Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
(٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٩٤)
خلاف هذا فيه بُعد، ولا يناسب مساق الحديث. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)) بعدما ذكر نحو ما تقدّم: ويقال: القُفّ: اليابس،
ويَحْتَمِل أن يكون سُمّي به؛ لأن ما ارتفع حول البئر يكون يابساً دون غيره
غالباً. انتهى(٢).
(وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَدَلَّاهُمَا)؛ أي: أرسلهما (فِي الْبِتْرِ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللهِ وَه
الْيَوْمَ)، وفي رواية: ((أمرني ان أحفظ الباب)) قال النوويّ تَقْتُ: يَحْتَمِل أنه وَهـ
أمَره أن يكون بواباً في جميع ذلك المجلس؛ ليبشّر هؤلاء المذكورين
بالجنة ﴿ه، ويَحْتَمِل أنه أمَره بحفظ الباب أولاً إلى أن يقضي حاجته،
ويتوضأ؛ لأنها حالة يُستتر فيها، ثم حفظ الباب أبو موسى من تلقاء نفسه.
(٣)
.
انتھی
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فقلت: لأكوننّ بوابَ رسول الله وَّ اليوم))
ظاهره أنه اختار ذلك، وفَعَله من تلقاء نفسه، وقد صرّح بذلك في رواية
محمد بن جعفر، عن شريك، في ((الأدب))، فزاد فيه: ((ولم يأمرني))، قال ابن
التين: فيه أن المرء يكون بواباً للإمام، وإن لم يأمره، كذا قال.
وقد وقع في رواية أبي عثمان، عن أبي موسى: ((أن النبيّ يَّو دخل
حائطاً، وأمَره بحفظ باب الحائط))، ووقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة،
عن سعيد بن المسيِّب في هذا الحديث: ((فقال: يا أبا موسى امْلِك عليّ
الباب، فانطلَق، فقضى حاجته، وتوضأ، ثم جاء، فقعد على قُفّ البئر))،
أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه))، والروياني في («مسنده)).
وفي رواية الترمذيّ من طريق أبي عثمان، عن أبي موسى: ((فقال لي: يا
أبا موسى امْلِك عليّ الباب، فلا يدخلن عليّ أحدٌ)).
قال الحافظ: فيُجمع بينهما بأنه لمّا حدّث نفسه بذلك صادف أمْر
النبيّ وَلي بأن يحفظ عليه الباب، وأما قوله: ((ولم يأمرني)) فيريد أنه لم يأمره
(١) «المفهم)) ٦/ ٢٦٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/١٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٩٠/١٦.
٥٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أن يستمرّ بواباً، وإنما أمرَه بذلك قَدْر ما يقضي حاجته، ويتوضأ، ثم استمر هو
من قِبَل نفسه.
قال: فبَطَل أن يُستدَلّ به لِمَا قاله ابن التين، والعجب أنه نَقَل ذلك بعدُ
عن الداوديّ، وهذا من مختلف الحديث، وكأنه خَفِي عليه وجه الجمع الذي
قررته، ثم إن قول أبي موسى ربه هذا لا يعارض قول أنس ظه: إنه وَلـ لم
يكن له بواب، كما سبق في ((كتاب الجنائز))؛ لأن مراد أنس أنه لم يكن له
بوّاب مرتَّب لذلك على الدوام. انتهى(١) .
وقال الحافظ في موضع آخر: قوله: ((لأكوننّ اليوم بواب النبيّ وَّ، ولم
يأمرني))، قال الداوديّ في الرواية الأخرى: ((أمرني بحفظ الباب))، وهو
اختلاف ليس المحفوظ إلا أحدهما .
وتُعُقب بإمكان الجمع بأنه فَعَل ذلك ابتداءً من قِبَل نفسه، فلما استأذن
أوّلاً لأبي بكر، وأمَره النبيّ وَّله أن يأذن له، ويبشّره بالجنة، وافق ذلك اختيار
النبيّ وَل لِحِفظ الباب عليه؛ لكونه كان في حال خلوة، وقد كشف عن ساقه،
ودلى رجليه، فأمَره بحفظ الباب، فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به
قِبَل الأمر، ويَحْتَمِل أن يكون أطلق الأمر على التقرير. انتهى كلام
الحافظ ◌َّهُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َظُهُ (فَدَفَعَ الْبَابَ)، وفي رواية: ((فجاء رجل
يستأذن))، (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ)؛ أي: أنا أبو بكر، (فَقُلْتُ: عَلَى
رِسْلِكَ) بكسر الراء، وفتحها لغتان، والكسر أشهر، ومعناه: تَمَهَّلْ، وتَأَنَّ، قاله
النوويّ(٣).
وقال القرطبيّ: هو بكسر الراء، وهو المعروف، ويقال: بفتحها؛ أي:
اسكُنْ، وارْفُقْ، كما يقال: على هينتك. انتهى(٤).
(قَالَ) أبو موسى (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ)
رضـ
(١) (الفتح)) ٣٦٥/٨ - ٣٦٦، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٦٧٤).
(٢) ((الفتح)) ٥٠٩/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٩٧).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧١/١٥.
(٤) ((المفهم)) ٢٦٤/٦.
٥٤٣
(٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ رَظُه - حديث رقم (٦١٩٤)
(يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ) وَّهِ ((ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، قَالَ) أبو موسى (فَأَقْبَلْتُ، حَتَّى
قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ، ادْخُلْ، وَرَسُولُ اللهِ وَلِ يُبَشِّرَُكَ بِالْجَنَّةِ) زاد في رواية:
((فحمد الله))، وكذا قال في عمر. (قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ)؛ أي: مدّهما (فِي الْبِتْرِ، كَمَا صَنَعَ
النَّبِيُّ ◌َِّهِ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ)؛ أي: كما كشف وََّ عنهما. (ثُمَّ رَجَعْتُ،
فَجَلَّسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ، وَيَلْحَقُنِي) كان لأبي موسى الأشعريّ أخوان:
أبو رُهْم، وأبو بُرْدة، وقيل: إن له أخاً آخر، اسمه محمد، وأشهرهم أبو بُردة،
واسمه عامر، وقد أخرج عنه أحمد في ((مسنده)) حديثاً (١). (فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ
بِقُلَانٍ - يُرِيدُ أَخَاهُ - خَيْراً يَأْتِ بِهِ)؛ أي: حتى يبشّر بالجّة مع هؤلاء، (فَإِذَا
إِنْسَانٌ يُحَرَّكُ الْبَابِ) فيه حُسْن الأدب في الاستئذان، قال ابن التين: ويَحْتَمِل
أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيِّرَ بُوتِكُمْ حَتّى
تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية [النور: ٢٧].
وتعقّبه الحافظ: فقال: وما أبعدَ ما قال، فقد وقع في رواية
عبد الرحمن بن حرملة: ((فجاء رجل، فاستأذن))، وفي رواية أبي عثمان
النّهْدي: ((فجاء رجل، فاستفتح))، فعُرف أن قوله: ((يحرك الباب)) إنما حرّكه
مستأذناً، لا دافعاً له؛ ليدخل بغير إذن. انتهى(٢).
(فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ
(فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ، يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: ((اقْذَنْ
لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أذن لك وَّ
في الدخول عليه، (وَيُبَشِّرَُكَ رَسُولُ اللهِ وَلِ بِالْجَنَّةِ) تقدّم أنه حمد الله تعالى.
(قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي
الْبِثْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِقُلَانٍ خَيْراً - بَعْنِي: أَخَاهُ - يَأْتِ
بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ، فَحَرََّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ) تَظُه،
(فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: وَجِئْتُ النَّبِيَّ وَِّ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((اْذَنْ لَهُ) في
رواية أبي عثمان: ((ثم جاء آخر، يستأذن، فسكت هُنَيّةً، ثم قال: ائذن له))،
(١) ((الفتح)) ٣٦٦/٨.
-
(٢) ((الفتح)) ٣٦٦/٨.
٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ))، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ بِالْجَنَّةِ، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ) في رواية أبي عثمان: ((فحمِد الله، ثم
قال: الله المستعان))، وفي رواية عند أحمد: ((فجعل يقول: اللهم صبراً حتى
جلس))، وفي رواية عبد الرحمن بن حرملة: ((فدخل، وهو يحمد الله، ويقول:
اللهم صبراً)). ووقع في حديث زيد بن أرقم عند البيهقيّ في (الدلائل)): ((قال:
بعثني النبيّ وَّة، فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر، فقل له: إن النبيّ وَّر يقرأ
عليك السلام، ويقول لك: أبشر بالجنة، ثم انطلِقْ إلى عمر كذلك، ثم انطلق
إلى عثمان كذلك - وزاد - بعد بلاء شديد، قال: فانطلق، فذكر أنه وجدهم
على الصفة التي قال له، وقال: أين نبيّ الله؟ قلت: في مكان كذا وكذا،
فانطلَق إليه، وقال في عثمان: فأخذ بيدي، حتى أتينا رسول الله ◌َالقول، فقال: يا
رسول الله إن زيداً، قال لي: كذا، والذي بعثك بالحقّ ما تغنيت، ولا تمنيت،
ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأيّ بلاء يصيبني؟ قال: هو ذاك))، قال
البيهقيّ: إسناده ضعيف، فإن كان محفوظاً احْتَمَل أن يكون النبيّ وَّ أرسل
زيد بن أرقم قبل أن يجيء أبو موسى، فلما جاؤوا كان أبو موسى قد قعد على
الباب، فراسَلَهم على لسانه بنحو ما أرسل به إليهم زيد بن أرقم، والله أعلم.
ووقع نحو قصة أبي موسى لبلال، وذلك فيما أخرجه أبو داود، من
طريق إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن نافع بن
عبد الحارث الخزاعيّ، قال: دخل رسول الله وَ﴿ حائطاً من حوائط المدينة،
فقال لبلال: أَمْسِكْ عليّ الباب، فجاء أبو بكر يستأذن، فذكر نحوه.
وأخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث أبي سعيد نحوه.
قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا إن صحّ حُمِل على التعدد، ثم ظهر لي أن فيه
وَهَماً من بعض رواته، فقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون، عن محمد بن
عمرو، وفي حديثه أن نافع بن عبد الحارث، هو الذي كان يستأذن، وهو وَهَمٌ
أيضاً، فقد رواه أحمد من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة، عن نافع،
فذكره، وفيه: ((فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال لأبي موسى، فيما أعلم: ائذن
له)».
وأخرجه النسائيّ من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن نافع بن
٥٤٥
(٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٩٤)
عبد الحارث، عن أبي موسى، وهو الصواب، فرجع الحديث إلى أبي موسى،
واتَّحَدت القصةُ، والله أعلم.
[تنبيه]: أشار النبيّ وَيليه بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في آخر
خلافته من الشهادة يوم الدار، وقد وَرَدَ عنه وَلَّ أصرح من هذا، فروى أحمد
من طريق كُليب بن وائل، عن ابن عمر: ((قال: ذكر رسول الله وَلّ فتنةً، فمرّ
رجل، فقال: يُقتل فيها هذا يومئذ ظلماً، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان))،
وإسناده صحيح(١).
(قَالَ) أبو موسى (فَدَخَلَ) عثمان (فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ) بالنبيّ ◌َِِّ،
وصاحبيه ظتها، (فَجَلَسَ وُجَاهَهُمْ) بضمّ الواو، وكَسْرها؛ أي: مقابلهم (مِنَ
الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشين المعجمة؛ أي: الجانب الآخر.
(قَالَ شَرِيك)؛ أي: ابن أبي نمر، فهو موصول بالإسناد الماضي. (فَقَّالَ
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ)؛ أي: أوَّلت هؤلاء الثلاثة الجالسين على
الهيئة المذكورة بقبورهم، والتأويل بالقبور من جهة كون الشيخين مصاحبين له
عند الحفرة المباركة، لا من جهة أن أحدهما في اليمين، والآخر في اليسار،
وأما عثمان فهو في البقيع، مقابلاً لهم، وهذا من الفراسة الصادقة، قاله في
((العمدة))(٢).
وقال القاضي عياض ◌َّلُهُ: يريد أنه تفرّس في تلك الحالة من جلوسهم،
واجتماع الثلاثة في جهة، وانفراد عثمان عنهم دَفْن أولئك الثلاثة بمكان واحد،
وليس تلك رؤيا تُحمل على التأويل، وإنما هو من باب التفرّس، ومما يقع في
القلب. انتهى(٣) .
وقال في ((الفتح)): فيه وقوع التأويل في اليقظة، وهو الذي يُسَمَّى
الفِراسة، والمراد: اجتماع الصاحبين مع النبيّ ◌َ ﴿ في الدفن، وانفراد عثمان
عنهم في البقيع، وليس المراد خصوص صورة الجلوس الواقعة.
وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيِّب: ((قال
(١) ((الفتح) ٣٦٦/٨.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٤١٠.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٩٠/١٦.
٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
سعيد: فأوَّلت ذلك انتباذ قبره من قبورهم))، وفي لفظ: ((اجتمعت ها هنا،
وانفرد عثمان)).
ولو ثبت الخبر الذي أخرجه أبو نعيم عن عائشة رضيها في صفة القبور
الثلاثة: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، لكان فيه تمام التشبيه، ولكن
سنده ضعيف، وعارضه ما هو أصح منه.
أخرج أبو داود، والحاكم، من طريق القاسم بن محمد، قال: ((قلت
لعائشة: يا أماه اكشفي لي عن قبر رسول الله وَ﴾﴿ وصاحبيه، فكشفت لي ... ))
الحديث، وفيه: «فرأيت رسول الله، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه
عند رجلي النبيّ وَلَ))(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٥] (.) - (حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرٍ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ،
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، سَمِعْتُ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ هَا هُنَا، وَأَشَارَ لِي سُلَيْمَانُ
إِلَى مَجْلِسٍ سَعِيدٍ، نَاحِيَةَ الْمَقْصُورَةِ، قَالَ أَبُو مُوسَى: خَرَجْتُ أُرِيدُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَلَكَ فِي الأَمْوَالِ، فَتَبِعْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ دَخَلَ مَالاً، فَجَلَسَ فِي الْقُفِّ،
وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَدَلَّهُمَا فِي الْبِتْرِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ
حَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ سَعِيدٍ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصَغانيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت١٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيد بن كثير بن عُفير الأنصاريّ مولاهم
المصريّ، نُسب إلى جدّهَ، صدوقٌ عالم بالأنساب وغيرها، قال الحاكم:
(١) ((الفتح)) ٣٦٨/٨.
٥٤٧
(٣) - بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٩٥)
يقال: إن مصر لم تُخْرج أجمعَ للعلوم منه، وقد ردّ ابن عديّ على السعديّ في
تضعيفه [١٠] (ت٢٢٦) (خ م قد س) تقدم في ((الأشربة)) ٥١٢١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَأَشَارَ لِي سُلَيْمَانُ ... إلخ) هذا من قول سعيد بن عفير؛ يعني:
أن شيخه سليمان بن بلال أشار له حين حدّثه بهذا الحديث إلى مكان جلوس
سعيد بن المسيّب من المسجد النبويّ، وهو إلى ناحية المقصورة، قال
الفيّوميّ كَُّهُ: مقصورة الدار: الْحُجْرة منها، ومقصورة المسجد أيضاً،
وبعضهم يقول: هي محوّلة عن اسم الفاعل، والأصل: قاصرة؛ لأنها حابسة،
كما قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾؛ أي: ساتراً. انتهى(١).
ويقال: إن أول من اتخذ المقصورة هو معاوية بن أبي سفيان ﴿ها بعد أن
ضربه الخارجي، والقصّة مشهورة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَدْ سَلَكَ فِي الأَمْوَالِ) قال ابنُ الأَثيرِ: المالُ في الأَصْلِ: ما يُمْلَكُ
من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ثمَّ أُظْلِقَ على كُلِّ ما يُقْتَنى ويُمْلَكُ من الأَعيانِ، وأَكثَرُ ما
يُطلَقُ المالُ عندَ العربِ على الإِبِلِ؛ لأَنَّها كانت أَكثَرَ أَموالِهِمْ. انتهى(٢).
والمراد هنا: البساتين، كما في الرواية الأخرى: ((دخل حائطاً من
حوائط المدينة)).
وقوله: (قَدْ دَخَلَ مَالاً)؛ أي: بستاناً .
وقوله: (فَجَلَسَ فِي الْقُفِّ) القُفّ: ما ارتفع من متن البئر، وقال الداوديّ:
ما حول البئر، والمراد هنا: مكان يبنى حول البئر للجلوس، والقُفّ أيضاً:
الشيء اليابس، وفي أودية المدينة وادٍ يقال له: القُفّ، وليس مراداً هنا (٣).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير سعيد بن عُفير.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: رواية سعيد بن عفير عن سليمان بن بلال هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فلْيُنْظَر، والله تعالى أعلم.
(١) (المصباح المنير)) ٥٠٥/٢.
(٣) ((الفتح)) ٥١٠/١٦.
(٢) (تاج العروس)) ٧٥٢٤/١.
٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٦] (.) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي
شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى
الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ بَهِ يَوْماً إِلَى خَائِطٍ بِالْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ، فَخَرَجْتُ
فِي إِثْرِهِ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ:
قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ، اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الْحَكَم بن محمد بن سالم بن
أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو
إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((اقتصّ)) ضمير محمد بن جعفر.
وقوله: (قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ، اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ
عُثْمَانُ) قال الداوديّ: كان سعيد بن المسيِّب لجودته في عبارة الرؤيا، يستعمل
التعبير فيما يشبهها، وقال الحافظ: ويؤخذ منه أن التمثيل لا يستلزم التسوية،
فإن المراد بقوله: ((اجتمعت)) مطلق الاجتماع، لا خصوص كون أحدهما عن
يمينه، والآخر عن شماله، كما كانوا على البئر، وكذا عثمان انفرد قبره عنهم،
ولم يستلزم أن يكون مقابلهم. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر هذه
ساقها البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٦٦٨٤) - حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن
(١) ((الفتح)» ٥١٠/١٦.
٥٤٩
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴾
شريك بن عبد الله، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي موسى الأشعريّ، قال:
خرج النبيّ وَ لقر إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره، فلما
دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكوننّ اليوم بواب النبيّ وَّر، ولم
يأمرني، فذهب النبيّ وَّ﴿، وقضى حاجته، وجلس على قُفّ البئر، فكشف عن
ساقيه، ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما
أنت، حتى أستأذن لك، فوقف، فجئت إلى النبيّ وَله، فقلت: يا نبيّ الله أبو
بكر يستأذن عليك، قال: ((ائذن له، وبشّره بالجنة))، فدخل، فجاء عن يمين
النبيّ وَّر، فكشف عن ساقيه، ودلّهما في البئر، فجاء عمر، فقلت: كما أنت
حتى أستأذن لك، فقال النبيّ مَ : ((ائذن له، وبشّره بالجنة))، فجاء عن يسار
النبيّ ◌َ﴿، فكشف عن ساقيه، فدلّاهما في البئر، فامتلأ القُفّ، فلم يكن فيه
مجلس، ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبيّ وَل:
(«ائذن له، وبشّره بالجنة، معها بلاء يصيبه))، فدخل، فلم يجد معهم مجلساً،
فتحوّل حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه، ثم دلّهما في
البئر، فجعلت أتمنى أخاً لي، وأدعو الله أن يأتي. قال ابن المسيِّب: فتأوّلت
ذلك قبورهم، اجتمعت ها هنا، وانفرد عثمان. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
هو: عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ
الهاشميّ أبو الحسن، وهو ابن عم رسول الله ﴿ شقيق أبيه، واسمه عبد مناف
على الصحيح، وُلد قبل البعثة بعشر سنين، على الراجح، وكان قد ربّاه النبيّ وَ ◌ّم
من صِغَره، لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره، فلم يفارقه إلى
أن مات، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابنة عمة أبيه، وهي أول
هاشمية وَلَدت لهاشميّ، وقد أسلمت، وصحبت، وماتت في حياة النبيّ ◌َل﴾.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٩٩/٦.
٥٥٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائيّ، وأبو علي النيسابوريّ: لم
يَرِد في حقّ أحد من الصحابة ﴿م بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في
عليّ ◌ُه، وكأنّ السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه،
وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه، من كثرة من كان بيَّنها
من الصحابة ردّاً على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة
جدّاً، ثم كان من أمر عليّ ما كان، فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتدّ
الخطب، فتنقّصوه، واتخذوا لَعْنه على المنابر سنةً، ووافقهم الخوارج على
بُغضه، وزادوا حتى كفّروه مضموماً ذلك منهم إلى عثمان رُه، فصار الناس
في حقّ عليّ ثلاثةً: أهل السُّنَّة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني
أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السُّنَّة إلى بثّ فضائله، فكثر الناقل لذلك؛ لكثرة
من يخالف ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكلّ من الأربعة من الفضائل،
إذا حُرِّر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السُّنّة والجماعة أصلاً.
وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح، عن عروة، قال: أسلم عليّ،
وهو ابن ثمان سنين، وقال ابن إسحاق: عشر سنين، وهذا أرجحها، وقيل غير
ذلك، ذَكَره في ((الفتح))(١) .
وفي ((الإصابة)) ما ملخّصه: وشهد عليّ ◌َظُه معه رَلي المشاهد كلها إلا
غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: ((ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة
هارون من موسى))، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولمّا آخى النبيّ وَلـ
بين أصحابه قال له: ((أنت أخي))، وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة
والإقدام.
وكان قَتْل عليّ رَظُه في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من
الهجرة، ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر؛ لأنه بويع بعد
قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت وقعة الجمل في جمادى
سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع
الخوارج في سنة ثمان وثلاثين، ثم أقام سنتين يُحَرِّض على قتال البغاة، فلم
(١) ((الفتح)) ٤١٩/٨ - ٤٢٠، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٠١).
٥٥١
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
يتهيأ ذلك إلى أن مات. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَُّ: هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم،
ابن عم رسول الله وَل﴾، ويكنى: أبا الحسن، واسم أبي طالب: عبد مناف،
وقيل: اسمه كنيته، واسم هاشم عمرو، وسُمِّي هاشِماً؛ لأنَّه أوَّل من هشم
الثريد، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أوَّل هاشمية ولدت هاشميّاً،
توفيت مسلمة قبل الهجرة، وقيل: إنها هاجرت، وكان علي أصغر ولد أبي
طالب، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عَقِيل بعشر
سنين. وكان عَقيل أصغر من طالب بعشر سنين. رُوي عن سلمان، وأبي ذر،
والمقداد، وخباب، وجابر، وأبي سعيد الخدريّ، وزيد بن أرقم: أن علي بن
أبي طالب رُه أول من أسلم - يعنون من الرجال - وإلا فقد اتَّفَق الجمهور
على أن أول من أسلم وأطاع النبيّ وَّ خديجة بنت خويلد خُوهُنا، وقد تقدَّم من
قال: إن أول من أسلم أبو بكر
قال: قال لي
وقد روى أبو عمر بن عبد البر عن سلمان الفارسيّ
رسول الله ◌َلي: ((أولكم وارداً على الحوض أولكم إسلاماً: عليّ بن أبي
طالب))(٢)، قيل: أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن ثمان، وقيل: ابن
عشر، وقيل: ابن ثلاث عشرة. وقيل: ابن خمس عشرة، وقيل: ابن ثمان
عشرة .
وروى سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين العرني قال: سمعت عليّاً
يقول: أنا أوَّل مَن صلَّى مع رسول الله وَّهَ، ولقد عبدت الله قبل أن يعبده أحدٌ
من هذه الأمة خمس سنين.
وروي عن عليّ ◌ُه؛ أنه قال: مكثت كذا وكذا مع رسول الله وَليقول، لا
يصلِّي معه أحد غيري إلا خديجة.
وأجمعوا: على أنه ظُه صلَّى إلى القبلتين، وأنه شهد بدراً وأُحداً،
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤/ ٥٦٤ - ٥٦٩.
(٢) ذكره صاحب ((تنزيه الشريعة)) (٣٧٧/١)، وفي ((اللآلىء المصنوعة)) (١٦٩/١)،
و((الموضوعات)) لابن الجوزيّ، وقال: هذا حديث لا يصحّ.
٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ومشاهد رسول الله ﴿ كلها، إلا غزوة تبوك، فإنَّ النبيّ وَالَّ أمره أن يتخلَّف في
أهله، وقال له: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟))، وزوَّجه
رسول الله 18 سيدة نساء أهل الجنة؛ فاطمة ﴿يا، وآخى بينه وبينه، وقال ◌َّ:
((لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق))، وقال فيه النبيّ وَله: ((إنه يحبُّه الله
ورسوله، وأنَّه يحبُّ الله ورسوله)).
وكان رَّه قد خُصَّ من العلم، والشجاعة، والحلم، والزهد، والورع،
ومكارم الأخلاق ما لا يسعه كتاب، ولا يحويه حصر حساب، بويع له
بالخلافة يوم مقتل عثمان رظُه، واجتمع على بيعته أهل الحلّ والعقد من
المهاجرين والأنصار؛ إلا نفراً منهم، فلم يُكرههم، وسئل عنهم، فقال: أولئك
قوم خَذَلوا الحقّ، ولم يعضدوا الباطل، وتخلف عن بيعته معاوية ومن معه من
أهل الشام، وجرت عند ذلك خطوب لا يمكن حصرها، والتحمت حروب لم
يُسمع في المسلمين بمثلها، ولم تزل ألويته منصورة عالية على الفئة الباغية إلى
أن جرت قضيه التحكيم، وخُدع فيها ذو القلب السليم، وحينئذ خرجت
الخوارج، فكفَّروه وكلَّ من معه، وقالوا: حكَّمت الرجال في دين الله، والله
تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ثم اجتمعوا وشقُّوا عصا
المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فخرج
إليهم عليّ بمن معه، ورام رجوعهم فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقَتَلهم
واستأصل جميعهم، ولم ينج منهم إلا اليسير، وقد تقدَّم قوله ◌َّه: ((يقتلهم
أَولى الطائفتين بالحقّ)»، ثم انتدب إليه رجل من بقايا الخوارج يقال له:
عبد الرحمن بن ملجم، قال الزبير: كان من حِمْيَر، فأصاب دماء فيهم، فلجأ
إلى مراد، فنُسب إليهم، فدخل على عليّ في مسجده بالكوفة، فقتله ليلة
الجمعة، وقيل: في صلاة صُبْحها، وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت من
رمضان، وقيل: لثلاث عشرة، وقيل: لثمان عشرة، وقيل: في أول ليلة من
العشر الآخر من رمضان سنة أربعين، واختُلف في موضع قبره اختلافاً كثيراً
يدلّ على عدم العلم به، وأنه مجهول، وكذلك اختلف في سِنِّه يوم قُتل، فقيل:
ابن سبع وخمسين إلى خمس وستين سنة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وستة
أشهر، وستة أيام، وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة عشر يوماً، فأُخِذ عبد الرحمن بن
٥٥٣
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦١٩٧)
إذا رآه يقول [من الوافر]:
ملجم، فقُتِل أشقى هذه الأمة، وكان عليّ .
أريدُ حَيَاتَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرادٍ
وكان يقول: ما يمنع أشقاها، أو ما ينتظر أشقاها أن يخضبَ هذه من
هذا، والله ليخضبنَّ هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ورأسه - خضاب دم، لا
خضاب حناء ولا عبير.
وقد روى النسائي وغيره من حديث عمار بن ياسر ◌ًا، عن النبيّ ◌َليقول:
أنه قال لعليّ ظه: ((أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا
- ووضع يده على رأسه - حتى يخضب هذه))، يعني: لحيته.
وتأخر موته - ره، ولا رضي عن قاتله - عن ضربه نحو الثلاثة الأيام.
وجملة ما حُفظ له من الحديث عن رسول الله صل* خمسمائة حديث
وسبعة وثلاثون حديثاً، مثل أحاديث عمرها، أُخرج له منها في ((الصحيحين))
أربعة وأربعون حديثاً. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٧] (٢٤٠٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى الثَّمِيمِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ
الْمَاجِشُونِ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الصَّبَّحِ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَه لِعَلِيٍّ: ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى،
إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، قَالَ سَعِيدٌ: فَأَحْبَيْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِهَا سَعْداً، فَلَقِيتُ سَعْداً،
فَحَدَّثْتُهُ بِمَا حَدَّثَنِي عَامِرٌ، فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ
عَلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِلَّ فَاسْتَكََّا).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) البزاز الدُّولابِيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
(١) ((المفهم)) ٢٦٨/٦ - ٢٧١.
٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِبرِيُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد
البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصح، وله خمس
وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
٣ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث، مَرُّوذيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٤ - (يُوسُفُ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) هو: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة
الماجشون المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٥)، وقيل: قبل ذلك (خ م ت س ق) تقدم
في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨١٢/٢٨.
٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخه، فإنهم
بغداديّون، غير يحيى، فنيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض:
ابن المنكدر، عن ابن المسيّب، عن عامر بن سعد، وفيه ابن المسيّب من الفقهاء
السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة،
وآخر من مات منهم، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، ذو مناقب جمّة
شرح الحديث:
(عَنْ يُوسُفَ الْمَاحِشُونِ) قال النوويّ كَّتُهُ: وفي بعض النسخ: ((يوسف بن
الماجشون))، وكلاهما صحيح، وهو أبو سلمة يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن
أبي سلمة، واسم أبي سلمة دينار، والماجشون لقب يعقوب، وهو لقب جَرَى
عليه، وعلى أولاده، وأولاد أخيه، وهو بكسر الجيم، وضم الشين المعجمة،
وهو لفظ فارسيّ، ومعناه: الأحمر الأبيض الْمُوَرَّد، سُمِّي يعقوبُ بذلك؛
لحمرة وجهه، وبیاضه. انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/١٥ - ١٧٤.
٥٥٥
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦١٩٧)
قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ
سَعْدٍ بْنٍ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد ◌َه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
لِعَلِيٍّ) ◌َظُهُ ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) هذا قاله ◌َّ في غزوة تبوك
حين خلّفه على أهله واستخلفه على المدينة، فيما قيل. ولمّا صَعُب على
عليّ ◌َُّه تخلَّفه عن رسول اللهِ وَّه، وشقّ عليه، سكَّنه النبيّ وَله وآنسه بقوله:
((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟))، وذلك: أن موسى وَله
لمّا عزم على الذهاب لِمَا وعده الله به من المناجاة قال لهارون: ﴿آخْلُفْنِي فی
قَوْمِى وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وأخرج البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)) من طريق الحكم، عن مصعب بن
سعد، عن أبيه: أن رسول الله وَلو خرج إلى تبوك، واستخلف عليّاً، فقال:
أتُخَلِّفُني في الصبيان والنساء؟ قال: ((ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي)). وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) من مرسل
عطاء بن أبي رباح: فقال: ((يا عليّ اخلُّفني في أهلي، واضرب، وخذ،
وعِظْ))، ثم دعا نساءه، فقال: ((اسمعن لعليّ، وأطعن))(١).
وأخرج النسائيّ في ((السنن الكبرى)) بسند صحيح، من طريق سعيد بن
المسيِّب، عن سعد بن أبي وقاص قال: لَمّا غزا رسول الله وَله غزوة تبوك
خَلّف علياً بالمدينة، فقالوا فيه: مَلَّه، وكره صُحْبته، فتبع عليّ النبي ◌َّ حتى
لَحِقه بالطريق، فقال: يا رسول الله خَلّفتني بالمدينة مع الذراري والنساء، حتى
قالوا: مَلّه، وكَرِه صحبته، فقال له النبي رَّهِ: ((يا علي إنما خَلّفتك على أهلي،
أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي))(٢).
وقال التوربشتيّ تَخُّهُ: كان هذا القول من النبيّ وَّ مَخْرَجه إلى غزوة
تبوك، وقد خلّف عليّاً ﴿ه على أهله، وأمَره بالإقامة فيهم، فأرجف به
المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلا استثقالاً له، وتخفّفاً منه، فلما سمع به عليّ
أخذ سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله ◌َلہے، وهو نازلٌ بالجرف، فقال: یا
(١) راجع: ((الفتح)) ٧١٦/٨.
(٢) ((السُّنن الكبرى)) ٧/ ٣٠٧ رقم الحديث (٨٠٨٢).
٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ
رسول الله زعم المنافقون كذا، فقال: ((كذبوا، إنما خلّفتك لِمَا تركت ورائي،
فارجع، فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة
هارون من موسى؟ تأوّل قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى
قَوْمى﴾ الآية [الأعراف: ١٤٢]. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)) عند قوله: ((أنت منّي، وأنا منك)) ما نصّه: قوله:
((أنت)) مبتدأ، و((مني)) خبره، ومتعلق الخبر خاصّ، وكلمة ((مني)) هذه تسمى
بـ((من)) الاتصالية، ومعناه أنت متصل بي، وليس المراد به اتصاله من جهة
النبوة، بل من جهة العلم، والقرب، والنسب، وكان أبو النبيّ وَّ شقيق أبي
عليّ ◌َظُه، وكذلك الكلام في قوله: ((وأنا منك)).
وفي حديث آخر: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) ومعناه: أنت
متصل بي، ونازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه، ووجه التشبيه
مبهم، وبيَّنه بقوله: ((إلا أنه لا نبيّ بعدي))؛ يعني: أن اتصاله ليس من جهة
النبوّة، فبقي الاتصال من جهة الخلافة؛ لأنها تلي النبوة في المرتبة، ثم إنها
إما أن تكون في حياته، أو بعد مماته، فخرج بعد مماته؛ لأن هارون مات قبل
موسى ثَلَّا فتبيّن أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك؛ لأن هذا
القول من النبيّ وَّ كان مَخرجه إلى غزوة تبوك، وقد خلّف عليّاً على أهله،
وأمره بالإقامة فيهم. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
موسى؟))؛ أي: نازلاً مني منزلة هارون من موسى، والباء زائدة، وفي رواية
سعيد بن المسيِّب عن سعد: ((فقال عليّ: رضيتُ رضيتُ))، أخرجه أحمد.
ولابن سعد من حديث البراء بن أرقم في نحو هذه القصة: ((قال: بلی یا
رسول الله، قال: فإنه كذلك))، وفي أول حديثهما أنه وَّ قال لعليّ: ((لا بُدّ أن
أُقيم، أو تقيم، فأقام عليّ، فسمع ناساً يقولون: إنما خلّفه لشيء كرهه منه،
فاتّبعه، فذكر له ذلك، فقال له ... )) الحديث، وإسناده قويّ(٣).
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٨١/١٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢١٤/١٦.
(٣) ((الفتح)) ٤٢٤/٨.
٥٥٧
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٩٧)
(إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))) قال القرطبيّ تَخْتُ: إنما قاله النبيّ وَّـ تحذيراً مما
وقعت فيه طائفة من غلاة الرَّافضة؛ فإنَّهم قالوا: إن عليّاً نبي يوحى إليه، وقد
تناهى بعضهم في الغلوّ إلى أن صار في عليّ إلى ما صارت إليه النصارى في
المسيح، فقالوا: إنه الإله. وقد حرَّق عليّ ◌َلُه من قال ذلك، فافتتن بذلك
جماعة منهم، وزادهم ضلالاً، وقالوا: الآن تحققنا أنه الله؛ لأنَّه لا يعذِّب
بالنار إلا الله، وهذه كلها أقوال عوام، جهَّال، سخفاء العقول، لا يُبالي
أحدهم بما يقول، فلا ينفع سهم البرهان، لكن السَّيف والسِّنان. انتهى(١).
وقال أبو عمر بن عبد البرّ كَّهُ: واحتجاج أهل الزيغ بهذا الحديث على
أنه ولو أراد بذلك استخلافه، فقد أجابه عن ذلك أبو إسحاق المروزي بجواب
على وجهين مجملين :
أحدهما: أن هارون كان خليفة موسى في حياته، ولم يكن عليّ خليفة
رسول الله ◌َ﴿ في حياته، وإذا جاز أن يتأخر عليّ عن خلافة رسول الله وَّ في
حياته على حسبما كان هارون خليفة موسى في حياته، جاز أن يتأخر بعد موته
زماناً، ويكون غيره مقدَّماً عليه، ويكون معنى الحديث: القصد إلى إثبات
الخلافة له، كما ثبتت لهارون، لا أنه استحق تعجيلها في الوقت الذي تعجّلها
هارون من موسى {لِّال .
والوجه الآخر: أن هذا الكلام إنما خرج من النبيّ وَّ في تفضيل عليّ،
ومعرفة حقه، لا في الإمامة؛ لأنه ليس كل من وجب حقه، وصار مفضّلاً
استَحَقّ الإمامة؛ لأن هارون مات قبل موسى بزمان، فاستخلف موسى بعده
يوشع بن نون، فهارون إنما كان خليفة لموسى في حياته، وقد عُلم أن عليّاً لم
يكن خليفة النبيّ وَّر في حياته، ولم يكن هارون خليفة لموسى بعد موته،
فيكون ذلك دليلاً على أن عليّاً خليفة رسول الله وَلقيم بعد موته.
قال أبو عمر: كان هذا القول من النبيّ ◌َ* لعليّ حين استخلفه على
المدينة في وقت خروجه غازياً غزوة تبوك، وهذا استخلاف منه في حياته، وقد
شَرِكه في مثل هذا الاستخلاف غيره ممّن لا يَدَّعي له أحدٌ خلافةً جماعةٌ قد
(١) ((المفهم)) ٢٧٤/٦.
٥٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ذَكّرهم أهل السُّنَّة، وقد ذكرناهم في ((كتاب الصحابة))، وليس في استخلافه
حين قال له ذلك القول دليلٌ على أنه خليفة بعد موته، والله أعلم. انتهى(١).
(قَالَ سَعِيدٌ)؛ أي: ابن المسيِّب، (فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِهَا)؛ أي: بهذه
القصّة، (سَعْداً)؛ أي: ابن أبي وقّاص ◌َظُله بعد أن سمعها من ابنه عامر، زيادة
في التأكّد، وهل هو سمعه منه وَّلَ بنفسه، أو بواسطة شخص آخر؟ (فَلَقِيتُ
سَعْداً، فَحَدَّثْتُهُ بِمَا حَدَّثَنِي عَامِرٌ)؛ يعني: الحديث المذكور، (فَقَالَ) سعد ◌َُّه
(أَنَا سَمِعْتُهُ)؛ أي: سمعت النبيّ وََّ، (فَقُلْتُ: أَنْتَ) بالمدّ، أصله: أأنت
بهمزتين، أُولاهما همزة الاستفهام، فأُبدلت الثانية ألفاً تخفيفاً. (سَمِعْتَهُ)؛ أي:
هذا الحديث منه وَ *، ولفظ ابن حبّان: ((فأحببت أن أسأله سعداً، فقلت له:
أنت سمعت هذا من رسول الله وَ ﴿؟ قال: نعم)). (فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ) تقدّم أن فيها
عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع بوزن
عُصفور، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة. (عَلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ) سعد (نَعَمْ)
سمعته، وقوله: (وَإِلَّا) هي ((إن)) الشرطيّة، أُدغمت في ((لا)) النافية، (فَاسْتَكَّتًا)
بتشديد الكاف؛ أي: صُمّتا، يقال: استكّت مسامعه: بمعنى صُمّت(٢).
وقال المجد: السَّكَكُ مُحَرَّكَةً: الصَّمَمُ، وقِيلَ: صِغَرُ الأذُنِ، ولُزُوقُها
بالرَّأْسِ، وقِلَّةُ إِشْرافِها، أَو صِغَرُ قُوفِ الأُذُنِ، وضِيقُ الصِّمَاخِ، ويكونُ ذلِكَ في
النّاسِ وغَيرِهِمْ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: حديث الباب دون زيادة: ((إلا أنه لا نبيّ بعدي)) رُوي عن
النبيّ وَ* عن غير سعد من حديث عمر، وعليّ نفسه، وأبي هريرة، وابن
عباس، وجابر بن عبد الله، والبراء، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد، وأنس،
وجابر بن سمرة، وحُبْشيّ بن جُنادة، ومعاوية، وأسماء بنت عُميس، وغيرهم،
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٣٢/٢٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٢٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٢.
٥٥٩
(٤) - بَابُ فَضَائِلِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◌َُه - حديث رقم (٦١٩٧)
وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة عليّ، وقريب من هذا الحديث في
المعنى حديث جابر بن سمرة قال وَ ه لعليّ: ((مَن أشقى الأَوَّلِين؟)) قال: عاقر
الناقة، قال: ((فمن أشقى الآخرين؟))، قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((قاتِلُك))،
أخرجه الطبرانيّ، وله شاهد من حديث عمار بن ياسر عند أحمد، ومن حديث
صُهيب عند الطبرانيّ، وعن عليّ نفسه عند أبي يعلى، بإسناد ليّن، وعند البزار
بإسناد جيّد، ذكره في ((الفتح))(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤ / ٦١٩٧ و ٦١٩٨ و٦١٩٩ و٦٢٠٠ و٦٢٠١]
(٢٤٠٤)، و(البخاريّ) في ((الفضائل)) (٣٧٠٦) و((المغازي)) (٤٤١٦)،
و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٧٢٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٤/٥ و١٠٧
و١٠٨ و١١٣ و١١٩ و١٢٠ و١٢١ و١٢٢ و١٢٣ و١٢٤ و١٢٥)، و(ابن ماجه)
في ((المقدّمة)) (١١٥ و١٢١)، و(عبد الرزّاق) في ((مسنده)) (٢٠٣٩٠)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧١)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (١٧٣/١ و١٧٩ و١٨٥) وفي ((فضائل الصحابة)) (٩٥٧)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٢٦ و٦٩٢٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٩٨ و٧٠٩
و٧٣٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١٣٤٢ و١٣٤٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٠/٩) و((دلائل النبوّة)) (٢٢٠/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٩٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عليّ بن أبي طالب به، وأنه ذو مكانة عند الله
تعالى، حيث جعله من نبيّه وَ﴿ بمنزلة هارون من موسى ◌َّهِ، وهذا غاية
الفضل والكمال.
وقد وردت أحاديث في مناقبه ظه في غير هذا الموضع، منها: حديث
عمر: ((عليّ أقضانا))، وله شاهد صحيح من حديث ابن مسعود عند الحاكم،
ومنها حديث قتاله البغاة، وهو في حديث أبي سعيد: ((تقتل عماراً الفئة
(١) ((الفتح)) ٤٢٤/٨ - ٤٢٥، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٧٠٦).
٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الباغية))، وكان عمار مع عليّ، ومنها حديث قتاله الخوارج، وقد تقدم من
حديث أبي سعيد وغير ذلك مما يُعرف بالتتبع، وأوعب مَن جمع مناقبه من
الأحاديث الجياد: النسائيّ في ((كتاب الخصائص))، وأما حديث: ((من كنت
مولاه فعليّ مولاه))، فقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وهو كثير الطرُق جدّاً،
وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وکثیر من أسانيدها صحاح، وحسان،
قال الحافظ: وقد رَوينا عن الإمام أحمد قال: ما بلَغنا عن أحد من الصحابة
ما بلَغنا عن عليّ بن أبي طالب ◌َتُه، ذكره في ((الفتح))(١).
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ بإسناده إلى ضرار الصُّدائي، وقال له
معاوية: صِفْ لي عليّاً، فقال: أعفني يا أمير المؤمنين! قال: صِفْه، قال: أما
إذ لا بدّ من وَصْفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً،
ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش
من الدنيا وزهرتها، ويأنس من الليل ووحشته، وكان غزير الدَّمعة، طويل
الفكرة، يعجبه من اللباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خَشُن، كان فينا كأحدنا،
يجيبنا إذا سألناه، ويفتينا إذا استفتيناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقُربه منا لا
نكاد نكلمه هيبة له، يُعِظِّم أهل الدِّين، ويُقرب المساكين، لا يطمع القويّ في
باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد
أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته يتملل تملل السَّليم،
ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، أإليّ تعرضتٍ؟ أم إليّ
تشوَّفت؟، هيهات هيهات! قد بَتَتُّك ثلاثاً، لا رجعة فيها، فعمرك قصير،
وخطرك قليل، آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق؛ فبكى معاوية،
وقال: رحم الله أبا حسن! كان والله كذلك، كيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال:
حُزْن من ذُبح واحدها في حِجْرها، نقله القرطبيّ نَّثُ في ((المفهم)) (٢).
٢ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): استُدِلّ بحديث الباب على استحقاق
، فإن هارون كان خليفة موسى.
عليّ للخلافة دون غيره من الصحابة
وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته، لا بعد موته؛
(١) ((الفتح)) ٤٢٥/٨ - ٤٢٦.
(٢) («المفهم)) ٢٧٧/٦ - ٢٧٨.