض فیشکرا صنيعه عند رسول الله ێ، فحينئذ هو بنفسه یکافئه،
والله تعالى يجازيه بالجزاء الأوفى، ومن أضاع الوصية، وكفر النعمة، فحُكمه
على العكس، وعلى هذا التأويل حَسُن موقع قوله: ((فانظروا كيف تخلفوني
فيهما))، والنظر بمعنى التأمل والتفكر؛ أي: تأملوا، واستعملوا الرويّة في
استخلافي إياكم، هل تكونون خَلَف صدق، أو خَلْفَ سوء؟ انتهى(١).
(فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لزيد بن أرقم مَُّه، (حُصَيْنٌ)؛ أي: ابن سبرة، (وَمَنْ
أَهْلُ بَيْتِهِ) وَّرِ الذين جعلهم قرين كتاب الله رَّ في وجوب التمسّك بهم (يَا
زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ) زيد (نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ
مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ) قال النوويّ: هو بضم الحاء، وتخفيف الراء، والمراد
بالصدقة: الزكاة، وهي حرام عندنا على بني هاشم، وبني المطلب، وقال
مالك: بنو هاشم فقط، وقيل: بنو قصيّ، وقيل: قريش كلها .
وقوله في الرواية الأخرى: ((فقلنا: مَنْ أهل بيته؟ نساؤه؟)) قال: ((لا))،
هذا دليل لإبطال قول من قال: هم قريش كلها، فقد كان في نسائه قرشيات،
وهنّ عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وسودة، وأم حبيبة - رضي الله عنهنّ ..
وأما قوله في الرواية الأخرى: ((نساؤه مَنْ أهل بيته، ولكن أهل بيته من
حُرِم الصدقة))، قال: وفي الرواية الأخرى: ((فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال:
لا))، فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في
غير مسلم أنه قال: ((نساؤه لسن من أهل بيته))، فتتأول الرواية الأُولى على أن
المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه، ويَعُوْلهم، وأَمَر باحترامهم،
وإكرامهم، وسمّاهم ثَقَلاً، ووعظ في حقوقهم، وذَكَّر فنساؤه داخلات في هذا
كله، ولا يدخلن فيمن حُرِم الصدقة، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى
بقوله: ((نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِم الصدقة))، فاتفقت
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٩٠٩/١٢ - ٣٩١٠.

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الروايتان. انتهى(١).
وقال الأبّيّ ◌َخْتُهُ: قوله: ((نساؤه من أهل بيته ... إلخ))؛ يعني: أن نساءه
من أهل مسكنه، ولسن المراد، وإنما أهل بيته: أهله وعَصَبته الذين حُرموا
الصدقة بعده؛ أي: الذين مَنَعتهم خلفاء بني أميّة صَدَقته التي خصّه الله ◌ُعَلونَ
بها، وكانت تُفرّق عليهم في أيامه، وأيام الخلفاء الأربعة؛ لقوله: وزيد كان
عاش حتى أدرك ذلك؛ لأنه تُوفّي سنة ثمان وستّين.
ويَحْتَمِل أنه يعني: الذين حُرموا الصدقة التي هي أوساخ الناس، وقد
جاء ذلك عن زيد مفسّراً في غير هذا، وقيل: من آل محمد؟ قال: الذين لا
تحلّ لهم الصدقة، آل عليّ، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل عبّاس. وهو حجة
لمالك في قَصْره المنع على بني هاشم؛ لأنه لم يذكر سواهم، وأدخل الشافعيّ
معهم بني المطّلب؛ لحديث: ((إنما نحن وبنو المطّلب شيء واحد))(٢)، ومال
إليه بعض شيوخنا، وقال بعض أصحابنا: هم بنو قصيّ، وقيل: قريش كلها،
وتقدّم ذلك في ((الزكاة)). انتهى كلام الأبيّ كَّثُمُ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفنا في ((كتاب الزكاة)) أن الراجح في هذه
المسألة هو الذي ذهب إليه الشافعيّ كَّتُهُ، من أنهم بنو هاشم، وبنو المطّلب؛
لقوة دليله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ) حصين (وَمَنْ هُمْ؟) أهل بيته ◌ََّ، (قَالَ) زيد (هُمْ آلُ عَلِيٍّ) بن أبي
طالب، (وَآلُ عَقِيلٍ) بن أبي طالب، (وَآَلُ جَعْفَرٍ) بِن أبي طالب، (وَأَلُّ
عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب عم النبيّ نَّه. (قَالَ) حصين (كُلَّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَّةَ؟
قَالَ) زيد (نَعَمْ) حُرمت الصدقة عليهم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ظُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٨٠.
(٢) أخرجه البخاريّ بلفظ: ((إنما بنو هاشم، وبنو المطّلب شيء واحد)).
(٣) ((شرح الأبيّ)) ٢٢٦/٦.

٥٩٣
ـته - حديث رقم (٦٢٠٦)
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴾
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٠٥/٤ و٦٢٠٦ و٦٢٠٧ و ٦٢٠٨] (٢٤٠٨)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥١/٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦٢/٤)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٦٦/٤)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١١٤/١)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٥٢٠/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٢/٥ و١٨٣)،
و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٦٤٣/٢)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة))
(٧٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٨/٢ و٣٠/٧ و١١٣/١٠) وفي
((الاعتقاد)) (٣٢٥/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّفُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ - يَعْنِي:
ابْنَ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّنَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ زُهَيْرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ
الرُّصافيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) وله ثلاث وتسعون سنةً (م د) تقدم في ((الإيمان))
٢٢٨/٣٠.
٢ - (حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الله الكرمانيّ، أبو هشام العَنَزيّ، قاضي کِرْمان،
صدوقٌ يخطىء [٨] (ت١٨٦) وله مائة سنة (خ م د) تقدم في ((الطهارة)) ٨/ ٥٦٩.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦)، وقيل
بعدها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٣٨/١٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ساق هو: محمد بن بكّار شيخه،
وليس لسعيد بن مسروق، كما قال بعض الشرّاح، لتصريحه بعده بقوله: ((بمعنى
حديث زهير))، فتبيّن به أنه الفاعل ضمير شيخه، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيّان هذه ساقها
الطبرانيّ تَكْثُهُ في ((الكبير))، فقال:
(٥٠٢٦) - حدّثنا محمد بن حيان المازنيّ، ثنا كثير بن يحيى، ثنا

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
حيان(١) بن إبراهيم، ثنا سعيد بن مسروق، أو سفيان الثوريّ، عن يزيد بن حيان،
عن زيد بن أرقم، قال: دخلنا عليه، فقلنا: لقد رأيت خيراً صحبت رسول الله وَله،
وصليت خلفه، قال: لقد رأيت خيراً، وخشيت أن أكون إنما أُخِّرت لشرّ، ما
حدّثكم فاقبلوا، وما سكتُّ عنه فدعوه، قام رسول الله وَّه بواد بين مكة والمدينة،
فخطبنا، ثم قال: ((أنا بشر يوشك أن أُدْعَى، فأجيبَ، وإني تارك فيكم اثنين،
أحدهما كتاب الله، فيه حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على
ضلالة، وأهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي))، ثلاث مرات، فقلنا: من أهل
بيته، نساؤه؟ قال: لا، إن المرأة قد يكون يتزوج بها الرجل العصر من الدهر، ثم
يطلقها، فترجع إلى أبيها وأمها، أهلُ بيته أهله، وعَصَبته الذين حُرِموا الصدقة
بعده، آل عليّ، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٧] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل
(ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: ((كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى
وَالنُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها،
ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
والباقيان ذُكرا في الباب.
(١) هكذا النسخة ((حيان))، والصواب كما في مسلم: حسّان بن إبراهيم، فتنبّه.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٨٢/٥.

٥٩٥
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦٢٠٨)
وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ) فاعل ((زاد)) ضمير إسحاق بن إبراهيم.
[تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، وجرير بن عبد الحميد كلاهما عن أبي
حيّان التيميّ ساقها ابن خزيمة كَّلُهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٢٣٥٧) - حدّثنا يوسف بن موسى، حدّثنا جرير، ومحمد بن فضيل، عن
أبي حيان التيميّ - وهو يحيى بن سعيد التيميّ - عن يزيد بن حيان، قال:
انطلقت أنا وحصين بن سَبرة وعُمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فجلسنا إليه،
فقال له حصین: یا زيد رأيت رسول الله ێے، وصلّیت خلفه، وسمعت حديثه،
وغزوت معه، لقد أصبت يا زيد خيراً كثيراً، حَدِّثنا يا زيد حديثاً سمعت
رسول الله وَّة، وما شهدت معه، قال: بلى ابن أخي، لقد قَدُم عهدي، وكَبِرت
سني، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله وَلخير، فما حدثتكم فاقبلوه،
وما لم أحدثكموه فلا تكلفوني، قال: قال: قام فينا رسول الله وَ ل﴿ يوماً خطيباً
بماء يُدْعَى خُمّاً، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكّر، ثم قال: ((أما بعد
أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيبه، وإني تارك
فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ
به، كان على الهدى، ومن تركه، وأخطأه كان على الضلالة، وأهل بيتي،
أُذَكِّركم الله في أهل بيتي))، ثلاث مرات، قال حصين: فمن أهل بيته يا زيد؟،
أليست نساؤه من أهل بيته؟ قال: بلى، نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من
حُرِمِ الصدقة، قال: من هم؟ قال: آل عليّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآل
العباس، قال حصين: وكل هؤلاء حُرِم الصدقة؟ قال: نعم. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ - يَعْنِي:
ابْنَ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ سَعِيدٍ - وَهُوَ ابْنُ مَسْرُوقٍ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَرْقَمَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتَ خَيْراً، لَقَدْ صَاحَبْتَ رَسُولَ اللهِ وَرَ،
وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي حَيَّانَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلَا وَإِنِّي
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) ٤/ ٦٢.

٥٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
تَارٌِ فِيكُمْ ثَقَلَيْنٍ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ رَتْ، هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى
الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ))، وَفِيهِ: فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟، نِسَاؤُهُ؟ قَالَ:
لَا، وَايْمُ اللهِ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، فَتَرْجِعُ
إِلَى أَبِهَا وَقَوْمِهَا، أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ، وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبل حديث.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي حَيَّانَ) فاعل ((ساق)) ضمير
سعید بن مسروق.
وقوله: (هُوَ حَبْلُ اللهِ) قيل: المراد بحبل الله: عَهْده، وقيل: السبب
الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يَهدي به، قاله
النوويّ تَخْدَثُ(١).
وقوله: (الْعَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ)؛ أي: القطعة منه.
وقوله: (وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ) قال الفيّوميّ: العَصَبَةُ:
القرابة الذكور الذين يُدْلون بالذكور، هذا معنى ما قاله أئمة اللغة، وهو جَمْع
عَاصِبٍ، مثلُ كَفَرةٍ جمع كافر، وقد استعمل الفقهاء العَصَبَةَ في الواحد، إذا لم
يكن غيره؛ لأنه قام مقام الجماعة في إحراز جميع المال، والشَّرْعُ جعل الأنثى
عَصَبَةً في مسألة الإعتاق، وفي مسألة من المواريث، فقلنا بمقتضاه في مورد
النصّ، وقلنا في غيره: لا تكون المرأة عصبة، لا لغة، ولا شرعاً. انتهى (٢).
[تنبيه]: رواية سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيّان هذه ساقها ابن
عساكر ◌َّتُهُ في (تاريخه))، فقال:
أخبرنا أبو محمد هبة الله بن سهل بن عمر، وأبو القاسم زاهر بن طاهر،
قالا: أنا أبو عثمان البحيريّ أنبأ أبو عمرو بن حمدان، أنا عبد الله بن محمد بن
يونس السمنانيّ، نا محمد بن عبد الله بن بزيع، نا حسان بن إبراهيم، نا
سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم، قال: دخلنا عليه،
فقلنا له: لقد رأيت خيراً، صاحبت رسول الله وَله، وصليت خلفه، فقال: لقد
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨١/١٥ - ١٨٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤١٢/٢.

٥٩٧
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ُه - حديث رقم (٦٢٠٩)
رأيته، وقد خشيت أن يكون إنما أُخرت لشرّ، ما حدثتكم به فاقبلوه، وما
سكتُّ عنه فدعوه، قال: قام رسول الله وَّه بواد بين مكة والمدينة، يُدْعَى خُمّ،
فخطب، فقال: ((إنما أنا بشر، أُوشك أن أُدعَى فأجيبَ، ألا، وإني تارك فيكم
الثقلين: أحدهما كتاب الله، حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه
كان على الضلالة، ثم أهل بيتي، ثم أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي))،
ثلاث مرات، قال: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا؛ لأن المرأة تكون
مع الرجل البرهة من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته
أصله، وعصبته الذين حُرِموا الصدقة بعده، آل عليّ، والعباس، وآل جعفر،
وآل عَقِيل. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٠٩] (٢٤٠٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
ابْنَ أَبِي حَازِمِ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ
رَجُلٌ مِنْ آلِ مُرْوَانَ، قَالَ: فَدًَّّا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيّاً، قَالَ: فَأَبَّى
سَهْلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ، فَقُلْ: لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ
لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ:
أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ، لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ
يَجِدْ عَلِيّاً فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: ((أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟))، فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ،
فَغَاضَبَتِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِإِنْسَانٍ: ((انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟))،
فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَهُوَ
مُضْطَجِعُ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ يَمْسَحُهُ
عَنْهُ، وَيَقُولُ: ((قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ(٢))).
قال الجامع عفا الله عنه: إسناد هذا الحديث قد ذُكر في الباب قبل خمسة
أحاديث، وهو من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٧٩) من رباعيّات الكتاب.
(١) ((تاريخ مدينة دمشق)) ١٩/٤١.
(٢) وفي نسخة: ((قم أبا تراب، قم أبا تراب)).

٥٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ ﴿هَا، أنه (قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
مِنْ آلِ مَرْوَانَ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه صريحاً. (قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ
سَعْدٍ) ◌َّا (فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيّاً)؛ أي: ابن أبي طالب رَظُهُ. (قَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ)
أن يشتم عليّاً رَبه، (فَقَالَ لَهُ) ذلك الأمير (أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ) أن تشتم عليّاً باسمه
(فَقُلْ: لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ)؛ أي: اشتم كنيته، (فَقَالَ سَهْلٌ) رَه (مَا كَانَ لِعَلِيٍّ
اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ)؛ يعني: أن هذا الاسم أحبّ الأسماء إليه،
فكيف ألعنه؟، وفيه إطلاق الاسم على الكنية. (وَإِنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها
ضمير الشأن محذوف؛ أي: وإنّه (كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي:
نودي (بِهَا)؛ أي: بهذه الكنية. (فَقَالَ لَهُ) ظاهر السياق أن القائل ذلك الأمير،
لكن رواية البخاريّ صريحة في أنه أبو حازم، ولفظه: ((فاستطعمت الحديث
سهلاً، وقلت: يا أبا عبّاس كيف ذلك؟)). (أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ)؛ أي: عن قصّة
عليّ ◌َّهِ، (لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ) سهل (جَاءَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَيْتَ فَاطِمَةَ) ◌َّا
(فَلَمْ يَجِدْ عَلِيّاً) تَهُ (فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ) لها ((أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟))) أراد به عليّ بن
أبي طالب ظُه، وفي الحقيقة هو ابن عم النبيّ وَّة، وإنما اختار هذه العبارة،
ولم يقل أين زوجك؟ أو أين عليّ؟؛ لأنه فَهِم أنه جرى بينهما شيء، فأراد
استعطافها عليه بذكره القرابة النسبية التي بينهما، قاله في ((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): فيه إطلاق ابن العمّ على أقارب الأب؛ لأنه ابن عم
أبيها، لا ابن عمها، وفيه إرشادها إلى أن تخاطبه بذلك؛ لِمَا فيه من
الاستعطاف بذكر القرابة، وكأنه ◌َ ﴿ فَهِم ما وقع بينهما، فأراد استعطافها عليه
بذكر القرابة القريبة التي بينهما. انتهى (٢).
(فَقَالَتْ) فاطمة (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ)؛ أي: من المخاصمة، (فَغَاضَبَنِي)
من باب المفاعلة المقتضية للمشاركة، (فَخَرَجَ) من البيت (فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي)
بكسر القاف، من القيلولة، والقيلولةُ نوم نصف النهار، ذكره ابن درستويه.
(١) ((عمدة القاري)) ١٩٩/٤.
(٢) ((الفتح)) ١٧٨/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٤١).

٥٩٩
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَ﴿ه - حديث رقم (٦٢٠٩)
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لِ لإِنْسَانٍ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه، وقال في
(الفتح)): يظهر لي أنه سهل، راوي الحديث؛ لأنه لم يُذكر أنه كان مع النبيّ ◌َلـ
غيره. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: يظهر لي أنه سهل، لا يخفى ما فيه؛ لأنه
لم يذكر عليه دليلاً مقنعاً، فتدبّر، والله تعالى أعلم.
((انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟))) وللبخاريّ في ((الأدب)): ((فقال النبيّ ◌َّ لفاطمة: أين
ابن عمك؟ قالت: في المسجد))، وليس بينه وبين الذي هنا مخالفةٌ؛ لاحتمال
أن يكون المراد من قوله: ((انظر أين هو؟)) المكان المخصوص من المسجد،
وعند الطبرانيّ: ((فأمر إنساناً معه، فوجده مضطجعاً في فيء الجدار)).
(٢)
انتھی (٢).
(فَجَاءَ) ذلك الإنسان بعد البحث عنه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ
رَاقِدٌ) فيه جواز النوم في المسجد، ولو كان له بيت. (فَجَاءَهُ)؛ أي: عليّاً،
(رَسُولُ اللهِ وََّ)، وقوله: (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة اسمية وقعت حالاً، ولكن في
الكلام مقدّر، تقديره: فجاء رسول الله إلى المسجد، ورآه، وهو مضطجع،
وكذلك قوله: (قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ) جملةٌ حالية، (عَنْ شِقِّهِ)؛ أي: جَنْبه، (فَأَصَابَهُ
تُرَابٌ) في رواية الإسماعيليّ: ((حتى تخلّص ظهره إلى التراب))، وكأنه نام أوّلاً
على مكان لا تراب فيه، ثم تقلّب فصار ظهره على التراب، أو سفى عليه التراب.
(فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ، وشرع (رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَمْسَحُهُ)؛ أي: التراب،
(عَنْهُ)؛ أي: عن جَنْب عليّ، وقوله: (وَيَقُولُ) عَطْف على ((يمسحه))، ولا يكون
حالاً؛ لأن الجملة المضارعيّة المثبتة لا تُقرن بالواو، إلا إذا قُدّر مبتدأ؛ أي:
وهو يقول، قال في ((الخلاصة)):
حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ
لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَها انْوٍ مُبْتَدَا
((قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ))) حُذف منه حرف النداء، والتقدير: يا
(١) ((الفتح)) ١٧٨/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٤١).
(٢) ((الفتح)) ١٧٨/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٤٤١).

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة .
أبا التراب، وفي بعض النُّسخ: ((قم أبا تراب، قم أبا تراب))، وفي رواية
للبخاريّ: (اجلس يا أبا تراب مرتين))، قال في ((الفتح)): ظاهره أن ذلك أول
ما قال له ذلك، وروى ابن إسحاق، وأحمد من حديث عمّار بن ياسر: ((قال:
نِمت أنا وعليّ في غزوة العسيرة في نخل، فما أفقنا إلا بالنبيّ وَّ يحرِّكنا
برجله، يقول لعليّ: قم يا أبا تراب؛ لِمَا يُرى عليه من التراب، وهذا إن ثبت
حُمل على أنه خاطبه بذلك في هذه الكائنة الأخرى، ويُروى من حديث ابن
عباس، أن سبب غضب عليّ كان لمّا آخى النبيّ وَّ بين أصحابه، ولم يؤاخ
بينه وبين أحد، فذهب إلى المسجد، فذكر القصة، وقال في آخرها: ((قم،
فأنت أخي))، أخرجه الطبرانيّ، وعند ابن عساكر نحوه، من حديث جابر بن
سمرة، وحديث الباب أصحّ، ويمتنع الجمع بينهما؛ لأن قصة المؤاخاة كانت
أول ما قدم النبيّ وَّر المدينة، وتزويج عليّ بفاطمة، ودخوله عليها كان بعد
ذلك بمدة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٠٩/٤] (٢٤٠٩)، و(البخاريّ) في ((الصلاة))
(٤٤١) وفي ((الفضائل)) (٣٧٠٣) و((الأدب)) (٦٢٠٤) و((الاستئذان)) (٦٢٨٠)،
و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٥٨/١)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢/
١٩١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤٦/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق))
(١٧/٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز دخول الرجل في بيت ابنته بغير إذن زوجها، حيث
یعلم رضاه.
٢ - (ومنها): استعطاف الشخص على غيره بذكر ما بينهما من القرابة.
(١) ((الفتح)) ٤٢٢/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٠٣).