Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤)
والزهد، بل مما نقرؤه في كتب المتصوّفين المتأخّرين أنهم يقولون: إن من
شَرْط الطريقة أن يكون المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وأن
لا يُنكِر على شيخه شيئاً يراه منه، ولو كان من المنكرات الشرعيّة، فإنه إنْ فَعَل
ذلك انقطع عنه المدد من شيخه.
وهذا انسلاخ عن الشريعة، وخروج عن حدود الله تعالى، فإن إنكار
المنكر شعبة من شُعَب الإيمان، فقد أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيّ،
والنسائيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ ◌ُه قال: قال رسول الله وَله :
((من رأى منكم منكراً، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): إثبات كرامات الأولياء، وصحة الولاية.
٥ - (ومنها): جواز سؤال الطعام عند الحاجة.
٦ - (ومنها): جواز الإجارة.
٧ - (ومنها): جواز ركوب السفينة، ونحوها بغير أجرة برضى صاحبها .
٨ - (ومنها): فيه الحكم بالظاهر، حتى يتبيّن خلافه.
٩ - (ومنها): أن الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع عمداً أو سهواً،
خلافاً للمعتزلة.
١٠ - (ومنها): أنه إذا تعارضت مفسدتان يجوز دَفْع أعْظَمِهما بارتكاب
أخفّهما، كما في خَرْق الخضر السفينة؛ لِدَفْع غَصْبها، وذهاب جملتها .
١١ - (ومنها): بيان أصل عظيم، وهو وجوب التسليم لكل ما جاء به
الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول، ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا
يفهمونه كلهم؛ كالقَدَر، وموضع الدلالة: قتل الغلام، وخرق السفينة، فإنّ
صورتيهما صورة المنكر، وكان صحيحاً في نفس الأمر، له حكمة بيّنة، لكنها
لا تظهر للخلق، فإذا علّمهم الله تعالى بها عَلِموها، ولهذا قال الخضر ◌َلَّلام:
﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ [الكهف: ٨٢](١).
١٢ - (ومنها): ما قال ابن بطال تَخْدَّقُ: وفيه أصلٌ مهمّ، وهو ما تعبّد الله
(١) ((عمدة القاري)) ١٩٦/٢.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
تعالى به خلقه من شريعته يجب أن يكون حجةً على العقول، ولا تكون العقول
حجةً عليه، ألا ترى أن إنكار موسى ظلَّ كان صواباً في الظاهر، وكان غير
ملوم فيه، فلما بَيَّن الخضر وجه ذلك صار الصواب الذي ظهر لموسى في
إنكاره خطأً، والخطأ الذي ظهر له من فعل الخضر صواباً، وهذا حجةٌ قاطعةٌ
في أنه يجب التسليم لله تعالى في دينه، ولرسوله وَّر في سُنَّته، واتّهام العقول،
إذا قَصَرت عن إدراك وجه الحكمة فيه. انتهى(١).
١٣ - (ومنها): أن قوله: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ، عَنْ أَمْرِىَّ﴾ يدلّ على أنه فَعَله
بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفساً لِمَا يتوقع وقوعه منها؛ لأن الحدود لا
تجب إلا بعد الوقوع، وكذا لا يُقطع على أحد قبل بلوغه؛ لأنه إخبار عن
الغيب، وكذا الإخبار عن أخذ الملِك السفينة، وعن استخراج الغلامين الكنز؛
لأن هذا كله لا يُدرَك إلا بالوحي.
١٤ - (ومنها): أن الحديث جليلٌ واضح، وحجة ظاهرة النبوة
الخضر علَّلا، فقوله: ﴿وَمَا فَعَلَُّهُ، عَنْ أَمْرِىَّ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ
أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] الآية أدلّ دليل، على ذلك، فتأمله بالإنصاف.
١٥ - (ومنها): ما قال القاضي عياض تَخَّتُهُ: فيه جواز إفساد بعض المال
لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام، وقطع بعض آذانها؛ لِتُمَيَّز(٢).
١٦ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يفعل في مُلكه ما يريد، ويحكم في
خلقه بما يشاء، مما ينفع، أو يضرّ، فلا مدخل للعقل في أفعاله، ولا معارضة
لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم، فإن إدراك العقول لأسرار
الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حُكمه لِمَ، ولا كيف، كما لا يتوجه عليه في
وجوده أين وحيث، وإن العقل لا يحسِّن، ولا يقبّح، وأن ذلك راجع إلى
الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حَسَن، وما قَبَّحه بالذمّ فهو قبيح، قاله في
((الفتح)) نقلاً عن القرطبيّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((كما لا يتوجه في وجوده أين)) عجيب من
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٩٦/٢.
(٣) ((الفتح)) ٣٨٤/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٩٦/٢.

٢٦٣
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ علا - حديث رقم (٦١٤٤)
الحافظ كيف أقرّ القرطبيّ في قوله هذا، وقد علم أنه وَ ﴾ قال للجارية:
((أين الله؟ قالت: في السماء))؟ وقد أجاد سماحة الشيخ ابن باز ◌َّتُهُ في تعليقه
على ((الفتح))، حيث قال ردّاً على هذا الإنكار: الصواب عند أهل السُّنَّة
وصْف اللهم بأنه في جهة العلوّ، وأنه فوق العرش، كما دلّت على ذلك
نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويجوز عند أهل السُّنَّة السؤال عنه بأين، كما في
(صحيح مسلم)) أن النبيّ وَّ قال للجارية: ((أين الله؟ قالت: في السماء ... ))
الحديث. انتهى كلام الشيخ ابن باز، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
وقوله: ((وإن العقل لا يحسِّن، ولا يقبّح)) فيه نظر أيضاً؛ لأن الصحيح
من مذهب أهل السُّنَّة أن العقل يحسّن، ويقبّح، وقد حقّقت ذلك في ((التحفة
المرضيّة)) في الأصول تحقيقاً مستفيضاً، فراجعها(١)، وقال الشيخ ابن باز تَظَّهُ
على كلام الحافظ المذكور: هذا قول بعض أهل السُّنَّة، وذهب بعض المحقّقين
منهم إلى أن العقل يُحسّن ويُقبّح؛ لِمَا فَطَر الله عليه العباد من معرفة الحَسَن
والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهيّة تأمر بالحسن، وتنهى عن القبيح، ولكن
لا يترتّب الثواب والعقاب على ذلك إلا بعد بلوغ الشرع، كما حقّق ذلك
العلامة ابن القيّم ◌َّثُ في ((مفتاح دار السعادة)»، وهذا هو الصواب، والله
أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن باز ◌َُّ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
١٧ - (ومنها): بيان أن الله تعالى فيما يقضيه حِكَماً وأسراراً في مصالحَ
خفية، اعتبرها، كلٌّ ذلك بمشيئته، وإرادته، من غير وجوب عليه، ولا حُكْم
عقل يتوجه إليه، بل بحَسَب ما سبق في علمه، ونافذ حُكمه، فما أطلع الخلق
عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وإلا فالعقل عنده واقف، فليحذر المرء من
الاعتراض والإنكار، فإن مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النار - أعاذنا الله منها
برحمته .
قال القرطبيّ ◌َخْتُ: ولننبه هنا على مغلطتين:
(١) راجع: ((التحفة المرضيّة)) ص ١٣٧ - ١٤٢.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
[المغلطة الأولى]: وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكاً
بهذه القصة، وبما اشتملت عليه، وهذا إنما يصدر ممن قَصَر نظره على هذه
القصة، ولم ينظر فيما خص الله به موسى عليَّه من الرسالة، وسماع كلام الله
تعالى(١)، وإعطائه التوراة، فيها عِلْم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم
داخلون تحت شريعته، ومخاطَبون بحُكم نبوته، حتى عيسىَلِّلها، وأدلة ذلك
في القرآن كثيرة، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، والإنجيل، وإن
كان هدى فليس فيه من الأحكام إلا قليل، ولم يجىء عيسى ظلّ ناسخاً
لأحكام التوراة، بل معلّماً لها، ومبيّناً أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه:
، الآية [آل عمران: ٤٨]، وعلى
٤٨
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ
هذا فهو أَمَامَهُمْ، وإِمامهم، وأعلمهم، وأفضلهم، ويكفي من ذلك قوله تعالى:
﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِنِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَّكُنْ مِنَ
[الأعراف: ١٤٤].
١٤٤
الشَّكِرِينَ
وأن موسى ظلّلا من أولي العزم من الرسل، وأن أول من ينشق عنه القبر
نبيّنا مَّة، فيجد موسى وَّ﴿ متعلقاً بالعرش، وأنه ليس في محشر يوم القيامة
أكثر من أمَّته بعد أمَّة نبيّناً وَله، إلى غير ذلك من فضائله.
وأما الخضر وإن كان نبيّاً فليس برسولٍ باتفاق، والرسول أفضل من نبيٍّ
ليس برسول، ولو تنزّلنا على أنه رسول، فرسالة موسى أعظم، وأمّته أكثر فهو
أفضل، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل، وموسى
أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبيّ، بل وليّ، فالنبي أفضل من الوليّ،
وهو أمر مقطوع به عقلاً ونقلاً، والصائر إلى خلافه كافرٌ؛ لأنه أمر معلوم من
الشرع بالضرورة.
(١) زاد في عبارة القرطبي هنا قوله: المنزّه عن الحروف والأصوات، وهذا حذفته
عمداً؛ لأنه مخالف لمذهب السلف أن كلام الله تعالى بحرف وصوت؛ للأدلة
الصحيحة على ذلك، وقد أشبعت الكلام على هذا في أوائل ((المنحة الرضيّة شرح
التحفة المرضيّة))، فراجعها تستفد.

٢٦٥
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤)
قال: وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحاناً لموسى لِيَعْتَبر، كما قد
ابتُلي غيره من الأنبياء بأنواع من المحن والبلاء.
[المغلطة الثانية]: ذهب قوم من زنادقة الباطنيّة إلى سلوك طريقة
تستلزم هدم أحكام الشريعة، فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن
الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة، والأغبياء، وأما الأولياء والخواصّ
فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم،
ويُحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم؛ لصفاء قلوبهم عن الأكدار،
وخلوّها عن الأغيار، فتنجلي لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون
على أسرار الكائنات، ويَعْلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام
الشرائع الكليات، كما اتَّفَق للخضر، فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك
العلوم، عما كان عند موسى، وقد جاء فيما ينقلون: ((استفت قلبك، وإن
أفتوك، وأفتوك)»(١).
قال القرطبيّ: وهذا القول زندقةٌ، وكفر يُقتل قائله، ولا يستتاب؛ لأنه
إنكار لِمَا عُلِم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ كلمته بأن
أحكامه لا تُعْلم الا بواسطة رسله، السفراء بينه وبين خلقه المبيِّنين لشرائعه
وأحكامه، كما قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ
النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الآية
[الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ
وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَمَا أَخْتَلَفُواْ فِْ﴾ الآية [البقرة:
٢١٣]، وأمَر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وأخبر أن الهدى في طاعتهم،
والاقتداء بهم، في غير موضع من كتابه، وعلى ألسنة رسله؛ كقوله تعالى:
﴿وَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وكقوله: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَهُمُ
ج
أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]، وقال وَّ:
(١) حديث صحيح.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
((تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله، وسُنَّة نبيه))(١)،
ومثل هذا لا يُحصَى كثرة.
وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعيّ، واليقين الضروريّ، وإجماع
السَّلف، والخلف: على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة
إلى أمره ونهيه، ولا يُعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام، فمن قال: إن
هناك طريقاً آخر يُعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يُستغنى بها عن
الرسل، فهو كافر، يُقتل، ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب،
ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا وس ﴿ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله،
فلا نبي بعده، ولا رسول، وبيان ذلك أن من قال: إنه يأخذ عن قلبه، وإن ما
وقع فيه هو حُكم الله، وإنه يعمل بمقتضاه، وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب،
ولا سُنَّة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإنَّ هذا نحو مما قاله رسول الله وَله :
((إن روح القدس نَفَث في رُوعي)).
ولقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدِّين، أنه قال: أنا لا
آخذ عن الموتى؛ وإنَّما آخذ عن الحيّ الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي
عن ربي، ومثل هذا كثير، فنسأل الله الهداية، والعصمة، وسلوك طريق سلف
هذه الأمَّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٢)، وهو
تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال غيره: مَن استدلّ بقصة الخضر على أن الوليّ يجوز أن يطّلع من
خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة، ويجوز له فِعله، فقد ضلّ، وليس ما
تمسّك به صحيحاً، فإن الذي فَعَله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع،
فإنّ نقْض لوح من ألواح السفينة لِدَفْع الظالم عن غَصْبها، ثم إذا تركها أعيد
اللوح جائز شرعاً وعقلاً، ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحَسَب الظاهر، وقد
وقع ذلك واضحاً في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم، ولفظه: ((فإذا جاء
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) (٨٩٩/٢) بلاغاً، والحاكم في ((المستدرك)) عن أبي
هريرة څپه بسند حسن.
(٢) ((المفهم)) ٢١٦/٦ - ٢١٩.

٢٦٧
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل - حديث رقم (٦١٤٤)
الذي يُسَخِّرها، فوجدها منخرقة تجاوزها، فأصلحها))، فيستفاد منه وجوب
التأني عن الإنكار في المحتمِلات، وأما قَتْله الغلام، فلعله كان في تلك
الشريعة، وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان(١)، والله أعلم.
١٨ - (ومنها): ما أورده في ((العمدة)) على طريقة السؤال والجواب،
فقال :
(منها): ما قيل في قوله: ((فإني نسيت الحوت)): كيف نسي ذلك، ومثله
لا يُنسى؛ لكونه أمارة على المطلوب، ولأن ثمة معجزتين: حياة السمكة
المملوحة المأكول منها على المشهور، وانتصاب الماء مثل الطاق، ونفوذها في
مثل السرب منه؟.
أجيب: بأنه قد شغله الشيطان بوسواسه، والتعوّد بمشاهدة أمثاله عند
موسى ظلّ من العجائب، والاستئناسُ بأخواته موجب لقلة الاهتمام به.
(ومنها): ما قيل في قوله: ((على أن تعلّمني مما علمت رشداً)): أمَا دلّت
حاجته إلى التعلم من آخَر في عَهْده، أنه كما قيل: موسى بن ميشا، لا
موسى بن عمران؛ لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه، وإمامهم
المرجوع إليه في أبواب الدين؟.
أجيب: لا غضاضة بالنبيّ في أخذ العلم من نبيّ مثله، وإنما يَغُض منه
أن يأخذ ممن دونه، وقال الكرمانيّ: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولايته،
قال العينيّ: هذا الجواب للزمخشريّ وهو قائل بنبوته، كما ذهب إليه
الجمهور، بل هو رسول، وينبغي اعتقاد ذلك؛ لئلا يَتوسل به أهل الزيغ
والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم أن الوليّ أفضل من النبيّ، نعوذ بالله
تعالى من هذه البدعة.
(ومنها): ما قيل في قوله: ((فحملوهما)»: هم ثلاثة، فقال: كلّموهم بلفظة
الجمع، فلم قال: ((فحملوهما)) بالتثنية؟.
أجيب: بأن يوشع كان تابعاً، فاكتُّفِي بذكر الأصل عن الفرع.
(ومنها): ما قيل: إن نسبة النقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي،
(١) ((الفتح)) ٣٨٤/١ - ٣٨٦، كتاب ((العلم)) رقم (١٢٢).

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
ونسبة عِلمهما إلى علم الله نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، وللنقرة إلى البحر
في الجملة نسبة ما، بخلاف عِلْمهما فإنه لا نسبة له إلى علم الله.
أجيب: بأن المقصود منه التشبيه في القلة والحقارة، لا المماثلة من كل
الوجوه.
(ومنها): ما قيل: متى كانت قصة الخضر مع موسى ◌َّالِ؟.
أجيب: حيث كان موسى في التيه، فلما فارقه الخضر رفع إلى قومه،
وهم في التيه، وقيل: كانت قبل خروجه من مصر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تعيين وقت قصّتهما يحتاج إلى حجة صحيحة،
فأين هي؟ والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في شأن الخضرالتيلا:
(اعلم): أنه قد اختُلِف في اسمه، واسم أبيه، ونسبه، ونبوته، وتعمیره،
فقال وهب بن منبه: هو بَلْيَا - بفتح الموحّدة، وسكون اللام، بعدها تحتانية -
ووُجد بخط الدمياطي في أول الاسم بنقطتين، وقيل كالأول بزيادة ألف بعد
الباء، وقيل: اسمه إلياس، وقيل: اليسع، وقيل: عامر، وقيل: خضرون،
والأول أثبت: ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفشخند بن سام بن
نوح، فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل؛ لأنه يكون ابن عم جدّ إبراهيم،
وقد حَكَى الثعلبيّ قولين في أنه كان قبل الخليل، أو بعده، قال وهب: وكنيته
أبو العباس.
وروى الدارقطنيّ في ((الأفراد)) من طريق مقاتل، عن الضحاك، عن ابن
عباس قال: هو ابن آدم لِصُلبه، وهو ضعيف، منقطع.
وذكر أبو حاتم السجستاني في المعمَّرين أنه ابن قابيل بن آدم، رواه عن
أبي عبيدة وغيره.
وقيل: اسمه إرميا بن طيفاء، حكاه ابن إسحاق عن وهب، وإرميا بكسر
أوله، وقيل: بضمه، وأشبعها بعضهم واواً.
واختُلِف في اسم أبيه، فقيل: ملكان، وقيل: كلمان، وقيل: عاميل،
(١) ((عمدة القاري)) ١٩٦/٢.

٢٦٩
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤)
وقيل: قابل، والأول أشهر، وعن إسماعيل بن أبي أويس: هو المعمر بن
مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وحكى السهيليّ عن قوم أنه كان مَلَكاً من
الملائكة، وليس من بني آدم، وعن ابن لهيعة: كان ابن فرعون نفسه، وقيل:
ابن بنت فرعون، وقيل: اسمه خضرون بن عاييل بن معمر بن عيصو بن
إسحاق بن إبراهيم، وقيل: كان أبوه فارسيّاً، رواه الطبريّ من طريق عبد الله بن
شوذب.
وحكى ابن ظفر في ((تفسيره)) أنه كان من ذرية بعض من آمن بإبراهيم،
وقيل: إنه الذي أماته الله مائة عام، ثم بعثه، فلا يموت حتى يُنفخ في الصُّور.
وروى الدارقطني في الحديث المذكور قال: مُدّ للخضر في أجَلِه حتى
یُگذِّب الدجال.
وقال عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن مَعْمَر في قصة الذي يقتله الدجال، ثم
يحييه: بلغني أنه الخضر، وكذا قال إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم في
((صحيحه))، وروى ابن إسحاق في ((المبتدأ)) عن أصحابه أن آدم أخبر بنيه عند
الموت بأمر الطوفان، ودعا بمن يحفظ جسده بالتعمير حتى يدفنه، فجمع نوح
بَنِيه لمّا وقع الطوفان، وأعلمهم بذلك، فحفظوه حتى كان الذي تولى دَفْنه
الخضر.
وروى خيثمة بن سليمان من طريق جعفر الصادق عن أبيه، أن ذا القرنين
كان له صديق من الملائكة، فطلب منه أن يدلّه على شيء يطول به عمره، فدله
على عين الحياة، وهي داخل الظلمة، فصار إليها، والخضر على مقدمته، فظفر
بها الخضر، ولم يظفر بها ذو القرنين.
ورُوي عن مكحول، عن كعب الأحبار، قال: أربعة من الأنبياء أحياء،
أمان لأهل الأرض، اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء:
إدريس وعيسى.
وحَكَى ابن عطية البغويّ (١) عن أكثر أهل العلم أنه نبيّ، ثم اختلفوا هل
هو رسول، أم لا؟.
(١) هكذا النسخة بلا عاطف، ولعله والبغويّ بالواو فليُحرّر.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وقالت طائفة، منهم القشيريّ: هو وليّ، وقال الطبري في ((تاريخه)): كان
الخضر في أيام أفريدون، في قول عامة علماء الكتاب الأول، وكان على مقدمة
ذي القرنين الأكبر.
وأخرج النقاش أخباراً كثيرة تدلّ على بقائه، لا تقوم بشيء منها حجةٌ،
قاله ابن عطية، قال: ولو كان باقياً لكان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم
يثبت شيء من ذلك.
وقال الثعلبيّ في ((تفسيره)): هو معمَّر على جميع الأقوال، محجوب عن
الأبصار، قال: وقد قيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان، حين يُرفع القرآن.
وقال القرطبيّ: هو نبيّ عند الجمهور، والآية تشهد بذلك؛ لأن النبيّ وَلـ
لا يتعلم ممن هو دونه، ولأن الحكم بالباطن لا يطلع عليه إلا الأنبياء.
وقال ابن الصلاح: هو حيّ عند جمهور العلماء، والعامة معهم في ذلك،
وإنما شَذَّ بإنكاره بعض المحدثين، وتبعه النوويّ، وزاد أن ذلك متفق عليه بين
الصوفية، وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته، والاجتماع به أكثر من أن
تُخْصَر. انتهى.
والذي جزم بأنه غير موجود الآن: البخاريّ، وإبراهيم الحربيّ، وأبو
جعفر بن المنادى، وأبو يعلى ابن الفراء، وأبو طاهر العباديّ، وأبو بكر ابن
العربيّ، وطائفة، وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر، وجابر، وغيرهما:
أن النبيّ ◌َّ قال في آخر حياته: ((لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة،
ممن هو عليها اليوم أحد))، قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قَرْنه.
وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو
مخصوص من الحديث، كما خُصّ منه إبليس بالاتفاق.
ومِن حُجَج من أنكر ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُذْدِّ﴾
الآية [الأنبياء: ٣٤]، وحديث ابن عباس ◌ًّا: ((ما بعث الله نبيّاً، إلا أخذ عليه
الميثاق، لئن بُعث محمد، وهو حي ليؤمننّ به، ولينصرنّه))، أخرجه البخاريّ،
ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبيّ وَّر، ولا قاتل معه، وقد قال الكليه
يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض))، فلو كان الخضر
موجوداً لم يصح هذا النفي، وقال ◌َليّ: (رَحِم الله موسى لَوَدِدْنا لو كان صَبَر

٢٧١
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عُلا - حديث رقم (٦١٤٤)
حتى يقصّ علينا من خبرهما))، فلو كان الخضر موجوداً لَمَا حَسُنَ هذا التمني،
وَلأحضره بين يديه، وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة، لا سيما أهل
الكتاب.
وجاء في اجتماعه مع النبيّ وَلّ حديث ضعيف، أخرجه ابن عدي من
طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ وَّ
سمع، وهو في المسجد كلاماً، فقال: ((يا أنس اذهب إلى هذا القائل، فقل له
يستغفر لي))، فذهب إليه، فقال: قل له: إن الله فضّلك على الأنبياء بما فضّل به
رمضان على الشهور، قال: فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر، إسناده ضعيف.
وروى ابن عساكر من حديث أنس نحوه، بإسناد أوهى منه.
وروى الدارقطني في ((الأفراد)) من طريق عطاء، عن ابن عباس مرفوعاً:
(يجتمع الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس
صاحبه، ويفترقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله، ما شاء الله ... )) الحديث،
في إسناده محمد بن أحمد بن زيد - بمعجمة، ثم موحدة ساكنة، وهو ضعيف.
وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد، عن الحسن بن يحيى،
عن ابن أبي رواد، نحوه، وزاد: ((ويشربان من ماء زمزم شربة، تكفيهما إلى
قابل))، وهذا مُعْضَل، ورواه أحمد في ((الزهد)) بإسناد حسن عن ابن أبي روّاد،
وزاد: ((أنهما يصومان رمضان ببيت المقدس)).
وروى الطبريّ من طريق عبد الله بن شوذب نحوه، ورُوي عن عليّ أنه
((دخل الطواف، فسمع رجلاً يقول: يا من لا يَشْغَله سَمْع عن سَمْع ... ))
الحديث، فإذا هو الخضر، أخرجه ابن عساكر من وجهين، في كل منهما
ضَعْف، وهو في ((المجالسة)) من الوجه الثاني.
وجاء في اجتماعه ببعض الصحابة، فمَن بعدَهم أخبار، أكثرها واهي
الإسناد، منها ما أخرجه ابن أبي الدنيا، والبيهقيّ من حديث أنس: ((لَمّا قُبِض
النبيّ وَ لّ دخل رجل، فتخطّاهم، فذكر الحديث في التعزية، فقال أبو بكر،
وعليّ: هذا الخضر، في إسناده عباد بن عبد الصمد، وهو واهٍ، وروى سيف
في ((الردة)) نحوه بإسناد آخر مجهول، وروى ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن عليّ نحوه.

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وروى ابن وهب من طريق بن المنكدر، أن عمر صلى على جنازة،
فسمع قائلاً يقول: لا تَسْبقنا، فذكر القصة، وفيها: أنه دعا للميت، فقال عمر:
خذوا الرجل، فتوارى عنهم، فإذا أثر قدمه ذراع، فقال عمر: هذا والله
الخضر، في إسناده مجهول، مع انقطاعه.
وروى أحمد في ((الزهد)) من طريق مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، عن
عون بن عبد الله، قال: بينا رجل بمصر في فتنة ابن الزبير مهموماً؛ إذ لقيه
رجل، فسأله، فأخبره باهتمامه بما فيه الناس من الفتن، فقال: قل: اللهم
سلّمني، وسلّم مني، قال: فقالها: فسَلِم، قال مسعر: يرون أنه الخضر.
وروى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) وأبو عروبة من طريق رياح
- بالتحتانية - ابن عبيدة، قال: رأيت رجلاً يماشي عمر بن عبد العزيز، معتمداً
على يديه، فلما انصرف، قلت له: من الرجل؟ قال: رأيته؟ قلت: نعم، قال:
أحسبك رجلاً صالحاً، ذاك أخي الخضر، بَشَرني أني سَأُوَلَّى، وأعدل. لا
بأس برجاله.
قال الحافظ تَّتُهُ: ولم يقع لي إلى الآن خبر، ولا أثر بسند جيد غيره،
وهذا لا يعارض الحديث الأول في مائة سنة، فإن ذلك كان قبل المائة.
وروى ابن عساكر من طريق كرز بن وبرة، قال: أتاني أخ لي من أهل
الشام، فقال: اقْبَلْ مني هذه الهدية، إن إبراهيم التيميّ حدّثني، قال: كنت
جالساً بفناء الكعبة، أذكر الله، فجاءني رجل، فسلّم عليّ، فلم أر أحسن وجهاً
منه، ولا أطيب ريحاً، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، قال: فعلّمه
شيئاً إذا فعله رأى النبيّ بَّه في المنام. وفي إسناده مجهول، وضعيف.
وروى ابن عساكر في ترجمة أبي زرعة الرازي بسند صحيح، أنه رأى،
وهو شابّ رجلاً نهاه عن غشيان أبواب الأمراء، ثم رآه بعد أن صار شيخاً
كبيراً على حالته الأُولى، فنهاه عن ذلك أيضاً، قال: فالتفتّ لأكلمه، فلم أره،
فوقع في نفسي أنه الخضر.
وروى عمر الجمحي في ((فرائده))، والفاكهي في ((كتاب مكة)) بسند فيه
مجهول، عن جعفر بن محمد أنه رأى شيخاً كبيراً يحدّث أباه، ثم ذهب، فقال
له أبوه: رُدّه عليّ، قال: فتطلّبته، فلم أقدر عليه، فقال لي أبي: ذاك الخضر.

٢٧٣
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ ع ◌َ * - حديث رقم (٦١٤٤)
وروى البيهقيّ من طريق الحجاج بن فرافصة: أن رجلين كانا يتبايعان عند
ابن عمر، فقام عليهم رجل، فنهاهما عن الحلف بالله، ووعظهم بموعظة، فقال
ابن عمر لأحدهما: اكتبها منه، فاستعاده حتى حفظها، ثم تطلّبه، فلم يره،
قال: وكانوا يَرَوْن أنه الخضر، ذكر هذا في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن الخضر لعلّلا نبيّ،
ومن أقوى الأدلّة وأظهرها في ذلك قوله رَ حكايةً عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾
[الكهف: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشْدَهُمَا﴾ الآية [الكهف: ٨٢]، وقوله
في الحديث الصحيح: ((يا موسى إني على عِلم من عِلم الله علَّمنيه الله لا
تعلمه، وأنت على عِلم من عِلمه علّمكه لا أعلمه)).
قال الشيخ الشنقيطيّ ◌َّهُ في ((تفسيره)): ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة
والعلم اللدنيّ اللذين امتنّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي
قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ, عَنْ أَمْرِئَ﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: وإنما فعلته عن
أمْر الله جل وعلا، وأمْر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تُعرف
بها أوامر الله، ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولا سيما قَتْل الأنفس
البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس
الناس، وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر
تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِلْوَحْيِ﴾
[الأنبياء: ٤٥]، و((إنما)) صيغة حصر (٢). انتهى كلامه، وهو بحث نفيسٌ جدّاً.
فخلاصة القول أن الخضر لعلّه نبيّ بلا شكّ، والله تعالى أعلم.
وأما ما ورد في حياة الخضر ظلّ* إلى اليوم، فإنه لا يثبت منه شيء عن
النبيّ ◌َّ﴾، والحكايات عن الصالحين أكثرها واهية، وما صحّ منها لا يُلتفت
إليه؛ لأنه مظنون، عن غير معصوم.
قال الشيخ الشنقيطيّ أيضاً - بعدما أورد كثيراً مما قيل في ذلك - ما
نصّه: فتحصّل أن الأحاديث المرفوعة التي تدلّ على وجود الخضر حياً باقياً لم
(١) ((الفتح)) ٧١٣/٧ - ٧١٧، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٠١).
(٢) ((أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)) ٣/ ٣٩٧.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
يثبت منها شيء، وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه.
وممن بيّن ضَعف الأحايث الدالة على حياة الخضر، وبقائه: ابن كثير في
((تاريخه))، و((تفسيره))، وبيّن كثيراً من أوْجه ضَعْفها ابن حجر في ((الإصابة))،
وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) بعد أن ساق الأحاديث، والحكايات الواردة
في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات، هي عمدة من ذهب إلى حياته
إلى اليوم، وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جداً، لا تقوم بمثلها حجة في
الدين، والحكايات لا يخلو أكثرها من ضَعف في الإسناد، وقصاراها أنها
صحيحة إلى من ليس بمعصوم، من صحابيّ أو غيره؛ لأنه يجوز عليه الخطأ،
والله أعلم، إلى أن قال تَخْلَثُ: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي تَّتُهُ
في كتابه ((عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر)) الأحاديث الواردة في ذلك من
المرفوعات، فبيّن أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن
بعدهم، فبيّن ضَعْف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في
ذلك، وأحسن الانتقاد. انتهى منه(١).
وخلاصة القول: أن القول الصواب هو أن الخضر ليس حيّاً الآن، وأن
القول بحياته لا دليل عليه يَثْبت، بل هو من حديث الخرافات التي ينبغي الحذر
منها، والابتعاد عنها، فإن اعتقاد مثل هذا قد دعا كثيراً ممن يُنسب إلى العبادة
إلى أن يدّعوا طريقة مبتدَعة في الذِّكر ونحوه بدعوى أن الخضر لقّنهم إياها،
فبذلك دخل في المسلمين كثير من البدع والخرافات، فأضلّ به مشايخ الضلال
كثيراً من الجهّال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ
﴾ [آل عمران: ٨]، ((اللهم أرنا الحقّ حقّاً،
لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا،
فنضلَّ، واجعلنا للمتقين إماماً))، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٤٥] (.) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:
(١) ((أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)) ٣٨٧/٣.

٢٧٥
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ علا - حديث رقم (٦١٤٥)
قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفاً يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ بَلْتَمِسُ الْعِلْمَ، لَيْسَ
بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ،
حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّهُ بَيْنَمَا مُوسَى ◌ُِّ
فِي قَوْمِهِ، يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَيَّامُ اللهِ: نَعْمَاؤُهُ، وَبَلَاؤُهُ؛ إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِي
الأَرْضِ رَجُلاً خَيْراً، أَوْ أَعْلَمَ مِنِّي، قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ،
أَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ، إِنَّ فِي الأَرْضِ رَجُلاًّ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَدُلَّنِي عَلَيْهِ،
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتاً مَالِحاً، فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ هُوَ
وَفَتَاهُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَعُمِّيَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ، وَتَرَكَ فَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ
الْحُوتُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ، قَالَ: فَقَالَ فَتَاهُ: أَلَا
أَلْحَقُ نَبِيَّ اللهِ، فَأُخْبِرَهُ، قَالَ: فَنُسِّيَ، فَلَمَّا تَجَاوَزَا، قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿وَإِثِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ
لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قَالَ: وَلَمْ يُصِبْهُمْ نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا،
قَالَ: فَتَذَّرَ، ﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْخَّ فَارْتَدًا عَلَى
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ، وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ، فِ الْبَحْرِ عَبًا
هِف: ٦٣، ٦٤]، فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ، قَالَ: هَا هُنَا وُصِفَ
ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا
لِي، قَالَ: فَذَهَبَ بَلْتَمِسُ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ مُسَجَّى ثَوْباً، مُسْتَلْقِياً عَلَى الْقَفَا، أَوْ
قَالَ: عَلَى حَلَاوَةِ الْقَفَا، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ:
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ: مُوسَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ، قَالَ: مَجِيءٌ مَا جَاءَ بَِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، قَالَ:
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟ شَيْءٍ أُمِرْتُ
بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ، إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً، وَلَا أَعْصِي
لَكَ أَمْراً، قَالَ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً،
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا، قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا، قَالَ لَّهُ مُوسَى عَّ:
أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ: إِنََّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ
صَبْراً، قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، فَانْطَلَقَا، حَتَّى

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
إِذَا لَقِيَا غِلْمَاناً يَلْعَبُونَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ، فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا
مُوسَى ظَاهُ ذَعْرَةً مُنْكَرَةً، قَالَ: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً
نُكْراً))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ: ((رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى مُوسَى،
لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ
عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا، فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى
الْعَجَبَ)) - قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَداً مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ: ((رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا،
وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا)) - ((فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَبَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِقَاماً(١)،
فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ، فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ، قَالَ: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (٢) عَلَيْهِ أَجْراً، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ
بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ، قَالَ: ﴿سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا (® أَمَّا
السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٨، ٧٩] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَإِذَا
جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً، فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الْغُلَامُ
فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِراً، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَاناً
وَكُفْراً، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ [الكهف: ٨١، ٨٢])) إِلَى آخِرِ الآيَةِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصَّنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (رَقَبَةُ) - بقاف، وموحّدة مفتوحتين - ابن مَصْقَلة - بالصاد، والسين -
العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ، وكان يمزح [٦].
رَوَى عن أنس فيما قيل، ويزيد بن أبي مريم، وأبي إسحاق، وعطاء،
(١) وفي نسخة: (لئام)).
(٢) وفي نسخة: ((لتخذت)).

٢٧٧
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلا - حديث رقم (٦١٤٥)
وقيس بن مسلم، ومجزأة بن زاهر، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيميّ، وهو من أقرانه، وجرير بن عبد الحميد، وأبو
عوانة، وابن عيينة، وابن فضيل، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ من الثقات، مأمون، وقال
إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال
العجليّ: ثقةٌ، وكان مُفَوَّهاً يُعَدّ من رجالات العرب، وكان صديقاً لسليمان
التيميّ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ إلا أنه كانت فيه دُعَابةُ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وأَرَّخ ابن الأثير وفاته سنة (١٢٩).
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في
هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٢٣٨٠)، وحديث (٢٦٦١): ((إن الغلام
الذي قتله الخضر طبع كافراً ... ))، وحديث (٢٧٤٣): ((بينما ثلاثة نفر
يتمشون، أخذهم المطر ... )) الحديث.
٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال غير ذلك،
الْهَمْدانيّ، السَّبِيعيّ - بفتح السين المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ،
اختلط بأخرة [٣] (ت١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثُمانيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو مسلسل بالبصريين إلى التيميّ،
والباقون كوفيّون إلا ابن عبّاس، فبصريّ، وأُبيّاً فمدنيّ څًا، وفيه رواية صحابيّ
عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه
(قَالَ: قِيلَ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ) رِّ، وتقدّم في الرواية السابقة أنه هو القائل. (إِنَّ
نَوْفاً) - بفتح النون، وسكون الواو - البِكَاليّ - بكسر الموحّدة مخففاً، وبعد
الألف لام، وقيل: بفتح أوله، وتشديد الكاف، والصواب الأول -، واسم أبيه
فَضَالة - بفتح الفاء، وتخفيف المعجمة - وهو منسوب إلى بني بكال بن

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
دعمى بن سعد بن عوف بطن من حِمْير، ويقال: إنه ابن امرأة كعب الأحبار،
وقيل: ابن أخيه، وهو تابعيّ، صدوقٌ.
وفي التابعين: جَبْر - بفتح الجيم، وسكون الموحّدة - ابن نَوْف الْبَكِيليّ
- بفتح الموحّدة، وكسر الكاف، مخففاً، بعدها تحتانية، بعدها لام - منسوب
إلى بَكِيل بطن من هَمْدان، ويكنى أبا الوَدّاك - بتشديد الدال ـ وهو مشهور
بكنيته، ومن زعم أنه وَلَد نَوْف الْبِكَالِيّ فقد وَهِم (١).
(يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ)؛ أي: يطلب (الْعِلْمَ، لَيْسَ بِمُوسَى
بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإنما هو موسى بن مِيشا بن أفرائيم بن يوسف عِلَّا. (قَالَ) ابن
عبّاس (أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟) قال سعيد: (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ) تقدّم أنه
قال: كذب عدو الله، وقوله: (كَذَبَ))، وكذا قوله: ((عدو الله)) محمولان على
إرادة المبالغة في الزجر والتنفير عن تصديق تلك المقالة، وقد كانت هذه
المسألة دارت أوّلاً بين ابن عباس والْحُرّ(٢) بن قيس الفزاريّ وسألا عن ذلك
أُتّي بن كعب، ففي رواية للبخاريّ: ((أنه تمارى هو والحرّ بن قيس الفزاريّ في
صاحب موسى، فقال ابن عبّاس: هو خضر، فمرّ بهما أُبيّ بن كعب، فدعاه
ابن عبّاس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا ... )) الحديث، وهذا التماري
الذي وقع بين ابن عباس والحر غير التماري الذي وقع بين سعيد بن جبير
ونوف البكالي، فإن هذا في صاحب موسى، هل هو الخضر أو غيره؟ وذاك في
موسى، هل هو موسى بن عمران الذي أُنزلت عليه التوراة، أو موسى بن
مِیشا؟(٣)، فتنبّه.
وقال النوويّ كَخَّتُهُ: قوله: ((كذب نوف)) هو جارٍ على مذهب أصحابنا أن
الكذب: هو الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عمداً كان، أو سهواً، خلافاً
(١) ((الفتح)) ٣٢١/١٠ - ٣٢٢، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٧٢٦).
(٢) الحرّ : - بضم الحاء، وتشديد الراء المهملتين - وهو: صحابي مشهور ذكره ابن
السكن وغيره، وله ذِكر عند البخاري أيضاً في قصة له مع عمر قال فيها: وكان
الحر من النفر الذين يُدْنِيهم عمر؛ يعني: لِفَضْلهم.
(٣) راجع: ((الفتح)) ١/ ٢٩٧.

٢٧٩
(٤٦) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَل - حديث رقم (٦١٤٥)
للمعتزلة، وسبقت المسألة في (كتاب الإيمان)). انتهى(١).
(حَدَّثَنَا أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ) رَبُه (قَالَ) أُبِيّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّهُ)
الضمير للشأن، وقد تقدّم البحث في ذلك قريباً. (بَيْنَمَا) تقدّم غير مرّة أن أصله
(بين)) زيدت فيه ((ما))، وجوابه ((إذ قال ... إلخ)). (مُوسَى عََّ فِي قَوْمِهِ،
يُذَكِّرُهُمْ)؛ أي: يعظهم (بِأَيَّام اللّهِ)، ثم فسّر الراوي أيام الله بقوله: (وَأَيَّامُ اللهِ.
نَعْمَاؤُهُ) بفتح النون؛ أي: منّتَه وعطيّته، كإرسال موسى إليهم، وإنزال التوراة
عليه، وإنزال المنّ والسلوى عليهم، وغير ذلك. (وَبَلَاؤُهُ)؛ أي: امتحانه لهم،
كاستعباد القبط لهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم وغير ذلك. (إِذْ قَالَ)
موسى بعدما سئل: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ كما بُيّن في الرواية الماضية.
(مَا) نافية، (أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ رَجُلاً خَيْراً، أَوْ) للشكّ من الراوي (أَعْلَمَ مِنِّي،
قَالَ) وَهِ (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى موسى علّها (إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ)؛ أي:
من موسى عليّ، (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضاً؛ أي: أو قال الله: إني أعلم
(عِنْدَ مَنْ هُوَ)؛ أي: الخير، أو العلم، ثم بيّن ذلك، فقال: (إِنَّ فِي الأَرْضِ
رَجُلاً) هو: الخضر، (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ) موسى (يَا رَبِّ، فَدُلَّنِي عَلَيْهِ) أمْر من
دلّ، من باب قعد: إذا أرشد، وللنسائيّ: ((فادللني على هذا الرجل حتى أتعلّم
منه)). (قَالَ) بَّهِ (فَقِيلَ لَهُ)؛ أي: قال الله تعالى لموسى عليّلها (تَزَوَّدْ) هذا صريح
في أن ذلك الحوت كان زادَ موسى وفتاه، خلاف ما رجّحه القرطبي فيما مضى
من أنه ليس زاداً لهما. (حُوتاً) بالضمّ: العظيم من السَّمَك، وهو مذكّر، وفي
التنزيل: ﴿فَلْقَمَهُ الْحُوتُ﴾ [الصافات: ١٤٢]، والجمع حِيتان. (٢) (مَالِحاً)؛ أي:
مُقَدّداً، وجعل الفيّوميّ مالحاً لغة رديئة، وعبارته: سَمَكٌ مِلْحٌ، ومَمْلُوحٌ،
ومَلِيحٌ، وهو الْمُقَدَّدُ، ولا يقال: مَالِحٌ إلا في لغة رديئة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((في لغة رديئة)) يردّ عليه هذا الحديث
الصحيح، بل قد ورد في أشعار العرب، وأثبته بعض اللغويين، ودونك عبارة
السيد محمد مرتضى الزبيديّ في ((شرح القاموس))، قال بعد ذكر قول المانعين
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ١٤٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٧٨/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٥٥/١.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
منه: وقال أَبو الدُّقَيْش: يقال: ماءٌ مالحٌ، ومِلْح، قال أَبو منصور: هذا وإِنْ
وُجِدَ في كلام العرب قليلاً لُغَةٌ لا تُنْكر، قال ابن بَرّيّ: قد جاءَ المالِح في
أَشعارِ الفُصحاءِ؛ كقول الأَغلب العِجْليّ يَصف أُتْناً وحِماراً [من الرجز]:
تَخَالُهُ مِنْ كَرْبِهِنَّ كَالحَا وافْتَرَّ صَاباً ونَشُوقاً مالِحَا
وقال غَسّانُ السَّلِيطيّ [من الطويل]:
غِذَاهُنَّ نِينَانٌ مِنَ الْبَحْرِ مالِحُ
وَبِيضٍ غِذَاهنَّ الحَليبُ وَلَمْ يَكنْ
يَمُوجُون مَوْجَ البَحْرِ والبَحْرُ جَامِحُ
أَحَبُّ إِلينا مِنْ أُناسٍ بِقَرْيَةٍ
وقال عُمر بن أَبِي رَبيعةً [من الطويل]:
وَلَوْ تَفَلَتْ في البَحْرِ والبَحرُ مالحٌ لأَصبَحَ ماءُ البَحْرِ من رِيقِهَا عَذْبًا
قال: وقال ابنُ الأعرابيّ: يقال شيْءٌ مالِحٌ، كما يقال: حامِضٌ، قال ابنَ
بَرّيّ: وقال أَبو الجَرّاحِ: الحَمْضُ: المالِحُ من الشَّجَر، قال ابن بَرّيّ: ووَجْهُ
جَوازٍ هذا من جِهة العَربِيَّة أَن يكون على النَّسَب، مثل قولهم: ماءٌ دافِقٌ؛ أي:
ذو دَفْق، وكذلك ماءٌ مالح؛ أي: ذو مِلْح، وكما يقال: رجلٌ تارِسٌ؛ أي: ذو
تُرْسٍ، ودَارِعٌ؛ أي: ذو دِرع، قال: ولا يكون هذا جارياً على الفِعْل، وقال
ابن سيدَه: وسَمَكٌ مالِحٌ، وَمَلِيحٌ، ومَمْلُوح، ومُمَلَّح، وكَرِهَ بعضُهم مَلِيحاً
ومالِحاً، ولم يَرَ بَيْتَ عُذافٍ حُجَة، وهو قوله [من الرجز]:
ولم أَسُقْ لشَعْفَرَ المَطِيًّا
لو شاءَ رَبِّي لم أَكنْ كَرِيًّا
يُظْعِمها المالحَ والطَّرِيًّا(١)
بَصَرِيّة تزَوّجتْ بَصْرِيًّا
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأشعار أثبتت صحة قوله: ((مالحاً)) الواقع
في هذا الحديث، وأن العرب كانت تستعمله، والذين نفوه إنما نفوا علمهم،
ومَن حفِظ كابن سِيده، وابن الأعرابيّ، وابن برّيّ حجة على من لم يحفظ،
فاحفظ هذا، وكن على بصيرة، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): ويستفاد من هذه الرواية أن الحوت كان ميتاً؛ لأنه لا
يُمْلَح، وهو حيّ، ومنه تعلم الحكمة في تخصيص الحوت دون غيره من
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٧٥٦/١.