Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ حَظُه - حديث رقم (٦١٧٠)
((الكبرى)) (٣٨٦/٤ و٣٨٧ و٤٠/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٣٨٤)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٣/٢ و١٠٨ و١٣٠ و١٤٧ و١٥٤)، وفي ((فضائل
الصحابة)) (٣٢٠ و٥١٥ و٥٧٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٨/٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٧٨)، و(الفسويّ) في ((المعرفة)) (٤٥٥/١ - ٤٥٦)،
و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١٢٥٦)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٣/
٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٩/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٨٨٠)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٢٨/٤٤ و١٢٩ و١٣٠)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عمر
ضىعنه .
٢ - (ومنها): مشروعيّة تعبير الرؤيا، ورعاية المناسبة بين التعبير وما له
التعبير.
٣ - (ومنها): أن رؤيا اللبن في المنام تعبيره العلم، كما فسّره به النبيّ وَلـ
في هذا الحديث، قال في ((الفتح)): والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس،
بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله وَّه، واختَصَّ عمر ◌َله بذلك؛ لطول مدته
بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة
أبي بكر ظُه كانت قصيرة، فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في
الاختلاف، ومع ذلك فَسَاسَ عُمَر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه
أحد، ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال، واختلفت
الآراء، ولم يتفق له ما اتَّفَق لعمر، من طواعية الخلق له، فنشأت مِن ثَمّ
الفتن، إلى أن أفضى الأمر إلى قَتْله ◌َظُبه، واستُخلف عليّ ◌َظُه، فما ازداد
الأمر إلا اختلافاً، والفتن إلا انتشاراً. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أن الرؤيا من شأنها أن لا تُحْمَل على ظاهرها، وإن كانت
رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يُحْمَل على
ظاهره.
(١) ((الفتح)) ٣٧٩/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨١).

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٥ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ كَُّ: اللبن رزق يخلقه الله طيِّباً بين
أخباث، من دم وفرث؛ كالعلم نور يُظهره الله في ظلمة الجهل، فضُرب به
المَثَل في المنام، قال بعض العارفين: الذي خَلَّصَ اللبن من بين فرث ودم قادر
على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، ويحفظ العمل عن غفلة وزلل،
وهو كما قال، لكن اطّردت العادة بأن العلم بالتعلم، والذي ذَكَره قد يقع
خارقاً للعادة، فيكون من باب الكرامة.
٦ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة تَخْتُهُ: تأوَّل النبيّ وََّ اللبنَ بالعلم؛
اعتباراً بما بُيِّن له أوّلَ الأمر حين أُتي بقدح خمر، وقدح لبن، فأخذ اللبن،
فقال له جبريل ظلّل: أخذت الفطرة ... الحديث، قال: وفي الحديث
مشروعية قصّ الكبير رؤياه على من دونه، وإلقاء العالم المسائل، واختبار
أصحابه في تأويلها، وأن من الأدب أن يردّ الطالب عِلم ذلك إلى معلمه،
قال: والذي يظهر أنه لم يُرِدْ منهم أن يعبروها، وإنما أراد أن يسألوه عن
تعبيرها، ففَهِموا مراده، فسألوه، فأفادهم، وكذلك ينبغي أن يُسْلَك هذا الأدبُ
في جميع الحالات، قال: وفيه أن عِلم النبيّ ◌َّ بالله لا يبلغ أحد درجته فيه؛
لأنه شَرِب، حتى رأى الرِّيّ يخرج من أطرافه، وأما إعطاؤه فَضْله عمر، ففيه
إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، بحيث كان لا يأخذه في الله لومة
لائم، قال: وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي، والحال، والمستقبل،
قال: وهذه أُوّلت على الماضي، فإن رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع؛ لأن الذي
أعطيه وَ ر من العلم كان قد حصل له، وكذلك الذي أعطيه عمر نظره، فكانت
فائدة هذه الرؤيا تعريف قَدْر النسبة بين ما أعطيه وَّر من العلم وما أعطيه
عمر بطلبه(١).
٧ - (ومنها): ما قال المهلّب ◌َّه: رؤية اللبن في النوم تدلّ على السُّنَّة،
والفطرة، والعلم، والقرآن؛ لأنه أول شيء يناله المولود من طعام الدنيا، وبه
تقوم حياته، كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو يناسب العلم من هذه الجهة،
وقد يدلّ على الحياة؛ لأنها كانت في الصِّغَر، وقد يدلّ على الثواب؛ لأنه من
(١) ((الفتح)) ٣٧٩/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨١).

٤٤٣
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ تَظُه - حديث رقم (٦١٧١)
نعيم الجنة؛ إذ رُوي نهر من اللبن، وقد يدلّ على المال والحلال، قال: وإنما
أوَّله النبيّ وَّه بالعلم في عمر ظُه؛ لصحة فطرته، ودِينه، والعلم زيادة في
الفطرة.
[فإن قلت]: رؤيا الأنبياء للّهُ حقّ، فهل كان هذا الشراب، وما يتعلق به
واقعاً حقيقةً، أو هو على سبيل التخيل؟.
[قلت]: واقع حقيقةً، ولا محذور فيه؛ إذ هو ممكن، والله على كل شيء
قدير، ذَكَره في ((العمدة))(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧١] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ،
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) القفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و((عُقيل)) هو: ابن خالد الأيليّ،
و((صالح)) هو: ابن كيسان، وكلاهما يرويان هذا الحديث عن ابن شهاب
الزهريّ، كما رواه يونس عنه بسنده في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية عُقيل عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ كَُّ في
((صحيحه))، فقال:
(٨٢) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل،
عن ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن ابن عمر قال: سمعت
رسول الله ﴾ قال: ((بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت، حتى إني لأرى
الرِّيَّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب))، قالوا: فما
أوَّلته يا رسول الله؟ قال: ((العلم)). انتهى(٢).
ورواية صالح بن كيسان ساقها أيضاً البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه))، فقال:
(١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٧.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٤٣/١.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(٦٦٠٥) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا
أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدّثني حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع
عبد الله بن عمر ﴿هَا يقول: قال رسول الله وَّيقول: ((بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن،
فشربت منه، حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج من أطرافي، فأعطيت فضلي عمر بن
الخطاب))، فقال مَن حَوْلَهُ: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: ((العلم)).
(١)
انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧٢] (٢٣٩٢) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا
مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوباً، أَوْ ذَنُوبَيْنٍ، وَفِي نَزْعِهِ
- وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ - ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْباً، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً
مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ)؛
أي: أخبر ابنَ شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَبِهِ حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ) حال كونه (يَقُولُ: ((بَيْنَا) تقدّم البحث فيها قريباً. (أَنَا نَائِمٌ،
رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي
قُحَافَةً) هو: أبو بكر الصدّيق ◌َُّه. (فَتَزَعَ بِهَا ذَنُوباً) بفتح الذال المعجمة، وهو
الدلو الممتلئ ماءً، وقال ابن فارس: هو الدلو العظيم.
وقال القرطبيّ: قوله: ((فنزعت))؛ أي: استقيتُ، وأصل النزع: الجذب،
والقليب: البئر غير المطويّة، وهي التي عَبّر عنها في الرواية الأخرى بالحوض،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٦/ ٢٥٧١.

٤٤٥
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ نَظُه - حديث رقم (٦١٧٢)
والحوض: مُجْتَمَع الماء، والبكرة: الخشبة المستديرة التي تدور بالحبل.
انتھی.
وقوله: (أَوْ ذَنُوبَيْنٍ) للشكّ من الراوي، وقال القرطبيّ: الذَّنُوب: الدَّلو،
والغَرْب أكبر منها، وقوله: ((أو ذنوباً أو ذنوبين)) هو شكّ من بعض الرُّواة، وقد
جاء بغير شك: ((ذنوبين)) في الرواية الأخرى، وهي أحسن. انتهى.
وقال النوويّ تَّقُهُ: أما القليب: فهي البئر غير المطويّة، والدلو: يُذكّر
ويؤنّث، والذنوب بفتح الذال: الدلو المملوءة، والغَرْب: بفتح الغين المعجمة،
وإسكان الراء، وهي الدلو العظيمة، والنزع: الاستقاء، والضعف: بضم
الضاد، وفتحها، لغتان مشهورتان، والضم أفصح، ومعنى استحالت: صارت،
وتحوَّلت، من الصِّغَر إلى الكِبَر، وأما العبقريّ: فهو السيّد، وقيل: الذي ليس
فوقه شيء. انتهى(١).
(وَفِي نَزْعِه)؛ أي: في استقائِهِ (- وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ - ضَعْفٌ) بفتح الضاد
المعجمة، وضمّها لغتان، قال النوويّ تَخْلُ: وليس في قوله: ((وفي نزعه
ضعف)) حطّ من فضيلة أبي بكر الصديق ◌ُه، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه،
وإنما هو إخبار عن مدّة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر؛ لِطُولها،
ولاتّساع الإسلام، وبلاده، والأموال، وغيرها من الغنائم، والفتوحات، ومَصَّر
الأمصارَ، ودَوَّن الدواوين، بخلاف أبي بكر ◌َّبه، فإنه اشتغل بقتال أهل
الردّة، فلم يتفرغ لفتح الأمصار، وجباية الأموال، ولقِصَر مدته، فإنها سنتان
وثلاثة أشهر وعشرون يوماً .
وكذلك قوله وقالله: ((والله يغفر له)) فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى
ذَنْب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يُدَعِّمون بها كلامهم، ونِعْمَت الدِّعامة،
وقد سبق في الحديث في ((صحيح مسلم)): أنها كلمة كان المسلمون يقولونها :
افعل كذا، والله يغفر لك، قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر
وعمر ها، وصحة ولايتهما، وبيان صفتها، وانتفاع المسلمين بها. انتهى(٢).
(ثُمَّ اسْتَحَالَتْ)؛ أي: تحوّلت، وانقلبت تلك الذنوب من الصِّغَر إلى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/١٥ - ١٦٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦١/١٥.

٤٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الكِبَر، فصارت (غَرْباً) بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء: الدلو العظيم،
يُسقى به البعير، فهي أكبر من الذنوب، (فَأَخَذَهَا)؛ أي: تلك الذنوب التي
تحوّلت إلى الغرب عمر (بْنُ الْخَطَّابِ) ◌َبهِ، قال ◌ََّ: (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً مِنَ
النَّاسِ) ((الْعَبْقَريّ)) - بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وفتح القاف،
وكسر الراء، وتشديد الياء -: هو الحاذق في عمله، وهذا عبقريّ قومه؛ أي:
سيدهم، وقيل: أصل هذا من عبقر، وهي أرض يسكنها الجنّ، فصار مَثَلاً
لكل منسوب إلى شيء غريب في جودة صنعته، وكمال رفعته، وقيل: عبقر قرية
تُعمل فيها الثياب الحسنة، فيُنسب إليها كل شيء جيّد، وقال الخطابيّ:
العبقريّ: كل شيء يبلغ النهاية في الخير والشرّ، ذكره في ((العمدة)) (١).
وقال القرطبيّ: قال الأصمعيّ: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقريّ،
فقال: يقال: هذا عبقريُّ قومه؛ كقولهم: سيّد قومه، وكبيرهم، وقويُّهم. وقال
أبو عبيد: وأصله: أنه نسبة إلى أرض تسكنها الجنّ، فصارت مَثَلاً لكل منسوب
لشيء رفيع. ويقال: بل هي أرضهن يُعمل فيها الوشي، والبرود، يُنسب إليها
الوشي العبقريّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]، وقال أبو
عبيد: العبقري: الرجل الذي ليس فوقه شيء. انتهى(٢).
(يَنْزِعُ) بكسر الزاي، من باب ضرب، (نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ)
وفي حديث ابن عمر الآتي: ((فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً مِنَ النَّاسِ، يَفْرِي فَرْيَهُ)). (حَتَّى
ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) - بفتح العين، والطاء المهملتين - أي: أرْووا إبلهم، ثم
آووها إلى عَطَنها، وهو الموضع الذي تُساق إليه، بعد السقي؛ لتستريح، قاله
النوويّ دخلتُهُ.
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: العَطَنُ للإبل: الْمُنَاخُ والْمَبْرَك، ولا يكون إلا حَوْلَ
الماء، والجمع: أَعْطَانٌ، مثلُ سَبَب وأَسَبْاَب، والمَعْطِنُ: وزانُ مجلس مِثله،
وعَطَنَتِ الإبل، من بابي ضرب، وقتل عُطُوناً، فهي عَاطِنَةٌ، وعَوَاطِنُ، وعَطَنُ
الغنم، ومَعْطِئُهَا أيضاً: مَرْبَضُها حولَ الماء، قاله ابن السِّكِّيت، وابن قتيبة،
وقال ابن فارس: قال بعض أهل اللغة: لا تكون أَعْطَانُ الإبل إلا حول الماء،
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/١٦.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٥/٦.

٤٤٧
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ تَظُه - حديث رقم (٦١٧٢)
فأما مباركها في الْبَرّيّة، أو عند الحيّ، فهي المَأْوَى، وقال الأزهريّ أيضاً:
عَطَنُ الإبل: موضعها الذي تتنحى إليه، إذا شربت الشَّرْبة الأولى، فتبرك فيه،
ثم يُملأ الحوض لها ثانياً، فتعود من عَطَنِهَا إلى الحوض، فَتَعُلُّ؛ أي: تشرب
الشربة الثانية، وهو العلل، لا تَعْظُنُ الإبل على الماء إلا في حَمَارّةٍ (١) القيظ،
فإذا بَرَد الزمانُ فلا عَطَن للإبل، والمراد بِالمَعَاطِنِ في كلام الفقهاء: المَبَارك.
(٢)
انتھی(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: معنى: ((حتى ضرب الناس بعطن))؛ أي: أرووا
إبلهم، وأصله أنهم يَسقون الإبل، ثم يُعطنونها؛ أي: يتركونها حول الحياض؛
لتستريح، ثم يعيدون شربها، يقال منه: عَطَنت الإبلُ، فهي عاطنة، وعواطن،
وأعطنتها أنا. حكاه ابن الأنباريّ. وفي ((الصحاح)): عَطَنتُ الجلدَ، أَعْطِنه
عَظْناً، فهو معطون: إذا أخذت عَلْقَى - وهو نبت - أو فرئاً، وملحاً، فألقيت
الجدل فيه، وغَممته؛ ليتفسّخ صوفه، ويسترخي، ثم تلقيه في الدباغ، وعَطِن
الإهابُ - بالكسر - يَعْطَن عَطَناً فهو عَطِنٌّ: إذا أنْتَن، وسقط في العَظْن، وقد
انعطن. والعَطَن والْمَعْطَن واحد الأعطان، والمعاطن، وهي مَبَارِك الإبل عند
الماء؛ لتشرب عَلَلاً بعد نَهَلٍ، فإذا استوفت رُدّت إلى المراعي والأظماء،
وعَطَنت الإبلُ - بالفتح - تَعْطُنَ، وتَعْطِن عُطُونَاً: إذا رَوِيَت، ثم بَرَكَت، فهي:
إبل عَاطِنة، وعَوَطِن، وقد ضَرَبت الإبل بعَطَن: أي: بركت. قال ابن السِّكيت:
وكذلك تقول: هذا عَطَنُ الغنم ومَعْطَنها: لمرابضها حول الماء(٣).
قال القرطبيّ: وقد جاء معنى هذه الرواية مفسَّراً في الرواية الأخرى التي
قال فيها: ((فجاء عمر، فأخذه منِّ؛ يعني: الدلو، فلم أَرَ نَزْع رجل قط أقوى
منه، حتى تَوَلَّى الناسُ، والحوض ملآنٌ يتفجر))، وفي هذه من الزيادة ما يدلّ على
أن عمر ◌ُّه يُتَوَفَّى ويبقى النصر، والفتح بعده متصلاً، وكذلك كان. انتهى (٤).
(١) الحَمَارّة - بتخفيف الميم، وتشديد الراء - وتخفّف في الشِّعر: شدّة الحرّ. اهـ.
«القاموس)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٤١٦/٢ - ٤١٧.
(٣) ((الصحاح)) للجوهريّ ص٧١٧.
(٤) ((المفهم)) ٢٥٦/٦ - ٢٥٧.

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
وقال في ((العمدة)): ((الْعَطَن)): مبرك الإبل حول موردها؛ لتشرب عَلَلاً
بعد نَهَلٍ، وتستريح منه، وقال القاضي: ظاهر لفظ ((حتى ضرب الناس)) أنه
عائد إلى خلافة عمر ظه، وقيل: يعود إلى خلافتهما؛ لأن بتدبيرهما،
وقيامهما بمصالح المسلمين تَمّ هذا الأمر؛ لأن أبا بكر تَظُهُ جَمَع شملهم،
وابتدأ الفتوح، وتكامل في زمن عمر رظ ◌ُبه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٧٢/٢ و٦١٧٣ و٦١٧٤ و٦١٧٥] (٢٣٩٢)،
و(البخاريّ) في ((فضائل الصحابة)) (٣٦٦٤) و((التعبير)) (٧٠٢١ و٧٠٢٢)
و ((التوحيد)) (٧٤٧٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٥/٤ و٣٩/٥)، و(الشافعيّ)
في ((مسنده)) (٢٨٠/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١/١٢ -٢٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٨/٢ و٤٥٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٨٩٨)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٣٦٩/١ و٢٣/٣)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (١٥٣/٨) و((الدلائل)) (٣٤٤/٦ و٣٤٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٨٨٢ و٣٨٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عمر نظُّله، وإنما حصل له هذا الفضل؛ لطول
أيامه، وما فتح الله له من البلاد، والأموال، والغنائم في عهده، وأنه مَصّر
الأمصار، ودَوّن الدواوين.
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ تَخْدَثُ: هذا المنام مثالٌ لِمَا جرى للخليفتين،
من ظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبيّ وَّة؛ إذ هو
صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرّر القواعد، ثم خَلَفه أبو بكر هُبه
سنتين، فقاتل أهل الردّة، وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر رُله، فاتسع الإسلام
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/١٦.

٤٤٩
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٧٣)
في زمنه، فقد شبّه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي به حياتهم، وصلاحهم،
وسقيهما قيامهما بمصالحهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وهذه الرُّؤيا هي مثال لِمَا فتح الله
تعالى على يدي النبيّ وَّ﴾، ويدي الخليفتين بعده، من الإسلام، والبلاد،
والفيء، فالنبيّ وَالّ هو مبدأ الأمر، وممكَّنٌ منه، وأبو بكر تَّه بعده، غير
أن مقدار ما فتح الله على يديه من بلاد الكفر قليل؛ لأن مدَّة خلافته كانت
سنتين وثلاثة أشهر اشتَغَل في معظمها بقتال أهل الرِّدَّة، ثم لمّا فرغ منها
أَخَذ في قتال أهل الكفر، ففتح في تلك المدَّة بعض العراق، وبعض
الشام، ثمَّ مات ◌َظُه، ففتح الله على يدي عمر رَّه سائر البلاد، واتَّسعت
خُطّة الإسلام شرقاً، وغرباً، وشاماً، وعَظُمت الفتوحات، وكثرت الخيرات
والبركات التي نحن فيها حتى اليوم، فعبّر عن سنتي خلافة أبي بكر
بالذَّنوبين، وعن قلَّة الفتوحات فيها بالضعف، وليس ذلك وهناً في عزيمته،
ولا نقصاً في فضله على ما هو المعروف من همَّته، والموصوف من
حالته.
وقوله: ((والله يغفر له)) لا يظنّ جاهل بحال أبي بكر ظُله: أن هذا
الاستغفار لأبي بكر كان لذنب صدر عنه، أو لتقصير حصل منه؛ إذ ليس في
المنام ما يدلّ على شيء من ذلك؛ وإنما هذا دعامٌ للكلام، وسنادٌ، وصلة،
وقد تقدَّم في الحديث أنها كانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا، والله يغفر
لك، وهذا نحو قولهم: تربت يمينك، وألَّت! وقاتله الله! ونحو ذلك، مما
تستعمله العرب في أضعاف كلامها على ما تقدَّم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(٢)،
وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦١/١٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٤/٦ - ٢٥٥.

٤٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحِ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ،
نَحْوَ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: رواية عُقيل عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ تَكْثُ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٦١٨) - حدّثنا سعيد بن عُفير، حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل، عن
ابن شهاب، أخبرني سعيد، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله وَ له قال: ((بينا
أنا نائم، رأيتني على قليب، وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها
ابن أبي قُحافة، فنزع منها ذنوباً، أو ذنوبين، وفي نزعه ضَعْف، والله يغفر له،
ثم استحالت غَرْباً، فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عَبْقريّاً من الناس، ينزع
نَزْع عمر بن الخطاب، حتى ضَرَبَ الناس بِعَطَنٍ. انتهى (١).
ورواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب ساقها اللالكائيّ نَّثُهُ في ((اعتقاد
أهل السُّنَّة))، فقال:
(٢٤٨٠) - أنا محمد بن الحسين الفارسيّ، قال: نا أحمد بن سعيد
الثقفيّ، قال: نا محمد بن يحيى الذَّهْليّ، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد،
نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني سعيد، أن أبا هريرة قال:
قال رسول الله ويلقى: ((بينا أنا نائم، رأيتني نزعت على قليب، فنزعت منها ما
شاء الله، ثم نزع ابن أبي قحافة ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف،
وليغفره الله، فأخذها ابن الخطاب، فاستحالت غَرْباً، فلم أر عَبْقَريّاً نزع نَزْعه،
حتى ضرب الناس بِعَطَنٍ)). انتهى(٢).
[تنبيه آخر]: هذه الرواية ساقها البخاريّ تَظُّ في ((كتاب التوحيد))، من
((صحيحه))، لكنه خالف في إسنادها، فلذا عَدَلت عنه إلى ما أوردته من رواية
اللالكائيّ، ونصّه تَّتُ :
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٧٦/٦.
(٢) ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) ١٣٠٧/٧.

٤٥١
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ رَته - حديث رقم (٦١٧٤)
(٧٠٣٧) - حدّثنا يَسَرَةُ بن صَفْوان بن جميل اللَّخْميّ، حدّثنا إبراهيم بن
سعد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى: ((بينا أنا نائم، رأيتني على قليب، فنزعت ما شاء الله، أن
أنزع، ثم أخذها ابن أبي قُحافة، فنزع ذنوباً أو ذنوبين، وفي نَزْعه ضعف، والله
يغفر له، ثم أخذها عمر، فاستحالت غَرْباً، فلم أر عبقريّاً من الناس، يَفْري
فَرِيَّه، حتى ضَرَب الناسُ حوله بعَطَنٍ)). انتهى(١).
فقد خالف رواية مسلم فأسقط صالحاً من السند، ولذلك عدلت عنه، وقد
نّه الحافظ تَّتُ على هذا فقال: وقوله في السند: ((حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن
الزهريّ))، خالفه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، فقال: ((عن صالح بن
كيسان، عن الزهريّ))، زاد بين إبراهيم والزهريّ صالِحاً، أخرجه مسلم، نَّه
على ذلك أبو مسعود، وقد تعقبه قبله الإسماعيليّ، فقال: إنما يُعرف عن
إبراهيم، عن صالح، عن الزهريّ، ثم ساقه من رواية جماعة، عن إبراهيم بن
سعد كذلك، وقال: يَبعُد تواطؤهم على الغلط، وقال الْبَرْقانيّ: في كل من رواه
عن إبراهيم أدخل بينه وبين الزهري صالِحاً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ،
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ الأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ يَنْزِعُ))، بِنَحْوِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و((الحلوانيّ)) هو: الحسن بن عليّ
الخلال.
[تنبيه]: رواية الأعرج عن أبي هريرة هذه ساقها ابن عساكر تَخّْلهُ في
((تاريخ دمشق))، فقال:
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٧١٨/٦.
(٢) ((الفتح)) ٤٥٢/١٣.

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أنبأنا أبو عليّ الحداد، وحدّثني أبو مسعود عبد الرحيم بن عليّ، أنا أبو
نعيم الحافظ، نا سليمان بن أحمد، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة
الْحَوْطيّ، نا أبو اليمان، أنا شعيب، نا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَلجر: ((أرى ابن أبي قحافة ينزع ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه
ضعف، والله يغفر له، ثم نزع ابن الخطاب، فلم أر عبقريّاً من الناس، يَفْرِي
فَرِيّه، حتى ضَرَب الناسُ بعَطَنٍ)). انتهى(١) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي
عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ،
حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى
حَوْضِي، أَسْقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَتَزَعَ
دَلْوَيْنٍ، وَفِي نَزْعِهِ ضُعْفٌ - وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ - فَجَاءَ ابْنُ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ أَرَ
نَزْعَ رَجُلٍ قَطَّ أَقْوَى مِنْهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ، وَالْحَوْضُ مَلَآنُ يَتَفَجَُّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ) بن مسلم المصريّ، لقبه بَحْشَل - بفتح
الموحّدة، وسكون المهملة، بعدها شين معجمة - يكنى أبا عبيد الله، صدوق تغيّر
بأخرة [١١] (ت٢٦٤) (م) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٧٧/١٩.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو
أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٣ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سُلَيم بن جُبير الدَّوْسيّ، المصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤.
والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (أُرِيتُ ... إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي:
أراني الله تعالى نفسي في المنام.
(١) ((تاريخ مدينة دمشق)) ٢٤٦/٤٤.

٤٥٣
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُه - حديث رقم (٦١٧٥)
وقوله: (أَنِّي أَنْزِعُ) بكسر الزاي، من باب ضرب.
وقوله: (أَنْزِعُ عَلَى حَوْضِي)، وفي رواية البخاريّ: ((رأيت أني على
حوضٍ، أسقي الناس))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية المستملي،
والكشميهنيّ: ((على حوضي))، والأول أولى، وكأنه كان يملأ من البئر،
فيسكُب في الحوض، والناس يتناولون الماء لبهائمهم وأنفسهم، وإن كانت
رواية المستملي محفوظةً احْتَمَل أن يريد حوضاً له في الدنيا، لا حوضه الذي
في القيامة. انتهى(١).
وفي الرواية الماضية: ((رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما
شاء الله))، والجمع بينهما أن القليب هو البئر المقلوب ترابها قبل الطيّ، والحوض
هو الذي يُجعل بجانب البئر لِشُرب الإبل، فلا منافاة، قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: (أَسْقِي النَّاسَ) بفتح الهمزة، من سقى ثلاثيّاً، وضمّها، من أسقى
رباعيّاً .
وقوله: (لِيُرَوِّحَنِي) بضم أوله، وتشديد الواو، من الترويح، وفي رواية
همّام)): (ليُريحني))، من الإراحة؛ أي: ليزيل التعب عني من نَصَب الدنيا،
ومعاناة الأمة، ومقاساة تدبيرهم(٣).
قال العلماء: فيه إشارة إلى نيابة أبي بكر نظرائه عنه وَ*، وخلافته بعده،
وراحته 0 * بوفاته من نَصَب الدنيا، ومشاقّها، كما قالِ وَّ: «مُستريحٌ،
ومستراحٌ منه ... )) الحديث، و((الدنيا سجن المؤمن))، و((لا كَرْب على أبيك
بعد اليوم)»(٤).
وقوله: (فَزَعَ دَلْوَيْنِ) إشارة إلى مدّة خلافته ظُه، وهي نحو سنتين.
وقوله: (حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ)؛ أي: تركوا السقي منه؛ لارتواء دوابّهم.
وقوله: (وَالْحَوْضُ مَلَآنُ)؛ أي: ممتلىء بالماء، يقال: هو مَلَآنُ، وهي
ملآى، وملآنةُ، والجمع مِلاءٌ بالكسر، أفاده في ((القاموس)).
(١) ((الفتح)) ٣٧٥/١٦ - ٣٧٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٠/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٢٢).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٩٧/٧.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٦١.

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧٦] (٢٣٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ،
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِم، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((أُرِيثُّ كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ،
فَتَزَعَ ذَنُوباً، أَوْ ذَنُوبَيْنٍ، فَنَزَعَ نَزْعاً ضَعِيفاً - وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ - ثُمَّ جَاءَ
عُمَرُ، فَاسْتَقَى، فَاسْتَحَالَتْ غَرْباً، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً مِنَ النَّاسِ، يَقْرِي فَرْيَهُ، حَتَّى رَوِيَ
النَّاسُ، وَضَرَبُوا الْعَطَنَ (١))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبدي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد بن صالح على مالك في
نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ، عن عروة، عنها
[٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ،
ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، عن النبيّ ◌َّيّ حديث الباب فقط، وروى عنه عبيد الله بن
عمر العمريّ، قال أبو حاتم: لا أعرف اسمه، وذكره ابن سعد في الطبقة
الرابعة من المدنيين، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط.
٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العَدَويّ، أبو عُمر،
أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وكان ثبتاً
(١) وفي نسخة: ((وضربوا بعطن)).

٤٥٥
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٧٦)
عابداً فاضلاً، كان يُشَبَّه بأبيه في الهدي، والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر
سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالتحديث إلا في
موضعين، وبالمدنيين من عبيد الله، والباقون كوفيّون، وفيه رواية الراوي عن
أبيه، عن أبيه، وفيه أبو بكر لا يُعرف اسمه، وهو ممن انفرد الشيخان به،
وليس له عندهما إلا هذا الحديث، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى
(٢٦٣٠) حديثاً.
شرح الحديث:
عن (عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) الْعُمريّ المدنيّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ
سَالِمٍ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، قال في ((الفتح)): وهو من أقران
الراوي عنه، وهما مدنيان، من صغار التابعين، وأما أبوه سالم فمعدود من
كبارهم، وهو أحد الفقهاء السبعة، وليس لأبي بكر بن سالم في البخاريّ غير
هذا الموضع، ووثّقه العجليّ، ولا يُعرف له راوٍ إلا عبيد الله بن عمر المذكور،
وإنما أخرج له البخاريّ في المتابعات. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كذلك ليس له عند مسلم إلا هذا الحديث،
وأخرجه بمتابعة موسى بن عقبة، كما في الرواية التالية، والله تعالى أعلم.
(عَنْ) أبيه (سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((أُرِيتُ) بالبناء للمفعول، كما تقدّم قبله. (كَأَنِّي أَنْزِعُ
بِدَلْوِ بَكْرَةٍ) بفتح الموحدة، والكاف على المشهور، وحَكَى بعضهم تثليث أوله،
ويجوز إسكانها على أن المراد نسبة الدلو إلى الأنثى من الإبل، وهي الشابة؛
أي: الدلو التي يُسقَى بها، وأما بالتحريك فالمراد: الخشبة المستديرة التي
(١) ((الفتح)) ٣٨٠/٨، كتاب ((الفضائل)) رقم (٣٦٨٢).

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يُعَلّق فيها الدلو، قاله في ((العمدة))(١).
(عَلَى قَلِيبٍ) بفتح القاف، وكسر اللام: هو البئر، وهو مذكّر، قال
الأزهريّ: القليب عند العرب: البئر العاديّة القديمة، مطويّةً كانت، أو غير
مطويّة، والجمع: قُلُبُ، مثلُ بَرِيد وبُرُدٍ، قاله الفيّوميّ(٢).
(فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ◌َُّه (فَتَزَعَ ذَنُوباً، أَوْ ذَنُوبَيْنٍ) قال في ((الفتح)):
كذا هنا، ومِثْله لأكثر الرواة، ووقع في رواية همام: ((ذنوبين))، ولم يشكّ،
ومثله في رواية أبي يونس، والذَّنوب بفتح المعجمة: الدلو الممتلئ. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: الذَّنُوب: وزانُ رَسُول: الدلو العظيمة، قالوا: ولا
تُسمّى ذَنُوباً حتى تكون مملوءةً ماءً، وتُذكّر، وتؤنّث، فيقال: هو الذَّنُوب، وهي
الذُّنُوب، وقال الزجّاج: مذكّرٌ لا غير، وجمعه ذِنَابٌ، مثلُ كتاب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الزجّاج يردّه هذا الحديث، حيث إنها
في قوله: ((فاستحالت)) بالتاء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَنَزَعَ) أبو بكر ◌َظُه (نَزْعاً ضَعِيفاً) قد ذكر الشافعيّ ◌َّتُهُ تفسير هذا
الحديث في ((الأُمّ))، فقال بعد أن ساقه: ومعنى قوله: ((وفي نزعه ضعف)):
قِصَرُ مدته، وعجلة موته، وشُغْله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح، والازدياد
الذي بلغه عمر ظه في طول مدته. انتهى، وقد تقدّم ما قاله غير الشافعيّ من
الأئمة، قريباً، فلا تغفل، والله تعالى أعلم.
(وَاللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ) قال النوويّ: هذا دعاء من المتكلم؛ أي: أنه
لا مفهوم له، وقال غيره: فيه إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر بنظُبه، وهو نظير قوله
تعالى لنبيّهِ وَّهِ: ﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: ٣]،
فإنها إشارة إلى قُرب وفاة النبيّ وَّر، قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون فيه إشارة
إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صُنْع له فيه؛ لأن سببه قِصَرُ مدته، فمعنى المغفرة
له: رفع الملامة عنه. انتهى. وقد تقدّم البحث قريباً، فلا تنس.
(١) ((عمدة القاري)) ١٩٤/١٦، و((الفتح)) ٤٦/٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥١٢.
(٣) ((الفتح)) ٣٧٦/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠١٩).

٤٥٧
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٧٦)
(فَاسْتَقَى، فَاسْتَحَالَتْ) الذَّنُوب، هذا يردّ
(ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ) بن الخطاب
ما تقدّم عن الزجّاج، كما أسلفته. (غَرْباً) بفتح المعجمة، وسكون الراء، بعدها
موحدة، وزان فَلْس: الدلوَ العظيمةَ، يُستقى بها على السانية(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فاستحالت في يده غرباً))؛ أي: تحولت الدلو
غرباً، وهي بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، بلفظ مقابل
الشرق، قال أهل اللغة: الغرب: الدلو العظيمة المتَّخَذة من جلود البقر، فإذا
فتحت الراء فهو الماء الذي يسيل بين البئر والحوض، ونقل ابن التين عن أبي
عبد الملك البُونيّ أن الغرب كل شيء رفيع، وعن الداوديّ قال: المراد أن
الدلو أحالت باطن كفيه حتى صار أحمر من كثرة الاستسقاء، قال ابن التين:
وقد أنكر ذلك أهل العلم، ورَدُّوه على قائله. انتهى(٢).
(فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً مِنَ النَّاسِ) قال في ((المشارق)): العبقريّ: النافذ الماضي
الذي لا شيء يفوقه، قال أبو عمر: وعبقريُّ القوم: سيدهم، وقَيِّمهم،
وكبيرهم، وقال الفرّاء: العبقريّ: السيد، والفاخر من الحيوان، والجوهر،
والبساط المنقوش، وقيل: هو منسوب إلى عبقر موضع بالبادية، وقيل: قرية
يُعمل فيها الثياب البالغة في الحُسن، والبُسُط، وقيل: نسبة إلى أرض تسكنها
الجنُّ تَضرب بها العرب المثل في كل شيء عظيم، قاله أبو عبيدة، قال ابن
الأثير: فصاروا كلما رأوا شيئاً غريباً مما يصعب عمله، ويدُقّ، أو شيئاً عظيماً
في نفسه نَسَبوه إليها، فقالوا: عبقريّ، ثم اتُّسِع فيه حتى سُمّي به السيد الكبير.
انتھی .
(يَفْرِي فَرْيَهُ) قال في ((العمدة): قوله: ((يَفرِي)) بكسر الراء، و((فَرْيه)) بفتح
الفاء، وسكون الراء، وتخفيف الياء، ويُرْوَى ((فَرِيَّه)) بفتح الفاء، وكسر الراء،
وتشديد الياء؛ أي: يَعْمل عملاً مُصلحاً، ويقطع قَطْعهُ مُجيداً، يقال: فلان
يَفري فريه: إذا كان يأتي بالعَجَب في عمله، وقال الخليل: يقال في الشجاع:
ما يَفري أحد فريه مخففة الياء، ومَن شدَّد أخطأ، يقال: معناه: ما كل أحد
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٦/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠١٩).

٤٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
(١)
يفري على عمله. انتهى"
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((يفري فريه)): الرواية المشهورة بكسر الراء
وتشديد الياء، ويُروَى بتسكين الراء، وتخفيف الياء، وأنكر الخليل التثقيل،
وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويقوى قوّته، وأصل الفري: القطع، يقال:
فلان يفري الفري؛ أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ
شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]؛ أي: عظيماً بالغاً في فنِّه، يقال: فَرَيتُ الأديمَ: إذا
قطعته على جهة الإصلاح، وأفريته: إذا قطعته على جهة الإفساد. انتهى (٢).
وقال النوويّ كَّتُ: أما ((يفري)) فبفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الراء،
وأما ((فريه))، فرُويَ بوجهين: أحدهما: ((فَرْيه)) بإسكان الراء، وتخفيف الياء،
والثانية: كسر الراء، وتشديد الياء، وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل
التشديد، وقال: هو غلط، واتفقوا على أن معناه: لم أر سيِّداً يَعمل عمله،
ويقطع قَطْعه، وأصل الفري بالإسكان: القطع، يقال: فريتُ الشيءَ أَفْرِيه فَرْياً:
قطعته للإصلاح، فهو مَفْريّ، وفَرِيٌّ، وأفريته: إذا شققته على جهة الإفساد،
وتقول العرب: تركته يَفري الفَرْيَ إذا عَمِل العمل، فأجاده، ومنه حديث
حسان رَُّه: ((لأفرينّهم فَرْيَ الأَدِيم))؛ أي: أقطعهم بالهجاء، كما يُقْطَع
(٣)
الأديم. انتهى (٣).
(حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ) بكسر الواو، وفتح الياء: فعل ماض، ومضارعه يَرْوَى
- بفتح الواو - من الرِّيّ: وهو الامتلاء من الشراب، ومعناه: أنهم رَؤُوا في
أنفسهم، وقوله: (وَضَرَبُوا الْعَطَنَ)))، وفي بعض النسخ: ((وضربوا بعطن))؛ أي:
رَوَوْا إبلهم، وأصله أنهم يسقون الإبل، ثم يُعطنونها؛ أي: يتركونها حول
الحياض؛ لتستريح، ثم يعيدون شربها .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى ضرب الناس بعطن)) بفتح المهملتين،
وآخره نون: هو ما يُعَدّ للشرب حول البئر، من مَبَارك الإبل، والمراد بقوله:
((ضَرَبَ))؛ أي: ضَرَبت الإبلُ بعطن بركت، والعطن للإبل؛ كالوطن للناس،
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/١٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٢/١٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٥/٦ - ٢٥٦.

٤٥٩
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ حَظُه - حديث رقم (٦١٧٦)
لكن غَلَب على مبركها حول الحوض، ووقع في رواية أبي بكر بن سالم، عن
أبيه، عند أبي بكر بن أبي شيبة: ((حتى رَوِيَ الناسُ، وضربوا بعطن))، ووقع في
رواية همام: ((فلم يزل ينزع حتى تولى الناسُ، والحوض يتفجر))، وفي رواية
أبي يونس: ((ملآن ينفجر)).
قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أن المراد خلافة عمر، وقيل:
هو لخلافتهما معاً؛ لأن أبا بكر جَمَع شَمْل المسلمين أوّلاً بدفع أهل الردّة،
وابتدأت الفتوح في زمانه، ثم عَهِدَ إلى عمر، فكثرت في خلافته الفتوح،
واتسع أمر الإسلام، واستقرت قواعده.
وقال غيره: معنى عِظَم الدلو في يد عمر: كون الفتوح كثرت في زمانه،
ومعنى ((استحالت)): انقلبت من الصِّغَر إلى الكِبَر.
وقال النوويّ: قالوا: هذا المنام مثال لِمَا جرى للخليفتين من ظهور
آثارهما الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبيّ وَله؛ لأنه
صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقَرَّر قواعد الدين، ثم خَلَفه أبو بكر،
فقاتل أهل الردّة، وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر، فاتسع الإسلام في زمنه، فشَبَّهَ
أمرَ المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم، وصلاحهم، وشَبَّهَ بالمستقى
لهم منها، وسقيُهُ هو قيامه بمصالحهم.
وفي قوله: ((ليريحني)) إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبيّ وَلتر؛ لأن
في الموت راحةً من كَدَر الدنيا، وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة، ومعاناة
أحوالهم.
وأما قوله: ((وفي نزعه ضعف)) فليس فيه حطّ من فضيلته، وإنما هو إخبار
عن حاله في قِصَر مدة ولايته، وأما ولاية عمر، فإنها لمّا طالت كَثُر انتفاع الناس
بها، واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح، وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين.
وأما قوله: ((والله يغفر له)) فليس فيه نقص له، ولا إشارة إلى أنه وقع منه
ذَنْب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها، يدعمون بها الكلام. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٣٧٧/١٦ - ٣٧٨، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠١٩).

٤٦٠
بسببـ
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٧٦/٢ و٦١٧٧] (٢٣٩٣)، و(البخاريّ) في
((الأنبياء)) (٣٦٣٣) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٧٦ و٣٦٨٢) و((التعبير)) (٧٠١٩
و٧٠٢٠)، و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٨٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٣٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٢٧ و٢٨ و٣٩ و٨٩ و١٠٤ و١٠٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٩٩/١٢
و٣٠١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٨٧/٩ و٣٩٤)، و(اللالكائيّ) في («اعتقاد
أهل السُّنَّة)) (١٣٠٨/٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٤/٨)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الإعلامّ بخلافة الشيخين، وصحة ولايتهما، وكثرة
الانتفاع بهما، فكان كما قال ◌َله، وقال ابن العربيّ تَخَّلهُ: ليس المراد بالدلو
التقدير الدالّ على قِصَر الحظّ، بل المراد التمكن من البئر.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى من رأى أنه يَستخرج من بئر ماء أنه يلي
ولاية جليلةً، وتكون مدته بحسب ما استخرج قلةً وكثرةً، قال في ((الفتح)): وقد
تُعْبَر البئر بالمرأة، وما يخرج منها بالأولاد، وهذا الذي اعتمده أهل التعبير،
ولم يعرِّجوا على الذي قبله، فهو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، لكنه بحَسَب حال
الذي ينزع الماء، والله أعلم. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): إن قولَه: (بدلو بكرة)) فيه إشارة إلى
صِغَر الدلو قبل أن يصير غَرْباً، وأخرج أبو ذرّ الهرويّ في ((كتاب الرؤيا)) من
حديث ابن مسعود ظُه نحو حديث الباب، لكن قال في آخره: ((فَعَبِّرها يا أبا
بكر، قال: أَلِي الأمرَ بعدك، ويليه بعدي عمر، قال: كذلك عَبَرها المَلَك))،
وفي سنده أيوب بن جابر، وهو ضعيف، وهذه الزيادة منكرة.
(١) ((الفتح)) ٣٧٧/١٦ - ٣٧٨، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠١٩).