Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَارِ - حديث رقم (٦١٣١)
رب زده في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له، قال: أي رب، فإني قد جعلت
له من عمري ستين سنة، قال: أنت وذاك، قال: ثم أُسكن الجنة ما شاء الله،
ثم أُهبط منها، فكان آدم يعدّ لنفسه، قال: فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد
عجلت، قد كُتب لي ألف سنة، قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود ستين
سنة، فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، قال: فمن يومئذ أُمِر
بالكتاب والشهود».
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، غريب من هذا الوجه، وقد روي من
غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ، من رواية زيد بن أسلم، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ بَّه. انتهى. والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَذَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ، فَذَكَرَ
أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَهُ، فَقَالَ
لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَّهُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ
الْمَلَكُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ، لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ
فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي، فَقُلْ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟
فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُلَكَ مِنْ شَعْرَةٍ، فَإِنََّكَ
تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبِ، رَبّ
أَمِثْنِي(١) مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ))، قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((وَاللهِ لَوْ أَنِّي
عِنْدَهُ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ)).
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وإسناده تقدّم قبل حديث،
وقد تقدّم أيضاً شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(١) وفي نسخة: ((رب أدنني)).

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وقوله: (فالآن من قريب رب أمتني ... إلخ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو
في معظم النسخ: ((أمتني)) بالميم، والتاء، والنون، من الموت، وفي بعضها:
((أدني)) بالدال، ونونين، وكلاهما صحيح. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ... إلخ) هو إبراهيم بن محمد بن سفيان تلميذ
مسلم، وراوية كتابه، وقد تقدّم قبل بابين، وغرضه(٢) بيان علوّ إسناده على
روايته بإسناد مسلم المذكور، حيث إنه وصل إلى عبد الرزّاق في هذا بواسطة
واحدة، وهو محمد بن يحيى، وقد وصل إليه في روايته عن مسلم بواسطتين:
مسلم، وشیخه محمد بن رافع.
و(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) هو: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن
فارس بن ذُؤيب الذَّهْليّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ [١١] (ت٢٥٨) على
الصحيح، وله ست وثمانون سنةً (خ ٤)، ولم يرو عنه مسلم في ((صحيحه))،
وإنما روى عنه تلميذه أبو إسحاق؛ لعلوّ سنده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٣٢] (٢٣٧٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْئَمَا يَهُودِيُّ بَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ،
أُعْطِيَ بِهَا شَيْئاً كَرِهَهُ، أَوَ لَمْ يَرْضَهُ - شََكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ - قَالَ: لَا، وَالَّذِيِ اصْطَفَى
مُوسَى عَلَّهُ عَلَى الْبَشَرِ، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَطَمَ وَجْهَهُ، قَالَ:
تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَّا عَلَى الْبَشَرِ، وَرَسُولُ اللهِ لَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا،
قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً
وَعَهْداً، وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ تََّ: (لِمَ لَطَمَّتَ وَجْهَهُ؟))،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٥.
(٢) وقول الشيخ الهرري: غرضه بيان متابعة محمد بن يحيى لمحمد بن رافع، فيه نَظَر
لا يخفى، بل غرضه ما ذكرته من بيان علوّ إسناد، فتأمله بالإمعان، وبالله تعالى
التوفيق.

١٦٣
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّـــ حديث رقم (٦١٣٢)
قَالَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَّ عَلَى الْبَشَرِ، وَأَنْتَ بَيْنَ
أَظْهُرِنَا، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((لَا
تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي
الأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، أَوْ فِي
أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى عَلَّا آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي، أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ
الطَّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي؟، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَداً أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَا)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عمر سكن بغداد، وَوَلِيَ قضاء
خُرَاسان، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٥) وقيل: بعد ذلك (خ م د ت س) تقدم في
((الإيمان) ٤٣٧/٨١.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الماجِشون - بكسر الجيم،
بعدها شين معجمة مضمومة - المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ
مصنفٌ [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ) هو: عبد الله بن الفضل بن العباس بن
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٧/٨١.
والباقون ذكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من عبد العزيز،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُه، والكلام فيه مشهور.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ)؛ أي: رجل منسوب إلى
قبيلة يهود، قال الفيّوميّ ◌َظّلهُ: يقال: هم يهود، غير منصرف؛ للعَلَميّة، ووزن
الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع
التّنوين؛ لأنه نُقِل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنِّسبة إليه: يَهُودِيٌّ،
وقيل: اليهوديُّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب عَلَ*، هكذا أورد الصغانيّ يَهُودَا،

١٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
في باب المهملة. انتهى (١).
[تنبيه]: قال الحافظ تَخْذَلُهُ: ولم أقف على اسم هذا اليهوديّ في هذه
القصّة، وزعم ابن بشكوال أنه فِنْحاص - بكسر الفاء، وسكون النون،
ومهملتين - وعزاه لابن إسحاق، والذي ذكره ابن إسحاق لفِنحاص مع أبي بكر
الصديق ◌ُه في لطمه إياه قصة أخرى، في نزول قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ
قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨١]، وأما كون
اللاطم في هذه القصة هو الصدّيق فهو مصرَّح به فيما أخرجه سفيان بن عيينة
في ((جامعه)) وابن أبي الدنيا في ((كتاب البعث)) من طريقه، عن عمرو بن دينار،
عن عطاء، وابن جُدْعان، عن سعيد بن المسيِّب، قال: ((كان بين رجل من
أصحاب النبيّ وَآل﴾ وبين رجل من اليهود كلام في شيء - فقال عمرو بن دينار:
هو أبو بكر الصديق - فقال اليهوديّ: والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه
المسلم ... )) الحديث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وأما كون اللاطم ... إلخ)) ففيه نظر؛
لأنه في هذه القصّة صرّح بأنه رجل من الأنصار، وأبو بكر ظُه مها جريّ،
وليس أنصاريّاً، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
(يَعْرِضُ) بكسر الراء، من باب ضرب؛ أي: يُظهره للناس ليشتروه، وقال
في ((العمدة))؛ أي: يُبرز متاعه للناس؛ ليرغبوا في شرائه، فأُعطي له به ثمناً
بَخْساً(٣). (سِلْعَةً لَهُ) بكسر السين، وإسكان اللام: الْبِضاعة، وجَمْعها: سِلَعٌ،
مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي الشَّجّة، ولا تناسب هنا، وجَمْعها
سَلَعاتٌ، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات(٤). (أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، (بِهَا شَيْئاً كَرِهَهُ)؛
أي: ثمناً استقلّه، وقوله: (أَوْ لَمْ يَرْضَهُ) ((أو)) للشك، كما بيّن الشاكّ هنا
بقوله: (شََكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن عبد الله الراوي عن عبد الله بن الفضل. (قَالَ)
ذلك اليهوديّ (لَا)؛ أي: لست أبيعه بما أعطيتني؛ لكونه قليلاً، ثم حلف على
(١) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢.
(٢) ((الفتح)) ٩/٨، كتاب ((الأنبياء)) رقم (٣٤٠٨).
(٣) ((عمدة القاري)) ٤/١٦.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٨٥/١.

١٦٥
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَلر - حديث رقم (٦١٣٢)
ذلك بقوله: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عِّهُ عَلَى الْبَشَرِ)، وفي الرواية التالية:
(وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى نَّهُ عَلَى الْعَالَمِينَ))؛ أي: على جميعهم، حتى على
محمد ◌َ، ولذا غضب المسلم؛ لأنه يعتقد أن محمداً بَل ل أفضل من موسى
وغيره. (قَالَ) أبو هريرة ◌َُّه (فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ) فيه أنه ردّ على من
قال: إنه أبو بكر الصديّق، فتنبّه. (فَلَطَمَ وَجْهَهُ) يقال: لَطَمت المرأة وجهها
لظماً، من باب ضرب: ضَرَبته بباطن كفّها (١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فلطم اليهودي))؛ أي: عند سماعه قول
اليهوديّ: ((والذي اصطفى موسى على العالمين))، وإنما صنع ذلك لِمَا فهمه من
عموم لفظ: ((العالمين))، فدخل فيه محمد ◌َ*، وقد تقرر عند المسلم أن
محمداً وَل﴿ أفضل، وقد جاء ذلك مبيّناً في حديث أبي سعيد أن الضارب قال
لليهوديّ حين قال ذلك: أي خبيثُ على محمد؟ فدلّ على أنه لطم اليهوديّ
عقوبةً له على كذبه عنده، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد: ((فلطم وجه
اليهوديّ))، ووقع عند أحمد من هذا الوجه: ((فلطم على اليهوديّ))، وفي رواية
عبد الله بن الفضل: ((فسمعه رجل من الأنصار، فلطم وجهه، وقال: أتقول هذا
ورسول الله ◌َ﴿ بين أظهرنا؟))، وكذا وقع في حديث أبي سعيد أن الذي ضربه
رجل من الأنصار، وهذا يعكّر على قول عمرو بن دينار أنه أبو بكر الصديق،
إلا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعم، فإن أبا بكر الصديق نظرائه من أنصار
رسول الله وَ﴿ قطعاً، بل هو رأس مَن نَصَره، ومقدَّمهم، وسابقهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنهما واقعتان، واقعة كان الضارب فيها
رجلٌ من الأنصار، وواقعة كان الضارب فيها أبا بكر الصدّيق ◌َُّبه، وأما قوله:
إن أبا بكر من الأنصار، فلا يخفى بُعده، فإن هذا اللفظ عندهم إذا أطلق يُطلق
على الأنصار بخلاف المهاجرين، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ذلك المسلم اللاطم لليهوديّ (تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى
عَلَى الْبَشَرِ، وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ بَيْنَ أَظْهُرٍنَا)؛ أي: بيننا، قال الفيّومِيّ ◌َخْتُ: يقال:
هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ - بفتح النون - قال ابن فارس: ولا تُكسَر، وقال
(١) ((المصباح المنير)) ٥٥٣/٢.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
جماعة: الألف، والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها
بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام، أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار
بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى أن ظَهْراً منهم قُدَّامه، وظَهْراً وراءه، فكأنه
مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم،
وإن كان غير مكنوف بينهم. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((أظهرنا)) مُقْحَم، وقد يُوَجَّه عدم إقحامه، وهو
أنه جَمْع ظَهْر، ومعناه أنه بينهم على سبيل الاستظهار، كأن ظهراً منهم قُدّامه،
وظهراً وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، إذا قيل: ((بين ظهرانيهم))، ومن جوانبه،
إذا قيل: ((بين أظهرهم)). انتهى(٢).
(قَالَ) أبو هريرة ◌َظُهُ (فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا
الْقَاسِمِ) كنيته وََّ، (إِنَّ لِي ذِمَّةً) بكسر الذال المعجمة؛ أي: عهداً، فقوله:
(وَعَهْداً) عَظْف تفسير؛ يعني: أن لي مع المسلمين عهداً أن لا يؤذونني، فَلِمَ
أُخْفَر ذمتي، ويُنقض عهدي باللطم؟
وقال الأبيّ كَُّهُ: قوله: ((إن لي ذمّةً وعهداً)) قاله تمهيداً، وتوطئةً
(٣)
لشكواه. انتهى
(وَقَالَ: فُلَانٌ)؛ يعني: الرجل المسلم (لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ)
للمسلم اللاطم ((لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟)) قال الأبيّ كََّفُ: هذا إن كان سؤالاً عن
وقوع اللطم، فهو الأصل؛ أعني: سؤال المدَّعَى عليه أوّلاً، هل يُقِرّ، أو يُنكِر؟
وإن كان عن سبب اللطم، فهو الأظهر للقرائن الدالّة على أنه لَطَمه، أو لإقرار
الصحابيّ بذلك، وإلا فلا يُقبل قول اليهوديّ. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فلا يُقبل ... إلخ)) فيه نظر؛ لأنه خلاف
ما أفاده ظاهر الحديث، فليُتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) اللاطم: (قَالَ)؛ يعني: اليهوديّ، وقوله: (يَا رَسُولَ اللهِ) جملة
معترضة بين القول ومقوله، وهو قوله: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى لِلَّهُ عَلَى الْبَشَرِ)
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢.
(٣) ((شرح الأبّيّ)) ١٦٥/٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤/١٦.
(٤) ((شرح الأبّيّ)) ١٦٥/٦ - ١٦٦.

١٦٧
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى ◌َِّ - حديث رقم (٦١٣٢)
وقوله: (وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا) جملة في محلّ نصب على الحال، وفي رواية
إبراهيم بن سعد: ((فدعا النبيّ ◌َ ر المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره))، وفي
حديث أبي سعيد: ((فقال: ادعوه لي، فجاء، فقال: أضربته؟ قال: سمعته
بالسوق يحلف))، فذكر القصة.
(قَالَ) أبو هريرة (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَتَّى عُرِفَ) بالبناء للمفعول،
(الْغَضَبُ)؛ أي: أَثَرِه، من الاحمرار ونحوه، (فِي وَجْهِهِ) بَّهِ، قال الأَبِيّ ◌َُّهُ:
الرجل إنما قام بتغيير منكر في اعتقاده، لا سيّما أَنْ فَهِم عن اليهوديّ أنه عرّض
بغير موسى، وحينئذ فغضبه وَّهُ يَحْتَمِل؛ لأن المسألة علميّة، وقد تتوقّف على
أمور لا يعلمها إلا العلماء، وما كان كذلك فالتغيير فيه مصروف إلى الإمام،
فلما افتات عليه غَضِب، ويَحْتَمِل؛ لأنه فضّل النبيّ وَ﴿ تفضيلاً يؤدّي إلى
اهتضام موسى عليّا، ويَحْتَمِل؛ لأنه عَدَلَ عن وجه التغيير؛ لأن التغيير إنما
يكون أوّلاً بالقول.
[فإن قلت]: لا يتعيّن في اليهوديّ أن يكون أتى منكراً؛ لاحتمال أن
يكون مستنَده في التفضيل أن عندهم في التوراة ما هو بمعنى ما هو في القرآن
من قوله تعالى: ﴿يَمُوسَى إِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٤].
[والجواب]: أنه وإن سُلّم ذلك فهو عامّ، والعمل بالعامّ قبل البحث عن
المخصّص منكر. انتهى كلام الأبيّ كَخَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((والعمل بالعامّ ... إلخ)) هذا خلاف
المرجّح في الأصول؛ إذ الصحيح أنه يُعمل بالعام قبل البحث عن المخصّص،
وإليه أشرت في ((التحفة المرضيّة))، حيث قلت:
عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ حَصَلَا
وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَامَ مَحْمُولٌ عَلَى
بِهِ وَإِنْ فِي رُتْبَةٍ كَانَ سَفِلْ
وَإِنْ أَتَى مُخَصِّصٌ صَحَّ عُمِلْ
فراجعها مع شرحها ((المِنحة الرضيّة))(٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(١) ((شرح الأبّيّ)) ١٦٦/٦.
(٢) راجع: ((المنحة الرضيّة)) ٢٨٢/٣ - ٢٨٣.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(ثُمَّ قَالَ) وَلِ ((لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ(١))، وفي الرواية التالية: ((لا
تخيّروني على موسى))، وفي حديث أبي سعيد: ((لا تخيّروا بين الأنبياء)).
قال النوويّ تَخْذُهُ: هذا الحديث مُتَأَوَّلٌ؛ لأن نبيَّنا وَّ أفضل المخلوقين
فيَحْتَمِل أن هذا الكلام قبل أن يَعلم أنه أفضلُ، فلما علم قال: ((أنا سيد ولد
آدم))، ويَحْتَمِل أن يكون قاله تواضعاً، ويَحْتَمِل أن يكون نَهَى عن تخييرٍ يؤدي
إلى الخصومة والفتنة، ويَحْتَمل أن النهي عن تخيير يؤدي إلى الإزراء ببعضهم،
ويَحْتَمِل: لا تخيّروني في نفس النبوة، فإنها لا تتفاوت، وإنما الفضائل بأمور
أخرى معها. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ تَّتُهُ نقلاً عن التوربشتيّ كَّتُهُ: قوله: ((لا تخيّروني على
موسى))؛ أي: لا تفضّلوني عليه، وهذا قولٌ قاله على سبيل التواضع أوّلاً، ثم
لِرَذْع أمته عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانياً، فإن ذلك يفضي بهم
إلى العصبيّة، فينتهز الشيطان عند ذلك فُرصة، فيدعوهم إلى الإفراط والتفريط،
فيُطرون الفاضل فوق حقّه، ويَبخسون المفضول حقّه، فيقعون في مَهواة الغيّ،
ولهذا قال: ((لا تخيّروا بين الأنبياء))؛ أي: لا تُقدِموا على ذلك بأهوائكم
وآرائكم، بل بما آتاكم من الله من البيان، وعلى هذا النحو قول النبيّ وَّه:
((ولا أقول إن أحداً خير من يونس بن متّى))؛ أي: لا أقول من تلقاء نفسي،
ولا أفضّل أحداً عليه من حيث النبوّة والرسالة، فإن شأنهما لا يختلف
باختلاف الأشخاص، بل أقول: كلُّ من أُكرم بالنبوّة، فإنهم سواء فيما جاءوا
به عن الله تعالى، وإن اختلفت مراتبهم، وكذلك من أُكرم بالرسالة، وإليه
(١) قال الطيبيّ تَخَذَتُهُ: قوله: ((لا تفضّلوا بين أنبياء الله)) بالصاد المهملة ظاهر؛ أي: لا
تفرّقوا بينهم، وبالضاد المعجمة؛ معناه: لا توقعوا الفضل بين أنبياء الله؛ أي: لا
تفضّلوا بعض الأنبياء على بعض، نحو قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾
[الأنعام: ٩٤]؛ أي: وقع التقطّع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد:
أوقع الجمع بينهما. انتهى. ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٦١٠/١١.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((بالصاد المهملة)) يحتاج إلى ثبوت الرواية به، فإن
الروايات في الكتب عندنا بالضاد المعجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٤٢٠/٢.

١٦٩
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَله - حديث رقم (٦١٣٢)
وقعت الإشارة بقوله ◌َهْل: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهٍِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وإنما خَصّ يونس لِلَّا بالذّكر من بين الرسل؛ لِمَا قصّ الله عليه في كتابه
من أمْر يونس، وتولّيه عن قومه، وضجره عند تثبّطهم في الإجابة، وقلّة
الاحتمال، والاحتفال بهم حين أرادوا التنصّل، فقال رمك: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ
الُّوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وقال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، فلم يأمَن وَلّ أن
يُخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة في حقّه، فنبّههم أن ذلك
ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من
الأنبياء والمرسلين. انتهى ما ذكره الطيبيّ كَّتُهُ، وهو بحث نفيسٌ(١).
وقال في ((العمدة)): معناه: لا تفضلوا بعضاً بحيث يلزم منه نقص
المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والنزاع، أو لا تفضلوا بجميع أنواع
الفضائل، وإن كان رسول الله وَ ﴿ أفضل منهم مطلقاً؛ إذ الإمام أفضل من
المؤذِّن مطلقاً، وإن كانت فضيلة التأذين غير موجودة فيه، أو لا تفضلوا من
تلقاء أنفسكم وأهوائكم.
[فإن قلت]: نَهَى بَ له عن التفضيل، وقد فَضّل هو بنفسه موسى
[قلت]: لم يُفَضِّل؛ إذ معناه: وأنا لا أدري أن هذا البعث فضيلة له، أم
لا؟ أو جاز له ما لم يجز لغيره.
[فإن قلت]: السياق يقتضي تفضيل موسى على النبيّ ◌َل﴾.
[قلت]: لئن سلّمنا لا يقتضي إلا تفضيله بهذا الوجه، وهذا لا ينافي كونه
أفضل مطلقاً من موسى ظلّلها. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((لا تفضلوا بين الأنبياء))؛ أي: لا تقولوا
فلان أفضل من فلان، وفي الرواية الأخرى: ((لا تخيّروا بين الأنبياء))؛ أي: لا
تقولوا: فلان خير من فلان، يقال: خيَّر فلان بين فلان وفلان، وفضَّل
- مشدّداً -: إذا قال ذلك.
واختَلَف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن
(١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٦٠٩/١١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤/١٦.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ويتضمَّن هذا الكلام أن الحديث معارض
لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ولِمَا في معنى
ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى
تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه، وحتى يُعرف التاريخ، وكل ذلك
غير صحيح على ما يأتي، فليس هذا القول بصحيح.
ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبيّ وَلّ على جهة التواضع، والأدب مع
الأنبياء، وهذا فيه بُعدٌ؛ لأنَّ السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف
ذلك، فإنَّه إنما قال ذلك ردعاً وزجراً للذي فضَّل، ألا ترى أنه قد غَضِب عليه
حتى احمّر وجهه، ونهى عن ذلك، فدلَّ على أن التفضيل يحرم، ولو كان من
باب الأدب والتواضع لَمَا صدر منه ذلك.
ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك؛ لأنَّ ذلك ذريعة إلى
الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يُذكر منهم ما لا ينبغي أن يُذكر، ويقلّ
احترامهم عند المماراة، وهذا كما نهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة.
ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معيَّن من
الأنبياء على معيَّن، أو على ما يقصد به معيَّن، وإن كان اللفظ عاماً؛ لأنَّ ذلك
قد يُفهم منه نقص في المفضول كما بيَّنَّه، فيما تقدَّم.
قال القرطبيّ: ويدلّ على ذلك أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث
في مسلم: ((لا تفضلوني على موسى))، وبدليل قوله: ((ولا أقول: إن أحداً
أفضل من يونس بن متّی)).
[فإنْ قيل]: فالحديث يدلّ على خلاف هذا، فإنَّ اليهوديّ فضّل موسى
على البشر، والمسلم قال: والذي اصطفى محمداً على البشر، وعند ذلك قال
النبيّ وَلو: ((لا تفضلوا بين الأنبياء))، و((لا تخيروا بين الأنبياء))؛ فاقتضى ذلك
المنع من التفضيل مطلقاً معيّناً، وغير معيّن.
[فالجواب]: أن مراد اليهوديّ كان إذ ذاك أن يصرّح بأن موسى أفضل من
محمد وَله، لكنَّه لم يَقْدِر على ذلك خوفاً على نفسه، ألا ترى أن المسلم فهم
ذلك عنه، فأجابه بما يقتضي أن محمداً وَ لّ أفضل من موسى عليّها، غير أنَّه
قابل لفظ اليهوديّ بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله وَلّ: ((لا تفضلوني على

١٧١
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَّر - حديث رقم (٦١٣٢)
موسى))، فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبيّنا نَّ قال: ((أنا أكرم ولد آدم
على ربي))، و((أنا سيد ولد آدم))، ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا
منسوخ، ولا مرجوح.
قال القرطبيّ: وهذا الوجه، وإن كان حسناً، فأَولى منه أن يُحْمَل
الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في
المعيّن منهم، ولا في غيره، فلا يقال: فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم،
ولا من فلان، ولا خير، كما هو ظاهر هذا النهي، لِمَا ذُكر من توهّم النقص
في المفضول، وإن كان غير معيَّن؛ ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها؛
وإنَّما تفاضلوا بأمور غيرها كما بيَّناه قبل هذا الباب.
ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ، لا منع اعتقاد ذلك
المعنى، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿يَلْكَ
الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وكما قد علمنا أن نبيّنا قد خُصَّ
بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يُخصّ به أحدٌ منهم، ومع ذلك فلا
نقول: نبيّنا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبيّ وَّ لِمَا نهى عنه، وتأدباً
بأدبه، وعملاً باعتقاد ما تضمّنه القرآن من التفضيل، ورفعاً لِمَا يُتوهّم من
المعارضة بين السُّنَّة والتنزيل. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخَذُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال: إن النهي إنما هو
عن التفضيل الذي يلزم منه نقص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والنزاع،
وهذا هو الأظهر، والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره جملة بعده، كما قال ابن
مالك كَُّ في ((الكافية الشافية)):
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَـ((إِنَّهُ زَيْدٌ قَرَى))
(يُنْفَخُ) بالبناء للمفعول، (فِي الصُّورِ) قيل: إنه جمع صورة، والصحيح ما
قد صحّ عن النبيّ ◌َ ر أنه قال: ((الصُّور قرن يُنفخ فيه))، وسيأتي له مزيد بيان،
واختُلِف في عدد النفخات، فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة
(١) ((المفهم)) ٢٢٨/٦ - ٢٣١.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
البعث، وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع هي نفخة الصعق؛ لأنَّ الأمرين
لازمان لها، والله تعالى أعلم، قاله القرطبيّ ◌َّهُ(١).
(فَيَصْعَقُ) بفتح أوله وثالثه، يقال: صَعِقِ صَعَقاً، من باب تَعِبَ: إذا
مات، وصَعِقَ أيضاً: إذا غُشِيَ عليه لصوت سَمِعه، ذكره الفيّوميّ(٢)، وقال في
((الفتح)): والمراد بالصعق: غَشْيٌ يَلحَق من سمع صوتاً، أو رأى شيئاً يُفْزَع
(٣)
منه. انتهى
وقال القرطبيّ تَّلهُ: أصل الصعق، والصعقة: الصوت الشديد المنكر،
كصوت الرعد، وصوت الحمار، وقد يكون معه موت؛ لشدَّته، وهو المراد
بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ الآية [الزمر: ٦٨]، وقد تكون
معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإنْ
كان معه نار فهو: الصاعقة، والعرب كلها تقدم العين على القاف، إلا بني
تميم؛ فإنَّهم يقدمون القاف على العين، فيقولون: الصاقعة، حكاها القاضي
(٤)
عیاض. انتھی (٤).
(مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، إِلَّ مَنْ شَاءَ اللهُ) قد اختُلِف في
المستثنى، من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء، قال
القرطبيّ ◌َثَّتُهُ: والصحيح أنه لم يَرِد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل،
والله تعالى أعلم. انتهى(٥).
(قَالَ) وَِّ (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى)؛ أي: نفخة أخرى، (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ
بُعِثَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُحيي من صَعْقته، وفي الرواية التالية: ((فأكون أول
من يُفيق))، قال في ((الفتح)): لم تختلف الروايات في ((الصحيحين)) في إطلاق
الأولية، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد، والنسائيّ: ((فأكون في
أول من يفيق))، أخرجه أحمد، عن أبي كامل، والنسائي من طريق يونس بن
محمد، كلاهما عن إبراهيم، فعُرف أن إطلاق الأولية في غيرها محمول عليها،
(١) ((المفهم)) ٢٣١/٦.
(٣) ((الفتح)) ١٠/٨.
(٥) ((المفهم)) ٢٣١/٦.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٤٠/١.
(٤) ((المفهم)) ٢٣١/٦.

١٧٣
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى بَّهِ - حديث رقم (٦١٣٢)
وسببه التردد في موسى لعلّها، كما سيأتي، وعلى هذا يُحْمَل سائر ما ورد في
هذا الباب، كحديث أنس عند مسلم، رفعه: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض))،
وحديث عبد الله بن سلام عند الطبرانيّ. انتهى (١).
وقوله: (أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ) قال القرطبيّ: هذا شكّ من الراوي تزيله
الرواية الأخرى التي قال فيها: ((فأكون أول من يُفيق))، وكذلك الحديث المتقدم
الذي قال فيه: ((أنا أول من ينشق عنه القبر، ويُبعث))؛ يعني به: يُحيا بعد
موته، وهو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى بـ((أفيق))، وإن كان المعروف أن
الإفاقة إنما هي من الغشية، والبعث من الموت؛ لكنهما لِتُقارُب معناهما أطلق
أحدهما مكان الآخر، ويَحْتَمِل أن يراد بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا
- إن شاء الله تعالى -. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): هذه الرواية ظاهرة في أن الإفاقة بعد النفخة الثانية،
وأصرح من ذلك رواية الشعبيّ، عن أبي هريرة حظوته في ((تفسير الزمر)) بلفظ:
((إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة))، وأما ما وقع في حديث أبي
سعيد: ((فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض)»،
كذا وقع بهذا اللفظ في ((كتاب الإشخاص)) من البخاريّ، ووقع في غيرها:
((فأكون أول من يُفيق)).
وقد استُشْكِل، وجزم المزيّ فيما نقله عنه ابن القيم في ((كتاب الروح)) أن
هذا اللفظ وَهَمٌّ من راويه، وأن الصواب ما وقع في رواية غيره: ((فأكون أول
من يفيق))، وأن كونه ﴿ أول من تنشق عنه الأرض صحيح، لكنه في حديث
آخر، ليس فيه قصة موسى ظلَّلا. انتهى.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع
الخلق، أحيائهم وأمواتهم، وهو: الفزع، كما وقع في ((سورة النمل)): ﴿فَفَزِعَ
مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ﴾ الآية [النمل: ٨٧]، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى
زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتاً، ثم ينفخ الثانية للبعث، فيفيقون أجمعين،
فمن كان مقبوراً انشقت عنه الأرض، فخرج من قبره، ومن ليس بمقبور لا
(١) ((الفتح)) ١٢/٨.
(٢) ((المفهم)) ٢٣١/٦ - ٢٣٢.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
يحتاج إلى ذلك، وقد ثبت أن موسىظلَّ ممن قُبر في الحياة الدنيا، ففي
(صحيح مسلم)) أنس رُه: ((أن النبيّ وَّ قال: مَرَرتُ على موسى ليلة أُسري
بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره))، أخرجه عقب حديث أبي
هريرة، وأبي سعيد المذكورين، ولعله أشار بذلك إلى ما قررته. انتهى كلام
الحافظ ◌َّلهُ(١).
[تنبيه]: قد استُشكِل كون جميع الخلق يَصعقون، مع أن الموتى لا
إحساس لهم، فقيل: المراد أن الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم
في الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ اَللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]؛ أي: إلا من سبق
له الموت قبل ذلك، فإنه لا يُصعق، وإلى هذا جنح القرطبيّ، ولا يعارضه ما
ورد في هذا الحديث أن موسى ◌ُلِّ ممن استثنى الله؛ لأن الأنبياء أحياء
عند الله، وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا، وقد ثبت ذلك
للشهداء، ولا شك أن الأنبياء أرفع رتبة من الشهداء، وورد التصريح بأن
الشهداء ممن استثنى الله، أخرجه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى، من طريق
◌َى عَنْه.
زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة
وقال عياض: يَحْتَمِل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث، حين تنشق
السماء والأرض، وتعقّبه القرطبيّ بأنه صرّح ◌َّه بأنه حين يخرج من قبره يَلْقَى
موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى، ويردّه
قوله صريحاً كما تقدم: ((إن الناس يصعقون، فأصعق معهم ... )) إلى آخر ما
تقدم قال: ويؤيده أنه عَبَّر بقوله: ((أفاق))؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي،
وبُعث من الموت، وكذا عبّر عن صعقة الطور بالإفاقة؛ لأنها لم تكن موتاً
بلا شكّ، وإذا تقرر ذلك كله ظهر صحة الحمل على أنها غشية تحصل للناس
في الموقف، هذا حاصل كلامه، وتعقُبه. انتهى (٢).
(فَإِذَا مُوسَى عَلَّهُ آَخِذٌ بِالْعَرْشِ)، وفي الرواية التالية: ((فإذا موسى باطش
بجانب العرش))؛ أي: آخذ بشيء من العرش بقوّة، والبطش: الأخذ بقوّة، وفي
(١) ((الفتح)) ١٠/٨ - ١١.
(٢) ((الفتح)) ١١/٨ - ١٢.

١٧٥
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى ◌َّهِ - حديث رقم (٦١٣٢)
حديث أبي سعيد: ((آخذ بقائمة من قوائم العرش))، وكذا في رواية محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نظر ◌ُبه.
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فإذا موسى آخذ بالعرش)) هذا من موسى تعلُّق
فَزَع لهول المطلع، وكأنه متحرِّم بذلك المحلّ الشريف، ومتمسِّك بالفضل
المنيف(١).
(فَلَا أَدْرِي، أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي؟)، وفي الرواية
التالية: ((فلا أدري، أكان ممن صَعِقَ فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله))؛
أي: فلم يكن ممن صَعِقٍ؛ أي: فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن
كان ممن استثنى الله، فلم يُصعق فهي فضيلة أيضاً.
ووقع في حديث أبي سعيد: ((فلا أدري كان فيمن صُعق))؛ أي: فأفاق
قبلي، أم حوسب بصعقته الأولى؛ أي: التي صَعِقها لمّا سأل الرؤية، وبيّن
ذلك ابن الفضل في روايته، بلفظ: ((أحوسب بصعقته يوم الطور)).
قال النوويّ: الصعق، والصعقة: الهلاك، والموت، ويقال منه: صَعِق
الإنسانُ، وصُعِقٍ، بفتح الصاد، وضمّها، وأنكر بعضهم الضم، وصَعَقتهم
الصاعقة، بفتح الصاد والعين، وأصعقتهم، وبنو تميم يقولون: الصاقعة بتقديم
القاف. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فلا أدري أحوسب بصعقة الطور، أو بعث
قبلي؟)) هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أن موسى وَلّ، قد توفي
وأن النبيّ وَّه قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر أنه تُوُفّ بعد أن ظهر
دينه، وكثرت أمَّته، ودُفن بالأرض، ووجه الإشكال أن نفخة الصَّعق إنما يموت
بها من كان حيّاً في هذه الدار، فأمَّا من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى؛
لأنَّ الحاصل لا يستحصل، ولا يُبتغَى؛ وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث،
وموسى قد مات، فلا يصحُّ أن يموت مرَّة أخرى، ولا يصحُّ أن يكون مستثنى
ممن صُعق؛ لأنَّ المُسْتَثْنِين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا يصحُّ اسثناؤهم
من الموتى، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال، فقال: يَحْتَمِل أن
(١) ((المفهم)) ٢٣٣/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٠/١٥.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل قطعاً بما ذكرناه، قال
القاضي عياض: يَحْتَمِل أن المراد بهذه الصعقة: صعقة فزع بعد النشر حين
تنشق السماوات والأرضون، قال: فتستقل الأحاديث والآيات.
قال القرطبيّ: وهذه غفلة عن مساق الحديث؛ فإنَّه يدلّ على بطلان ما
ذكر دلالة واضحة، فإنَّ النبيّ بَّه قال: إنه حين يخرج من القبر، فيلقى موسى،
وهو متعلق بالعرش، وهذا كان عند نفخة البعث، ثم إن النبيّ ◌َّ عندما يرى
موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث، هل مات عند نفخة
الصعق المتقدِّمة على نفخة البعث؟ فيكون قد بُعث قبله، أو لم يمت عند نفخة
الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور، جُعلت له تلك عوضاً من هذه
الصعقة؟ وعلى هذا فكان حيّاً حالة نفخة الصعق، ولم يُصعق، ولم يمت،
وحينئذ يبقى الإشكال؛ إذ لم يحصل عنه انفصال.
قال القرطبيّ: والذي يُزيحه - إن شاء الله تعالى - أن يقال: إن الموت
ليس بعدم؛ وإنَّما هو انتقال من حالٍ إلى حال، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم،
ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قَتْلهم، وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون،
فرحين مستبشرين، فهذه صفات الأحياء في الدُّنيا، وإذا كان هذا في الشهداء
كان الأنبياء بذلك أحقّ وأولى، مع أنه قد صحَّ عن النبيّ وَّهِ: ((أن الأرض لا
تأكل أجساد الأنبياء))، وأن النبيّ وَّر قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت
المقدس، وفي السماء، وخصوصاً بموسى وَّر، وقد أخبرنا النبيّ وَّ بما
يقتضي أن الله تعالى يَرُدّ عليه روحه حتى يردّ السلام على كل من يسلّم عليه،
إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى، وهو كثير بحيث يحصل من جملته
القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غُيِّبوا عنا، بحيث لا ندركهم،
وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنَّهم موجودون
أحياء، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه الله بكرامة من أوليائه، وإذا تقرر
أنهم أحياء، فهم فيما بين السماء والأرض؛ فإذا نُفخ في الصور نفخة الصعق
صُعق كل من في السماوات والأرض، إلا من شاء الله، فأمَّا صَعْق غير الأنبياء
فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة
البعث فمن مات حيي، ومن غُشي عليه أفاق، ولذلك قال بَ له: ((فأكون أول

١٧٧
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى لَّهِ - حديث رقم (٦١٣٢)
من يفيق))، وهي رواية صحيحة، وحسنة، فهذا الذي ظهر لي، والحمد لله
الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وقد تحصَّل من هذا الحديث أن نبيَّنا محمداً وَلّ مُحَقَّقٌ أنه أول من
يُفيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم؛ الأنبياءِ وغيرهم، إلا
موسى وَ﴾، فإنَّه حصل له فيه تردد، هل بُعث قبله، أو بقي على الحالة التي
كان عليها قبل نفخة الصعق؟ وعلى أي الحالين كان، فهي فضيلة عظيمة
الموسى وَل﴿ ليست لغيره. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً،
والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): والجمع بينه وبين قوله: ((أو كان ممن استثنى الله)) أن
في رواية ابن الفضل، وحديث أبي سعيد بيانَ السبب في استثنائه، وهو أنه
حوسب بصعقته يوم الطور، فلم يُكَلَّف بصعقة أخرى، والمراد بقوله: ((ممن
استثنى الله)) قوله: ﴿إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾.
وأغرب الداودي الشارح، فقال: معنى قوله: ((استثنى الله))؛ أي: جعله
ثانياً، كذا قال، وهو غلط شنيع.
وقد وقع في مرسل الحسن في ((كتاب البعث)) لابن أبي الدنيا في هذا
الحديث: «فلا أدري، أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة، أو بُعِث
قبلي؟».
وزعم ابن القيم في ((كتاب الروح)) أن هذه الرواية، وهو قوله: ((أكان
ممن استثنى الله)) وهَمِّ من بعض الرواة، والمحفوظ: ((أو جوزي بصعقة
الطور))، قال: لأن الذين استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة، لا من الصعقة
الأخرى، فظنّ بعض الرواة أن هذه صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن
استثنى الله، قال: وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن الإفاقة حينئذ هي:
إفاقة البعث، فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة، فإنها تقع إذا
جمعهم الله تعالى لفصل القضاء، فيصعق الخلق حينئذ جميعاً، إلا من شاء الله،
ووقع التردد في موسى لظلّلها. قال: ويدل على ذلك قوله: ((فأكون أول من
(١) ((المفهم)) ٢٣٢/٦ - ٢٣٤.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
يفيق))، وهذا دالّ على أنه ممن صَعِقٍ، وتردد في موسى، هل صعق، فأفاق
قبله، أم لم يصعق؟ قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى للزم أن يكون
النبيّ وَّل جزم بأنه مات، وتردد في موسى، هل مات أم لا؟ والواقع أن موسى
قد كان مات؛ لِمَا تقدم من الأدلة، فدل على أنها صعقة فَزَع، لا صعقة موت،
والله أعلم.
ووقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عند ابن مردويه: ((أنا
أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة
العرش، فأجد موسى قائماً عندها، فلا أدري أَنَفَض التراب عن رأسه قبلي، أو
كان ممن استثنى الله؟)).
ويَحْتَمِل قوله في هذه الرواية: ((أنفض التراب قبلي)) تجويز المعية في
الخروج من القبر، أو هي كناية عن الخروج من القبر، وعلى كل تقدير، ففيه
فضيلة لموسى الّ، كما تقدم. انتهى (١).
[تكميل]: زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع:
الأولى: نفخة إماتة، يموت فيها من بقي حيّاً في الأرض.
والثانية: نفخة إحياء، يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون
للحساب.
والثالثة: نفخة فزع، وصَعْق، يفيقون منها؛ كالمغشي عليه، لا يموت
منها أحد.
والرابعة: نفخة إفاقة من ذلك الغشي.
قال الحافظ: وهذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعاً ليس بواضح، بل
هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعها،
فالأُولى يموت بها كل من كان حيّاً، ويُغشى على من لم يمت، ممن
استثنى الله، والثانية يعيش بها من مات، ويفيق بها من غُشي عليه، والله تعالى
أعلم(٢) .
(وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَداً أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَّا)))، وفي حديث ابن
(١) ((الفتح)) ١٢/٨ - ١٣.
(٢) ((الفتح)) ١٣/٨.

١٧٩
(٤٢) - بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَله ــ حديث رقم (٦١٣٢)
مسعود رَُّه: ((لا يقولنّ أحدكم: إني خير من يونس بن متّى))، وفي حديث ابن
عباس ◌ًا: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متّى، ونسبه إلى
أبيه))، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الطبرانيّ بلفظ: ((لا ينبغي لنبيّ أن
يقول ... )) إلخ، قال في ((الفتح)): وهذا يؤيد أن قوله في الطريق الأولى: ((إني))
المراد به النبيّ وَّر، وفي رواية للطبراني في حديث ابن عباس: ((ما ينبغي
لأحد أن يقول: أنا عند الله خير من يونس))، وفي رواية للطحاويّ: ((سبَّح الله
في الظلمات))، فأشار إلى جهة الخيرية المذكورة.
قال ابن مالك كثّتُهُ: استَعمل في هذا الحديث ((أحداً)) في الإثبات لمعنى
العموم؛ لأنه في سياق النفي، كأنه قيل: لا أحد أفضل من يونس، والشيء قد
يُعطى حكم ما هو في معناه، وإن اختَلَف في اللفظ، فمن ذلك قوله تعالى:
﴿أَوْلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ﴾ الآية
[الأحقاف: ٣٣]، فأجرى في دخول الباء على الخبر مجرى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ﴾ الآية [يَس: ٨١]؛ لأنه بمعناه.
قال: ومن إيقاع ((أحد)) في الإيجاب المؤوّل بالنفي قول الفرزدق:
وَلَوْ سُئِلَتْ عَنِّي نَوَارٍ وَأَهْلُهَا إِذَا أَحَدٌ لَمْ تَنْطِقِ الشَّفَتَانِ
فإن ((أحد)) وإن وقع مثبتاً، لكنه في الحقيقة منفيّ؛ لأنه مؤخّر معنى، كأنه
قال: إذا لم ينطق أحد. انتهى(١).
[تنبيه]: يونس بن مَتّى - بفتح الميم، وتشديد المثناة، مقصوراً - ومتّى
اسم أبيه، ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث
ابن عباس ◌ًا: ((ونسبه إلى أبيه))، فهذا أصح، قال الحافظ تَخَّتُهُ: ولم أقف
في شيء من الأخبار على اتصال نَسَبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك
الطوائف من الفرس. انتهى(٢).
قال العلماء: إنما قال ذلك تواضعاً، إن كان قاله بعد أن أُعلم أنه أفضل
الخلق، وإن كان قاله قبل عِلمه بذلك، فلا إشكال، وقيل: خَصّ يونس
(١) (شواهد التوضيح)) ص٢١٦، و((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٦١٠/١١.
(٢) «الفتح» ٤٥١/٦.

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
بالذِّكر؛ لِمَا يُخْشَى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في
ذِكر فَضْله؛ لسدّ هذه الذريعة. انتهى.
وقال النوويّ دَّتُهُ: قوله وَله: ((ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن
متّى))، وفي رواية: ((إن الله تعالى قال: لا ينبغي لعبد لي يقول: أنا خير من
يونس بن متّى))، وفي رواية: ((عن النبيّ ◌َّ قال: ما ينبغي لعبد يقول: أنا خير
من يونس بن متّى))، قال العلماء: هذه الأحاديث تَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: أنه ﴿ قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلمّا عَلِم
ذلك قال: ((أنا سيد ولد آدم))، ولم يقل هنا: إن يونس أفضل منه، أو من غيره
من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -.
والثاني: أنه وَ﴿ قال هذا زجراً عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئاً من
حطّ مرتبة يونس رَّ من أجل ما في القرآن العزيز من قصته، قال العلماء: وما
جرى ليونس ◌َّ لم يَحُطّه من النبوة مثقال ذرّة، وخَصَّ يونس بالذِّكر؛ لِمَا
ذكرناه، مِن ذِكره في القرآن بما ذُكِر.
وأما قوله ◌َلقه: ((ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس))، فالضمير
في ((أنا)) قيل: يعود إلى النبيّ وَّة، وقيل: يعود إلى القائل؛ أي: لا يقول ذلك
بعض الجاهلين، من المجتهدين في عبادة، أو عِلم، أو غير ذلك من الفضائل،
فإنه لو بلغ من الفضائل ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيد هذا التأويل الرواية
التي قبله، وهي قوله تعالى: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن
متّى))، والله أعلم. انتهى (١).
[تنبيه]: روى قصةَ يونس علُِّ هذه السّدّيُّ كَُّ في ((تفسيره)) بأسانيده عن
ابن مسعود وغيره: أن الله بعث يونس إلى أهل نِينَوَى، وهي: من أرض
الموصل، فكذّبوه، فوعدهم بنزول العذاب في وقت معيَّن، وخرج عنهم
مغاضباً لهم، فلمّا رأوا آثار ذلك خَضَعوا، وتضرعوا، وآمنوا، فرحمهم الله،
فكشف عنهم العذاب، وذهب يونس، فركب سفينةً، فلججت به، فاقترعوا
فيمن يطرحونه منهم، فوقعت القرعة عليه ثلاثاً، فالتقمه الحوت.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٥ - ١٣٣.