Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
ئه - حديث رقم (٦١٥٠)
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ
وفاطمة، وعائشة، والحسنين، وغيرهم، ولا يعكر على هذا اتصاف إبراهيم
بالخلة، ومحمد * بالمحبة، فتكون المحبة أرفع رتبة من الخلة؛ لأنه يجاب
عن ذلك بأن محمداً وَله قد ثبت له الأمران معاً، فيكون رجحانه من الجهتين،
والله أعلم.
وقال الزمخشريّ: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك، ويسايرك في
طريقك، أو الذي يسدّ خَلَلَك، وتسد خلله، أو يداخلك خلال منزلك.
(١)
انتهى(١).
وكأنه جوّز أن يكون اشتقاقه مما ذُكِر، وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل
إلى خليله، وقيل: الخليل من يتخلله سرك، وقيل: من لا يسع قلبه غيرك،
وقيل: أصل الخلة الاستصفاء، وقيل: المختص بالمودة، وقيل: اشتقاق
الخليل من الْخَلّة - بفتح الخاء - وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى من
يخاله، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان، أما خلة الله للعبد فبمعنى نَصْره له،
ومعاونته. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن تفسير الخلّة بمعنى النصر
خلاف الصواب، وخلاف ما عليه السلف، فالحقّ أن الخلّة صفة ثابتة لله حقيقةً
على ما يليق بجلاله ◌َلَ، فتنبّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَام) ((أُخُوّة)) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: حاصلة،
والأَولى تقديره بما يأتي في حديث ابن عبّاس ◌ِّ؛ أي: أفضل.
وفي الرواية الآتية: ((ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم
خليلاً))، وفي رواية البخاريّ: ((ولكن أخوة الإسلام، ومودته)).
ووقع في حديث ابن عباس ها بلفظ: ((ولكن أخوّة الإسلام أفضل))،
وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، بلفظ:
((ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل))، وأخرجه أبو يعلى من طريق يعلى بن
حكيم، عن عكرمة، بلفظ: ((ولكن خُلّة الإسلام أفضل)).
(١) ((الفتح)) ٣٤١/٨ - ٣٤٢، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥٦).

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة رة
قال الحافظ: وفيه إشكال، فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام؛ لأنها
تستلزم ذلك وزيادةً، فقيل: المراد أن مودة الإسلام مع النبيّ بَّر أفضل من
مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع
الصحابة في هذه الفضيلة؛ لأن رجحان أبي بكر عُرف من غير ذلك، وأخوة
الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نَصْر الدين، وإعلاء كلمة الحقّ،
وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أعظمه، وأكثره، والله أعلم.
ووقع في بعض الروايات: ((ولكن خُوّة الإسلام)) بغير ألف، فقال ابن
بطال(١): لا أعرف معنى هذه الكلمة، ولم أجد خوّة بمعنى خَلّة في كلام
العرب، وقد وجدت في بعض الروايات: ((ولكن خُلّة الإسلام))، وهو
الصواب.
وقال ابن التين: لعل الألف سقطت من الرواية، فإنها ثابتة في سائر
الروايات، ووجّهه ابن مالك بأنه نُقلت حركة الهمزة إلى النون، فحُذفت
الألف، وجَوّز مع حذفها ضمّ نون ((لكن))، وسكونها، قال: ولا يجوز مع
إثبات الهمزة إلا سكون النون فقط. انتهى (٢).
[تنبيه]: نَقَل ابن التين عن بعضهم أن معنى قوله: ((ولو كنت متخذاً
خليلاً)): لو كنت أَخُصّ أحداً بشيء من أمر الدِّين، لَخَصَصْت أبا بكر، قال:
وفيه دلالة على كذب الشيعة في دعواهم أن النبيّ وَّ كان خَصّ عليّاً بأشياء من
القرآن، وأمور الدين، لم يخص بها غيره.
قال الحافظ: والاستدلال بذلك متوقف على صحة التأويل المذكور، وما
(٣)
أبعدَها. انتهى(٣).
(لَا تُبْقَيَنَّ) بضمّ أوله، وبنون التوكيد المشدّدة، مبنيّاً للمفعول، من
الإبقاء، وهو نهي عن الإبقاء، والمشهور في الرواية كما يشير إليه في (الفتح)):
((لا يَبقين)) بالبناء للفاعل، وعبارته: قوله: ((لا يَبقينّ)) بفتح أوله، وبِنون التأكيد،
(١) ((شرح البخاري)) لابن بطال ١١٥/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٩/٨، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥٤).
(٣) ((الفتح)) ٣٢٩/٨.

٣٦٣
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ◌َُبه - حديث رقم (٦١٥٠)
وفي إضافة النهي إلى الباب(١) تجوّز؛ لأن عدم بقائه لازم للنهي عن إبقائه،
فكأنه قال: لا تُبقوه حتى لا يبقى، وقد رواه بعضهم بضم أوله، وهو واضح.
انتھی .
(فِي الْمَسْجِدِ)؛ أي: النبويّ، (خَوْخَةٌ) بفتح الخاء، هي الباب الصغير
بين البيتين، أو الدارين، ونحوه، وفيه فضيلة، وخِصِّيصة ظاهرة لأبي بكر
،
وفيه أن المساجد تُصان عن تطرّق الناس إليها، قاله النوويّ (٢).
وقال في ((الفتح)): ((الْخَوْخة)): طاقة في الجدار، تُفتح لأجل الضوء، ولا
يُشترط علوّها، وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول
إلى مكان مطلوب، وهو المقصود هنا، ولهذا أُطلق عليها باب، وقيل: لا يُطلق
عليها باب إلا إذا كانت تُغلق. انتهى(٣) .
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((الْخَوْخة)) - بفتح الخاء المعجمة -: باب صغير بين
مسكنين، وكان أصحاب النبيّ وَ ﴿ قد فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد
خَوْخات اغتناماً لملازمة المسجد، وللكون فيه مع النبيّ وَل﴿ إذا كان فيه غالباً؛
إلا أنه لمّا كان ذلك يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقاً، أمر النبيّ وَلّ بسدٌ كل
خَوْخة كانت هنالك، واستثنى خوخة أبي بكر تظلبه؛ إكراماً له، وخصوصية به؛
لأنَّهما كانا لا يفترقان غالباً، وقد استُدِلّ بهذا الحديث على صحّة إمامته،
واستخلافه للصلاة، وعلى خلافته بعده. انتهى (٤).
(إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ)))؛ أي: فأبقوها، ولا تسدّوها، ولفظ البخاريّ: ((لا
يبقينّ في المسجد بابٌ إلا سُدّ، إلا باب أبي بكر))، قال في ((الفتح)): قوله:
(إلا باب أبي بكر)) هو استثناء مفرّغ، والمعنى: لا تُبقوا باباً غير مسدود، إلا
باب أبي بكر، فاتركوه بغیر سدّ.
قال الخطابيّ، وابن بطال، وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر
(١) أي: في رواية البخاريّ بلفظ: ((باب))، وأما هنا فبلفظ: ((خوخة))، فتنبّه.
(٣) ((الفتح)" ٣٣٠/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٥ - ١٥٢.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
لأبي بكر ظُه، وفيه إشارة قويّة إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن
ذلك كان في آخر حياة النبيّ ◌َّ في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا
أبو بكر.
وقد اذَّعَى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسدّ كناية عن
طلبها، كأنه قال: لا يطلبنّ أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في
طلبها، والى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا
دليل على أنه الخليفة بعد النبيّ وَّ؛ لأنه حَسَمَ بقوله: ((سُدُّوا عني كل خَوخة
في المسجد)) أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده، وقَوَّى بعضهم
ذلك بأن منزل أبي بكر كان بالسُّنْح من عوالي المدينة، فلا يكون له خَوخة إلى
المسجد .
قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسُّنح أن
لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره
من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عميس
بالاتفاق، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ.
وقد تَعقَّب المحبّ الطبريّ كلام ابن حبان، فقال: وقد ذَكر عُمر بن شَبّة
في ((أخبار المدينة)) أن دار أبي بكر التي أُذن له في إبقاء الْخَوخة منها إلى
المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء
يُعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها، فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة
آلاف درهم، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان،
فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت، وقالت: كيف بطريقي إلى
المسجد؟ فقيل لها: نعطيك داراً أوسع منها، ونجعل لك طريقاً مثلها،
فسَلَّمت، ورضيت.
وقوله: ((إلا باب أبي بكر)) زاد الطبرانيّ من حديث معاوية في آخر هذا
الحديث بمعناه: ((فإني رأيت عليه نوراً)) (١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٣٣٠/٨ - ٣٣١.

٣٦٥
ئه - حديث رقم (٦١٥٠)
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ،
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
قُ هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٥٠/١ و٦١٥١] (٢٣٨٢)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤٦٦) و((فضائل الصحابة)) (٣٦٥٤) و((مناقب الأنصار)) (٣٩٠٤)،
و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦٦٠)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/١٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٨/٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٩٤ و٦٨٦١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٢٢٧/٢)،
و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١٢٢٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٨٢١)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق وظبه، وأنه كان متأهلاً
لِأنْ يتخذه النبيّ وَّر خليلاً لولا المانع المذكور.
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن للخليل صفةً خاصّةً تقتضي عدم المشاركة
فيها .
٣ - (ومنها): أن المساجد تُصان عن تطرّق الناس إليها من خَوْخات
ونحوها، إلا من أبوابها إلا مِن حاجة مهمة.
٤ - (ومنها): الإشارة بالعلم الخاصّ دون التصريح؛ لإثارة أفهام
السامعين، وتفاوت العلماء في الفهم، وأن من كان أرفع في الفهم استَحَقّ أن
يُطلق عليه أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه الترغيبَ في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا.
٦ - (ومنها): أن فيه شكرَ المحسن، والتنويه بفضله، والثناء عليه.
٧ - (ومنها): ما قال ابن بطال كَّلُ: فيه أن المرشح للإمامة يُخَصّ
بكرامة تدلّ عليه، كما وقع في حقّ الصديق نظبه في هذه القصة.
٨ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ كَّتُهُ: إن أمْره بَله بسد الأبواب غير الباب
الشارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدلّ على اختصاص شديد لأبي بكر،
وإكرام له؛ لأنهما كانا لا يفترقان.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٩ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أنه نَّه قد أفرد أبا بكر في ذلك بأمر لا
يُشَارَك فيه، فأَولى ما يُصرف إليه التأويل فيه أمر الخلافة، وقد أكثر الدلالة
عليها بأمْره إياه بالإمامة في الصلاة التي بُنِي لها المسجد، قال الخطابيّ تَظُّهُ :
ولا أعلم أن إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي
بكر ظُه مستدلين في ذلك باستخلافه إياه في أعظم أمور الدين، وهو الصلاة،
فقاسوا عليها سائر الأمور.
١٠ - (ومنها): ما قال ابن بطال: فيه التعريض بالعلم للناس، وإن قلّ
فهماؤهم خشية أن يدخل عليهم مساءة أو خزي.
١١ - (ومنها): أنه لا يستحقّ أخذ العلم حقيقة إلا من فَهِم، والحافظ لا
يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم بالنصّ، لا بالمعنى.
١٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن أبا بكر رضيالله أعلم الصحابة.
١٣ - (ومنها): أن فيه ائتلافَ النفوس بقوله: ((ولكن أخوة الإسلام
أفضل)).
١٤ - (ومنها): بيان أن الخليل فوق الصديق والأخ.
١٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخُّْ: قوله وَله: ((عبدٌ خيّره الله ... إلخ))
هذا قول فيه إبهام، قَصَد به النبيّ وَّ اختبار أفهام أصحابه، وكيفية تعلق
قلوبهم به، فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم،
ولمّا فَهِم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله: ((فديناك بآبائنا وأمهاتنا))، ولذلك
قالوا: ((فكان أبو بكر أعلمنا))، وهذا يدلّ من أبي بكر ظُبه على أن قلبه ممتلئ
من محبة رسول الله وَّل، ومستغرق فيه، وشديد الاعتناء بأموره كلِّها من
أقواله، وأحواله، بحيث لا يشاركه أحدٌ منهم في ذلك، ولمّا عَلِم النبيّ وَّل
ذلك منه، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهم عنه اختصّه بالخصوصيَّة
العظمى التي لم يظفر بمثلها بشري في الأُولى ولا في الأخرى، فقال: ((إن أَمَنَّ
الناس عليَّ في صحبته، وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر
خليلاً))؛ فقد تضمَّن هذا الكلام: أن لأبي بكر من الفضائل، والحقوق ما لا
يشاركه فيها مخلوق، ووزن أمَنَّ: أفعل، من المنَّة بمعنى الامتنان؛ أي: أكثر
منَّة، ومعناه: أن أبا بكر ظُّه له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتنّ بها،

٣٦٧
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ُبه - حديث رقم (٦١٥٠)
وذلك: أنه رَظُه بادر النبيّ وَّه بالتَّصديق، والناس كلهم مكذبون، وبنفقة
الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة، والناس ينفرون،
وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم: أن الله تعالى ولرسوله ولَله
الفضلَ والإحسانَ، والمنة والامتنان، لكن النبيّ وَّهِ بكرم خُلُقِهِ، وجميل
معاشرته اعترف بالفضل لمن صَدَر عنه، وشَكَر الصنيعة لمن وُجدت منه، عملاً
بشكر المنعِم، لِيَسُنّ، ولِيُعَلِّم، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار،
حيث جمعهم، فذكَّرهم بما عليهم من المنن، ثم اعترف لهم بما لهم من
الفضل الجميل الحسن، وقد تقدم في الزكاة، وقد ذكر الترمذيّ من حديث أبي
هريرة رضيه قال: قال رسول الله وَ له: ((ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه عليها
ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يداً يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني
مال أحد كما نفعني مال أبي بكر))(١)، وذكر الحديث، وقال: هو حسن
غريب. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّ(٢)، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): جاء في سدّ الأبواب التي حول المسجد أحاديث
يخالف ظاهرها حديث الباب:
منها: حديث سعد بن أبي وقاص ظبه قال: ((أمرنا رسول الله وَال بسدٌ
الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب عليّ))، أخرجه أحمد، والنسائيّ،
وإسناده قويّ، وفي رواية للطبرانيّ في (الأوسط)) رجالها ثقات من الزيادة:
(فقالوا: يا رسول الله سَدَدت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها، ولكن الله سَدَّها)).
وعن زيد بن أرقم بتبه قال: ((كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في
المسجد، فقال رسول الله صل﴿: سُدُّوا هذه الأبواب إلا باب عليّ، فتكلم ناس
في ذلك، فقال رسول الله وَلي قل: إني والله ما سددت شيئاً، ولا فتحته، ولكن
أمرت بشيء، فاتبعته))، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، ورجاله ثقات.
وعن ابن عباس ﴿ها قال: ((أَمَر رسول الله وَل ◌َه بأبواب المسجد، فسُدّت
إلا باب عليّ))، وفي رواية: ((وأمر بسدّ الأبواب، غير باب عليّ، فكان يدخل
(١) رواه الترمذيّ (٣٦٦١).
(٢) ((المفهم)) ٢٤٠/٦ - ٢٤١.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
المسجد، وهو جُنُب، ليس له طريق غيره))، أخرجهما أحمد، والنسائيّ،
ورجالهما ثقات.
وعن جابر بن سمرة قال: ((أمَرَنا رسول الله وَالل بسدّ الأبواب كلها، غير
باب عليّ، فربما مرّ فيه، وهو جنب))، أخرجه الطبرانيّ.
وعن ابن عمر قال: «كنا نقول في زمن رسول الله وَّل: رسول الله الخل
خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث
خصال؛ لَأنْ يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم: زوّجه
رسول الله وَّ ابنته، ووَلَدت له، وسَدّ الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه
الراية يوم خيبر))، أخرجه أحمد، وإسناده حسن.
وأخرج النسائيّ من طريق العلاء بن عرار - بمهملات - قال: فقلت لابن
عمر: أخبرني عن عليّ وعثمان ... فذكر الحديث، وفيه: وأما عليّ فلا تسأل
عنه أحداً، وانظر إلى منزلته من رسول الله وَ ◌ّر قد سدّ أبوابنا في المسجد، وأقرّ
بابه)»، ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء، وقد وثقه يحيى بن معين، وغيره.
قال الحافظ تَخْذُهُ: وهذه الأحاديث يُقَوِّي بعضها بعضاً، وكل طريق منها
صالح للاحتجاج، فضلاً عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزيّ هذا الحديث في
((الموضوعات))، أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن
عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تُكُلِّم فيه من رواته،
وليس ذلك بقادح؛ لِمَا ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضاً بأنه مخالف
الأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة، قابلوا
به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. انتهى، وأخطأ في ذلك خطأً شنيعاً، فإنه
سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أن الجمع بين
القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في ((مسنده))، فقال: وَرَدَ من روايات
أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة عليّ، وورد من روايات أهل المدينة في قصة
أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دلّ عليه حديث أبي
سعيد الخدريّ - يعني: الذي أخرجه الترمذيّ - أن النبيّ وَ لّر قال: ((لا يحلّ لأحد
أن يطرق هذا المسجد جُنُباً غيري وغيرك))، والمعنى: أن باب عليّ كان إلى جهة
المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمَر بسدّه.

٣٦٩
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُبه - حديث رقم (٦١٥١)
ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)) من طريق
المطّلب بن عبد الله بن حنطب أن النبيّ * لم يأذن لأحد أن يمر في
المسجد، وهو جُنُب إلا لعليّ بن أبي طالب؛ لأن بيته كان في المسجد.
ومُحَصَّل الجمع أن الأمر بسدّ الأبواب وقع مرتين، ففي الأُولى استُثْنِي
عليّ؛ لِمَا ذَكَرِه، وفي الأخرى استُثْنِي أبو بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن
يُحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقيّ، وما في قصة أبي بكر على الباب
المجازيّ، والمراد به الخوخة، كما صُرِّح به في بعض طرقه، وكأنهم لمّا أُمروا
بسدّ الأبواب سدّوها، وأحدثوا خَوْخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها،
فأمروا بعد ذلك بسدّها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها
جَمَع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاويّ في ((مشكل الآثار))، وهو في
أوائل الثلث الثالث منه، وأبو بكر الكلاباذيّ في ((معاني الأخبار))، وصرّح بأن
بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد،
وبيت عليّ لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، والله أعلم. انتهى كلام
الحافظ تَّتُهُ (١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
قَالَ:ً خَطَبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ النَّاسَ يَوْماً، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِك).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنِّف، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧) وقيل:
بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي المغيرة الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى
(١) ((الفتح)) ٣٣١/٨ - ٣٣٢، كتاب ((فضائل الصحابة)) رقم (٣٦٥٤).

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
المدنيّ، ويقال: فُليح لقبٌ، واسمه عبد الملك، صدوقٌ كثير الخطأ [٧]
(ت١٦٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٥/٩.
٣ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية فُليح بن سُليمان عن سالم أبي النضر هذه ساقها ابن
حبّان تَخْذَتُهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٦٥٩٤) - أخبرنا أبو خليفة، حدّثنا عليّ ابن المدينيّ، حدّثنا أبو داود،
حدّثنا فُليح بن سليمان، حدّثنا سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، وعبيد بن
حنين، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله وَله خَطَب، فقال: ((إن الله خَيَّر
عبداً بين أن يؤتيه من زَهْرة الدنيا ما شاء، وبين لقائه، فاختار لقاء ربه))، فبكى
أبو بكر، وقال: بل نفديك بآبائنا، وأبنائنا، فقال رسول الله وسلم: ((اسْكُت يا
أبا بكر - ثم قال -: إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت
متخذاً خليلاً من الناس لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوّة الإسلام، ومودته، ألا
لا يُبقينّ في المسجد خَوْخة، إلا سُدّت، إلا خوخة أبي بكر)»، قال أبو سعيد:
فقلت: العجب، يخبرنا رسول الله وسلم أن عبداً خيّره الله بين الدنيا والآخرة،
وهذا يبكي، وإذا المخيّر رسول الله وَّه، وإذا الباكي أبو بكر، وإذا أبو بكر
أعلَمُنا برسول اللهِ وَِّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ساق هذه الرواية البخاريّ تَظُّ في
((صحيحه))، لكن وقع خطأ في السند، ولذلك عَدَلت عنه، ودونك نصّه:
(٤٥٤) - حدّثنا محمد بن سنان، قال: حدّثنا فليح، قال: حدّثنا أبو
النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ، قال:
خطب النبيّ وَّ، فقال: ((إن الله خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما
عند الله))، فبكى أبو بكر ◌ُه، فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ؟ إن
يكن الله خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٥٥٨/١٤ - ٥٥٩.

٣٧١
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُبه - حديث رقم (٦١٥٢)
رسول الله ◌َ﴿ هو العبدَ، وكان أبو بكر أعلَمَنا، قال: ((يا أبا بكر لا تبك، إن
أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي،
لا تّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام، ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلا
سُدّ، إلا باب أبي بكر)). انتهى (١).
ومحلّ الخطأ قوله: ((عن بسر بن سعيد))، والصواب: ((وعن بسر بن
سعيد)) بالعطف، وقد تكلّم الحافظ في ((الفتح)) بما يكفي، ويشفي، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥٢] (٢٣٨٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي
الْهُذَيْلِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يُحَدِّثُ عَنِ
الشَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنَّهُ أَخِي،
وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ رَنَ صَاحِبَكُمْ خَلِيلاً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ) المعروف ببندار، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءِ) بن ربيعة الزُّبيدي - بضم الزاي - أبو إسحاق
الكوفيّ، ثقةٌ، تَكَلَّم فيه الأزديّ بلا حجة [٥] (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٦/٢٢.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ) الْعَنَزِيّ، أبو المغيرة الكوفيّ، ثقةٌ [٢].
روى عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وعمار بن ياسر، وابن مسعود،
وعبد الله بن عمرو، وابن خباب بن الأرتّ، وأُبيّ بن كعب، وأبي الأحوص
الْجُشَميّ، وجماعة، وفي سماعه من أبي بكر نظر.
وروى عنه إسماعيل بن رجاء، وواصل الأحدب، وأبو فروة مسلم بن
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ١٧٧.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
سالم الجهنيّ، والأجلح بن عبد الله الكِنديّ، وأشعث بن أبي الشعثاء،
وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: تابعيّ
ثقةٌ، وكان عثمانيّاً، وقال أبو زرعة: ابن أبي الهذيل عن أبي بكر مرسل، تُؤُفّي
في ولاية خالد القسريّ.
أخرج ه البخاريّ في ((جزء القراءة))، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ،
وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٦ - (أَبُو الأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة - بفتح النون، وسكون
الضاد المعجمة - الْجُشَميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] قُتل في ولاية
الحجاج على العراق (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء، مناقبه جَمّة، وأمَّره
عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وشيخه أحد التسعة الذين روى عنهم
الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم
عن بعض: إسماعيل، عن ابن أبي الهذيل، عن أبي الأحوص، ورواية
الأخيرين من رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه ابن مسعود نظرته الصحابيّ
الشهير، جمّ المناقب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَصْلة الْجُشَميّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ
رَُ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً
عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ)
لَأَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً) قال البيضاويّ: الخليل: الصاحب الوادّ الذي يُفتقر
إليه، ويُعتمد في الأمور عليه، فإن أصل التركيب للحاجة، والمعنى: لو كنت
متّخذاً من الخلق خليلاً أرجع إليه في الحاجات، وأعتمد عليه في المهمّات

٣٧٣
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴿ه - حديث رقم (٦١٥٢)
لاتّخذت أبا بكر، ولكن الذي ألجأ إليه، وأعتمد عليه في جملة الأمور،
ومجامع الأحوال هو الله تعالى(١). (وَلَكِنَّهُ)؛ أي: أبا بكر (أَخِي، وَصَاحِبِي)؛
أي: ولكن هو أخي في الدين، وصاحبي في السرّاء والضرّاء، والحضر
والسفر، وفي رواية خيثمة في ((فضائل الصحابة)) عن أحمد بن أبي الأسود،
عن مسلم بن إبراهيم: ((ولكن أخي، وصاحبي في الله تعالى))(٢).
وقوله: ((ولكن ... إلخ)) استدراك عن مضمون الجملة الشرطيّة؛ أي:
ليس بيني وبينه خلّة، ولكن الأخوّة والصحبة، نفى الخلّة المنبئة عن الحاجة،
وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة، أفاده الطيبيّ(٣).
(وَقَدِ اتَّخَذَ اللّهُ رَى صَاحِبَكُمْ خَلِيلاً))) قال القرطبيّ كَُّ: في غير كتاب
مسلم: ((كما اتخذ إبراهيم خليلاً))، وهذا يدلّ على أن الله تعالى بلّغ درجة
نبينا وَ﴿ في الخلة درجة إبراهيم وَّ، غير أنَّه مكَّنه فيها ما لم يمكَّن فيها
إبراهيم، بدليل قول إبراهيم: ((إنما كنت خليلاً من وراء وراء))، كما تقدَّم في
((الإيمان)). انتهى (٤).
وقال الطيبيّ كَّثُ: في قوله: ((اتخذ الله)) مبالغة من وجهين: أحدهما: أنه
أخرج الكلام على التجريد، حيث قال: ((صاحبكم))، ولم يقل: اتخذني،
وثانيهما: ((اتخذ الله صاحبكم)) بالنصب عَكْس ما لَمَحَ إليه حديث أبي سعيد من
قوله: ((غير ربي))، فدلّ الحديثان على حصول المخاللة من الطرفين. انتهى (٥)،
والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود طلبه هذا من أفراد
المصنّف رَخَذَثُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٨٤٧/١٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٧٨/١٦.
(٣) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)» ٣٨٤٨/١٢.
(٤) ((المفهم)) ٢٤٣/٦.
(٥) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٠ / ٩٧.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
أخرجه (المصنّف) هنا [٦١٥٢/١ و٦١٥٣ و٦١٥٤ و٦١٥٥ و٦١٥٦]
(٢٣٨٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٩/١
و٤٦٢ - ٤٦٣) وفي ((فضائل الصحابة)) (١٨٣/١)، و(النسائيّ) في ((الفضائل))
(٣)، و(الطبرانيّ) في (١٠١٠٦ و١٠١٠٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٨٥٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥١٤٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ
الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي
الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِي أَحَداً
خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبيعيّ، تقدّم في الباب
الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَظُّ، وشرحه، ومسألتاه تقدّما في الذي
قبله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغَْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
(ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنِ ابْنِ
أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً
لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلاً)).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قريباً.

٣٧٥
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٥٥)
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون
الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) - بالتصغير - هو: عُتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن
مسعود الْهُذَليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٥ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن
جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زهير التيميّ المكيّ، أدرك ثلاثين من
الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، و((عبد الله)) هو: ابن مسعود ◌ُه.
[تنبيه]: رواية عبد بن حميد التي بعد التحويل لا توجد في النسخة
الهنديّة، وإنما كُتِبَت في هامشها، وبعض من حقّق مسلماً يقول: كأنه خطأ،
ولم يأت على دعواه بحجة إلا عدم ذكر الحافظ المزّيّ لها في ((تحفته))، ولا
يخفى أن هذا لا يكفي في التخطئة، فكم من روايات أغفلها المزيّ،
واستدركها وليّ الدين العراقيّ، والحافظ، فتنبّه لذلك، ولا تكن أسير التقليد،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
مُغِيرَةَ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّنَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلاً
لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلاً، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم - بكسر الميم - الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ
الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه كان يدلّس، ولا سيما عن إبراهيم [٦] (ت١٣٦)
على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٥ - (وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ) الأحدب الأسديّ الكوفىّ، بَيّاعِ السّابَرِيّ - بمهملة،
وموحدة - ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ابْنَ أَبِي قُحَافَةً) هو أبو بكر الصدّيق، وأبو قُحافة كنية أبيه
والحديث من أفراد المصنّف ◌َُّهُ، وقد مضى شرحه، وتخريجه، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥٦] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً، وَوَكِيعٌ
(ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ
الأَشَجُّ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشرُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ،
عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ
خِلِّ مِنْ خِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، إِنَّ صَاحِبَكُمْ
خَلِيلُ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قريباً .
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير
الكوفي، عَمِي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في
حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين وله اثنتان وثمانون
سنة، وقد رمي بالإرجاء (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً.

٣٧٧
طُبه - حديث رقم (٦١٥٦)
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصُّدِّيقِ ظـ
٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ،
تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حصين الكنديّ، أبو سعيد
الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٨ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨)
وكان مولده أول سنة إحدى وستين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ الْهَمْدانيّ الخارفي(١) - بخاء معجمة، وراء، وفاء -
الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه.
وقوله: (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلَّ مِنْ خِلِّهِ) قال النوويّ كَلُهُ: هما بكسر
الخاء، فأما الأول فكَسْره متفق عليه، وهو الْخِلّ بمعنى الخليل، وأما قوله:
((من خله)) فبكسر الخاء عند جميع الرواة، في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي
عن جميعهم، قال: والصواب الأوجه فَتْحها، قال: والْخَلة، والْخِلّ،
والْخِلال، والمخالَلَة، والْخِلالة، والخلولة: الإخاء، والصداقة؛ أي: برئت
إليه من صداقته المقتضية المخاللة، قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي
المذكور: والكسر صحيح، كما جاءت به الروايات؛ أي: أبرأ إليه من مخاللتي
إياه، وذكر ابن الأثير أنه رُوي بكسر الخاء، وفَتْحها، وأنهما بمعنى الخلة
بالضم التي هي الصداقة. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَظُّهُ: قوله: ((ألا إني أبرأ إلى كل خِلّ من خلِّ))؛ الرواية
(١) نسبة إلى خارف بن عبد الله بن كثير بن مالك بن جُشم، بطن من هَمْدان، قاله في
((اللباب)» ٤١٠/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٥٣.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
المعروفة: بكسر الخاء من خِلَّة، قال القاضي: والصواب - إن شاء الله -
فَتْحها، والخلَّة، والْخِلُّ، والمخاللة، والمخالَّة، والخلالة، والخلولة: الإخاء
والصَّداقة.
قال القرطبيّ: يعني: أن خَلَّة في الأصل: هي مصدر، ومصادر هذا
الباب: هي التي ذكروها، وليس فيها ما يقال: بكسر الخاء، فتعيَّن الفتح فيها،
ومعنى هذا الكلام قد جاء بلفظ آخر يفسِّره، فقال: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون
لي منكم خليل))، وهذا واضح. انتهى(١).
وقال ابن منظور كَّثُهُ: وفي الحديث: ((إني أبرأ إلى كل ذي خلة من
خلّته))؛ الخلة بالضم: الصداقة، والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله؛
أي: في باطنه، والخليل: الصَّدِيق فَعِيل بمعنى مُفاعِل، وقد يكون بمعنى
مفعول، قال: وإنما قال ذلك؛ لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى،
فليس فيها لغيره مُتَّسَع، ولا شَرِكة من محابّ الدنيا والآخرة، وهذه حال شريفة
لا ينالها أحد بكَسْب، ولا اجتهاد، فإن الطباع غالبة، وإنما يخصّ الله بها من
يشاء من عباده، مثل سيد المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ومن
جَعَل الخليل مشتقّاً من الخلة، وهي الحاجة والفقر، أراد: إنني أبرأ من
الاعتماد والافتقار إلى أحد غير الله رَك، وفي رواية: ((أبرأ إلى كل خل من
خلته)) بفتح الخاء وكسرها، وهما بمعنى الخلة والخليل، ومنه الحديث: ((لو
كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً»، والحديث الآخر: ((المرء بخليله
- أو قال -: على دين خليله، فلينظر امرؤ من يخالل))(٢)، قال: والْخُلّة:
الصديق، الذَّكر، والأنثى، والواحد، والجمع في ذلك سواء؛ لأنه في الأصل
مصدر قولك: خَلِيلٌ بَيْنُ الْخُلّة، والْخُلُولة. انتهى(٣).
وقال المجد رَّتُهُ: الخَلَّةُ: الحاجَةُ، والفَقْرُ، والخَصاصَةُ، وفي المَثَلِ :
(١) ((المفهم)) ٢٤٣/٦.
(٢) رواه أحمد، والترمذيّ، وقال: حديث حسن غريب، وقال النوويّ: إسناده
صحيح، وحسّنه الشيخ الألبانيّ.
(٣) (لسان العرب)) ٢١٧/١١.

٣٧٩
(١) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ظُه - حديث رقم (٦١٥٧)
الخَلَّهْ تَدْعو إلى السَّلَّهْ؛ أي: إلى السَّرِقَةِ. خَلَّ وأُخِلَّ بالضم: احْتاجَ. ورجُلٌ
مُخَلٌّ، ومُخْتَلٌّ، وخَليلٌ، وأخَلُّ: مُعْدِمٌ فَقيرٌ. واخْتَلَّ إليه: احْتاجَ. وما
أخَلَّكَ الله إليه: ما أحْوَجَكَ. والأَخَلُّ: الأَفْقَرُ. والخَلَّةُ: الخَصْلَةُ جَمْعها:
خِلالٌ، وبالضم: الخَليلَةُ، والصَّداقَةُ المُخْتَصَّةُ، لا خَلَلَ فيها، تكونُ في
عَفافٍ، وفي دَعارَةٍ، جَمْعها: خِلالٌ؛ ككِتابٍ، والاسمُ: الخُلولَةُ، والخِلالَةُ
مُثَلَّثَةً، وقد خالَّهُ مُخالَّةً، وخِلالاً، ويُفْتَحُ. وإنه لَكَرِيمُ الخِلِّ، والخِلَّةِ،
بكسرِهِما؛ أي: المُصادَقَةِ، والإخاءِ. والخُلَّةُ أيضاً: الصَّديقُ، للذَّكَرِ، والأنْثَى،
والواحِدِ، والجَميع. والخُلُّ بالكسر والضم: الصَّديقُ المُخْتَصُّ، أو لا يُضَمُّ إلَّا
مَعَ وُدِّ، يقالُ: كاَنَ لي وُدّاً وخُلّاً، جَمْعه: أخْلالٌ؛ كالخَلِيلِ جَمْعه: أخِلَّاءُ،
وخُلَّاذُ، أو الخَليلُ: الصادِقُ، أو مَن أصْفَى المَوَدَّةَ، وأصَحَّها، وهي: بِهاءٍ
جَمْعُها: خَليلاتٌ، وخَلائِلُ. انتهى(١).
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ، وقد تقدّم تمام شرحه، وتخريجه،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٥٧] (٢٣٨٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ بَعَثَهُ
عَلَى جَيْشٍ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَبُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ:
((عَائِشَةُ))، قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: ((أَبُوهَا))، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((عُمَرُ))، فَعَدَّ
ڕِجَالاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريباً.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان، المزنيّ
مولاهم، أبو الْهَيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) وكان مولده سنة عشر
ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
(١) ((القاموس المحيط)) ١٢٨٥/١.

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب فضائل الصحابة
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذاء البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مَلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - ابن
عمرو النَّهْديّ - بفتح النون، وسكون الهاء - الكوفيّ، ثم البصريّ، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرمٌ، من كبار [٢] (ت٩٥) وقيل: بعدها، وعاش
مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْميّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام
الحديبية، ووَلِيَ إِمْرة مصر مرتين، وهو الذي فَتَحها، مات بمصر سنة نيف
وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ خَالِدٍ) الحذّاء (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ النّهْديّ، أنه
قال: (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشٍ ذَاتٍ
السَّلَاسِلِ) بالسينَين المهملتين، والمشهور أنها بفتح الأُولى، على لفظ جَمْع
السلسلة، وضَبَطه كذلك أبو عبيد البكريّ، قيل: سُمّي المكان بذلك؛ لأنه كان
به رَمْلٌ بعضه على بعض؛ كالسلسلة، وضَبَطها ابن الأثير بالضم، وقال: هو
بمعنى السلسال؛ أي: السهل، وقيل: سميت ذات السلاسل؛ لأن المشركين
ارتبط بعضهم إلى بعض مخافةً أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له:
السلسل، وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة
أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وقيل: كانت سنة
سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في ((كتاب صحيح التاريخ))، ونقل ابن عساكر
الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة، إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها، قاله في
((الفتح)) (١).
وقال النوويّ كَّلهُ: ((ذات السلاسل)) هو بفتح السين الأُولى، وكسر
(١) ((الفتح)) ٤٩٨/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٥٨).