Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ تَه - حديث رقم (٦١٧٦) وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر بزيادة فيه، فأخرج أحمد، وأبو داود، واختاره الضياء، من طريق أشعث بن عبد الرحمن الجرّميّ، عن أبيه، عن سمرة بن جندب: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلواً دُلِّي من السماء، فجاء أبو بكر، فأخذ بعراقَيها، فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر، فأخذ بعِراقَيها، فشرب حتى تضلَّع، ثم جاء عثمان، فأخذ بعراقَيها، فشرب حتى تضلَّع، ثم جاء عليّ، فأخذ بعراقيها، فانتُشِطَت، وانتضح عليه منها شيء)). وهذا يبَيَّن أن المراد بالنزع الضعيف، والنزع القوي: الفتوح والغنائم. وقوله: ((دُلِّيَّ)) بضم المهملة، وتشديد اللام؛ أي: أُرسل إلى أسفل. وقوله: ((بعِراقيها)) بكسر المهملة، وفتح القاف، والعراقان: خشبتان تُجعلان على فم الدلو، متخالفتان لربط الدلو. وقوله: (تضلع)) بالضاد المعجمة؛ أي: ملأ أضلاعه، كناية عن الشبع. وقوله: ((انتُشِطَت))، بضم المثناة، وكسر المعجمة، بعدها طاء مهملة؛ أي: نُزِعت منه، فاضطربت، وسقط بعض ما فيها، أو كله. قال ابن العربيّ: حديث سمرة يعارض حديث ابن عمر، أو هما خبران. قال الحافظ: الثاني هو المعتمَد، فحديث ابن عمر مصرِّح بأن النبيّ وَل هو الرائي، وحديث سمرة فيه أن رجلاً أخبر النبيّ وَلير أنه رأى. وقد أخرج أحمد من حديث أبي الطفيل شاهداً لحديث ابن عمر، وزاد فيه: ((فَرَدت عليّ غنم سُودٌ، وغنم عُفْرٌ - وقال فيه -: فأوَّلت السُّود العرب، والعُفْر العجم)). وفي قصة عمر: ((فملأ الحوض، وأروى الواردة)). ومن المغايرة بينهما أيضاً أن في حديث ابن عمر: ((نزع الماء من البئر))، وحديث سمرة فيه نزول الماء من السماء، فهما قصّتان تشد إحداهما الأخرى، وكأن قصة حديث سمرة سابقة، فنزل الماء من السماء، وهي خزانته، فأُسكِن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة، ثم أخرج منها بالدلو، كما دلّ عليه حديث ابن عمر. وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصر من السماء على الخلفاء، وفي ٤٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة حديث ابن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهر من الفتوح التي فتحوها . وفي حديث سمرة زيادةُ إشارةٍ إلى ما وقع لعليّ من الفتن، والاختلاف عليه، فإن الناس أجمعوا على خلافته، ثم لم يلبث أهل الجَمَل أن خرجوا عليه، وامتنع معاوية في أهل الشام، ثم حاربه بصفِّين، ثم غَلَب بعد قليل على مصر، وخرجت الحرورية على عليّ، فلم يحصل له في أيام خلافته راحة، فضُرِب المنام المذكور مثلاً لأحوالهم رضوان الله عليهم أجمعين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ نَّ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَّ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ، ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٢/٦. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش الأسديّ، مولى آل الزبير المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي، لم يَصِحّ أن ابن معين لَيَّنه [٥] (ت١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ وَّ) متعلّق بـ«حدّثنا أحمد بن عبد الله بن یونس)). (١) ((الفتح)) ٣٧٨/١٦ - ٣٧٩، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠١٩). ٤٦٣ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ حَظُه - حديث رقم (٦١٧٧) وقال في ((الفتح)): قوله: ((عن رؤيا النبيّ ◌َّ)) كأنه تقدّم للتابعيّ سؤال عن ذلك، فأخبره به الصحابيّ(١). وقوله: (فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿) متعلّق بحال مقدّر عن ((رؤيا رسول الله (َّ﴿)؛ أي: حالَ كونها كائنة فيما يتعلّق بمدّة خلافتهما. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث أحمد بن عبد الله بن يونس بنحو حديث ابن أبي شيبة، وابن نُمير، وفيه إطلاق ضمير الجماعة على الاثنين؛ إذ المراد شيخاه في السند الماضي، وهما: ابن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وقد تقدّم أن الأصحّ أن أقلّ الجمع اثنان، كما قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾، بعد قوله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الَْهِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]، وهذا الوجه أولى مما سلكه بعض الشرّاح(٢) من تغليط الرواية، زاعماً أن المرجع هو أبو بكر بن سالم. ومما يؤكّد كون مرجع الضمير شيخيه ما يأتي في حديث جابر التالي لهذا الحديث، من قوله: ((بمثل حديث ابن نُمير، وزُهير))، فقد نصّ هناك على شيخيه، وهذا مثله دون أيّ فرق، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة عن سالم هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُ في ((صحیحه)) بسند المصنّف، فقال: (٦٦١٧) - حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهير، حدثنا موسى، عن سالم، عن أبيه، عن رؤيا النبيّ وَّ في أبي بكر وعمر، قال: ((رأيت الناس اجتمعوا، فقام أبو بكر، فنزع ذَنوباً، أو ذَنوبين، وفي نَزْعه ضُعْفٌ، والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب، فاستحالت غرباً، فما رأيت في الناس مَن يَفْرِي فَرِيَّه، حتى ضَرَبَ الناسُ بعطن)). انتهى(٣). قال في ((الفتح)): وقوله: ((قال: رأيت)) القائلُ هو النبيّ وَّ، وحاكي ذلك عنه هو ابن عمر (١) ((الفتح)) ٣٧٨/١٦ - ٣٧٩. (٢) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٤٠٢/٢٢. (٣) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٧٦/٦. ٤٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة. وقوله: ((رأيت الناس اجتمعوا، فقام أبو بكر)) فيه اختصار، يوضحه ما قبله، وأن النبيّ وَّل بدأ أوّلاً، فنزع من البئر، ثم جاء أبو بكر. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َلَفُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٨] (٢٣٩٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَا جَابِراً، يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَاراً، أَوْ قَصْراً، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ))، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟). رجال هذين الإسنادين: ستة: ١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجُمحيّ المكيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير - بالتصغير - التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ ما نصّه: ((حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدّثنا أبي، حدّثنا سفيان ... إلخ)) فزاد: ((حدّثنا أبي))، وهو غلطٌ، والصواب ما في النُّسخ الأخرى: ((حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدّثنا سفيان))، وهو ابن عيينة، وقد أورده الحافظ المزّي في ((تحفته))(٢) هكذا، ولم يُشر إلى النسخة الأخرى، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (١) ((الفتح)) ٣٧٩/١٦ - ٣٨٠. (٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٥٧/٢. ٤٦٥ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٧٨) [تنبيه آخر]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ؛ كالأسانيد الثلاثة التالية، وهما (٤٧٣ و٤٧٤) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر ظُه صحابيّ ابن صحابيّ ﴿ًّا، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً . شرح الحديث : (عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَاراً) (عَنْ جَابِرٍ). قال الفيّوميّ كَُّهُ: الدار: معروفة، وهي مؤنّئةٌ، والجمع: أَدْوُرٌ، مثلُ أفلُس، وتُهمز الواو، ولا تُهمز، وتُقلب، فيقال: آدُرٌ، وتُجمع أيضاً على دِيار، ودُورٍ، والأصل في إطلاق الدور على الموضع، وقد تُطلق على القبائل مجازاً. (١) . انتھی وقال المجد تَّقُ: الدارُ: المحلُّ، يَجمعُ البِناءَ والعَرْصَةَ، من دَارَ يَدُورُ؛ الكَثْرِةٍ حَرَكاتِ النَّاسِ فيها، وقد تُذَكَّرُ، جَمْعه: أُدْؤُرٌ، وأدْوُرٌ، وآدُرٌ، ودِيارَةٌ، ودِيرانٌ، ودُورانٌ، ودُوراتٌ، ودِياراتٌ، وأدوارٌ، وأدوِرةٌ، قال: والدارَةِ بهاءٍ: كلُّ أرضٍ واسعةٍ بينَ جبالٍ، وما أحاطَ بالشيءٍ؛ كالدائرَةِ، ومن الرملِ: ما اسْتَدارَ منه. انتهى باختصار(٢)، وبزيادة يسيرة من ((التاج))(٣). وقوله: (أَوْ قَصْراً) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي، و((القصر)) بفتح، فسكون: المنزل، أو كلّ بيت من حَجَر، سُمِّيَ بذلك؛ لأَنّه يُقْصَرُ فيه الحُرَم؛ أي: يُحْبَسْن، وجَمْعه قُصُورٌ، وفي التَّنْزِيل العَزِيز: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾(٤). وفي رواية ابن حبّان: ((أُدخلت الجنّة، فرأيت فيها قصراً من ذهب، أو لؤلؤ، فقلت: لمن هذا القصر؟)). (فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) قال في ((الفتح)): والظاهر أن المخاطِب له بذلك جبريل، أو غيره من الملائكة. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَك))) - بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها راء - (١) ((المصباح المنير)) ٢٠٢/١ - ٢٠٣. (٣) ((تاج العروس)) ٢٨٣٦/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ٥٠٣/١. (٤) (تاج العروس)) ٣٣٩٩/١. ٤٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة قال عياض وغيره: هي مشتقة من تغيّر القلب، وهَيَجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين(١). وفي رواية للبخاريّ: ((فأردت أن أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك))، ووقع في رواية عن جابر في هذه القصة: ((دخلت الجنة، فرأيت فيها قصراً يُسمع فيه ضوضاء، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر))، والضوضاء - بمعجمتين مفتوحتين، بينهما واو، وبالمدّ، وهو صوت الناس. وفي حديث أبي هريرة الآتي: ((فذكرت غيرة عمر، فولّيت مدبراً)). وقال في ((العمدة)): قوله: ((فذكرت غيرته)) بالفتح، مصدر قولك: غار الرجل على أهله من فلان، وهي الحميّة، والأَنَفَة، يقال: رجل غيورٌ، وامرأة غيورٌ، وجاء امرأة غيراء، وصيغة غيور للمبالغة. انتهى(٢). (فَبَكَى عُمَرُ)، وفي حديث أبي هريرة: ((فبكى عمر، ونحن جميعاً في ذلك المجلس مع رسول الله (وَ )). قال ابن بطّال ◌َّتُهُ: وبكاء عمر يَحْتَمِل أن يكون سروراً، ويَحْتَمِل أن يكون تشوقاً، أو خشوعاً، ووقع في رواية أبي بكر بن عياش، عن حميد من الزيادة: ((فقال عمر: وهل رفعني الله إلا بك؟، وهل هداني الله إلا بك؟))، قال الحافظ: رَوَيناه في ((فوائد عبد العزيز الحربيّ)) من هذا الوجه، وهي زيادة غريبة. انتهى (٣). (وَقَالَ: أَيْ)؛ أي: حرف نداء للقريب، وقيل: للبعيد، (رَسُولَ اللهِ) بالنصب على النداء، (أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟) بالبناء للمفعول، وفي حديث أبي هريرة: ((ثم قال عمر: بأبي أنت يا رسول الله، أعليك أغار؟))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أعليك أغار؟)) معدود من القلب، والأصل: أعليها أغار منك؟ انتهى(٤). وقال في (العمدة)): قوله كَخَُّهُ؛ ((أعليك أغار؟)) هذا من القلب؛ لأن الأصل: أعليها أغار منك؟ وقال الكرمانيّ: والأصل أن يقال: أمنك أغار (١) ((الفتح)) ٦٦٧/١١ - ٦٦٨ رقم (٥٢٢٠). (٢) ((عمدة القاري)) ١٥/ ١٥٢. (٣) ((الفتح)) ٣٧٧/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٧٩). (٤) (الفتح)) ٣٧٧/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٦٧٩). ٤٦٧ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٧٨) عليها؟ ثم أجاب بأن لفظ ((عليك)) ليس متعلقاً بقوله: ((أغار))، بل معناه: أمستعلياً عليك أغار عليها؟ قال: ودعوى القياس المذكور ممنوعة؛ إذ لا مُحوِج إلى ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه، ويَحْتَمِل أن يكون أطلق ((عَلَى))، وأراد ((مِنْ))، كما قيل: إن حروف الجر تتناوب. انتهى (١)، والله تعالى أعلم مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله . (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٧٨/٢ و٦١٧٩] (٢٣٩٤)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥٢٢٦) و((التعبير)) (٧٠٢٤) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((المصنّف)) (٢٨/١٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٣٥ و١٢٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٩/٣)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (٢٣ و٢٤ و٢٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٨٦)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢/ ٣٩٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٦٧/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه فضيلةً ظاهرةً لعمر . ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من مراعاة الصحبة. ٣ - (ومنها): بيان جواز ذِكر الرجل بما عُلِم من خُلُقه كغيرة عمر قال ابن بطال: فيه الحكم لكل رجل بما يُعْلَم من خُلُقه. رضُرِعَيْه ٤ - (ومنها): أن الجنّة مخلوقة وموجودة الآن. ٥ - (ومنها): إثبات البشرى بالرؤيا، ولا سيّما رؤيا النبي ◌َّ هِ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة نظراته قال: سمعت (١) ((عمدة القاري)) ١٩٣/١٦، بزيادة من ((الفتح)) ٤١٦/١٢. ٤٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة ـ رسول الله * يقول: ((لم يبق من النبوة إلا المبشِّرات))، قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة)). وأخرجا أيضاً عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت ◌ًّا عن النبي وَّ قال: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة))(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِراً (ح) وَحَدَّثَنَهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِراً، عَنِ النَّبِّ رَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرٍ). رجال هذه الأسانيد: سبعة : وكلّهم ذُكروا في الباب، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((سفيان)) هو: ابن عيينة، و(عمرو)) هو: ابن دينار، و((ابن المنكدر)) هو: محمد . [تنبيه]: من لطائف هذه الأسانيد: أنها كلها من رباعيّات المصنّف ◌َخّلُهُ، كسابقيها، وهي (٤٧٥ و٤٧٦ و٤٧٧)، وفي الإسنادين الأخيرين بيان سماع عمرو وابن المنكدر من جابر څئه . وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ ثُمَيْرٍ، وَزُهَيْرٍ)؛ يعني: أن حديث إسحاق، وابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلّهم عن ابن عيينة، مثل حديث ابن نمير، وزهير كلاهما عنه. [تنبيه آخر]: رواية إسحاق بن إبراهيم عن سفيان بن عيينة ساقها أبو يعلى تَخْتُ في ((مسنده))، فقال: (٢٠١٤) - حدّثنا إسحاق، حدّثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، سمعه (١) مرَّ في هذا الشرح في كتاب ((الرؤيا)) برقم [٥٨٩٥/١] (٢٢٦٤). ٤٦٩ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ظُه - حديث رقم (٦١٨٠) من جابر، وعمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وخلقه: ((دخلت الجنة، فرأيت فيها داراً، أو قصراً، فسمعت فيه صوتاً، أو ضوضاء، فقلت: لمن هذا؟ قيل: هو لابن الخطاب))، قال سفيان: زاد ابن المنكدر: ((فأردت أن أدخله، فذكرت غَيْرتك، فبكى عمر، قال: يا نبي الله، أَوَ أغار علیك؟)). انتهى(١). ورواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان ساقها هو في ((مصنّفه))، فقال: (٣١٩٩٣) - حدّثنا ابن عيينة، عن عمرو، سمع جابراً يقول: قال رسول الله صل: ((دخلت الجنة، فرأيت فيها داراً، أو قصراً، فسمعت صوتاً، فقلت: لمن هذا؟ قيل: لعمر، فأردت أن أدخلها، فذكرت غَيْرتك، فبكى عمر، وقال: يا رسول الله، أعليك أغار؟)). انتهى (٢). وأما رواية عمرو الناقد عن سفيان، فلم أجد من ساقها، فَلْيُنْظَرْ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٠] (٢٣٩٥) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ؛ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبٍ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرَاً)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وقد تقدّم الإسناد نفسه في هذا الباب قبل سبعة أحاديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، (١) ((مسند أبي يعلى)) ١٣/٤. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥٥/٦. ٤٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضيله رأس المكثريثن السبعة. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ)، وفي رواية البخاريّ: ((قال: أخبرني سعيد بن الْمُسَيِّب، أن أبا هريرة قال: بينا نحن جلوس ... )). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ) هي ((بين الظرفيّة))، أُشبعت فتحتها فتولّدت منها الألف، قال في ((اللسان)): أصل ((بينا)): ((بَيْنَ))، فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفاً، ويقال: ((بينا))، و((بينما))، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه ((إذ))، و((إذا))، وقد جاءا في الجواب كثيراً، تقول: بينا زيدٌ جالسٌ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقَة بنت النعمان [من الطويل]: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ (١) وقوله: (إِذْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء، والضمير للمتكلّم، وفيه وقوع الفاعل والمفعول ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، وهو مختصّ بأفعال القلوب، ﴾ [العلق: ٧]، وأُلحقت في ذلك ((رأى)) الحُلميّة قال الله وَل: ﴿أَن رَءَاهُ أَسْتَغْنَى والبصريّة بكثرة، نحو ﴿إِنَّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الکامل] : وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً مِنْ عَنْ يَمِيْنِي تَارَةً وَأَمَامِي وأُلحقت أيضاً ((عَدِمَ))، و(فَقَد))، و((وَجَدَ)) بمعنى (لَقِيَ)) بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني، ولا ظلمتني، اتّفاقاً؛ لئلا يكون الفاعل مفعولاً، بل يقال: ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، وإنما جاز ذلك في أفعال القلوب؛ لأن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، (١) ((لسان العرب)) ١٢ / ٦٦. ٤٧١ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ رَظُه - حديث رقم (٦١٨٠) فلا ضرر في اتّحاده مع الفاعل(١)، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة، والله تعالى أعلم. (فِي الْجَنَّةِ) قال الإمام ابن حبّان ◌َظُّهُ بعد إخراجه لحديث أبي هريرة هذا ما نصّه: في هذا الخبر: ((بينما أنا نائم))، وفي خبر جابر: ((أُدخلت پته، الجنة))، وأُدخل الجنة وَليه ليلة أُسري به، فرأى قصر عمر بن الخطاب فسأل عن القصر، فأخبروه أنه لعمر، وبينما النبيّ وَّ﴿ نائم مرّةً أخرى؛ إذ رأى كأنه أُدخل الجنّة، وإذا امرأة إلى جانب قصر تتوضّأ، فسأل عن القصر، فقالت: لعمر بن الخطّاب، لفظ خبر أبي هريرة بخلاف لفظ خبر جابر، فدلّك ذلك على أنهما خبران في وقتين متباينين، من غير أن يكون هناك تضادّ، ولا تَهَاتُر. انتهى كلام ابن حبّان ◌َُّ(٢)، وهو جَمْع حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا امْرَأَةٌ) ((إذا)) هي الفجائيّة، وهي تختصّ بالجملة الاسميّة، كهذا الحديث، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، والتقدير هنا: ففجاءني وجود امرأة. وفي رواية للبخاريّ: ((رأيتُني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرُّمَيصاء امرأة أبي طلحة))، قال في ((الفتح)): هي أم سليم، والرُّميصاء بالتصغير صفة لها؛ لِرَمَصٍ كان بعينها، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل غير ذلك، وقيل: هو اسمها، ويقال فيه: بِالْغين المعجمة بدل الراء، وقيل: هو اسم أختها أم حرام، وقال أبو داود: هو اسم أخت أم سليم من الرضاعة، وجوَّز ابن التين أن يكون المراد: امرأة أخرى لأبي طلحة. انتهى(٣). (تَوَضَّأُ) بفتح أوله، وأصله تتوضأ، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفاً؛ كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) وقوله: ((تَوَضأُ)): جملة في محلّ جرّ صفة لـ((امرأة))؛ أي: وضوءاً (١) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٢٢١/١ - ٢٢٢. (٢) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣١٢/١٥. (٣) ((الفتح)) ٣٧٦/٨ رقم (٣٦٨٠). ٤٧٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة حقيقيّاً، وهذا هو الظاهر، وقال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، ولا يُنْكَر كونها تتوضأ حقيقةً؛ لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها، فذاك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله: ((توضأ إلى جانب قصر)) أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير الحقيقة، ورؤيا المنام لا تُحمل دائماً على الحقيقة، بل تَحتمل التأويل، فيكون معنى كونها تتوضأ أنها تحافظ في الدنيا على العبادة، أو المراد بقوله: ((توضأ))؛ أي: تستعمل الماء لأجل الوضاءة على مدلوله اللغويّ، وفيه بُعْد. قال الجامع عفا الله عنه: كون الوضوء حقيقيّاً هو الحقّ، كما هو ظاهر الحديث، كما أسلفته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وأغرب ابن قتيبة، وتبعه الخطابيّ، فزعم أن قوله: ((تتوضأ)) تصحيف، وتغيير من الناسخ، وإنما الصواب امرأة شوهاء، ولم يستند في هذه الدعوى إلا إلى استبعاد أن يقع في الجنة وضوء؛ لأنه لا عمل فيها، وعدم الاطلاع على المراد من الخبر لا يقتضي تغليط الحفاظ، ثم أخذ الخطابيّ في نقل كلام أهل اللغة في تفسير الشوهاء، فقيل: هي الحسناء، ونقله عن أبي عبيدة، وإنما تكون حسناء إذا وُصفت بها الفَرَس، قال الجوهريّ: فرس شوهاء صفة محمودة، والشوهاء: الواسعة الفم، وهو مستحسن في الخيل، والشوهاء من النساء: القبيحة، كما جزم به ابن الأعرابيّ وغيره. وقد تعقب القرطبيّ كلام الخطابيّ، لكن نَسَبه إلى ابن قتيبة فقط، قال ابن قتيبة بدل تتوضأ: شوهاء، ثم نقل أن الشوهاء تُطلق على القبيحة والحسناء. قال القرطبيّ: ووضوء هذه المرأة في الجنّة إنما هو لتزداد حُسْناً ونوراً، لا لتزيل وَسَخاً، ولا قَذَراً؛ إذ الجنة مُنَزَّهة عن ذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((أمشاطهم الذهب، ومَجَامِرُهم الأَلُوّة))، متفقٌ عليه(١). وقال في ((الفتح)) (٢): وقد ترجم عليه البخاري في ((كتاب التعبير)): ((باب الوضوء في المنام))، فبَطَل ما تخيّله الخطابي. انتهى. وقال الكرمانيّ: قوله: ((تتوضّأ)) من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، (١) ((المفهم)) ٢٥٧/٦ - ٢٥٨. (٢) ((الفتح)) ٥٧/٧ - ٥٨. ٤٧٣ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٨٠) ويَحْتَمِل أن يكون من الوضء، ولا يَمنع من ذلك كون الجنّة ليست دار تكليف؛ لجواز أن يكون على غير التكليف. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر(٢): ويَحْتَمِل أن لا يراد وقوع الوضوء منها حقيقة؛ لكونه مناماً، فيكون مثالاً لحالة المرأة المذكور، وقد ثبت أنها أم سليم، وكانت في قيد الحياة حينئذ، فرآها النبيّ وَّ في الجنّة إلى جانب قَصْر عمر ظُبه، فيكون تعبيره بأنها من أهل الجنّة؛ لقول الجمهور من أهل التعبير: إن من رأى أنه دخل الجنة أنه يدخلها، فكيف إذا كان الرائي لذلك أصدق الخلق وَ﴿، وأما وضوؤها، فيُعبّر بنظافتها حسّاً ومعنى، وطهارتها جسماً وروحاً، وأما كونها إلى جانب قصر عمر ظه، ففيه إشارة إلى أنها تُدرك خلافته، وکان کذلك. ولا يُعارض هذا ما ثبت من أن رؤيا الأنبياء حقّ، والاستدلال على ذلك بغَيرة عمر؛ لأنه لا يلزم من كون المنام على ظاهره أن لا يكون بعضه يفتقر إلى تعبير، فإن رؤيا الأنبياء حقّ - يعني: أنها ليست من أضغاث الأحلام - سواء كانت على حقيقتها، أو مثالاً. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي ذكره الحافظ ◌َُّهُ هو الأظهر عندي، يؤيّد ذلك أن ما يراه النبيّ وٍَّ وإن كان حقّاً من نوع الوحي، إلا أن بعضه يقبل التأويل، كما في الحديث الذي أخرجه أحمد، والترمذيّ بسند حسن عن ابن عباس ﴿ما قال: تنفَّل رسول الله وَلفور سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أُحد، فقال: رأيت في سيفي ذي الفقار فَلَّّ، فأوّلته فَلّ يكون فيكم، ورأيت أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشاً فأوّلته كبش الكَتِيبة، ورأيت أَني في دِرْعِ حَصِينة فأوّلتها المدينة، ورأيت بَقَراً تُذبَح فبقر والله خير، فبقر والله خير، فكان الذي قال رسول الله وَله . فقد وقع كل ما ذكره في هذا الحديث على التأويل، فلا يُستبعد أن يكون رؤيته في قصّة وضوء المرأة من هذا القبيل. والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٣٧٦/٨ رقم (٣٦٨٠). (٢) هو في كتاب ((التعبير)) ٥١٩/١٢ - ٥٢٠ الحديث رقم (٧٠٢٣ - ٧٠٢٤). ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (إِلَى جَانِبٍ قَصْرِ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟) القصر (فَقَالُوا)؛ أي: الملائكة: هو (لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رَبِهِ (فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ)؛ أي: شدّة غَيرته، وحِدّتها، قال الجرجاني: ((الغيرة): كراهة شركة الغير في حقّه. انتهى(١). وقال الفيّوميّ: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغار، من باب تعب غَيْراً وغَيْرَةً، قال ابن السّكّيت: ولا يُقال: غِيراً وغِيرَةً بالكسر، فالرجل غيورٌ، والمرأة غَيور أيضاً، وغَيْرَى. انتهى(٢). ووقع في حديث جابر ظته بلفظ: ((فذكرت غَيرتك)) بكاف الخطاب، وفي رواية للبخاريّ في ((النكاح)): ((فأردت أن أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك)). ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن المنكدر وعمرو بن دينار جميعاً عن جابر بلفظ: ((دخلت الجنة، فرأيت فيها قَصْراً، يُسمَع فيه ضَوْضَاء، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر)). و((الضوضاء)) - بمعجمتين مفتوحتين، بينهما واو، وبالمد -: أصوات الناس. (فَوَلَّيْتُ مُدْبِرً))) حال مؤكّدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال في ((الخلاصة)): فِي نَحْوِ («لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا» وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه (فَبَكَى عُمَرُ) تَبه، وقوله: (وَنَحْنُ جَمِيعاً فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ) جملة في محلّ نصب على الحال، (ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) رَبُهُ (بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ)، وفي رواية البخاريّ: ((بأبي أنت، وأمّي يا رسول الله))، وقوله: ((بأبي أنت وأمي)): الباء متعلقة بمحذوف، تقديره: أنت مَفْديٌّ بأبي، فيكون المحذوف اسماً، وما بعده في محل الرفع على الخبرية، ويجوز أن يكون المحذوف فعلاً، تقديره: فَدَيْتك بأبي، ويكون ما بعده في محل النصب، قاله في ((العمدة))(٣). (أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟)؛ يعني: أنه وإن كانت الغَيرة في الحقّ محمودة، إلا أنها (١) راجع: ((التعريفات)) للشريف الجرجاني ص١١٦. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٥٨/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٣٠٤/٣. ٤٧٥ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٨١) لا تليق بجنابك، فإنك أعلى من ذلك؛ إذ حصول هذه النعم بسبب، كما قال عمر رظته في رواية سبقت: ((وهل رفعني الله إلا بك؟ وهل هداني الله إلا بك؟))، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: . هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٨٠/٢ و٦١٨١] (٢٣٩٥)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٤٢) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٨٠) و((النكاح)) (٥٢٢٥) و((التعبير)) (٧٠٢٣)، و(النسائيّ) في ((الفضائل)) (٢٧)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٠٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٩١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و((أبو يعقوب)) هو: إبراهيم بن سعد الزهريّ، و((صالح)) هو: ابن كيسان الغفاريّ المدنيّ. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد ◌َُّهُ في ((مسنده))، فقال: (٨٤٥١) - حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن صالح، قال ابن شهاب: حدّثني ابن المسيِّب، أن أبا هريرة قال: إن رسول الله وَل* قال: ((بينما أنا نائم، رأيتني في الجنة، فإذا امرأة توضأ إلى جنب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غَيْرتك، فوَلَّيتُ مُذْبراً))، وعمر ◌ََّقُ حين يقول ذلك رسول الله * جالس عنده، مع القوم، فبكى عمر حين سمع ذلك من ٤٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رسول الله 8* قال: أعليك بأبي أنت أغار يا رسول الله؟. انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٢] (٢٣٩٦) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَغْنِي: ابْنَ سَعْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنَّ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَّ سَعْدِ بْنٍ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ سَعْداً قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهَِّهِ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُكَلِّمْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ، وَرَسُولُ اللهِ وَهـ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ))، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي، وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ؟، قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَغْلَظُ، وَأَفَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُ سَالِكاً فَجّأَ، إِلَّا سَلَكَ فَجّأَ غَيْرَ فَجَِّكَ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) بن الخطاب العَدَويّ، أبو عُمر المدنيّ، ثقةٌ [٤] تُوُفّي بِحَرَّان في خلافة هشام (ع) تقدم في ((السلام)) ١٦ / ٥٧٧٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلَقَّب ظلَّ الشيطان؛ لِقِصَرَه، ثقةٌ [٣] قتله الحجاج بعد الثمانين (خ م مد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٨٨/٧٢. ٣ - (أَبُوهُ سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن (١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٣٩/٢. ٤٧٧ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُه - حديث رقم (٦١٨٢) كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور، وهو آخر العشرة وفاة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. والباقون ذكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه بالنسبة للإسناد الأول فهو من سُباعيّاته، فهو أعلى، وبالنسبة للثاني فهو من ثُمانيّاته، فهو أنزل، وفيه أربعة من التابعين في نَسَق واحد، روى بعضهم عن بعض، قرينان، وهما: صالح، وابن شهاب، وقریبان، وهما: عبد الحميد، ومحمد بن سعد، وكلهم مدنيّون(١)، قال النوويّ: وقد رأى عبدُ الحميد ابن عبّاس ﴿ّ. انتهى، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه سعد بن أبي وقّاص ◌ُه الصحابيّ الشهير، أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وآخر من مات منهم، وأول من رَمَى بسهم في سبيل الله، ومناقبه كثيرة شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) بن الخطاب، كان والياً لعمر بن عبد العزيز على الكوفة (٢). (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ سَعْداً) (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) بن الخطاب (عَلَى رَسُولِ اللهِ ن ◌َّ)؛ أي: في الدخول في مجلسه، (وَعِنْدَهُ نِسَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهؤلاء النساء هنّ من أزواجه، ويَحْتَمِلَّ أن يكون معهنّ من غيرهنّ؛ لكن قرينة قوله: ((يستكثرنه)) يؤيد الأول، والمراد: أنهنّ يطلبن منه أكثر مما يعطيهنّ، وزعم الداودي أن المراد: أنهن يكثرن الكلام عنده، وهو مردود بما وقع التصريح به في حديث جابر ظه عند مسلم أنهن يطلبن النفقة، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا بما فيه نظرٌ(٣)، فتنبّه. (١) ((الفتح)) ٣٨١/٨. (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ١٩٥/١٦. (٢) ((عمدة القاري)) ١٩٥/١٦. ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة (يُكَلِّمْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ)؛ أي: يطلبن منه أن يُعطيهنّ كثيراً، (عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ) بنصب ((عالية)) على الحال، ويجوز رَفْعه على أن يكون صفة لـ(نساء)). وقال النوويّ: قوله: ((ويستكثرنه عالية أصواتهن)) قال العلماء: معنى (يستكثرنه)): يطلبن كثيراً من كلامه، وجوابه بحوائجهن، وفتاويهنّ، وقوله: ((عالية أصواتهنّ)) قال القاضي: يَحْتَمِل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته وَله، ويَحْتَمِل أن عُلُوّ أصواتهنّ إنما كان باجتماعها، لا أن كلام كل واحدة بانفرادها أعلى من صوته وَّله. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال ابن التين يَحْتَمِل أن يكون رفع أصواتهنّ على صوته وَّ قبل نزول النهي عن رفع الصوت على صوته، أو كان ذلك طبعهنّ. انتهى، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون الرفع حصل من مجموعهنّ، لا أن كل واحدة منهنّ كان صوتها أرفع من صوته، وفيه نَظَر، قيل: ويحتمل أن يكون فيهنّ جهيرة، أو النهي خاصّ بالرجال، وقيل: في حقهن للتنزيه، أو كنّ في حال المخاصمة، فلم يتعمّدن، أو وَثِقْن بعفوه، ويُحْتَمَل في الخلوة ما لا يُحْتَمَل في غيرها. انتهى(٢) . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الاحتمالات هو الأول، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) رَبُه (قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ)؛ أي: يتسابقن إلى الدخول فيه قبل أن يواجههنّ عمر بالتعنيف والتوبيخ، (فَأَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، من باب عَلِم. (لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ)، وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ وَهـ يَضْحَلُك) جملة في محلّ نصب على الحال، وإنما ضحك وَّهُ تعجباً من حالهنّ حين سمعن صوت عمر ◌َُّه. (فَقَالَ عُمَرُ) رَبُهُ (أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ) لَمْ يُرِدْ به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازِمه، وهو السرور، أو نفي ضدّ لازِمه، وهو الحزن(٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ) النساء (اللَّتِي كُنَّ (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/١٥. (٢) ((الفتح)) ٣٨١/٨ - ٣٨٢، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨٣). (٣) ((الفتح)) ٣٨٢/٨، و((عمدة القاري)) ١٩٥/١٦. ٤٧٩ (٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ نَّه - حديث رقم (٦١٨٢) عِنْدِي) يتكلّمن عاليات أصواتهنّ، (فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ))، قَالَ عُمَرُ) ◌َظُه (فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرٌ) ◌َ لُبه لهؤلاء النساء (أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي) بفتح الهاء، من الهيبة؛ أي: توقرنني، وقال البغويّ: هو من قولهم: هِبتُ الرجلَ: إذا وقّرته، وعظّمته، يقال: هَبِ الناسَ يهابوك؛ أي: وقّرهم يوقّروك. انتهى (١). (وَلَا تَهَبْنَ)؛ أي: لا توقّرن (رَسُولَ اللهِ وٍَّ؟) المستحقّ لذلك، (قُلْنَ: نَعَمْ) نَهَبُك؛ لأنك (أَنْتَ أَعْلَظُ، وَأَفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) قال النوويّ: الفظّ، والغليظ: بمعنى، وهو عبارة عن شدّة الْخُلُق، وخشونة الجانب، قال العلماء: وليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى فظّ غليظ، قال القاضي: وقد يصحّ حملها على المفاضلة، وأن القَدْر الذي منها في النبيّ وَ﴿ هو ما كان من إغلاظه على الكافرين، والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. الآية [التوبة: ٧٣]، وكان يَغضب، ويَغلُظ عند انتهاك حرمات الله تعالى، والله أعلم. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): ((أفظّ، وأغلظ)) بالمعجمتين بصيغة أفعل التفضيل، من الفظاظة، والغلظة، وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل، ويعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، فإنه يقتضي أنه رَسُ لم يكن فظاً ولا غليظاً. والجواب: أن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة، فلا يستلزم ما في الحديث ذلك، بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال، وهو عند إنكار المنكر مثلاً، والله أعلم. وجوَّز بعضهم أن الأفظّ هنا بمعنى الفظّ، وفيه نظر؛ للتصريح بالترجيح المقتضي لحَمْل أفعل على بابه، وكان النبيّ ◌َ ير لا يواجه أحداً بما يكره إلا في حقّ من حقوق الله، وكان عمر يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقاً، وطَلَب المندوبات، فلهذا قال النسوة له ذلك، قاله في ((الفتح))(٣). (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٥٦/١٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/١٥ - ١٦٦. (٣) ((الفتح)) ٣٨٢/٨. ٤٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة وقال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((أَنْتَ أَعْلَظُ، وَأَفَظُ)) لم يُرِد مزيد الفظاظة والغلظة لعمر نظبه على رسول الله وَله، فإنه كان حليماً مواسياً، رقيق القلب في الغاية، بل المبالغة في فظاظة عمر ظبه مطلقاً. انتهى (١). (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)، وفي رواية البخاريّ: فقال رسول الله ◌َله: إيهاً يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده ... )). وقوله: ((إيهاً يا ابن الخطاب)): قال أهل اللغة: ((إيهاً)) بالفتح والتنوين معناها: لا تبتدئنا بحديث، وبغير تنوين كُفَّ من حديثٍ عهدناه، و ((إيه)) بالكسر والتنوين معناها: حدّثنا ما شئت، وبغير التنوين: زدنا مما حدثتنا، قال الحافظ: ووقع في روايتنا بالنصب والتنوين، وحَكَى ابن التين أنه وقع له بغير تنوين، وقال: معناه: كُفّ عن لومهنّ. وقال الطيبيّ: الأمر بتوقير رسول الله و له مطلوب لذاته تُحمد الزيادة منه، فكان قوله ◌َّلـ: ((إيه)) استزادة منه في طلب توقيره، وتعظيم جانبه، ولذلك عقَّبه بقوله: ((والذي نفسي بيده ... إلخ))، فإنه يُشعر بأنه رضي مقالته، وحَمِد فِعاله، والله أعلم. انتهى(٢) . (مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجّأ)؛ أي: طريقاً واسعاً، وقوله: ((قط)) تأكيد للنفي، (إِلَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجَِّكَ))) قال النوويّ: الفجّ: الطريق الواسع، ويُطلق أيضاً على المكان المنخرق بين الجبلين، وهذا الحديث محمول على ظاهره أن الشيطان متى رأى عمر سالكاً فَجّاً هرب هيبةً من عمر، وفارق ذلك الفجّ، وذهب في فجّ آخر؛ لشدة خوفه من بأس عمر تظلبه أن يفعل فيه شيئاً، قال القاضي عياض: ويَحْتمل أنه ضُرب مثلاً لِبُعد الشيطان، وإغوائه منه، وأن عمر في جميع أموره سالك طريق السداد، خلاف ما يأمر به الشيطان، والصحيح الأول. انتهى(٣). وقال القرطبيّ: قوله: ((غير فجِّك)): الفج: الطريق الواسع، وهو أيضاً: (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٥٦/١٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٥٦/١٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/١٥ - ١٦٦.