Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٦٧)
وقال الأبيّ كَُّهُ: قوله: ((وايم الله إن كنت لأظنّ)) فيه صِدْق ظنّه في دَفْنه
معهما كما ذَكَر، قال: ولا يقال: فيه الحلف على الظنّ؛ لأن حَلِفه إنما هو
على وقوع الظنّ منه، لا على المظنون صِدْقه الذي جعله ابن الموّاز اليمين
الغموس. انتھی(١).
(إِنْ كُنْتُ) ((إِنْ)) بكسر الهمزة مخفّفة من الثقيلة، ولذا لزمت اللام بعدها،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
تُلْفِيهِ غَالِباً بِـ((إِنْ)) ذِي مُوصَلَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلَا
(لأَظُنُّ) اللام هي الفارقة بين ((إِن)» المخفّفة من الثقيلة، وبين ((إِن)) النافية.
(أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ)؛ يعني: النبيّ نَّهِ، وأبا بكر ◌َظُه، وقال في
((الفتح)): قوله: ((مع صاحبيك)) يَحْتَمِل أن يريد ما وقع، وهو دَفْنه عندهما،
ويَحْتَمِل أن يريد بالمعية ما يَؤُول إليه الأمر بعد الموت، من دخول الجنة،
ونحو ذلك، والمراد بصاحبيه: النبيّ وَلّهِ وأبو بكر. انتهى(٢).
ثم بيّن وجه ظنّه لذلك بقوله: (وَذَاَ) الظنّ؛ أي: سببه (أَنِّي) بفتح
الهمزة بتقدير حرف العلّة؛ أي: لأني كنت ... إلخ، أو بكسرها، فتقع الجملة
تعليلاً. (كُنْتُ أُكَثِّرُ) بضم الهمزة، وفتح الكاف، وكسرة الثاء المشدّدة، من
التكثير، هكذا وقع في النُّسخ مضبوطاً بالقلم، وفي بعض النسخ: ((كنت
كثيراً))، وفي رواية للبخاريّ: ((لأني كثيراً ما كنت أسمع ... ))، واللام للتعليل،
و(ما)) إبهاميّة مؤكّدة، و((كثيراً)) ظرف زمان، وعامله ((كان)) قُدّم عليه، وهو كقوله
تعالى: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، ووقع للأكثر: ((كثيراً مما كنت
أسمع)) بزيادة (مِنْ))، وَوُجِّهَتْ بأن التقدير: أني أجد كثيراً مما كنت أسمع، قاله
في ((الفتح)) (٣). (أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿)، حال كونه (يَقُولُ) أحياناً ((جِئْتُ أَنَا
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أتى بلفظ ((أنا)) لِمَا سبق من العطف على ضمير الرفع المتّصل
(١) ((شرح الأبيّ)) ٦/ ٢٠٠.
(٣) ((الفتح)) ٣٨٤/٨ - ٣٨٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٤/٨ - ٣٨٥.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
يكون بعد الفصل، ووقع في بعض روايات للبخاريّ بلفظ: ((كنت وأبو بكر،
وعمر)) بدون ((أنا))، قال ابن التين تَخّتُهُ: الأحسن عند النحاة أن لا يُعطَّف على
الضمير المرفوع إلا بعد تأكيده، حتى قال بعضهم: إنه قبيح، لكن يَرِدُ عليهم
قوله تعالى: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾، وأجيب بأنه قد وقع الحائل، وهو
قوله: ((لا))، وتُعُقِّب بأن العطف قد حصل قبل ((لا))، قال: ويَرُدّ عليهم أيضاً
هذا الحديث. انتهى.
قال الحافظ: والتعقيب مردود، فإنه وُجد فاصل في الجملة، وأما هذا
الحديث فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد جاء في رواية أخرى بلفظ: ((ذهبت
أنا، وأبو بكر، وعمر))، فعطف مع التأكيد، مع اتحاد المخرج، فدلّ على أنه
مِن تصرّف الرواة. انتهى(١).
(وَ) يقول أحياناً (دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَ) يقول أحياناً (خَرَجْتُ أَنَا
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)))، وقوله: (فَإِنْ كُنْتُ لأَرَّجُو) معطوف على قوله: ((إن كنت
لأظنّ ... إلخ)) عَظْف تأكيد، (أَوْ لأَظُنُّ) ((أو)) للشكّ من الراوي - ولم يتبيّن لي
من هو؟ - هل قال: ((لأرجو))، أو قال: ((لأظنّ)) (أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ مَعَهُمَا)؛ أي:
مع صاحبيك في القبر، أو في الجنّة، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ رُهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٦٧/٢ و٦١٦٨] (٢٣٨٩)، و(البخاريّ) في
((فضائل الصحابة)) (٣٦٧٧ و٣٦٨٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦١٣٧ و٨٠٦١)،
و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٩٨/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٢/١) وفي
((فضائل الصحابة)) (١/ ٢٥٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٧١/٣)، و(أبو حنيفة)
في ((مسنده)) (٢٧/١)، و(ابن المبارك) في ((مسنده)) (١٥٧/١)، و(البزّار) في
((مسنده)) (١٠٢/٢)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٢/ ٥٧٣)، و(ابن عساكر) في
(١) ((الفتح)) ٣٨٤/٨ - ٣٧١.

٤٢٣
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُه - حديث رقم (٦١٦٨)
(«تاريخ دمشق)) (٤٥٥/٤٤ و٤٥٦ و٤٥٧ و٤٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل عمر ظُه، كما بيّنه عليّ رَظُه في هذا الحديث.
٢ - (ومنها): بيان فضل عليّ رَظُه حيث كان يُحبّ عمر ظُه، ويُجلّه،
ويرى أنه لا أحد في ذلك الوقت أفضل عند الله تعالى منه، حيث قال: ((ما
خلّفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله)).
٣ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ أبي بكر وعمر، وشهادة عليّ لهما، وحُسْن
ثنائه عليهما، وصِدْقُ ما كان يظنه بعمر قبل وفاته، رضي الله عنهم أجمعين.
قال القرطبيّ تَخْتُ: وهذا الحديث ردِّ من عليّ ◌َظُبه على الشيعة فيما
يتقوَّلونه عليه من بُغضه للشيخين، ونِسْبته إياهما إلى الجور في الإمامة، وأنهما
غصباه، وهذا كله كذبٌ، وافتراء؛ عليٍّ رَّه منه براء، بل المعلوم من حاله
معهما تعظيمه ومحبَّته لهما، واعترافه بالفضل لهما عليه، وعلى غيره، وحديثه
هذا ينصُّ على هذا المعنى، وقد تقدَّم ثناء عليٍّ على أبي بكر ظَهَا، واعتذاره
عن تخلّفه عن بيعته، وصحَّة مبايعته له، وانقياده له مختاراً طائعاً سرّاً وجهراً،
وكذلك فَعَل مع عمر رضي الله عنهم أجمعين، وكل ذلك يُكذِّب الشيعةَ،
والروافضَ في دعواهم، لكن الهوى والتعصب أعماهم. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، تقدّم قريباً.
و((عُمر بن سعید)) ذُكر قبله.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٢٥٢.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد هذه ساقها
البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه))، فقال:
(٣٤٧٤) - حدّثني الوليد بن صالح، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا
عُمر بن سعيد بن أبي الحسين المكيّ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس طًَّا
قال: إني لواقف في قوم، فدَعَوُا الله لعمر بن الخطاب، وقد وُضع على
سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مِرْفقه على مَنكبي، يقول: رحمك الله، إن
كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً مما كنت أسمع
رسول الله وَ﴿ يقول: كنتُ وأبو بكر، وعمر، وفعلتُ وأبو بكر، وعمر،
وانطلقت وأبو بكر، وعمر، فإن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتُّ،
فإذا هو عليّ بن أبي طالب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٦٩] (٢٣٩٠) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ ابْنِ كَيْسَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ
الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمْ - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا
سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ،
وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الغُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَزَّ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُزُّهُ))، قَالُوا: مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
((الدِّينَ))).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التُّرْكي، أبو نصر البغداديّ الكاتب،
ثقة [١٠] (٢٣٥) وهو ابن ثمانين سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨.
٢ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ) أسعد بن سَهْل بن حُنيف - بضم المهملة -
الأنصاريّ، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يَسمع من النبيّ ◌ِيه
(١) ((صحيح البخاري)) ١٣٤٥/٣.

٤٢٥
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ تَه - حديث رقم (٦١٦٩)
[٢] مات سنة مائة، وله اثنتان وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٩/١٨.
والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن للمصنّف فيه إسنادين، فَصَل بينهما بالتحويل، وهو من سُداسيّاته
بالنسبة للأول، ومن سُباعيّاته بالنسبة للثاني، وفيه ثلاثة من التابعين روى
بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، وفيه رواية صحابيّ
عن صحابيّ على قول من يرى الصحبة لأبي أمامة، وفيه أبو سعيد ظُبه أحد
المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ)
اسمه أسعد (بْنُ سَهْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيد) سعد بن مالك بن سنانٍ رَضُه.
قال في ((الفتح)): هذا الذي رواه أكثر أصحاب الزهريّ، واتفق عليه
الشيخان، وقد أخرجه أحمد من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن
سهل، عن بعض أصحاب النبيّ وَّته، فأبهمه. انتهى(١).
(الْخُدْرِيَّ) - بضمّ الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة -: نسبة إلى
خدرة، واسمه الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج بن حارثة، قبيلة من
الأنصار، قاله في ((اللباب))(٢). (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: (بَيْنَا) أصله (بين))
أُشبعت الفتحة، فصارت ألفاً، وقال الجوهريّ: ((بينا)) فَعْلَى، مشبعة الفتحة،
قال الشاعر:
فَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا
أي: بين أوقات رَقْبتنا إياه، والجُمَل يضاف إليها أسماء الزمان، نحو:
أتيتك زمن الحجاجُ أمير، ثم حُذف المضاف الذي هو ((أوقات))، ووَلِي الظرف
الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها، والأصمعي يستفصح
طرح ((إذ))، و((إذا)) في جوابه، وآخرون يقولون: بينا أنا قائم إذ جاء، أو إذا
(١) ((الفتح)) ٤٠٨/٧.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٦/١.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
جاء فلان، والذي جاء في الحديث هو الفصيح، فلذلك اختاره الأصمعيّ نَّتُهُ .
وقوله (أَنَا) مبتدأ، و(نَائِمٌ) خبره، (رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ)؛ أي: يُظهرون
لي، يقال: عَرَضَ الشيءَ: إذا أبداه، وأظهره، وفي ((العباب)): عَرَض له أمرُ
كذا يَعْرِض بالكسر؛ أي: ظهر، وعرضت عليه أمرَ كذا، وعرضت له الشيء؛
أي: أظهرته له، وأبرزته إليه. انتهى(١).
فقوله: ((رأيت الناس)) جواب ((بينا))، من الرؤية، بمعنى الإبصار، فيقتضي
مفعولاً واحداً، وهو قوله: ((الناسَ))، فعلى هذا يكون قوله: ((يُعرضون عليّ))
جملة حالية، ويجوز أن يكون من الرؤيا، بمعنى العلم، فيقتضي حينئذ
مفعولين، وهما قوله: ((الناس يعرضون عليّ))، ويجوز رفع الناسُ على أنه
مبتدأ، وخبره قوله: ((يعرضون عليّ))، والجملة مفعول قوله: رأيت، كما في
قول الشاعر [من الوافر]:
رَأَيْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْئاً فَقُلْتُ لِصَيْدَحَ انْتَجِعِي بِلَالَا
ويروى: ((سمعت الناس))(٢).
قال ابن أبي جمرة تَخُّْهُ ما ملخصه: المراد بالناس في هذا الحديث
المؤمنون؛ لتأويله القميص بالدِّين، قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه
الأمة المحمديّة، بل بعضها، والمراد بالدِّين: العمل بمقتضاه؛ كالحرص على
امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، وكان لعمر ظه في ذلك المقام العالي.
انتھی (٣).
(وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) جملة حاليّة، والقمص بضم القاف والميم: جَمْع
قميص، نحو رَغِيف ورُغُف، ويُجمع أيضاً على قُمصان، وأقمصة؛ كرُغفان
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١.
(٢) القائل هو: ذو الرمة الشاعر المشهور، وصيدح عَلَم الناقة، وينتجعون، من
انتجعت فلاناً: إذا أتيته تطلب معروفه، وأراد ببلال: بلال بن أبي بُردة بن أبي
موسى الأشعريّ قاضي البصرة، كان جواداً ممدوحاً كَّتُهُ. قاله في ((عمدة القاري))
١٧٣/١.
(٣) ((الْفَتْح)) ١٤/ ٤٢٨.

٤٢٧
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ تَه - حديث رقم (٦١٦٩)
وأرغفة. (مِنْهَا)؛ أي: من تلك القمص، وهو خبر مقدّم لقوله: (مَا يَبْلُغُ القُّدِيَّ)
بضم الثاء المثلثة، وكسر الدال، وتشديد الياء: جمع الثدي، وهو على وزن
فَعْل؛ كفلس يُجمع على فُعُول كفلوس، وأصل التُّدِيّ الذي هو الجمع: تُدُويٍّ،
على وزن فُعُول، اجتَمَعت الواو والياء، وسَبَقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت
الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء، فصارت ثُدِيّ، بضم الدال، ثم أُبدلت كسرة
من ضمة الدال؛ لأجل الياء، فصار ثديّاً، وإلى هذه القاعدة أشار في
((الخلاصة)) بقوله :
وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا
وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا
وجاء أيضاً: ثِدِيّ، بكسر الثاء أيضاً إتباعاً لِمَا بعدها من الكسرة، وجاء
جَمْعه أيضاً على أَثْدٍ، وأصله: أَثْدِيٌّ، على وزن أَفْعُل، كَيَدٍ تُجْمَع على أَيْدٍ،
استُثقلت الضمة على الياء، فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحُذفت الياء فصار:
أثد. وقال الجوهريّ: الثدي يذكّر ويؤنث، وهي للمرأة والرجل جميعاً، وقيل:
يختص بالمرأة، والحديث يردّ عليه. انتهى(١).
و((ما)) موصولة في محل الرفع على الابتداء، و((القُّدِيّ)) منصوب؛ لأنه
مفعول ((يبلغ))، وكذلك إعراب قوله: ((ومنها دون ذلك)).
ومعنى الحديث: أن القميص قصيرٌ جدّاً، بحيث لا يصل من الحلق إلى
نحو السرّة، بل فوقها. قاله في ((الفتح)(٢).
(وَمِنْهَا)؛ أي: تلك القمُص، (مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ)؛ أي: أقصرُ، فيكون
فوق الثدي، لم ينزل إليه، ولم يَصِلْ به؛ لقّته، قاله في ((العمدة)).
وقال في ((الفتح)): يَحْتَمل أن يريد دونه من جهة السفل، وهو الظاهر،
فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو، فيكون أقصر، ويؤيّد
الأول ما في رواية الترمذيّ الحكيم من طريق أخرى عن ابن المبارك، عن
يونس، عن الزهريّ، في هذا الحديث: ((فمنهم من كان قميصه إلى سرّته،
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١.
(٢) ((الْفَتْحُ)) ٤٢٦/١٤.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه)).
انتھی(١).
(وَمَرَّ)، وفي رواية البخاريّ: ((وعُرض عليّ)) بالبناء للمفعول، (عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ) وَظُه (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ) جملة حاليّة، وقوله: (يَجُرُّهُ))) في محل رفع صفة
لقميص، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال، من الأحوال المتداخلة،
وقد عُلم أن الجملة الفعلية المضارعية إذا وقعت حالاً، وكانت مثبتة تكون بلا
واو.
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون عند النبيّ وَّ حينما حدّث برؤياه
هذه، وفي رواية الترمذيّ الحكيم: ((فقال له أبو بكر: على ما تأولت هذا يا
رسول الله))، فتبيّن بهذه الرواية أن القائل هو أبو بكر الصدّيق ◌َظُه. (مَاذَا أَوَّلْتَ
ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) من التأويل، وهو تفسير ما يؤول إليه الشيء، والمراد هنا
التعبير، وفي اصطلاح الأصوليين: التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح،
وقيل: هو حَمْل الظاهر على المحتمل المرجوح، بدليل يُصَيِّره راجحاً، وهذا
أخص منه، وأما تفسير القرآن فهو المنقول عن النبيّ وَله، أو عن الصحابة،
وأما تأويله فهو ما يُستخرج بحسب القواعد العربية (٢).
(قَالَ) وَ ((الدِّينَ))) بالنصب مفعولاً لفعل مقدّم دلّ عليه السؤال؛ أي:
أوَّلته الدين، ويجوز رفعه، على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو الدين، وفي رواية
الترمذيّ الحكيم: ((قال: على الإيمان))، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال في ((العمدة)): شبَّه الدِّين بالقميص، ووَجْه التشبيه السَّتر، وذلك أن
القميص يستر عورة الإنسان، ويحجبه من وقوع النظر عليها، فكذلك الدِّين
يستره من النار، ويحجبه عن كل مكروه، فالنبيّ ◌َّ إنما أوَّله الدينَ بهذا
الاعتبار، وقال أهل العبارة: القميص في النوم معناه الدِّين، وجرّه يدلّ على
بقاء آثاره الجميلة، وسُنَنه الحسنة في المسلمين بعد وفاته؛ ليُقتَدَى بها .
وقال ابن بطال تَخْتُهُ: معلوم أن عمر رظُه في إيمانه أفضل مِنْ عمل مَنْ
(١) «الْفَتْحُ)) ٤٢٦/١٤.
(٣) ((الْفَتْح)) ٤٢٦/١٤، في ((كتاب التعبير)).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١.

٤٢٩
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُته - حديث رقم (٦١٦٩)
بلغ قميصه ثديه، وتأويله فالنّ* ذلك بالدِّين يدل على أن الإيمان الواقع على
العمل يسمى دِيناً؛ كالإيمان الواقع على القول، وقال القاضي: أخذ ذلك أهل
التعبير من قوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَّفِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤] يريد به: نفسك، وإصلاح
عملك ودينك، على تأويل بعضهم؛ لأن العرب تعبِّر عن العفّة بنقاء الثوب،
والمئزر، وجرّه عبارة عما فَضَل عنه، وانتفع الناس به، بخلاف جرّه في الدنيا
للخيلاء، فإنه مذموم، ذكره في ((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): قيل: وجه تعبير القميص بالدِّين، أن القميص يستر
العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة، ويحجبها عن كل مكروه،
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]،
والعرب تَكْنِي عن الفضل، والعفاف بالقميص، كما قال شاعرهم [من الطويل]:
وَأَوْجُهُهُم بِيض الْمَسَافِرِ غُرَّانُ
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ
ومنه قوله و ◌ّل، لعثمان به: ((إن الله سيُلبسك قميصاً، فإن أرادوا أن
تخلعه، فلا تخلعه))، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن
حبان، فعبّر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. واتفق أهل
التعبير على أن القميص يُعَبَّر بالدِّين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من
بعده .
وقال ابن العربي تَّتُهُ: إنما أوَّله النبيّ ◌َّهِ بالدِّين؛ لأن الدين يستر عورة
الجهل، كما يستر الثوب عورة البدن، قال: وأما غير عمر، فالذي كان يبلغ
القُّدِيّ هو الذي يستر قلبه عن الكفر، وإن كان يتعاطى المعاصي، والذي كان
يبلغ أسفل من ذلك، وفَرْجه بادٍ، هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى
المعصية، والذي يستر رجليه هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه،
والذي يجر قميصه، هو الذي يكون زائداً على ذلك بالعمل الخالص.
(٢)
انتھی(٢).
وقال الحافظ ابن رجب نَّتُهُ: وإنما فسّر القمُص في المنام بالدِّين؛ لأن
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١.
(٢) ((الْفَتْح)) ٤٢٧/١٤، ((كتاب التعبير))، بزيادة من ((المفهم)) ٢٥٣/٦ - ٢٥٤.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الدين، والإسلام، والتقوى كلُّ هذه توصف بأنها لباسٌ، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال أبو الدرداء: الإيمان كالقميص يلبسه
الإنسان تارةً، وينزعه أخرى، وفي الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو
مؤمن، ينزع منه سربال الإيمان))(١). وقال النابغة [من البسيط]:
حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلَامِ سِرْبَالًا
الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي
وقال أبو العتاهية [من الطويل]:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَاباً مِنَ التُّقَى تَقَلَّبَ عُرْيَاناً وَإِنْ كَانَ كَاسِيَا
فهذه كلها كسوة الباطن، وهو الروح، وهو زينة لها، كما في حديث
عمّار ◌َظُله: ((اللَّهمّ زيّنًا بزينة الإيمان))(٢)، كما أن الرياش زينة للجسد،
وكسوة له، قال تعالى: ﴿يَبَِّيّ ءَدَمَ قَّدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيِشَّاً وَلِبَاسُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ومن هنا قال مجاهد، والشعبيّ، وقتادة،
والضحّاك، والنخعيّ، والزهريّ، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطِّهِرْ
٤
[المدّثّر: ٤]: إن المعنى: طهّر نفسك من الذنوب. وقال سعيد بن جُبير:
وقلبك فطهّر، وقريبٌ منه قول من قال: وعملك فأصلح، رُوي عن مجاهد،
وأبي روق، والضحّاك. وعن الحسن، ومحمد بن كعب القرظيّ، قالا:
خُلُقك حسّنه. فكنى بالثياب عن الأعمال، وهي من الدين، والتقوى،
والإيمان، والإسلام، وتطهيره إصلاحه، وتخليصه من المفسدات له، وبذلك
تحصل طهارة النفس، والقلب، والنّة، وبه يحصل حُسْن الخُلُق؛ لأن الدين
هو الطاعات التي تصير عادة، ودَيدَناً، وخُلُقاً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
[القلم: ٤]، وفسّره ابن عبّاس بالدين. انتهى كلام ابن
عَظِيمٍ
رجب ◌َخذَلُ(٣)، وهو بحث نفيس.
[فإن قيل]: يلزم من الحديث أن يكون عمر لله أفضل من أبي
(١) متّفقٌ عليه، دون قوله: ((ينزع منه سربال الإيمان))، وراجع: ((تعظيم قدر الصلاة))
١/ ٤٩٢ - ٤٩٦.
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) ٢٦٤/٤، والنسائيّ في ((المجتبى)) ١٣٠٥/٦٢.
(٣) ((فتح الباري بشرح صحيح البخاري)) لابن رجب تخذه ٩٩/١ - ١٠١.

٤٣١
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٦٩)
بكر ظله؛ لأن المراد بالأفضل: الأكثر ثواباً، والأعمال علامات الثواب،
فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر، وهو خلاف الاجماع.
[قلت]: لا يلزم؛ إذ القسمة غير حاصرة؛ لجواز قسم رابع.
سلمنا انحصار القسمة، لكن ما خَصَّص القسم الثالث بعمر ربه، ولم
يحصره عليه.
سلمنا التخصيص به، لكنه معارَض بالأحاديث الدالة على أفضلية
الصدّيق ظه بحسب تواتر القدر المشترك بينها، ومثله يسمى بالمتواتر من جهة
المعنى، فدليلكم آحاد، ودليلنا متواتر.
سلّمنا التساوي بين الدليلين، لكن الإجماع منعقد على أفضليته، وهو
دليل قطعيّ، وهذا دليل ظنيّ، والظن لا يعارض القطع، وهذا الجواب يستفاد
من نفس تقرير الدلیل.
وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات، بأن يقال:
ما أردته إما مجمَع عليه، أو لا، فإن كان، فالدليل مخصوص بالإجماع، وإلا
فلا يتم الإيراد؛ إذ لا إلزام إلا بالمجمَع عليه.
لا يقال: كيف يقال: الإجماع منعقد على أفضلية الصديق ظراته، وقد
أنكر ذلك طائفة الشيعة، والخوارج من العثمانية؛ لأنا نقول: لا اعتبار بمخالفة
أهل الضلال، والأصل إجماع أهل السُّنّة والجماعة، ذَكَره في ((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): [تنبيه]: قد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن
عمر أفضل من أبي بكر الصّدّيق
[والجواب] عنه: تخصيص أبي بكر من عموم قوله: ((عُرض عليّ
الناس))، فلعلّ الذين عُرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر ظبه، وأن كون
عمر ◌َيُّه عليه قميص يجرّه، لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميصٌ أطول
منه، وأسبغ، فلعلّه كان كذلك، إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر .
فاقتصر عليها. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: هؤلاء الناس المعروضون على رسول الله بصل* في
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١.
(٢) ((الْفَتْحُ)) ٤٠٨/٧ - ٤٠٩.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
النوم هم من دون عمر في الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عُرِض أبو
بكر رظُبه عليه في هذه الرواية لكان قميصه أطول، فإن فَضْله أعظم، ومقامه
(١)
أکبر. انتهى(١) .
وقال في ((الفتح)) في موضع آخر ما معناه: ظاهر الحديث فيه إشكالٌ،
وملخصه: أن المراد بالأفضل من يكون أكثر ثواباً، والأعمال علامات الثواب،
فمن كان عمله أكثر، فدينه أقوى، ومن كان دينه أقوى، فثوابه أكثر، ومن كان
ثوابه أكثر، فهو أفضل، فيكون عمر أفضل من أبي بكر ﴿يا.
وملخص الجواب: أنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب، فَيَحْتَمِل أن
يكون أبو بكر لم يُعْرَض في أولئك الناس، إما لأنه كان قد عُرض قبل ذلك،
وإما لأنه لا يُعْرَض أصلاً، وأنه لَمّا عُرض كان عليه قميص أطول من قميص
عمر. ويَحْتَمِل أن يكون سِرُّ السكوت عن ذِكْرِه الاكتفاءَ بما عُلِم من أفضليته.
ويَحتمل أن يكون وقع ذِكره، فذَهِل عنه الراوي، وعلى التنزل بأن الأصل عدم
جميع هذه الاحتمالات، فهو مُعارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصدّيق،
وقد تواترت تواتراً معنوياً، فهي المعتمَدة.
وأقوى هذه الاحتمالات أن لا يكون أبو بكر عُرِض مع المذكورين،
والمراد من الخبر: التنبيه على أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين،
وليس فيه ما يصرح بانحصار ذلك فيه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٦٩/٢] (٢٣٩٠)، و(البخاريّ) في ((الإيمان))
(٢٣) و((المناقب)) (٣٦٩١) و((التعبير)) (٧٠٠٨ و٧٠٠٩)، و(الترمذيّ) في
((الرؤيا)) (٢٢٨٥ و٢٢٨٦)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٥٠١٣) و((الكبرى)) (٥/
(١) ((المفهم)) ٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) ((الْفَتْحُ)) في ((كتاب تعبير الرؤيا)) ٤٢٧/١٤.

٤٣٣
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ظُه - حديث رقم (٦١٦٩)
٥ و٥٣٣/٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٣٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٨٦/٣ و٣٧٣/٥ - ٣٧٤) وفي ((فضائل الصحابة)) (٢٧٧/١)، و(الدارمي) في
((سننه)) (٢٠٥٨)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٦٨٩٠)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (١٢٩٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٣١/٨)، و((مسند الشاميين))
(١٣/٣)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤١٣/١)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة))
(٥٨٣/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٩٤)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ
دمشق)) (١٣٣/٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة عمر
٢ - (ومنها): تعبير الرؤيا، وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كان هو
الرائي.
٣ - (ومنها): جواز إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه، إذا لم
يُحِسّ به بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه على فضله؛ لِتُعْلم منزلته،
ويعامل بمقتضاها، ويُرغب الاقتداء به، والتخلق بأخلاقه.
٤ - (ومنها): بيان تفاضل أهل الإيمان فيه بالقلة، والكثرة، وبالقوّة،
والضَّعف، ووجه الاستدلال بالحديث أنه وَّ أُري الناس، وعليهم قُمُص
مختلفة المقدار بالطول والقصر، وأوّل ذلك على تفاوتهم في الدين، والإيمان،
والإسلام بمعنى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران:
١٩]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ
اَلْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال ◌َله بعد أن أجاب جبريل علَّلهُ
في سؤاله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان: ((هذا جبريل جاءكم يعلّمكم
دینکم)، فجعل کله ديناً .
وقال الحافظ ابن رجب تَخُّْهُ: وهذا الحديث نصّ في أن الدین یتفاضل،
وقد استُدلّ عليه بقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وأشار
البخاريّ إلى ذلك في موضع آخر. ويدلّ عليه أيضاً قول النبيّ وَّ للنساء: ((ما
رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنَّ))، متّفقٌ
عليه. وفسّر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها، فدلّ على دخول

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الصوم والصلاة في اسم الدين. وقد صرّح بدخول الأعمال في الدين طوائف
من العلماء، والمتكلّمين، من الحنابلة وغيرهم. فمن قال: الإسلام، والإيمان
واحدٌ، فالدين عنده مرادفٌ لهما، وهو اختيار البخاريّ، ومحمد بن نصر
المروزيّ، وغيرهما من أهل الحديث، ومن فرّق بينهما، فاختلفوا في ذلك،
فمنهم من قال: إن الدين أعمّ منهما، فإنه يشمل الإيمان، والإسلام،
والإحسان، كما دلّ عليه حديث جبريل علَّ*، وقد أشار البخاريّ إلى هذا فيما
بعدُ، لكنه ممن لا يفرّق بين الإسلام والإيمان. ومن قال: الإيمان التصديق،
والإسلام الأعمال، فأكثرهم جَعَل الدين هو الإسلام، وأدخل فيه الأعمال،
وإنما أخرج الأعمال من مسمّى الدين بعض المرجئة. ومن قال: الإسلام
الشهادتان، والإيمان العمل؛ كالزهريّ، وأحمد في رواية، وهي التي نصرها
القاضي أبو يعلى؛ جَعَل الدين هو الإيمان بعينه، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩] أن بعض الدين الإسلام، وهذا
بعيدٌ. وأما من قال: إن كلّاً من الإسلام والإيمان إذا أُطلقا مجرّداً دخل الآخر
فيه، وإنما يُفرَّق بينهما عند الجمع بينهما، وهو الأظهر، فالدين هو مسمّى كل
واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين أخصّ باسم الإسلام؛
لأن الإسلام هو الاستسلام، والخضوع، والانقياد، وكذلك الدين يقال: دانه
يدينه: إذا قهره، ودان له: إذا استسلم له، وخضع، وانقاد، ولهذا سمّى الله
الإسلام ديناً، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال:
﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَكِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]، وقال:
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. انتهى كلام ابن رجب تَذُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت هذا البحث في ((كتاب الإيمان))،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): إن هذا من أمثلة ما يُحمَد في المنام،
ويُذَمّ في اليقظة شرعاً، أعني جرّ القميص؛ لِمَا ثبت من الوعيد في تطويله،
وعكس هذا ما يُذَمّ في المنام، ويُحمَد في اليقظة.
(١) ((فتح الباري بشرح البخاري)) لابن رجب كَذَتُهُ ٩٨/١ - ٩٩.

٤٣٥
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ هُبه - حديث رقم (٦١٧٠)
٦ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة تَخْلُهُ: يؤخذ من الحديث أن كل ما يُرى
في القميص، من حُسن، أو غيره، فإنه يعبّر بدِين لابِسه. قال: والنكتة في القميص
أنّ لابسه، إذا اختار نَزَعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس
الإيمان، واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وقد يكون
نَقْص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل. والله أعلم.
وقال غيره: القميص في الدنيا ستر عورة، فما زاد على ذلك كان
مذموماً، وفي الآخرة زينة محضة، فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته، من
زيادة، أو نقص، ومن حُسْن وضدّه، فمهما زاد من ذلك، كان من فضل
لابسه، ويُنسب لكل ما يليق به من دين، أو علم، أو جمال، أو حلم، أو
تقدم في فئة، وضِدُّهُ لضده. ذَكَره في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٧٠] (٢٣٩١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ؛ إِذْ رَأَيْتُ قَدَحاً أُتِيتُ بِهِ، فِيهِ لَبَنٌ،
فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرَِّّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ))، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ بَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْعِلْمَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْمُكَنَّى بأبي عُمارة - بضم
العين - القرشيّ العدويّ التابعيّ المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في
((الصلاة)) ٩٤٥/٢٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن، وُلد
بعد المبعث بيسير، واستُصغر يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة سنةً، مات
سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
(١) ((الْفَتْح)) ٤٢٨/١٤.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه ابن
عمر ◌ًا، أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة من الصحابة ﴿ه، وكان
من أشدّ الناس اتباعاً للأثر.
شرح الحديث:
(عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ)، وفي رواية للبخاريّ:
((أخبرني حمزة بن عبد الله))، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿ّ (عَنْ
رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((بَيْنَا) تقدّم البحث فيها في الحديث الماضي. (أَنَا نَائِمٌ؛ إِذْ
رَأَيْتُ قَدَحاً) بفتحتين واحد الأقداح التي هي للشرب فيها، والقدح بكسر
القاف، وسكون الدال: السهم قبل أن يُراش، ويُرَكَّب نصله، وقِدْح الميسر
أيضاً، والقِدْح بالكسر: ما يقدح به النار(١). (أُتِيتُ بِهِ) بالبناء للمفعول،
وقوله: (فِيهِ لَبَنٌ) جملة حاليّة، (فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي) ((حتى))(٢) إما ابتدائية،
وإما جارّة، فعلى الأول ((إِنِّي)) بكسر الهمزة، وعلى الثاني بفتحها، وياء المتكلم
اسم ((إن)) وخبره قوله: (لأَرَى الرِّيَّ) بكسر الراء، وتشديد الياء، مصدرٌ، يقال:
رَوِيت من الماء - بالكسر - أروي رِيّاً، بالكسر، وحَكَى الجوهريّ الفتح أيضاً،
وقال: رِيّاً ورَيّاً، ورِوَى أيضاً مثلُ رَضِيَ رِضَى، وارتويت، وترويت كله
بمعنَى، وقال غيره: يقال: رَوِي من الماء، والشراب، بكسر الواو، ويروى
بفتحها، رِيّاً بالكسر، في الاسم، والمصدر، قال القاضي: وحَكَى الداوديّ
الفتح في المصدر، وأما في الرواية فعكسه، تقول: رَوَيت الحديثَ أرويه روايةً
بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، والرّوَاء من الماء: ما يُروي، إذا
مددتَ فتحتَ الراء، وإذا كسرت قصرت.
وأصل الريّ: الرِّوْيُ، اجتمعت الواو والياء وسَبقت إحداهما بالسكون،
فأُبدلت الياء من الواو، وأُدغمت الياء في الياء، وقد تقدّم هذا في الحديث
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.

٤٣٧
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٧٠)
الماضي في لفظ ((الثّدِيّ))، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
ثم إن قوله: ((أَرَى)) إن كان من الرؤية بمعنى العلم فيقتضي مفعولين،
أحدهما هو قوله: ((الرّيّ))، والثاني قوله: ((يخرج في أظفاري))، وإن كان من
الرؤية بمعنى الإبصار، فلا يقتضي إلا مفعولاً واحداً وهو قوله: ((الرّيّ))(١).
وفيه تأكيد الكلام بصوغه جملة اسمية، وتأكيدها بإِنّ)) واللام في الخبر،
وهو قوله: ((إني لأرى الريّ)).
[فإن قلت]: لم تكن الصحابة ﴿ه منكرين، ولا مترددين في أخباره وَليه،
فما فائدة هذه التأكيدات؟.
[أجيب]: بأن قوله: ((أرى الريّ يخرج في أظفاري)) أورثهم خَيْرة في
خروج اللبن من الأظفار، فأزال تلك الحيرة بهذه التأكيدات، كما في قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ﴾ الآية [يوسف: ٥٣]؛ لأن ما
أبرّىء؛ أي: ما أزّكي، أورث المخاطَب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه عن
السوء، مع كونها مطمئنة زكية، فأزال تلك الحيرة بقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ"
بِالسُّوءِ﴾ في جميع الأشخاص إلا من عصمه الله، قاله العينيّ تَخْذُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ في قوله: ﴿وَمَآ أُبَّرِينٌ﴾
الآية مبنيّ على أن هذا الكلام ليوسف عليّا، والراجح أنه من كلام المرأة، لا
من كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَجْرِي فِي أَظْفَارِي) بفتح الهمزة: جمع ظُفْر، قال ابن دُريد: الظفر ظفر
الإنسان، والجمع أظفار، ولا تقول: ظِفْر بالكسر، وإن كانت العامة قد أُولعت
به، وتجمع أظفار على أظافير، قال: وقال قوم: بل الأظافير جمع أظفور،
والظفر والأظفور سواء، وأظفار الإبل مناسمها، وأظفار السباع براثنها .
(٣)
انتهى(٣).
وقوله أيضاً: (فِي أَظْفَارِي)، وفي رواية ابن عساكر ((من أظفاري))، وفي
رواية البخاري في ((التعبير)): ((من أطرافي))، والكل بمعنّى في الحقيقة.
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.

٤٣٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
[فإن قلت]: ((يخرج من أظفاري)) ظاهرٌ، فما معنى قوله: ((يخرج في
أظفاري)»؟.
[أجيب]: بأنه يجوز أن تكون ((في)) ههنا بمعنى: ((على))؛ أي: على
أظفاري، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلَِّنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ الآية [طه: ٧١]؛
أي: عليها، ويكون بمعنى: يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج، أو ظرفه،
قاله العينيّ ◌َُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى أنظر إلى الرِّيِّ)): في رواية عَبْدان: ((حتى
أني))، ويجوز فتح همزة أني، وكسرها، ورؤية الرِّيّ على سبيل الاستعارة، كأنه
لمّا جعل الرّيّ جسماً أضاف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو كونه مرئياً،
وأما قوله: ((أنظر)) فإنما أتي به بصيغة المضارع، والأصل أنه ماض استحضاراً
لصورة الحال، وقوله: ((أنظر)) يؤيد أن قوله: ((أرى)) في الرواية التي في العلم
من رؤية البصر، لا من العلم، والرّيّ بكسر الراء، ويجوز فتحها. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: قوله: ((حتى إني لأرى الرِّيَّ
يخرج في أظافيري)): في رواية الكشميهنيّ: ((من أظافيري))، وفي رواية
صالح بن كيسان: ((من أطرافي))، وهذه الرؤيا يَحْتَمِل أن تكون بصريّة، وهو
الظاهر، ويَحْتَمِل أن تكون علمية، ويؤيد الأول ما عند الحاكم، والطبرانيّ،
من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جدّه، في هذا
الحديث: ((فشرِبت، حتى رأيته يجري في عُروقي بين الجلد واللحم))، على أنه
مُحتمل أيضاً. انتهى(٣).
(ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي)؛ أي: ما فَضَل من اللبن الذي هو في القدح الذي
شربت منه، (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)))، وفي رواية: ((ففَضِلت فضلةٌ، فأعطيتها
عمر)). (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون مجلسه وَلّ حين حدّث بهذه الرؤيا،
(فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) كلمة ((ما)) استفهامية، و((أوّلته)) جملة من الفعل
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٨/٨ - ٣٧٩، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨١).
(٣) ((الفتح)) ٣٤٦/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٠٦).

٤٣٩
(٢) - بَابُ فَضَائِلِ عُمَرَ حَظُه - حديث رقم (٦١٧٠)
والفاعل والمفعول، وهو الضمير الذي يرجع إلى شُرب اللبن الذي يدل عليه
قوله: ((فشربت)).
[فإن قلت]: ما الفاء في قوله: ((فما أولته))؟.
[أجيب]: بأنها زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾، قاله
العينيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله أيضاً: (فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ)؛ أي: فما عبَّرته، والتأويل في اللغة تفسير
ما يؤول إليه الشيء، وههنا المراد به تعبير الرؤيا .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قالوا: فما أولته؟)) في رواية صالح: ((فقال مَن
حَوْلَهُ))، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عند سعيد بن منصور: ((ثم
ناول فَضْله عمر، قال: ما أوّلته؟)) وظاهره أن السائل عمر، ووقع في رواية أبي
بكر بن سالم: أنهِ رَ﴿ «قال لهم: أوَّلوها، قالوا: يا نبي الله هذا علمٌ،
أعطاكه الله، فملأك منه، ففضلت فضلة، فأعطيتها عمر، قال: أصبتم))، ويُجمع
بأن هذا وقع أوّلاً، ثم احتَمَلَ عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على
ذلك، فقالوا: ما أوَّلته؟ ... إلخ. انتهى(٢).
(قَالَ: ((الْعِلْمَ))) بالنصب، والرفع روايتان، أما وجه النصب فعلى
المفعولية، والتقدير: أوَّلته العلمَ، وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ
محذوف؛ أي: المؤول به العلمُ.
وتفسير اللبن بالعلم؛ لكونهما مشتركين في كثرة النفع بهما، وفي أنهما
سببا الصلاح، فاللبن غذاء الناس، وسبب صلاحهم وقوة أبدانهم، والعلم
سبب الصلاح في الدنيا والآخرة، وغذاء الأرواح (٣).
وقال المهلّب ◌َظُّه: اللبن يدلّ على الفطرة، والسُّنَّة، والقرآن، والعلم.
قال الحافظ تَخّلُ: وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة،
كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة، رَفَعه: ((اللبن في المنام فطرة))، وعند
(١) ((عمدة القاري)) ٨٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٦/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٠٦).
(٣) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٧.

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
الطبرانيّ من حديث أبي بكرة، رفعه: ((من رأى أنه شرب لبناً فهو الفطرة»،
وفي حديث أبي هريرة أنه وَ ل﴿ لَمّا أخذ قدح اللبن، قال له جبريل: ((الحمد لله
الذي هداك للفطرة».
وذكر الدينوريّ أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل، وإنه لِشاربه مالٌ
حلال، وعلم، وحكمة، قال: ولبن البقر خِصب السَّنَة، ومال حلال، وفطرة
أيضاً، ولبن الشاة مالٌ، وسرور، وصحة جسم، وألبان الوحش شكّ في
الدِّين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللَّبْوة مال، مع عداوة لذي
(١)
أمر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تخصيص اللبن المذكور في هذا الحديث بلبن
الإبل يحتاج إلى دليل، وكذا ما بعده من تفصيل أنواع الألبان، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): ووقع في جزء الحسين بن عرفة من وجه آخر عن ابن
عمر ظًا: ((قال: فقالوا: هذا العلم الذي آتاكه الله، حتى إذا امتلأت فَضِلت
منه فضلةٌ، فأخذها عمر، قال: أصبتم))، وإسناده ضعيف، فإن كان محفوظاً
احتَمَلَ أن يكون بعضهم أوَّل، وبعضهم سأل، ووجه التعبير بذلك من جهة
اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سبباً للصلاح، فاللبن للغذاء
البدنيّ، والعلم للغذاء المعنويّ. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر طيها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٧٠/٢ و٦١٧١] (٢٣٩١)، و(البخاريّ) في
((العلم)) (٨٢) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٨١) و((التعبير)) (٧٠٠٦ و٧٠٣٢)،
و(الترمذيّ) في ((الرؤيا)) (٢٢٨٤) و((المناقب)) (٣٦٨٧)، و(النسائيّ) في
(١) ((الفتح)) ٣٤٥/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٠٦).
(٢) ((الفتح)) ٣٧٩/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٨١).