Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَّهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَ الِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠١) ٨ - (ومنها): مشروعية التعوذ من الفتن عند وجود شيء قد يظهر منه قرينة وقوعها، حيث قال عمر ظه، كما في الرواية: ((عائذاً بالله من سوء الفتن)). ٩ - (ومنها): جواز استعمال المزاوجة في الدعاء، حيث قال عمر أيضاً: ((اعفُ عفا الله عنك))، والا فالنبيّ ◌َّ معفوّ عنه قبل ذلك. ١٠ - (ومنها): النهي عن إكثار السؤال، والابتداء بالسؤال عما لا يقع، قال النوويّ كَّلُهُ: وإنما ◌ُرِهِ ذلك لِمَعان: ـنْه [منها]: أنه ربما كان سبباً لتحريم شيء على المسلمين، فيلحقهم به المشقة، وقد بيّن هذا بقوله ◌َ ﴿ في الحديث الماضي: ((أعظم المسلمين جُرْماً مَن سأل عن شيء لم يُحَرَّم على المسلمين، فحُرِّم عليهم من أجل مسألته)). [ومنها]: أنه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل، ويسوؤه، ولهذا أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، كما صُرِّح به في الحديث في سبب نزولها. [ومنها]: أنهم ربما أَحْفَوهُ وَّله بالمسألة، وألحقوه المشقة والأذى، فيكون ذلك سبباً لهلاكهم، وقد صُرِّح بهذا في حديث أنس ظُه المذكور في الكتاب في قوله: ((سألوا نبيّ الله وَله حتى أحفوه بالمسألة))، إلى آخره، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا [الأحزاب: ٥٧]. انتهى" . (١) مُهِينًا (@)﴾ وقال الإمام ابن عبد البرّ كَّلُهُ: سئل مالك كَّتُ عن معنى النهي عن كثرة السؤال، فقال: ما أدري، أنُّهِي عن الذي أنتم فيه من السؤال عن النوازل، أو عن مسألة الناس المال؟ قال ابن عبد البرّ: الظاهر الأول، وأما الثاني فلا معنى للتفرقة بين كثرته وقلَّته، لا حيث يجوز، ولا حيث لا يجوز، قال: وقيل: كانوا يسألون عن الشيء، ويُلِحُون فيه إلى أن يُحَرَّم، قال: وأكثر العلماء على أن المراد: كثرة السؤال عن النوازل، والأغلوطات، والتوليدات. انتھی. (١) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٥. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقال ابن عبد البرّ أيضاً: والسؤال إذا لم يحلّ فلا يحل منه الكثير ولا القليل، وإذا كان جائزاً حلالاً فلا بأس بالإكثار منه حتى يبلغ إلى الحد المنهي عنه، والله أعلم، وقد كان رسول الله وَّه يَكره كثرة المسائل، ويعيبها، والانفكاكُ عندي من هذا المعنى، والانفصال من هذا السؤال والإدخال، أن السؤال اليوم لا يُخاف منه أن ينزل تحريم، ولا تحليل من أجله، فمن سأل مُستفهِماً راغباً في العلم، ونفي الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنّى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء الْعِيِّ السؤالُ، ومن سأل معنتاً، غير متفقه، ولا متعلُّم، فهذا لا يحلّ قليل سؤاله، ولا كثيرهُ. انتهى(١). ١١ - (ومنها): أن الحديث بيّن سبب نزول الآية المذكورة، قال في ((الفتح)) عند قوله: ((فنزلت هذه الآية)): ووقع في ((الفتن)) من طريق قتادة، عن أنس في آخر هذا الحديث، بعد أن ساقه مطوَّلاً قال: ((فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١])) . وأخرج الشيخان عن قتادة، عن أنس بن مالك: ((أن الناس سألوا نبيّ الله وَّر حتى أحفوه بالمسألة، فخرج ذات يوم، فصَعِد المنبر، فقال: سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بيّنته لكم، فلما سمع ذلك القومُ أرَمُّوا، ورَهِبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً، فإذا كل رجل لافّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَى، فيدعى لغير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر بن الخطاب ظه، فقال: رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، عائذاً بالله من سوء الفتن، فقال رسول الله وّ ر: لم أر كاليوم قطّ في الخير والشرّ، إني صُوِّرت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط)). وروى الطبريّ من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َظُبه، قال: خرج رسول الله وَله غضبان مُحمارٌّ وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام آخر، فقال: من أبي؟ فقال: حُذافةُ، (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٩٢/٢١. ٢٣ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ بَّهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠١) فقام عمر، فذكر كلامه، وزاد فيه: ((وبالقرآن إماماً))، قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، قال الحافظ: وهذا شاهد جيّد لحديث موسى بن أنس المذكور. وأما ما روى الترمذيّ من حديث عليّ رَُّه قال: ((لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، ثم قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ﴾))، فهذا لا ينافي حديث أبي هريرة ◌ُه لاحتمال أن تكون نزلت في الأمرين، ولعل مراجعتهم له في ذلك هي سبب غضبه. وقد رَوَى أحمد من حديث أبي هريرة ظُه، والطبريّ من حديث أبي أمامة تظله نحو حديث عليّ هذا، وكذا أخرجه من وجه ضعيف، ومن آخر منقطع، عن ابن عباس ها. وجاء في سبب نزولها قول ثالث، وهو ما يدل عليه حديث ابن عباس ◌ّ الذي أخرجه البخاريّ عن أبي الجويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله وَ ل﴿ استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تَضِلّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، قال الحافظ: وهو أصح إسناداً، لكن لا مانع أن يكون الجميع سبب نزولها، والله أعلم. وجاء في سبب نزولها قولان آخران، فأخرج الطبريّ، وسعيد بن منصور، من طريق خُصيف عن مجاهد، عن ابن عباس أن المراد بالأشياء: البَحِيرةُ، والوَصِيلةُ، والسائبةُ، والحامُ، قال: فكان عكرمة يقول: إنهم كانوا يسألون عن الآيات، فنُهُوا عن ذلك، قال: والمراد بالآيات: نحو سؤال قريش أن يَجعل الصفا لهم ذهباً، وسؤال اليهود أن يُنزل عليهم كتاباً من السماء، ونحو ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الكريم، عن عكرمة، قال: نزلت في الذي سأل عن أبيه. وعن سعيد بن جبير: في الذين سألوا عن البَحيرة، وغيرها . وعن مِقْسَم: فيما سأل الأمم أنبياءها عن الآيات. قال الحافظ: وهذا الذي قاله مُحْتَمِلٌ، وكذا ما أخرج ابن أبي حاتم من ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل طريق عطيّة، قال: نُهُوا أن يسألوا مثل ما سأل النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، وقد رجّحه الماورديّ، وكأنه من حيث المعنى؛ لوقوع قصة المائدة في السورة بعد ذلك، واستبعد نزولها في قصة من سأل عن أبيه، أو عن الحجّ كل عام، وهو إغفال منه لِمَا في ((الصحيحين))، ورجَّح ابن الْمُنَيِّر نزولها في النهي عن كثرة المسائل عما كان، وعما لم يكن، واستَنَد إلى كثير مما أورده البخاريّ في ((باب ما يُكره من كثرة السؤال)) في ((كتاب الاعتصام))، وهو مُتّجِهٌ، لكن لا مانع أن تتعدد الأسباب، وما في ((الصحيح)) أصح. انتهى كلام الحافظ تَذْتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن الآية الكريمة نزلت في الأسباب التي ذُكرت في الروايات السابقة؛ إذ لا مانع من ذلك، فلا حاجة إلى التكلّف بترجيح بعضها على بعض دون بيّنة وحجة، وإن صير إلى الترجيح ولا بدّ، فما في ((الصحيحين)) أرجح، لكن الجمع بتعدّد الأسباب، أَولى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ فُلَانٌ))، وَنَزَلَتْ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ تَمَامَ الآية [المائدة: ١٠١]). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ) البصريّ البحرانيّ - بالموحّدة، والمهملة - صدوقٌ، من [١١] (ت٢٥٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٨٤/١١، وهو أحد التسعة الذي روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٦. (١) ((الفتح)) ١٠٢/١٠ - ١٠٣، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٢١). ٢٥ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ نَّهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٣) والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟) تقدّم أنه عبد الله بن حُذافة، وقيل: غيره. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَفُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٣] (.) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ الُّجِبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُوراً عِظَاماً، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ، فَوَ اللهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا))، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي))، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ حُذَافَةُ))، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي))، بَرََ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِيئَا بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفاً، فِي عُرْضٍ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنِ قَطَّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمَُّ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ: وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهُ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: مالت عن بطن السماء، يقال: زاغت الشمس تزيغ زَيْغاً: مالت، وزاغ الشيءُ كذلك، وزاغ يزوغ زَوْغاً - بالواو - لغةٌ(١). (فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظَّهْرِ) هذا يقتضي أن زوال الشمس أول وقت الظهر؛ إذ لم يُنقل أنه وَّ صلى قبله، وهذا هو الذي استقرّ عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة، أنه جوّز صلاة الظهر قبل الزوال، وعن أحمد، وإسحاق مثله في الجمعة، كما سبق بيانه في بابه(٢). (فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُوراً عِظَاماً، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ، فَوَ اللهِ لَا تَسْأَلُونَنِي) هكذا بنونين، ووقع عند البخاريّ: ((فلا تسألوني)) بنون واحدة، قال في ((العمدة)): قوله: ((فلا تسألوني)) بلفظ النفي، وحذف نون الوقاية منه جائز(٣). (عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ)؛ أي: إلا أُخبركم به، فاستَعْمل الماضي موضع المستقبل؛ إشارةً إلى تحققه، وأنه كالواقع، وقال المهلّب: إنما خطب النبيّ وَّر بعد الصلاة، وقال: ((سلوني))؛ لأنه بلغه أن قوماً من المنافقين يسألون منه، ويُعجِّزونه عن بعض ما يسألونه، فتغيَّظ، وقال: ((لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به)). (مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا))، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَّهِ (فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ) يُمَدّ، ويُقْصَر، إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. (حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)، وذلك لِمَا سمعوا من الأمور العظام الهائلة التي بين أيديهم، وخوفاً من نزول عذاب الله لِغضبه * كما كان ينزل على الأمم عند ردّهم على أنبيائهم - عليهم الصلاة والسلام - (وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَقُولَ) كلمة ((أنْ)) مصدرية، تقديره: وأكثر رسول الله وَّير القول بقوله: (سَلُونِي) وأصله: اسألوني، فنُقلت حركة الهمزة إلى السين، فحُذفت، واستُغني عن همزة الوصل، فقيل: سلوني على وزن (١) ((المصباح المنير)) ٢٦١/١. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٧/٥. (٢) ((الفتح)) ٢١/٢. ٢٧ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَ الِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٣) فَلُوني، قاله في ((العمدة))(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الذي ذكره أهل اللغة أن سال لغة في سأل، قال الفيّوميّ تَظُْهُ بعد ذِكر معنى سأل ما نصّه: والأمر مِن سَأَلَ: اسْأَلْ بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسْأَلُوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ، سَالَ يَسَالُ، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا، وسَلُوا على غير قياس(٢)، وسِلْتُهُ أنا، وهما يَتَسَاوَلانِ. انتهى(٣). (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ) - بضمّ الحاء المهملة، وبالذال المعجمة، وبعد الألف فاء - ابن قيس بن عديّ بن سعد - بفتح السين، وسكون العين - ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي أخو خُنيس بن حذافة زوج حفصة، أصابته جراحة بأُحُد فمات منها، وخلف عليها بعده رسول الله وَلقيته، وعبد الله أسلم قديماً، وكان من المهاجرين الأولين، وكانت فيه دعابة، وقيل: إنه شهد بدراً ولم يذكره الزهريّ، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين، وأَسَره الروم في زمن عمر ◌ُه، فأرادوه على الكفر، وله في ذلك قصة طويلة، وآخرها أنه قال له ملكهم: قَبِّل رأسي أُطلقك، قال: لا، قال له: وأُطلق من معك من أسرى المسلمين، فقبَّل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيراً من المسلمين، فأخبر عمر بخبره، فقال: حقّ على كل مسلم أن يُقَبِّل رأس عبد الله بن حُذافة، وأنا أبدأ، فقام عمر، فقبل رأسه، وقام المسلمون، فقبّلوا (٤) رأسه، تُؤُفي عبد الله في خلافة عثمان (١) ((عمدة القاري)) ٢٧/٥. (٢) إن كان على غير قياس؛ لأن القياس يقتضي أن يقال: سألا، وسألوا؛ كقياس خافا، وخافوا، وقد قال بعضهم: إن هذا الإسناد دليلٌ على أن سال يسال تخفيف سأل يسأل، ولكن رُدّ عليه بقولهم: هما يتساولان بالواو، وبقولهم: سِلْت بكسر السين، ولو كان مخفّفاً عن المهموز لقالوا: يتساولان، وسَلت بفتح السين. انتهى من هامش (المصباح)). (٣) (المصباح المنير)) ٢٩٧/١. (٤) ((تهذيب الكمال)) ٤١٢/١٤، و((عمدة القاري)) ٢٨/٢. ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟) إنما سأله عن ذلك؛ لأنه كان يُنسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحداً، فنسبه بَلّى إلى أبيه، فـ(قَالَ: ((أَبُوَ حُذَافَةُ))) إنما عرف ◌َو ذلك بالوحي، وهذا هو الظاهر، وقال في ((العمدة)): إما بالوحي، وهو الظاهر، أو بحكم الفراسة، أو بالقياس، أو بالاستلحاق. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أو بحكم الفراسة ... إلخ)) لا يخفى ما فيه، والأول هو الحقّ، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي))) قال العلماء: هذا القول منه وَّج محمول على أنه أوحي إليه، وإلا فلا يَعلم كل ما سئل عنه من المغيَّبات إلا بإعلام الله تعالى، قال القاضي عياض: وظاهر الحديث أن قوله ◌َلي: ((سلوني)) إنما كان غضباً، كما قال في الرواية الأخرى: ((سئل النبيّ وَّر عن أشياء كرهها، فلما أُكثر عليه غَضِبَ، ثم قال للناس: سلوني))، وكان اختياره وير ترك تلك المسائل، لكن وافقهم في جوابها؛ لأنه لا يمكن ردّ السؤال، ولِمَا رآه من حرصهم عليها، والله أعلم. (بَرََكَ عُمَرُ) بفتح الموحّدة، وتخفيف الراء من (بَرَك))، من البروك؛ أي: جَثَى على ركبتيه، كبروك البعير، يقال: برك البعير: إذا استناخ، واستُعمل في الآدميّ مجازاً (٢). (فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً) قال النوويّ ◌َُّهُ: وأما بروك عمر رَظُه، وقوله، فَإِنما فعله أدباً وإكراماً لرسول الله صل﴾، وشفقةً على المسلمين؛ لئلا يؤذوا النبيّ ◌َّ، فيهلكوا، ومعنى كلامه: رضينا بما عندنا من كتاب الله تعالى، وسُنَّة نبينا محمد ◌َّ، واكتفينا به عن السؤال، ففيه أبلغ كفاية. انتهى(٣). (قَالَ) أنس (فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِِّ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَوْلَى) قال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((أولى)) تهديد، ووعيد، وقيل: كلمة تَلَهّف، فعلى هذا يستعملها مَن نجا من أمر عظيم، والصحيح المشهور (١) ((عمدة القاري)) ٢٨/٢. (٢) ((مشارق الأنوار)) ٨٥/١، و(الفتح)) ٣٣٠/١. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/١٥. ٢٩ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَّهِ، وَتَرْكُ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٣) أنها للتهديد، ومعناها قَرُب منكم ما تكرهونه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْلَ لَّكَ [القيامة: ٣٤]؛ أي: قاربك ما تكره، فاحذره، مأخوذ من الْوَلْي، (GE) فَأَوْلَی وهو القرب. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخّْثُ: قوله: ((أولى)) هي كلمة تهديد، ووعيد، وإذا كررت كان التهديد أعظم، كما قال تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوَلَ﴾، وهذا المقام الذي قامه الرواية السابقة: فی النبيّ وَ﴿ كان مقاماً هائلاً مخوفاً، ولذلك قال أنس ((بلغ رسول الله وير عن أصحابه شيء، فخطب، فقال: عُرضت عليّ الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً قال: فما أتى على أصحاب رسول الله وَل﴿ يوم أشدُّ منه ... )) الحديث(٢). (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ) بالبناء للمفعول، (عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفاً) بالمدّ، ويجوز بالقصر؛ أي: الساعةَ، من قولك: استأنفت؛ أي: ابتدأت، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ ءَائِقًا﴾ [محمد: ١٦]؛ أي: في وقت يقرب منّا، قاله في ((العمدة))(٣)، وقال النوويّ: المشهور فيه المدّ، ويقال: بالقصر، وقرئ بهما في السبع، والأكثرون بالمدّ(٤). (فِي عُرْضٍ هَذَا الْحَائِطِ) بضم العين؛ أي: جانبه، وفي رواية: ((لقد مثّلت))، وفي رواية: ((لقد صُوِّرت)). قال في ((العمدة)): [فإن قلت]: انطباع الصورة إنما يكون في الأجسام الصقيلة. [قلت]: هذا من حيث العادة، فلا يمتنع خرق العادة، لا سيما في حقّ هذا النبيّ العظيم ◌َّر، ومع هذا هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، وتلك في صلاة الكسوف، ولا مانع أن تُرَى الجنة والنار مرتين، وأكثر، على صور مختلفة . وقال القرطبيّ: ليس من المحال إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٢/١٥ - ١٠٤. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٦٤/٢٣. (٢) ((المفهم)) ١٦٤/٦. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/١٥. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل سيما على مذهب أهل السُّنَّة في أن الجنة والنار قد خُلقتا، وهما موجودتان الآن، فيرجع إلى أن الله تعالى خَلَق لنبيه وَ له إدراكاً خاصّاً به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، ومنهم من تأول الرؤية هنا بالعلم، وقد أَبعد؛ لعدم المانع من الأخذ بالحقيقة، والعدول عن الأصل من غير ضرورة. انتهى (١). وقال المناويّ كَّثُ: قوله: ((عُرِضت علي الجنة والنار))؛ أي: نُصبتا، ومُثِلتا إليّ كما تنطبع الصورة في المرآة. وقوله: ((آنفاً)) بالمدّ، والنصب على الظرفية؛ أي: قريباً، وقيل: أوّلَ وقت كُنّا فيه، وقيل: الساعةَ، وقال أبو البقاء: تقديره: زماناً آنفاً؛ أي: قريباً من وقتنا، حُذِف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، زاد في رواية: ((وأنا أصلّي))، وقد تجلى له الكون كله، وزُويت له الأرض بأسرها، فأُري مشارقها ومغاربها، وكلّ ذلك عند اندراج المسافات في حقّه. وقوله: ((في عُرْض هذا الحائط)) بضم العين المهملة: جانبه، أو وسطه. وقوله: ((فلم أر)): فلم أبصر، ((كاليوم)) صفة محذوف؛ أي: يوماً كهذا اليوم، وأراد باليوم: الوقت الذي هو فيه، أو المعنى: لم أر منظراً مثل منظر رأيته اليوم، فحَذَف المرئيّ، وأَدْخَل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، ويُعْده عن النظر المألوف، وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظراً في الخير والشرّ؛ أي: ما أبصرت مثل الخير الذي رأيته في الجنة، والشر الذي رأيته في النار، فبالغوا في طلب الجنة، والهرب من النار. وقوله: ((ولو تعلمون ما أعلم)) من شدة عقاب الله، وقوّة سطوته بأهل المعاصي، لضحكتم قليلاً؛ أي: لتركتم الضحك في غالب الأحيان، وأكثر الأزمان، ولبكيتم كثيراً لغلبة سلطان الوجل على قلوبكم. ولا يَرِد على ما تقرّر أوّلاً أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة، ما ذاك إلا أنه شرط عاديّ، فيجوز أن تنخرق العادة، وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، ونُصْحُ المصطفى وَلّ لأمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم، وتعذيب أهل الوعيد على المعاصي. (١) ((عمدة القاري)) ٨٣/٧. ٣١ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٣) [تنبيه]: قال بعضهم: من الحِكّم، والفوائد التي اشتَمَل عليها رؤية المصطفى * الجنة والنار الأنس بأهوال القيامة؛ ليتفرغ فيه لشفاعة أمته والآ، ويقول: أمتي، أمتي، حيث يقول غيره من عظيم الهول: نفسي، نفسي. انتهى(١) . (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ))؛ أي: لم أر خيراً أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرّاً أكثر مما رأيته اليوم في النار. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالسند السابق، وليس معلّقاً، (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ) بن مسعود الْهُذلي، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه المشهور، تُوفّي سنة (٩٤) على الصحيح، وتقدّم في ((المقدمة)) ١٤/٣. (قَالَ) عبيد الله (قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ) لم تُسَمّ أمه، ثم إن عبيد الله لم يروه عنها، ولا عن ابنها عبد الله، وإنما رواه بواسطة رجل مجهول، كما بيَّنه في الرواية التالية، فتكون هذه الزيادة ضعيفةً؛ لجهالة من حدّث عبيد الله بها. [فإن قلت]: كيف أخرجها مسلم مع ضعفها؟. [قلت]: مراد مسلم أصل الحديث، دون الزيادة، وهو صحيح، فلا تضرّه الزيادة، والله تعالى أعلم. (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا) نافية، (سَمِعْتُ بِابْنِ قَطُّ)؛ أي: في الزمان الماضي، وتقدّم البحث فيها مستوفّى. (أَعَقَّ)؛ أي: أكثر عُقوقاً لأمه، يقال: عقّ الولد أباه عُقُوقاً، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقٌ، والجمع: عَقَقَةٌ بفتحات(٢). (مِنْكَ، أَأَمِنْتَ) بهمزتين، أُولاهما للاستفهام الإنكاريّ، والفعل بكسر الميم، من باب فَهِمَ، قال المجد تَُّهُ: الأَمْنُ، والآمِنُ كصاحِبٍ: ضِدُّ الخَوْفِ، أمِنَ كفَرِحَ أمْناً، وأماناً، بفَتْحِهِما، وأمَناً، وأمَنَةً، محرَّكتينٍ، وإِمْناً، بالكسر، فهو أمِنٌ، وأمِينٌ، كَفَرِح، وأميرٍ. انتهى(٣). (أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ) ((أن)) مصدريّة، والمؤوّل مفعول ((أمَنْتَ))؛ لأن أَمِن يتعدّى بنفسه وبحرف الجرّ، فيقال: أَمِنته، وأمنته، وأمنت منه(٤). (قَدْ قَارَفَتْ)؛ أي: (١) ((فيض القدير)) ٤/ ٣١٢. (٣) ((القاموس المحيط)) ١٥١٨/١. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٢٢. (٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٤/١. ٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل فعلت واكتسبت (بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: من الزنا، قال النوويّ كَّلُهُ: أما قولها: ((قارفت)): فمعناه: عَمِلت سُوءاً، والمراد: الزنى، والجاهلية هم مَن قبل النبوة، سُمُّوا به؛ لكثرة جهالاتهم، وكان سبب سؤاله أن بعض الناس كان يَطْعُن في نسبه، على عادة الجاهلية من الطعن في الأنساب، وقد بُيِّن هذا في الحديث الآخر بقوله: ((كان يُلاحَى، فيُدعَى لغير أبيه))، والْمُلاحاة: المخاصمة، والسِّباب(١). (فَتَفْضَحَهَا) بفتح حرف المضارعة، والضاد المعجمة، يقال: فضحته فَضْحاً، من باب نَفَع: إذا كشفته، والفضيحة: العیب، والجمع فضائح(٢). وقال النوويّ: معناه: لو كنتَ من زنا، فنفاك النبيّ وَلِّ عن أبيك حُذافة، فضحتني (عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟)؛ أي: عَلَناً وجهراً. (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةً) ردّاً على أمه (وَاللّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي) النبيّ وَِّ؛ أي: ذكر نسبي الحقيقيّ (بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِفْتُهُ)؛ أي: انتسبت إلى ذلك العبد الأسود، قال النوويّ تَخُّْهُ: قد يقال: هذا لا يُتَصَوَّر؛ لأن الزنى لا يَثبُت به النسب. ویجاب عنه بأنه يَحْتَمِل وجھین : أحدهما: أن ابن حُذافة ما كان بلغه هذا الحكم، وكان يظنّ أن ولد الزنى يَلحَق الزاني، وقد خَفِي هذا على أكبر منه، وهو سعد بن أبي وقاص حين خاصم في ابن وَلِيدة زَمْعة، فظنّ أنه يَلحق أخاه بالزنى. والثاني: أنه يُتصوّر الإلحاق بعد وطئها بشبهة، فيثبت النسب منه، والله أعلم. انتهى (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، (١) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٥. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٧٥/٢. ٣٣ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ بَّهِ، وَتَرْكُ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٤) كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثٍ عُبَيْدِ اللهِ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شُعَيْباً قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةً قَالَتْ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَامِ السَّمَرْقَنْديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌّ [١١] (ت٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م دت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرَانيّ - بفتح الموحدة - الْحِمْصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأُمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الْحِمْصِيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لمعمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة. وقوله: (وَحَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ مَعَهُ)؛ يعني: أن قول ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ... إلخ، مذكور في جملة حديث معمر، وشعيب عن الزهري، مثل ما ذُكر في حديث يونس عنه، وإنما بيّن مسلم هذا؛ لأن بعض الرواة لم يذكر عنهما ذلك، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) روايتهما بدون زيادة حديث عبيد الله، فقال ◌َُّ في رواية معمر عن الزهريّ دون الزيادة : (٦٨٦٤) - وحدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، أخبرني أنس بن مالك نظُ أن النبيّ وَّ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً، ثم قال: ((من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله لا ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل تسألوني عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا))، قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﴿ ﴿ أن يقول: ((سلوني))، فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟، قال: ((النار))، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: ((أبوك حذافة))، قال: ثم أكثر أن يقول: ((سلوني، سلوني))، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد وَله رسولاً، قال: فسكت رسول الله وَ ل حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله وَله: ((أولى، والذي نفسي بيده، لقد عُرضت علي الجنة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشرّ)). انتهى(١). وقال في رواية شعيب عن الزهري دون الزيادة: (٥١٥) - حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله وَل* خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر، فذكر الساعة، فذكر أن فيها أموراً عظاماً، ثم قال: ((من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، ما دُمت في مقامي هذا))، فأكثر الناس في البكاء، وأكثر أن يقول: ((سَلُوني))، فقام عبد الله بن حُذافة السهميّ، فقال: من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة))، ثم أكثر أن يقول: ((سلوني))، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً، فسكت، ثم قال: ((عُرِضت عليّ الجنة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر)). انتهى (٢). (غَيْرَ أَنَّ شُعَيْباً قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ)، وقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم ... إلخ)؛ أي: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: حديث رجل ... إلخ، ولَم يسمّ الرجل، وهذا بيان صريح أن عبيد الله لم يرو هذه الزيادة إلا بواسطة رجل مجهول بينه وبين أم عبد الله حذافة، فتكون هذه الزيادة ضعيفة، كما أسلفت بيان ذلك في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم .. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٦٦٠/٦. (٢) ((صحيح البخاريّ)) ١/ ٢٠٠. : ٣٥ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَّهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٥) [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه بالزيادة المذكورة ساقها أبو يعلى تَكْثُ في ((مسنده))، فقال: (٣٦٠١) - حدّثنا إسحاق، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال: حدّثني أنس بن مالك، أن رسول الله وَلو خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً، قال: ((من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم به، ما دمت في مقامي هذا))، قال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخل أبي(١) يا رسول الله؟، قال: ((النار))، فقام عبد الله بن حذافة، قال: من أبي يا رسول الله؟ قال: ((أبوك حذافة))، ثم أكثر أن يقول: ((سلوني))، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، فسكت رسول الله وَلقر حين قال عمر ذلك، ثم قال النبيّ ◌َّ﴿: ((والذي نفسي بيده، لقد عُرضت عليّ الجنة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشرّ)). قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ابناً قطّ أعقّ منك، أكنت تأمَن أن تكون أمك قارفت في الجاهلية، فتفضحها على رؤوس النساء؟ قال عبد الله: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. انتهى (٢). وأما رواية شعيب عن الزهري بالزيادة المذكورة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ وَّهِ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: ((سَلُونِ، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، (١) هكذا في النسخة، والذي في ((صحيح البخاريّ)): ((أين مدخلي))، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٢) ((مسند أبي يعلى)) ٢٨٦/٦ - ٢٨٧. ٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ))، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ بَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَإِذَا كُلُّ رَجُلِ لَاقٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى فَيُدْعَى لِغَيْرٍّ أَبِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ حُذَافَةُ))، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَبِهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، عَائِذاً بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((لَمْ أَرَ تَّالْيَوْمٍ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م ت س ق) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٣/٥٢. [تنبيه]: قوله: ((الْمَعْنيّ)) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم نون، وتشديد الياء: نسبة إلى معن بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بطن من الأزد، قاله في ((اللباب))(١) . وقال النوويّ: هو بكسر النون، وتشديد الياء، قال السمعانيّ: منسوب إلى مَعْن بن زائدة. انتهى(٢). ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ - بالمهملة - أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمَّام، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في (الطهارة)) ٥٥٧/٥. ٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختَلَط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. و((أَنَسُ بْنُ مَالِكِ)) ذُكر قبله، وهذا الاسناد كله بصريون. (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٣٧/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٥/١٥. ٣٧ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ وَِّ، وَتَرْكُ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٥) شرح الحديث: ، (أَنَّ النَّاسَ) لم يُسمَّوا، (سَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ وَله معبه se (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ) بالحاء المهملة والفاء؛ أي: ألحّوا، وأكثروا عليه، حتى جعلوه كالحافي، يقال: أحفاه في السؤال: إذا ألحّ عليه، قاله في ((الفتح))(١)، وقال القرطبيّ: يقال: أحفى في المسألة، وألحّ بمعنى واحد(٢). وقال في ((العمدة): قوله: ((أحفوه)) بالحاء المهملة، والفاء؛ أي: ألحوا عليه في السؤال، وأكثروا السؤال عنه، ويقال: أحفيته إذا حملته على أن يبحث عن الخبر، ويقال: أحفى، وألحف، وقال الداوديّ: يريد: سألوه عما يَكره الجواب فيه؛ لئلا يضيق على أمته، وهذا في مسائل الدين، لا في مسائل (٣) المال. انتهى(٣) . (فَخَرَجَ) بَّهِ (ذَاتَ يَوْم)؛ أي: يوماً من الأيام، وقال في ((العمدة)) عند قوله: ((ذات غداة)): لفظة (َّذات)) زائدة، وقال الداوديّ: لفظة ((ذات)) بمعنى ((في))؛ أي: في غداة، ورَدّ عليه ابن التين بأنه غير صحيح، بل تقديره: في ذات غداة، قال العينيّ: الصواب معه؛ لأنه لم يقل أحد: إن ((ذات)) بمعنى ((في))، ويجوز أن يكون من باب إضافة المسمى إلى اسمه. انتهى (٤). (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: ((سَلُونِي، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ)))؛ معناه: أنه أوحي إليه بذلك، (فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا)؛ أي: سكتوا، وأصله من المرمَّة، وهي: الشَّفة، فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم، فلم يحركوها بلفظة، قاله القرطبيّ(٥). وقال النوويّ: هو بفتح الراء، وتشديد الميم المضمومة؛ أي: سكتوا، وأصله من المرمّة، وهي الشفة؛ أي: ضمّوا شفاههم بعضها على بعض، فلم يتكلموا، ومنه رَمَّت الشاةُ الحشيشَ: ضمّته بشفتيها. انتهى(٦). (وَرَهِبُوا) بكسر الهاء؛ أي: خافوا (أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرِ قَدْ حَضَرَ)؛ (١) ((الفتح)) ٢٦٩/١٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٣١١/٢٢. (٥) ((المفهم)» ١٥٩/٦. (٢) «المفهم)» ١٥٨/٦. (٤) ((عمدة القاري)) ٧٩/٧. (٦) ((شرح النوويّ)) ١١٥/١٥. ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ أي: من العذاب النازل عليهم عند غضبه وَ لَّ. (قَالَ أَنَسرٌ) يَمِيناً وَشِمَالاً، فَإِذَا) كلمة المفاجأة؛ أي: ففاجأني (كُلُّ رَجُلِ لَاقْ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ) ((اللافّ)): اسم فاعل من لفّ الشيءَ يلُفّه، من باب نصر: إذا ضمّه إليه، ووصله به، قال الكرمانيّ: ((لافّ)) بالرفع، والنصب، قال العينيّ: أما الرفع فعلى أنه خبر المبتدأ، وهو قوله: ((كلُّ رجل))، وأما النصب فعلى أنه حال من ((رجل))، وقوله: (يَبْكِي) على هذا هو خبر قوله: ((فإذا كلُّ رجل))، وعلى الرفع يكون جملة حالية. انتهى(١). [تنبيه]: قال القرطبيّ ◌َخُّهُ: قوله: ((فإذا كل إنسان لافتُّ رأسه في ثوبه يبكي)): هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جُهَّال العوام، والمبتدعة الطّغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: إنك لم تبلغ حالك أن تساوي حال رسول الله وَيقيه، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفاً من الله، والوقار حياءً من الله، وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة، فقال: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلَِتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، فصدَّر الله تعالى الكلام في هذه الآية بـ ((إنما)) الحاصرة لِمَا بعدها، المحقِّقة له، فكأنه قال: المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله، وتلاوة كتابه، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، وكذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ : [المائدة: ٨٣]، فهذا وصف حالهم، ١٨٣ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَا فَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ وحكاية مقالهم، فمن كان مُستنّاً فليستنّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون، فهو من أخسِّهم حالاً، والجنون فنون. [فإن قيل]: فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم صَرَخُوا عند سماع (١) ((عمدة القاري)) ٣١١/٢٢. ٣٩ (٣٧) - بَابُ وُجُوبٍ تَوْقِيرِهِ نَّهِ، وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا ... إلخ - حديث رقم (٦١٠٥) القرآن، والمواعظ، فقد رُوي عن عمر بن الخطاب ظُه أنه سمع قارئاً يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ ٣ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ لَـ مغشياً عليه، فحُمِل إلى أهله، فلم يزل مريضاً شهراً. [الطور: ٧، ٨]، فصاح صيحة خرَّ قال الجامع عفا الله عنه: في ثبوت هذا عن عمر ظُه نظر لا يخفى، فأين سنده؟ حتى ننظر فيه، ومعلوم أن عمر ظه، وكذا بقيّة الصحابة أحوالهم لا تخالف الآيتين السابقتين، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ﴾ [المدثر: ٨]، قال: وروي أن زرارة بن أوفى قرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُرِ فصَعِق، ومات في محرابه، وقرأ صالح المرِّيّ على أبي جهين فمات، وسمع الشافعيّ قارئاً يقرأ: ﴿هَذَا يَؤُ لَا يَنطِقُونَ (٢٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيََّذِرُونَ ٣٦ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فغُشِي عليه. ٦ وسَمِع عليّ بن الفضل قارئاً يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لَِبِّ الْعَلَمِينَ [المطففين: ٦]، فسقط مغشياً عليه. فالجواب: أين الدرّ من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات، قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقّقين بالممخرقين. فإنْ كنت - يا من لُبِّس عليه - تدَّعي أنك على نَعْتهم، فمُتْ كموتهم، فتنبّه لبهرجتك؛ فإنَّ الناقد بصير، والمحاسب خبير، ثم يقال لمن صرخ في حال خطبة الجمعة: إن كنت قد ذهب عقلك حال صعقتك، فقد خَسِرت في صفقتك؛ إذ قد سُلِب عقلك، وذهب فهمك، ولحقت بغير المكلفين، وصرت كالصبيان، والمجانين، وحُرِمت سماع الموعظة، وشهود الخطبة، وقد قال مشايخ الصوفية: مهما كان الوارد مانعاً من القيام بفرض، ومانعاً من الخير فهو من الشيطان، ثم يلزم من ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه، فإنْ صلى بعد تلك الغشية الجمعة، ولم يتوضأ، كان كمن لم يشهد الخطبة، ولا صلى، فأي صفقة أخسر ممن هذه صفقته؟ وأيّ مصيبة أعظم ممن هذه مصيبته؟ وإن كان وقت صراخه في عقله، فقد تكلم في حال الخطبة، وشَوّش على الحاضرين سماعها، وأظهر بدعة في مجتمع الناس، وعَرَّضهم؛ لأنه يجب عليهم تغييرها، فإنْ لم يفعلوا عَصَوا، فقد عصى الله من جهات متعددة، وحَمَل الناس على المعصية، إلى ما ينضاف إلى ذلك من رياء كامنٍ في القلب، وفِسق ظاهر على ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الجوارح، فنسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان، وكفاية أحوال الجهَّال والمُجَّان. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو مفيد في بابه، والله تعالى أعلم. (فَأَنَّشَأَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حُذافة، (مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يخاصَم، من الملاحاة، وهي المخاصمة والمنازعة، (فَيُدْعَى) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: يُنسب (لِغَيْرِ أَبِيهِ)؛ يعني: يقولون له: يا ابن فلان، وهو غير أبيه، (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ) بَِّ ((أَبُوَكَ حُذَافَةُ))) وهذا قاله بالوحي، كما هو الظاهر. وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قوله: ((فأنشأ رجل من المسجد، كان يُلاحَى، فَيُدْعَى لغير أبيه)): أنشأ: أخذ في الكلام، وشرع فيه، ويُلاحَى: يُعيَّرُ، ويُذَم، بأن يُنْسَبَ إلى غير أبيه، ويُنفى عن أبيه، وسببُ هذا ما كانت أنكحة الجاهلية عليه؛ فإنَّها كانت على ضروب كما ذكرناه في ((النكاح))، وكان منها: أن المرأة يطؤها جماعة؛ فإذا حملت، فولدت دُعي لها كل من أصابها، فتُلحق الولد بمن شاءت، فيَلحق به، فربما يكون الولد من خسيس القَدْر، فلتحقه بكبير القدر، فإذا نُفي عمن له مقدار، وأُلحق بمن لا مقدار له لحقه من ذلك نقص وعار. فكانوا يسألون رسول الله وَله عن تحقيق ذلك؛ لِيُنْسَب لأبيه الحقيقيّ الذي وُلد من نطفته، وتزول عنه تلك المعرَّة، فسأل هذان الرجلان النبيَّ وَِّيه عن ذلك، فقال لأحدهما: ((أبوك حذافة))، وقال للآخر: ((أبوك سالم))، فتحقَّق نسبهما، وزالت معرَّتهما. انتهى (٢). (ثُمَّ أَنْشَأَ) قال أهل اللغة: معناه ابتدأ، ومنه أنشأ الله الخلق؛ أي: ابتدأهم، (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَبِهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، عَائِذاً بِاللهِ) قال ابن السِّيد: هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال فاعل؛ كقولهم: عُوفي عافيةً، أو على الحال المؤكدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذاً، ولم يُذْكَر الفعل؛ لأن الحال نائبة عنه، ورُوي بالرفع؛ أي: أنا عائذ(٣). (١) ((المفهم)) ١٦٠/٦ - ١٦١. (٣) ((الفتح)) ٥٣٨/٢. (٢) ((المفهم)) ١٦١/٦ - ١٦٢.