Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ه - حديث رقم (٦١٩٧) لأنه مات قبل موسى باتفاق، أشار إلى ذلك الخطابيّ، وقال الطيبيّ: معنى الحديث أنه متصلٌ بي، نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهمٌ بَيَّنه بقوله: ((إلا أنه لا نبي بعدي))، فعُرف أن الاتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها، وهو الخلافة، ولمّا كان هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى دلّ ذلك على تخصيص خلافة عليّ للنبيّ وَل بحياته، والله أعلم. انتهى(١). ٣ - (ومنها): ما قاله العلماء في قوله: ((إلا أنه لا نبيّ بعدي)) دليل على أن عيسى الله إذا نزل يَنزل حَكَماً من حُكّام هذه الأمة، يدعو بشريعة نبيّنا محمد رَله، ولا ينزل نبيّاً. قاله النوويّ ◌َظَّهُ(٢). وقال القاري بعد ذكر كلام النوويّ هذا: أقول: لا منافاة بين أن يكون نبيّاً ويكون متابعاً لنبيّنَا وَله في بيان أحكام شريعته، وإتقان طريقته، ولو بالوحي إليه، كما يُشير إليه قوله وَلفي: ((لو كان موسى حيّاً لَمَا وسعه إلا اتّباعي))(٣)؛ أي: مع وصف النبوة والرسالة، وإلا فمع سَلْبهما لا يفيد زيادة المزيّة، فالمعنى أنه لا يحدُثُ بعده نبيّ؛ لأنه خاتم النبيين السابقين، وفيه إيماء إلى أنه لو كان بعده نبيّ لكان عليّاً، وهو لا ينافي ما ورد في حقّ عمر ◌َُّه صريحاً (٤)؛ لأن الحكم فَرْضيّ وتقديريّ، فكأنه قال: لو تُصُوّر بعدي نبيّ لكان (١) ((الفتح)) ٤٢٥/٨. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٧٤. (٣) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده))، ولفظه من طريق مُجَالد، عن الشعبي، عن جابر ابن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أَتَى النبي ◌َله بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ◌َ ﴿، فغضب، فقال: ((أَمُتَهَوَّكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق، فتُكَذِّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى وَل# كان حياً ما وسعه إلا أن يتّبعني)). وفي سنده مجالد بن سعيد، والأكثرون على تضعيفه. (٤) هو ما أخرجه أحمد، والترمذيّ بسند حسن من طريق مِشْرَح بن هَاعَان، عن عقبة بن عامر ظه قال: قال رسول الله وَر: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة جماعة من أصحابي أنبياء، ولكن لا نبيّ بعدي، وهذا معنى حديث: (لو عاش إبراهيم لكان صدّيقاً نبيّاً))(١). وأما حديث: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل))، فقد صرّح الحفّاظ؛ كالزركشيّ، والعسقلانيّ، والدميريّ، والسيوطيّ أنه لا أصل له. قاله القاريّ ◌َخْذَهُ(٢). وقال الشيخ الألبانيّ تَُّهُ: لا أصل له باتفاق العلماء، وهو مما يَستدلّ به القاديانية الضالّة على بقاء النبوّة بعده وَّل، ولو صحّ لكان حجة عليهم، كما يظهر بقليل من التأمّل. انتهى(٣). والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض كَثّلُهُ: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض، والإمامية، وسائر فرق الشيعة، في أن الخلافة كانت حقّاً لعلي، وأنه وضّى له بها، قال: ثم اختلف هؤلاء، فكفّرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره، وزاد بعضهم، فكفّر عليّاً؛ لأنه لم يَقُم في طلب حقّه بزعمهم، وهؤلاء أسخف مذهباً، وأفسد عقلاً من أن يُرَدّ قولهم، أو يُناظَر. وقال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا؛ لأن من كفّر الأمة كلها، والصدر الأول خصوصاً، فقد أبطل نَقْل الشريعة، وهَدَم الإسلام، وأما من عدا هؤلاء الغُلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك الشنيع القبيح، ومن ارتكبه منهم ألحقناه بمن تقدّم في التكفير، ومأواه جهنّم، وبئس المصير. وأما الإمامية، وبعض المعتزلة، فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره لا كُفّار، وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة؛ لجواز تقديم المفضول عندهم. وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعليّ، ولا (١) هذا أثر أنس ظ له، أخرجه أحمد بسند حسن، وأخرجه البخاريّ، وأحمد، وابن ماجه، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: رأيت إبراهيم ابن النبي ◌َ له. قال: مات صغيراً، ولو قُضي أن يكون بعد محمد رَّ نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده. (٢) ((المرقاة)) ٤٥٥/١٠ - ٤٥٦. (٣) راجع: ((السلسلة الضعيفة))١ / ٤٨٠ رقم الحديث (٤٦٦). ٥٦٣ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَظ ◌ُه - حديث رقم (٦١٩٧) تعرّض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده؛ لأن النبي ◌ّ إنما قال هذا لعليّ حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون المشبّه به لم يكن خليفةً بعد موسى، بل تُوفي في حياة موسى، وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة، فلما رجع موسى علّل* من مناجاته عاد هارون إلى أول حالاته، على أنه قد كان هارون شُرِّك مع موسى في أصل الرسالة، فلا تكون لهم فيما راموه دلالة. وغاية هذا الحديث أن يدلّ على أن النبيّ ◌ٍَّ﴿ إنما استخلف عليّاً مصرعيه على المدينة فقط، فلما رجع النبيّ ◌َّ﴿ من تبوك قعد مقعده، وعاد عليّ إلى ما كان عليه قبلُ، وهذا كما استَخلَف رسول الله وَ طِّ على المدينة ابنَ أُمّ مكتوم وغيرَه، ولا يلزم من ذلك استخلافه دائماً بالاتفاق(١). وقال الطيبيّ بعدما ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: أقول: وتحريره من جهة علم المعاني أن قوله: ((منّي)) خبر للمبتدإ، و((من)) اتّصاليّة، ومتعلّق الخبر خاصّ، والباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٣٧]؛ أي: فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم؛ يعني: أنت متّصل بي، ونازل منّي منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه، ووجه الشبه منه لم يُفهم أنه ظُه فيما شبّهه به وَّهَ، فبيّن بقوله: ((إلا أنه لا نبي بعدي))، أن اتّصاله به ليس من جهة النبوّة، فبقي الاتّصال من جهة الخلافة؛ لأنها تلي النبوّة في المرتبة، ثم إما أن يكون حال حياته، أو بعد مماته، فخرج من أن يكون بعد مماته؛ لأن هاروننُالَّا مات قبل موسى، فتعيّن أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك. انتهى(٢). وخلاصته: أن الخلافة الجزئيّة في حياته لا تدلّ على الخلافة الكلية بعد مماته، لا سيّما وقد عُزل عن تلك الخلافة برجوعه وَليه إلى المدينة. قاله القاري(٣). (١) (شرح النوويّ)) ١٧٤/١٥، و((المفهم)) للقرطبيّ ٢٧٣/٦. (٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٨٢/١٢. (٣) ((المرقاة)) ٤٥٥/١٠. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق بطلان استدلال الشيعة والرافضة بهذا الحديث على أن الخلافة بعد النبيّ وَّه لعليّ ◌َُّه، نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، آمين. والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةً (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصِ، قَالَ: خَلَّفََ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَّ اللهِ، تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ، وَالْصِّبْيَانٍ؟ فَقَالَ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إلا أنه رُبّما دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها، وله نيف وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤١/٢. والباقون ذُكروا في الباب، والأبواب الثلاثة الماضية. وقوله: (خَلَّفَ رَسُولُ اللهِ مَلقه ... إلخ) بتشديد اللام؛ أي: جعله خليفته في أهله، وعلى المدينة. وقوله: (فِي غَزْوَةِ تَبُوَكَ) مكان معروف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، وبينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، والمشهور فيه عدم الصرف؛ للتأنيث والعَلَمية، ومَنْ صَرَفه أراد الموضع. وغزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره، قالوا: بلغ ٥٦٥ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦١٩٩) المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعاً، وأجلبت معهم لخم، وجُذام، وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء، فندب النبيّ وَّر الناس إلى الخروج، وأعلمَهم بجهة غزوهم، وسيأتي البحث في هذا مستوفَّى في ((كتاب التوبة)) عند شرح ـة - إن شاء الله تعالى -. الحديث الطويل في توبة كعب بن مالك، وصاحبیه وقوله: (تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ، وَالْصِّبْيَانِ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أتخلّفني ... إلخ. وقوله: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي ... إلخ) ((أما أداة عرض وتحضيض، مثل ((ألا)) في قوله رَتْ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢])). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧. و((شعبة)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة هذه ساقها أبو نعيم تَّهُ في ((حلية الأولياء))، فقال: حدّثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح) وحدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر (ح) وحدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدّد، ثنا يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا أبو زكريا الحنائيّ، ٥٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، قالوا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: خَلّف رسول الله وَ ﴿ عليّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي))، قال: صحيح مشهور من حديث شعبة، عن الحكم. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َلَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٠٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَتَقَّارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثاً، قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَلَنْ أَسُبَّهُ؛ لأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ لَهُ، خَلَّفَهُ(٢) فِي بَعْضٍ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَّهُ عَلِيٍّ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَلَّقْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي؟))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ))، قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: ((ادْعُوا لِي عَلِيّا))، فَأَتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبَْءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلِيّاً، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَناً، وَحُسَيْناً، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان، تقدّم قبل باب. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، أصله (١) ((حلية الأولياء)) ١٩٦/٧. (٢) وفي نسخة: ((وقد خلّفه))، وفي أخرى: (وخلّفه)). ٥٦٧ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُبه - حديث رقم (٦٢٠٠) من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ يَهِم [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٣ - (بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ) الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، أخو مهاجر، صدوقٌ [٤]. روى عن ابن عمر، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أسلم، وغيرهم. وروى عنه حاتم بن إسماعيل، وأبو بكر الحنفيّ، وعمرو بن محمد العنقزي، والواقديّ، وغيرهم. قال البخاريّ: فيه نَظَر، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث. وأرّخ الذهبيّ وفاته تَبَعاً لابن حبان سنة (١٥٣)، وقال الحاكم: استشهد به مسلم في موضعين(١)، وقال ابن حبان في ((الثقات)): وليس هذا ببكير بن مسمار الذي يروي عن الزهريّ ذاك ضعيف، وقال في ((الضعفاء)) في ترجمة الذي يروي عن الزهريّ: وقد قيل: إنه بكير الدامغانيّ، قال: وليس هذا أخَا مهاجر، ذاك ثقةٌ، قال الحافظ: وأما البخاريّ فجَمَع بينهما في ((التاريخ))، لكنه ما قال: فيه نَظَر إلا عندما ذَكَر روايته عن الزهريّ، ورواية أبي بكر الحنفيّ (٢) عنه. انتهى(٢). أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٠٤)، وحديث (٢٤١٢): ((ارم فداك أبي وأمي ... )) الحديث، و(٢٩٦٥): ((إن الله يحبّ العبد التقيّ الغنيّ الخفيّ)). والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) ◌َله، أنه (قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ﴿هَا (سَعْداً)؛ أي: ابن أبي وقّاص ◌َظُه، (فَقَالَ: مَا (١) قال الجامع عفا الله عنه: بل في ثلاثة مواضع، كما سأبيّنه آخر الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٤٣٤/١. ٥٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا الُّرَابِ)؛ يعني: عليّاً عَظَه، وأبو التراب كُنيته، وتقدّم أنه وَيُّ هو الذي كناه به، وأنه أحب کنیته إليه. قال القرطبيّ تَخْتُ: وقول معاوية لسعد بن أبي وقاص رضيها: ((ما منعك أن تسبَّ أبا تراب)) يدلّ على أن مقدَّم بني أميَّة كانوا يسبُّون عليّاً، وينتقصونه، وذلك كان منهم لِمَا وَقَرَ في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسْلَمَه لمن قَتَله؛ بناءً منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكناً من نُصرته، وكل ذلك ظنّ كذب، وتأويلٌ باطلٌ غّى التعصُّب منه وجه الصَّواب، وقد قدمنا : أن عليّاً رَظُبه أقسم بالله أنه ما قتله، ولا مالاً على قتله، ولا رضيه. ولم يقل أحدٌ من النقلة قط، ولا سُمع من أحد أن عليّاً كان مع القتلة، ولا أنه دخل معهم الدَّار عليه، وأما تَرْك نُصرته؛ فعثمان رَُّه أسلمَ نفسه، ومَنَع من نُصرته، کما ذكرناه في بابه. ومِمَّا تشبَّثوا به: أنهم نسبوا عليّاً إلى تَرْك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه مَنَعهم منهم، وأنَّه قام دونهم، وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنوناً غير صائبة، ترتَّب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء. انتهى(١). وقال القرطبيّ أيضاً: وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي ﴿ّ، ومنزلته، وعظيم حقه، ومكانته، وعند ذلك يَبْعد على معاوية أن يصرِّح بلعنه وسبِّه؛ لِمَا كان معاوية موصوفاً به من الفضل والدِّين، والحلم، وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا التراب؟ وهذا ليس بتصريح بالسبّ، وإنَّما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولمّا سمع ذلك معاوية سكت، وأذعن، وعرف الحق لمستحقه، ولو سلّمنا: أن ذلك من معاوية حَمْل على السَّب، فإنَّه يَحْتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل، وأما التصريح باللعن، وركيك القول، كما قد (١) ((المفهم)) ٦/ ٢٧٢. ٥٦٩ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦٢٠٠) اقتحمه جهَّال بني أمية وسفلتهم، فحاشا معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة، والدِّين، والفضل، والحلم، والعلم، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ كَُّ: قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دَخَلٌ على صحابيّ يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية ◌ُه هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبّه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبّ، كأنه يقول: هل امتنعت تورعاً، أو خوفاً، أو غير ذلك، فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السبّ فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعداً ظبه قد كان في طائفة يسبّون، فلم يسبّ معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويَحْتَمِل تأويلاً آخر، أن معناه: ما منعك أن تخطّئه في رأيه، واجتهاده، وتُظهر للناس حُسْن رأينا، واجتهادنا، وأنه أخطأ. انتهى(١). (فَقَالَ) سعد (أَمَّا مَا) ((أما)) هي الشرطيّة التي ذكرها ابن مالك تَُّ في قوله : ((أمَّا)) كَـ((مَهْمَا يَكُ مَنْ شَيْءٍ)) وفَا لِتِلْوٍ تِلْوِهَا وُجُوباً أُلِفَا و((ما)) مصدريّة ظرفيّة، وَصِلَتُها قوله: (ذَكَرْتُ) بضمّ التاء للمتكلّم، (ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث خصال (قَالَهُنَّ لَهُ)؛ أي: لعليّ ◌َُّه (رَسُولُ اللهِ)، وقوله: (فَلَنْ أَسُبَّهُ) جواب ((أما))، والتقدير: أما مُدّة ذِكري ثلاث خصال قالها النبيّ وَّه لعليّ ◌َ لُه، فلن أسبّه؛ لكونه بريئاً من أسباب السبّ؛ فكيف أسبّه؟. وعند أبي يعلى عن سعد وظائبه من وجه آخر، لا بأس به: «قال: لو وُضع المنشار على مفرقي، على أن أَسبّ عليّاً ما سببته أبداً)). ثمّ فخّم سعد حَظُهُ شأن تلك الخصال بقوله: (لأَنْ تَكُونَ) اللام للابتداء، و ((أن)) مصدريّة. (لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ)؛ أي: من تلك الخصال الثلاث، (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرٍ) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم: جمع أحمر. (النَّعَم) بفتحتين المراد به هنا الإبل، وإن كان في الأصل يُطلق على غيرها، قال الفيّوَميّ رَُّهُ: النَّعَمُ: المال الراعي، وهو جَمْع لا واحد له من لَفْظه، وأكثر ما يقع على (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١٥ - ١٧٦. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الإبل، قال أبو عبيد: النَّعَمُ: الْجِمال فقط، ويؤنث، ويذكَّر، وجَمْعه نُعْمَانٌ، مثل حَمَل وحُمْلان، وأَنْعَامٌ أيضاً، وقيل: النَّعَمُ: الإبل خاصّةً، والأَنْعَامُ: ذوات الْخُفّ، والظلف، وهي الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تُطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل فهي نَعَمٌ، وإن انفردت البقر، والغنم لم تسمَّ نَعَماً. انتهى(١). وإنما خصّ حُمْر النعم؛ لأنها أعزّ أنفس الأموال عند العرب، والله تعالى أعلم. ثم ذكر الخصلة الأولى، وهي كونه من النبيّ 8َّ* بمنزلة هارون من موسى عَلَّاهِ فقال ◌َخْلُهُ . (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ لَهُ)؛ أي: لعليَّبه، (خَلَّفَهُ) بتشديد اللام، وفي بعض النُّسخ: ((وقد خلّفه))، وفي أخرى: ((وخلّفه))، والمعنى: تركه بعد ذهابه في أهله، وعلى المدينة، (فِي بَعْضٍ مَغَازِيهِ) تقدّمِ أنها غزوة تبوك في السنة التاسعة، (فَقَالَ لَهُ) بِّهِ (عَلِيٍّ) ◌َبه (يَا رَسُولَ اللهِ، خَلَّفْتَنِي)؛ أي: تركتني بعدك، يَحتمل أن يكون إخباراً بذلك على سبيل التحسّر، والتحزّن، ويحتمل أن يكون بتقدير همزة الاستفهام، (مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟)؛ أي: مع الضعفاء الذين عَذَرَهم الله تعالى عن الجهاد، وأنا من الأقوياء الذين لا عُذر لهم، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّ بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) عَِّ (إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي؟))) إذ أنا خاتم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِِّنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ثم ذكر الخصلة الثانية، كونه يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، فقال : (وَسَمِعْتُهُ) وَلِ (يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ)؛ أي: يوم غزوة خيبر بوزن جعفر، مدينة كبيرة على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، غزاها وَّر في المحرّم سنة سبع، فحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فَتَحها في صفر، وقد تقدّم البحث فيها مستوفّى في ((كتاب الجهاد)). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٣ - ٦١٧. ٥٧١ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦٢٠٠) (الأُعْطِيَنَ الرَّايَةَ)؛ أي: العَلَم، قال الفيّميّ تَظُْهُ: الراية: عَلَم الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تَرْكه تخفيفاً، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم يُسمَع الهمز، والجمع رايات. انتهى(١). وقوله: (رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ))) قال في ((الفتح)): أراد بذلك وجود حقيقة المحبة، وإلا فكل مسلم يشترك مع عليّ في مطلق هذه الصفة، وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فكأنه أشار إلى أن عليّاً تام الاتباع لرسول الله وَليقول حتى اتصف بصفة محبة الله له، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما أخرجه مسلم من حديث عليّ تَظُّهِ نفسِهِ: ((قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنه لَعَهْد النبيّ وَّر أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق))، وله شاهد من حديث أم سلمة ﴿ّا عند أحمد. انتهى(٢). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: فيه دليلان على صحة نبوة نبينا محمد وَّر، وهي إخباره عن فتح خيبر، ووقوعه على نحو ما أخبر، وبرء رَمَد عين عليّ على فَوْر دعاء النبيّ بَّهِ، وفي غير كتاب مسلم: أنه مسح على عينيّ عليّ، (٣) ورقاه. انتهى(٣). وفيه من الفقه: جواز المدح بالحق إذا لم تُخْشَ على الممدوح فتنة. وقد تقدَّم القول في محبة الله. وفيه ما يدل: على أن الأَولى بدفع الراية إليه من اجتمع له الرئاسة، والشجاعة، وكمال العقل. (قَالَ) سعد (فَتَطَّاوَلْنَا لَهَا)؛ أي: حرصنا عليها، وأصل التطاول: الامتداد والارتفاع، والمراد: رَفَعنا وجوهنا، وأظهرنا أنفسنا على رسول الله وَّه؛ ليتذكّرنا، عسى أن يختارنا لهذه السعادة(٤). (فَقَالَ) وَِّ ((ادْعُوا لِي عَلِيّاً))، فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِهِ أَرْمَدَ)؛ أي: (١) ((المصباح المنير)) ٢٤٦/١. (٣) ((المفهم)) ٢٧٤/٦ - ٢٧٥. (٢) ((الفتح)) ٤٢٠/٨ - ٤٢١. (٤) ((تكملة فتح الملهم)) ١٠٤/٥. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وَجِعُ العينِ، وفي ((التاج)): الرَّمَدُ بالتحريك: هَيَجَان العَيْنِ، وانتفاخها؛ کالازْمِداد. انتهى(١). (فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ)؛ أي: رَفَى وَّر عين عليّ ببصاقه المبارك، وفي رواية أخرى أنه برىء من ساعته. (وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ)، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: ((فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر، وفَدَك، وجاء بعَجْوتهما)). ثم ذكر الخصلة الثالثة، وهي قوله وَلقوله ولزوجته، وولديهما: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي))، فقال: (وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلِيّاً، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَناً، وَحُسَيْناً، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي))) قال الراغب الأصبهانيّ: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نَسَب، أو دينٌ، أو ما يجري مجراهما، من صناعة، وبيت، وبلد، فأهل بيت الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن، ثم تُجُوّز فيه، وقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسبٌ، وتُعُوْرِف في أُسرة النبيّ وَّه، وعشيرته مطلقاً إذا قيل: ((أهل البيت))؛ لقوله ◌َ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وعبّر بأهل الرجل عن امرأته، وأهل الإسلام الذين یجمعهم دین محمد گۆ. انتهى(٢). [تنبيه]: هذه الآية هي آية المباهلة، وسبب نزولها وفد نجران. أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو نعيم في ((الدلائل)) عن حذيفة ظنه أن العاقب والسيد أتيا رسول الله وَله فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيّاً فلاعَنَنا لا نُفلح نحن ولا عَقِينا من بعده، فقالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً، فقال: ((قم يا أبا عبيدة - فلما وقف قال -: هذا أمين هذه الأمة))(٣). وأخرج الحاكم، وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في ((الدلائل)) عن (١) (تاج العروس)) ١/ ١٩٩٥. (٢) ((مفردات الألفاظ)) للراغب الأصفهانيّ ص٩٤. (٣) ((الدر المنثور)) ٢٣٠/٢. ٥٧٣ ئه - حديث رقم (٦٢٠٠) (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . قال: ((قَدِم على النبيّ ◌َل﴿ العاقب والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، جابر فقالا: أسلمنا يا محمد، قال: كذبتما، إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام، قالا: فهات، قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير. قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه إلى الغد، فغدا رسول الله ◌َ، وأخذ بيد عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل اليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال: والذي بعثني بالحقّ لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً، قال جابر: فيهم نزلت: ﴿تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله عليه، وعليّ، وأبناءنا: الحسن، والحسين، ونساءنا فاطمة)). وأخرج الحاكم، وصححه عن جابر ظه: ((أن وفد نجران أتوا النبيّ ◌َلّ﴾، فقالوا: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو رُوح الله، وكلمته، وعبد الله ورسوله))، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟ قال: وذاك أحب إليكم؟، قالوا: نعم، قال: فإذا شئتم، فجاء، وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل، فوالله لئن لاعنتموه، ليُخسفنّ بأحد الفريقين، فجاؤوا، فقالوا: يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنا نحب أن تُعفينا، قال: قد أعفيتكم، ثم قال: إن العذاب قد أظلّ نجران))(١). وأخرج أبو نعيم في ((الدلائل)) من طريق عطاء والضحاك، عن ابن عباس ﴿هًا أن ثمانية من أساقف العرب، من أهل نجران قَدِموا على رسول الله وَ﴾، منهم العاقب والسيد، فأنزل الله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يريد: نَدْعُ الله باللعنة على الكاذب، فقالوا: أخّرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يصالحوه، ولا يلاعنوه، وهو النبيّ الذي نجده في التوراة، فصالَحوا النبيّ وَ﴿ على ألف حُلّة في صَفَر، وألف في رجب، ودراهم(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. (١) ((الدر المنثور)) ٢٣١/٢. (٢) ((الدر المنثور)) ٢٣٢/٢. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِل أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص، تقدم في ((السلام)) ١٦/ ٥٧٦٥. والباقون ذُكروا قبل حديثين، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٠٢] (٢٤٠٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ))، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَيْتُ الإِمَارَةَ إِلَّ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِنَّهَا، وَقَالَ: ((امْشٍ، وَلَا تَلْتَفِتْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ))، قَالَ: فَسَارَ عَلِيٍّ شَيْئاً، ثُمَّ وَقَفَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: (قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ - بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م « ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٥٧٥ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ُه - حديث رقم (٦٢٠٢) والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((سُهيل)) هو: ابن أبي صالح، و(«أبوه)): ذكوان السمّان. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَُّ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غیر شیخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ظُه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ بَوْمَ خَيْبَرَ)؛ أي: يوم غزوة خيبر، وقد تقدّم بيانها. («لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى بَدَيْهِ))، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ◌َّهِ (مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ)؛ أي: لما فيه من الشرف العظيم، حيث وُصف أميرها بكونه يحبّ الله ورسوله، ويُحبّه الله ورسوله، وأن فتح خيبر يكون على يديه. (قَالَ) عمر (فَتَسَاوَرْتُ لَهَا) - بالسين المهملة، وبالواو، ثم الراء - ومعناه: تطاولت لها، كما صُرِّح في الرواية الأخرى؛ أي: حَرَصت عليها، وأظهرت وجهي، وتصديت أمام رسول الله وَّ؛ ليراني، ويتذكّرني، (رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا) بالبناء للمفعول، و((رجاء)) منصوب على أنه مفعول لأجله، كما قال في «الخلاصة)» : يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ«جُدْ شُكْراً وَدِنْ)) (قَالَ) أبو هريرة، ويَحْتَمل أن يكون الفاعل عمر، (فَدَهَا رَسُولُ اللهِ وَهـ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ◌َُّه (فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا)؛ أي: الراية، (وَقَالَ) بَِّ ((امْشٍ)؛ أي: اذهب إلى أهل خيبر، (وَلَا تَلْتَفِتْ) قال النوويّ كَّتُهُ: هذا الالتفات يَحْتَمِل وجهین: أحدهما: أنه على ظاهره؛ أي: لا تلتفت بعينيك، لا يميناً، ولا شمالاً، بل امض على جهة قصدك. والثاني: أن المراد الحثّ على الإقدام، والمبادرة إلى ذلك، وحَمَله عليّ ◌َّهُ على ظاهره، ولم يلتفت بعينه حين احتاج، وفي هذا حَمْل أمره وَله ٥٧٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة على ظاهره، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: لا تنصرف بعد لقاء عدوك حتى يفتح الله عليك. انتهى(١). (حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ))) فيه تشجيع له، وتحريض على مواجهتهم وقتالهم دون أن يكون له فتور، ولا التفات إلى غيرهم. (قَالَ) أبو هريرة (فَسَارَ عَلِيٍّ) ◌َّهِ (شَيْئاً)؛ أي: سيراً قليلاً، (ثُمَّ وَقَفَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ) امتثالاً لأمره وَلـ بعدم الالتفات، (فَصَرَخَ)؛ أي: رفع صوته ليسمعه رسول الله وَلِّ، قائلاً (يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟)، وفي حديث سهل التالي: ((فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟)). (قَالَ) وَ («قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ)، وفي حديث سهل المذكور: ((فقال: انفُذ على رِسْلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم)). (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ)؛ أي: شهدوا الشهادتين، (فَقَدْ مَنَعُوا مِنَْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ)؛ أي: لكونهم مسلمين، و((كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)). (إِلَّا بِحَقُّهَا)؛ أي: الدماء والأموال؛ يعني: هي معصومة، إلا عن حقِّ يجب فيها، كقَوَدٍ، ورِدّة، وحَدّ، وترك صلاة، وزكاة بتأويل باطل، وحقّ آدمي، فالباء بمعنى ((عن))، أو ((من))؛ أي: فقد منعوها إلا عن حقها، أو من حقها، أو إلا بحق كلمة التوحيد، وحقها ما تبعها من الأفعال، والأقوال الواجبة التي لا يتم الإسلام إلا بها، فالمتلفظ بكلمة التوحيد يطالَب بهذه الفروض بعدُ. ففائدة النص عليه، دَفْع توهّم أن قضية جعلٍ غايته المقاتلة وجود ما ذُكر: أن من شَهِد عُصم دمه، وإنْ جَحَد الأحكام(٢). (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ)))؛ أي: فيما يسترون من الكفر، والمعاصي بعد ذلك، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جزاء الشرط، والمعنى: إنا نحكم بظاهر الحال، والإيمان القوليّ، ونرفع عنهم ما على الكفار، ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، لا أنهم مخلصون، والله يتولى (١) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٧٧. (٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ١٨٩/٢. ٥٧٧ (٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ه - حديث رقم (٦٢٠٢) حسابهم، فيثيب المخلص، ويعاقب المنافق، ويجازي المصرّ بفسقه، أو يعفو عنه(١) . وقال النوويّ كَُّ: معنى: ((وحسابهم على الله)): إنا نَكُفّ عنه في الظاهر، وأما بينه وبين الله تعالى، فإن كان صادقاً مؤمناً بقلبه نفعه ذلك في الآخرة، ونجا من النار، كما نفعه في الدنيا، وإلا فلا ينفعه، بل يكون منافقاً من أهل النار. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢٠٢/٤] (٢٤٠٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١٠/٥ و١٧٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٨٤/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه معجزات ظاهرات لرسول الله وَ لفيه قولية، وفعلية، فالقولية: إعلامه ولو بأن الله تعالى يفتح على يديه، فكان كذلك، والفعلية: بُصاقه وَّل في عينه، وكان أرمد، فبرأ من ساعته. ٢ - (ومنها): أن فيه فضائلَ ظاهرةً لعليّ ◌َّ ◌ُبه، وبيان شجاعته، وحُسْن مراعاته لأمر رسول الله وَله، وحبه الله تعالى، ورسوله ◌َّه، وحبهما إياه. ٣ - (ومنها): أن فيه الدعاء إلى الاسلام قبل القتال، وقد قال بإيجابه طائفة على الإطلاق، قال النوويّ كَّلُهُ: ومذهبنا، ومذهب آخرين أنهم إن كانوا ممن لم تبلغهم دعوة الإسلام وجب إنذارهم قبل القتال، وإلا فلا يجب، لكن يستحبّ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في أول ((كتاب الجهاد))، وليس في هذا ذِكر الجزية، وقبولها إذا بذلوها، ولعله كان قبل نزول آية الجزية، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخْلَثُ: هذه الدَّعوة قبل القتال التي تقدَّم القول فيها في (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٧/ ٢٨١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٥. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ((الجهاد))، وقد فسَّرها في الرواية الأخرى في مسلم قال: ((فصرخ عليٍّ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتِلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّداً رسول الله، فإذا فعلوا فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))، فهذا هو حقّ الله المذكور في الرواية المتقدِّمة. (١) . انتھی ٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على قبول الإسلام، سواءٌ كان في حال القتال، أم في غيره، ٥ - (ومنها): أنه يُشترط في صحة الإسلام النطق بالشهادتين، فإن كان أخرس، أو في معناه كَفَّتْه الإشارة إليهما، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٠٣] (٢٤٠٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِم - عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ هَذَا - حَدَّثَنَاً يَعْقُوبُ - بَعْنِيَّ: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ بَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الَّرَّايَةَ رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَى بَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ))، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ (٢) أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ، كُلَّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟))، فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَأَتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ، حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٍّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ، فَوَ الهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»). (١) ((المفهم)) ٢٧٦/٦. (٢) وفي نسخة: ((يذكرون ليلتهم)). ٥٧٩ - حديث رقم (٦٢٠٣) (٤) - بَابُ فَضَائِلٍ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴿ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤)، وقيل: قبل ذلك (ع) تقدَّم في (الإيمان)) ٢٩٠/٤٥. ٢ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان،ً ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور سنة (١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠. ٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠. والباقيان ذُكرا قبله، و((يعقوب بن عبد الرحمن)) هو: القاريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَّلُهُ، كلاحقه، وهو (٤٧٨) من رباعيّات الكتاب، وفيه رواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج المدنيّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) السَّعديّ ◌ِ﴿يَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ)؛ أي: يوم غزوة خيبر، («لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ)، وفي حديث بريدة: ((إني دافع اللواء غداً إلی رجل يحبه الله ورسوله)). والراية: بمعنى اللواء، وهو العَلَم الذي في الحرب، يُعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يَحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدّم العسكر، وقد صرّح جماعة من أهل اللغة بترادفهما، لكن رَوَى أحمد، والترمذيّ، من حديث ابن عباس : ((كانت راية رسول الله ﴿ ﴿ سوداء، ولواؤه أبيض))، ومثله عند الطبرانيّ عن بريدة، وعند ابن عديّ عن أبي هريرة، وزاد: ((مكتوباً فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله))، وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفيّةٌ، وقد ذكر ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود، عن عروة، أن أول ما وُجدت ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية (١). (رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ)، وفي رواية ابن إسحاق: ((ليس بفرّار))، وفي حديث بريدة: ((لا يرجع حتى يفتح الله له))، (يُحِبُّ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ) وَهُ (وَيُحِبُّهُ اللهُ) تعالى (وَرَسُولُهُ))) وَِّ (قَالَ) سهل (فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ) - بالدال المهملة، وبالكاف -؛ أي: يخوضون، من الدَّوْكة، وهو الاختلاط، والخوض، يقال: بات القوم يدوكون دَوْكاً: إذا باتوا في اختلاط، ودَوَران، وقيل: يخوضون، ويتحدثون في ذلك(٢)، وفي بعض النسخ: ((يذكرون)) بالذال المعجمة بدل الدال، من الذكر، وفي حديث أبي هريرة الماضي: ((أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ))، وفي حديث بُريدة: ((فما منا رجل له منزلة عند رسول الله وَلقول إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها، فدعا عليّاً، وهو يشتكي عينه، فمسحها، ثم دفع إليه اللواء))، وفي حديث سلمة بن الأكوع التالي: ((قال: فأرسلني إلى عليّ، قال: فجئت به أقوده، أَرْمَدَ، فَبَزَق في عينه، فبرأ)). (أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، قَالَ) سهل (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا)؛ أي: ذهبوا، وانطلقوا غَدْوةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، ثم كثر استعماله في الذهاب، والانطلاق أي وقت كان، ومنه حديث: ((واغد يا أُنيس على امرأة هذا ... ))، متّفقٌ عليه، ويَحتَمِل أن يكون هذا الحديث منه. (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا)؛ أي: الراية، (فَقَالَ) وَِّ ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ))؟، فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ) سهل (فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ)؛ أي: بأمَر النبيّ ◌َِّهِ، (فَأَتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول، وقد تبيّن من حديث سلمة بن الأكوع عظُبه أنه هو الذي أحضره، ولعل عليّاً حضر إليهم بخيبر، ولم يقدر على مباشرة القتال لِرَمَده، فأرسل إليه النبيّ ◌َِّ، فحضر من المكان الذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره. (فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ) بأن يبرأ (فَبَرَأَ) - بفتح الراء، والهمزة -، بوزن ضَرَبَ، ويجوز کسر الراء، بوزن عَلِم، وعند الحاکم من حديث عليّ ضُوعيه (١) ((فتح)) ٣١٤/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢١٠). (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٥/١٦.