Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (١١) - بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِيِّ وَهِ، وَتَقَدُّمِهِ لِلْحَرْبِ - حديث رقم (٥٩٨٩) وكمالها الشجاعة، ثانيها: الشهوانية، وكمالها الجود، ثالثها: العقلية، وكمالها النطق بالحكمة، وقد أشار أنس ظهته إلى ذلك بقوله: ((أحسن الناس))؛ لأن الحسن يَشْمَل القول والفعل، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بأحسن الناس: حسن الْخِلْقة، وهو تابع لاعتدال المزاج الذي يتبع صفاء النفس الذي منه جَوْدة القريحة التي تنشأ عنها الحكمة، قاله الكرمانيّ كَظّفُهُ(١). (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزاي، يقال: فَزِع منه فَزَعاً، فهو فَزِعٌ، من باب تَعِبَ: خاف، وأفزعته، وفَزّعته، ففزعَ، وفَزِعت إليه: لجأت، وهو مَفْزَعٌ؛ أي: ملجأٌ، قاله الفيّومِيّ ◌َّفُ(٢). (أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلة من الليالي، وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة))؛ أي: سمعوا صوتاً في الليل، فخافوا أن يَهْجُم عليهم العدوّ. انتهى(٣). وفي رواية قتادة التالية: ((كان بالمدينة فَزَعٌ، فاستعار النبيّ ◌َِّ فرساً لأبي طلحة، يقال له: مندوب، فركبه ... )). (فَانْطَلَقَ نَاسٌ) من الصحابة (قِبَلَ الصَّوْتِ)؛ أي: جهته، (فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﴿)، وفي رواية للبخاريّ: ((فاستقبلهم النبيّ وَّ))، حال كونه (رَاجِعاً) من قِبَل الصوت، (وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: أنه سبق الناس إلى الصوت، فاستكشف الخبر، فلم يجد ما يُخاف منه، فرجع يُسكّنهم، وقوله: (وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ) حال أيضاً، (لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل، زوج أم أنس ﴿ُه، (عُرْي) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، يقال: فرسٌ عُرْيٌّ: لا سرج عليه، وُصَّف بالمصدر، ثم جُعل اسماً، وجُمِعَ، فقيل: خيلٌ أَعْراءٌ، مثلُ قُفْلٍ وأَقْفَال، قالوا: ولا يقال: فرسٌ عُريان، كما لا يقال: رجلٌ عُرْيٌ، قاله الفيّوميّ كَذُهُ(٤)، وقوله: (فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ) جملة حاليّة أيضاً، وكذا قوله: (وَهُوَ) ◌ِ (يَقُولُ: ((لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا)))؛ أي: لا يصيبكم روعٌ مستقرّ، أو روع يضرّكم، وقال القرطبيّ تَظُّهُ: أي: لم يصبكم رَوْعٌ، أو لا رَوْعَ عليكم(٥). (١) ((الفتح)) ٥٨٥/١٣ - ٥٨٦، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٠٣٣). (٣) ((الفتح)) ٥٨٦/١٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٤٠٦/٢. (٥) ((المفهم)) ٦ /٩٩. ٤٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وقال في ((الفتح)): هي كلمة تقال عند تسكين الرَّوع تأنيساً، وإظهاراً للرفق بالمخاطَب. انتهى (١). وقال في ((العمدة)): معناه: لا تخافوا، والعرب تتكلم بهذه الكلمة واضعةً كلمة (لم)) موضع كلمة (لا)). انتهى(٢). وقال المباركفوريّ: قوله: ((لم تراعوا)) بضم التاء والعين مجهول من الرَّوْع؛ بمعنى: الفزع، والخوف؛ أي: لم تخافوا، ولم تفزعوا، وأتى بصيغة الجحد مبالغةً في النفي، وكأنه ما وقع الروع والفزع قط، وقوله: ((لم تراعوا)) كرره تأكيداً، أو كلٌّ لخطاب قوم من عن يمينه ويساره. انتهى (٣). (قَالَ) بَرِ ((وَجَدْنَاهُ)؛ أي: هذا الفرس، (بَحْراً)؛ أي: كالبحر في سعة الجري، وفي الرواية التالية: ((وإن وجدناه لبحراً))، قال الخطابيّ تَظُّهُ: ((إنْ)) هي النافية، واللام في (لَبَحْراً)) بمعنى: ((إلّا))؛ أي: ما وجدناه إلا بحراً، قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين ((أن)) مخففة من الثقيلة، واللّام زائدة، قال الحافظ: كذا قال، قال الأصمعيّ: يقال للفرس: بَحْرٌ إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا يَنْفَد كما لا ينفد البحر، ويؤيده ما في رواية سعيد، عن قتادة: ((وكان بعد ذلك لا يُجَارَى)). انتهى (٤). وقال القرطبيّ كَّهُ: أي: وجدنا هذا الفرس يجري جَرْياً كثيراً متتابعاً كالبحر، وقد تقدَّم أن أصل البحر: السَّعة، والكثرة، ويقال: فرس سَحْبٌ، وبَحْرٌ، وسَكْب، وسَخٌّ، وفَيْضٌ، وغَمْر: إذا كان سريعاً، كثير الجرْىٍ، شديد الْعَدْو. انتهى (٥) . وقال في ((العمدة)): قوله: ((وجدناه بحراً))؛ أي: وجدنا هذا الفرس واسع الجري كماء البحر؛ كأنه يَسبح في جريه، كما يسبح ماءُ البحر إذا رَكِب بعضُ أمواجه بعضاً. انتهى (٦). (١) ((الفتح)) ٥٨٦/١٣. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤/ ١٨٧. (٣) ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٧٥/٥. (٤) ((الفتح)) ٦/ ٤٨٤، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦٢٧). (٥) ((المفهم)) ٩٩/٦. (٦) ((عمدة القاري)) ١٨٧/١٤. ٤٠٣ (١١) - بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِّ وَّهِ، وَتَقَدُِّهِ لِلْحَرْبِ - حديث رقم (٥٩٨٩) وقوله: (أَوْ قال) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال النبيّ وَّهُ: (إِنَّهُ لَبَحْرٌ))) وهذا أبلغ من الأول في وصفه بالجري القويّ(١). (قَالَ) أنس رَظُهُ (وَكَانَ) ذلك الفرس (فَرَساً يُبَطَّأُ) بضمّ أوله، وتشديد الطاء المهملة، مبنيّاً للمفعول؛ أي: يُنسب إلى البطء، وقال النوويّ كَّلُ: معناه: يُعرف بالبطء، والعجز، وسُوء السَّيْر. انتهى (٢). وقال القرطبيّ رَُّهُ: قوله: ((وكان فرساً يُبَطَّأ))؛ أي: يُنسب البطء إليه، ويُعرف به، فلما ركبه رسول الله وَ ﴿ أدركته بركته؛ فسابق الجياد، وصار نِعْم الْعَتَاد، والرواية المشهورة: (يبطأ)) بالمثناة تحتُ، والموحّدة، من البطء: ضدّ السُّرْعة، وعند الطبريّ: ((فَبِطاً))؛ أي: ثقيلاً، وهو بمعنى الأول. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك تظ﴿به هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٨٩/١١ و٥٩٩٠ و٥٩٩١] (٢٣٠٧)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٦٢٧) و((الجهاد)) (٢٨٥٧ و٢٨٦٠ و٢٨٦٢ و٢٨٦٧ و٢٩٠٨ و٢٩٦٩ و٣٠٤٠) و((الأدب)) (٦٠٣٣ و٦٢١٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧١/٣ و١٨٠ و٢٧٤ و٢٩١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٨٨)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٩٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٨/٦ و٢٥/١٠ و٢٠٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢١٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن النبيّ وَّ﴿ كان أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً، وأجود الناس، وأشجع الناس. (١) ((عمدة القاري)) ١٤/ ١٨٧. (٣) ((المفهم)) ٩٩/٦ - ١٠٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ٦٧/١٥. ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٢ - (ومنها): بيان شجاعته ◌َّيه من شدّة عَجَلته في الخروج إلى العدوّ قبل الناس كلهم، بحيث كَشَفَ الحالَ، ورجع قبل وصول الناس. ٣ - (ومنها): بيان عظيم بركته ◌َّل، ومعجزته في انقلاب الفرس سريعاً بعد أن كان يبطأ، وهو معنى قوله ◌َّ: ((وجدناه بحراً))؛ أي: واسع الجري. ٤ - (ومنها): جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدوّ ما لم يتحقق الهلاك. ٥ - (ومنها): جواز العارية، وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك، وركوب الدابة عُرياناً؛ لاستعجال الحركة(١). ٦ - (ومنها): استحباب تقلُّد السيف في العنق. ٧ - (ومنها): استحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب. ٨ - (ومنها): جواز استعمال المجاز حيث شبَّه الفرس بالبحر؛ لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر، وأول من تكلم بهذا رسول الله ◌َل﴾ (٢). ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَثُ: في هذا الحديث ما يدلُّ على أن النبيّ وَّ كان قد جُمِع له من جَوْدة ركوب الخيل، والشجاعة، والشهامة، والانتهاض الغائيّ في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال الباس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنَّه ما ولَّى قطّ منهزماً، ولا تحدَّث أحد عنه قط بفرار. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّلَ الكتاب قال: [٥٩٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ◌َِِّ فَرَساً لِأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْذُوبٌ، فَرَكِبَهُ، فَقَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعِ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً)). (١) ((عمدة القاري)) ١١٧/١٤. (٣) ((المفهم)) ٦/ ١٠٠. (٢) ((عمدة القاري)) ١٤/ ١١٧. (١١) - بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِّ وَ﴿َ، وَتَقَدُّمِهِ لِلْحَرْبِ - حديث رقم (٥٩٩١) ٤٠٥ رجال هذا الإسناد: خمسة: وکلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ) قال النوويّ تَظُّهُ: وقع في هذا الحديث تسمية هذا الفرس مندوباً، قال القاضي: وقد كان في أفراس النبيّ وَّ ر مندوب، فلعله صار إليه بعد أبي طلحة، قال النوويّ: ويَحْتَمِل أنهما فرسان اتفقا في الاسم. (١) انتھی(١) . وقال في ((الفتح)): قيل: سُمّي مندوباً من الندب، وهو الرهن عند السباق، وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح. وقال القرطبيّ: مندوب اسم علم لذلك الفرس، وقيل: إنه سُمِّي بذلك؛ لأنه كان يسبق، فيحوز النَّدب، وهو الخطر الذي يُجعل للسابق، وكأنه إنما حَدَث له هذا الاسم بعد أن ركبه رسول الله وَله، وقد ذُكِر أنه كان لرسول الله وَله فرس يسمى مندوباً، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا الفرس انتقل من مُلك أبي طلحة إلى ملك النبيّ وَّ﴾ إما بالهبة، وإما بالابتياع، ويَحْتَمِل أن يكون فرساً آخر وافقه في ذلك الاسم، والله أعلم. انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٥٩٩١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: قَالَ: فَرَساً لَنَا، وَلَمْ يَقُلْ: لأَبِي طَلْحَةَ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَّساً). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل باب. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لمحمد بن جعفر، وخالد بن الحارث. وقوله: (قَالَ: فَرَساً لَنَا، وَلَمْ يَقُلْ: لأَبِي طَلْحَةَ) لا تعارض بين (١) ((شرح النوويّ)) ٦٨/١٥. (٢) («المفهم)) ٦/ ١٠٠. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الروايتين؛ لأن أنساً ربيب أبي طلحة ﴿هَا، فما نُسب إليه يجوز أن يُنسب إليه . وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَساً) بَيّن به أن في روايته بيان قتادة سماعه من أنس رضيته؛ لأنه مدلّس، فزال به عنه تهمة التدليس. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٢) - (بَابٌ فِي جُودِهِ وَّ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٥٩٩٢] (٢٣٠٨) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُّحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَّا كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِغَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشِير التُّرْكيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٥) وهو ابن ثمانين سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨. ٢ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرْكَانيّ الخراسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨. [تنبيه]: قوله: ((الْوَرْكَانيّ)) ضَبَطه في ((التقريب)) بفتحتين، لكن الذي في ((اللباب)) أنه بفتح الواو، وسكون الراء، وهو الذي تقتضيه عبارة ((القاموس))، و(شرحه))، وهو: نسبة إلى محلّة، وقرية، فأما المحلّة فهي بأصبهان معروفة، ٤٠٧ (١٢) - بَابٌ فِي جُودِهِ نَّارِ - حديث رقم (٥٩٩٢) وأما القرية فهي من قُرى قاشان: مدينة عند قُمّ، قاله في ((اللباب))(١). ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [٣] (ت٩٤) وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عمّ رسول الله وَطهير، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. والباقيان ذُكرا في البابين الماضيين قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف تََّثُ، وله فيه إسنادان فصل بينهما بحاء التحويل، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، فبغداديّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، وقد دعا له رسول الله وَ﴿ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر، والحبر؛ لسعة علمه، وقال عُمَر ◌َظُبه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشَرَه منّا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َا أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ)؛ أي: أكثرهم جوداً، وسخاءً، هذا هو المعلوم من خُلُقِهِ وَِّ، فإنَّه ما سئل شيئاً فمنعه، إذا كان مما يصحّ بذله، وإعطاؤه. وقال في ((الفتح)): قوله: ((كان النبيّ ◌َ ر أجود الناس)) فيه احتراس بليغ؛ لئلا يُتَخَيَّل من قوله: ((وأجود ما يكون في رمضان)) أن الأجودية خاصة منه برمضان فيه، فأثبت له الأجودية المطلقة أوّلاً، ثم عَطَف عليها زيادة ذلك في رمضان قولَهُ: ((وأجود ما يكون في رمضان)). وقوله: ((أجودَ الناس)) بالنصب؛ لأنه خبر ((كان))، وقَدَّم ابن عباس (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٦١/٣ - ٣٦٢، و((القاموس المحيط)) ص١٣٩٤. ٤٠٨ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل هذه الجملة على ما بعدها، وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، ومعنى ((أجود الناس)): أكثر الناس جُوداً، والجود: عنه ، الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقد أخرج الترمذيّ من حديث سعد ته، رفعه: (إن الله جواد يُحب الجود ... ))، الحدیث، وله من حديث أنس رفعه: «أنا أجْود ولد آدم، وأجْودهم بعدي رجل عَلَّمَ عِلْماً فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله)) وفي سنده مقال، وقد تقدّم في الباب الماضي من حديث أنس رظراته: ((كان النبيّ وَّر أشجع الناس، وأجود الناس ... )) الحديث. وقال في ((العمدة)): قوله: ((أجود الناس)) هو أفعل تفضيل، من الجود، وهو العطاء؛ أي: أعطى ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه أنه أسخى الناس لَمّا كانت نفسه أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، لا بدّ أن يكون فِعله أحسن الأفعال، وشكله أملح الأشكال، وخُلُقه أحسن الأخلاق، فلا شكّ بكونه أجود، وكيف لا، وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات؟. (١) . . انتھی (وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ) برفع ((أجود)) هكذا في أكثر الروايات، و((أجود)) اسم ((كان))، وخبره محذوف، وهو نحو: أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو مرفوع على أنه مبتدأ مضاف إلى المصدر، وهو: ((ما يكون))، و((ما)) مصدريّة، وخبره ((في رمضان))، والتقدير: أجود أكوان رسول الله ◌ّ في شهر رمضان، وإلى هذا جنح البخاريّ في تبويبه في ((كتاب الصيام))؛ إذ قال: ((باب أجود ما كان النبيّ ◌َّ يكون في رمضان)). وفي رواية الأصيليّ: ((أجود)) بالنصب على أنه خبر ((كان)). وتُعقّب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها . وأُجيب بجعل اسم كان ضمير النبيّ وَّ، و((أجود)) خبرها، والتقدير: كان رسول الله وَّ مُدَّة كونه في رمضان أجود منه في غيره(٢). (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٧٥. (٢) تعقّب العينيّ على الحافظ هذا الوجه، فقال في ((عمدته)) ٧٦/١: هذا لا يصحّ؛ لأن كان إذا كان فيه ضمير النبيّ وَ لا يصح أن يكون ((أجود)» خبراً لـ(كان))؛ = ٤٠٩ (١٢) - بَابٌ فِي ◌ُجُودِهِ وَلِ - حديث رقم (٥٩٩٢) قال النوويّ: الرفع أشهر، والنصب جائز، وذكر أنه سأل ابن مالك عنه، فخَرَّج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، وذكر ابن الحاجب في ((أماليه)) للرفع خمسة أوجه، توارد مع ابن مالك منها في وجهين، وزاد ثلاثة، ولم يعرِّج على النصب. قال الحافظ: ويرجِّح الرفعَ ورُودُه بدون ((كان)) عند البخاريّ في ((الصوم)). انتهى. (إِنَّ جِبْرِيلَ عَل*) يصح الكسر في ((إن)) على الابتداء، والفتح فيه أولى، فيكون تعليلاً لِجُود النبيّ ◌َ ﴿ في رمضان، وكان هذا الوجه أولى، والله أعلم، قال: ولا أذكر الآن كيف قيَّدتها على من قرأتُه عليه. انتهى(١). وفي رواية للبخاريّ: ((لأن جبريل كان يلقاه))، وفيه بيان سبب الأجودية المذكورة، وهي أبْيَن من الرواية الأخرى بلفظ: ((وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل))، قاله في (الفتح)). [فائدة]: قال النوويّ كَُّ في ((تهذيبه)): في ((جبريل)) تسع لغات، حكاهنّ ابن الأنباريّ، وابن الجواليقيّ: جبريل، وجبريل، بكسر الجيم، وفتحها، وجبرئل، بفتح الجيم، وهمزة مكسورة، وتشديد اللام، وجبرائل، بعدها یاء، وجبراييل، بيائين بعد الألف، وجبرئيل بهمزة بعد الراء، وياء، وجبرئل بكسر الهمزة، وتخفيف اللام، مع فتح الجيم والراء، وجَبرين، وجِبرين، بفتح الجيم، وکسرها . قال جماعات من المفسرين، وصاحب ((المحكم))، والجوهريّ، وغيرهما من أهل اللغة في جبريل وميكائيل: إن جِبْر، ومِيْك اسمان أضيفا الى إيل، لأنه مضاف إلى الكون، ولا يخبر بكون عما ليس بكون، فيجب أن يُجعَل مبتدأ، = وخبره: ((في رمضان))، والجملة خبر ((كان))، وإن استتر فيه ضمير الشأن فظاهر، فافهم. انتھی کلامه. قال الجامع: وعندي أن ما قاله الحافظ صحيح، فتأمل التقدير الذي قدّره، فتراه صحيح المعنى، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (١) («المفهم)) ٦/ ١٠٢. ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل وإل، وقال: وإيل، وإل اسمان الله تعالى، وجبر، وميك معناه بالسريانية عبد، فتقديره عبد الله، قال أبو علي الفارسيّ: هذا الذي قالوه خطأ من وجهين: أحدهما: إن إيل، وإل لا يُعرفان في أسماء الله تعالى، والثاني: أنه لو كان كذلك لم يتصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان آخره مجروراً أبداً؛ كعبد الله، قال النوويّ: وهذا الذي قاله أبو عليّ هو الصواب، فإن ما زعموه باطل، لا أصل له. (واعلم): أن جبريل يقال له: الناموس، بالنون، كما ثبت في ((الصحيحين)) في حديث المبعث، قال أهل اللغة: الناموس صاحب سرّ الرجل الذي يُطلعه على باطن أمره، وقيل: الناموس صاحب خبر الخير، والجاسوس صاحب خبر الشرّ. وقد تظاهرت الدلائل على عِظَم مرتبة جبريل لعلَّلا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَّى مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَكَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ ٩٧ وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩٧، ٩٨]، وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ ١٩٨ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ الآية [الشعراء: ١٩٣]، وقال تعالى: ﴿عَلَّمَّهُ شَدِيدُ الْقُوَى (١٩٣) اُلْأَمِينُ [النجم: ٥] المراد بشديد القوى جبريل عليّله، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم: ١٣، ١٤] المراد رأى جبريل، هذا قول (١٤) عِنْدَ سِدْرَةِ الْنُنَهَى ١٣ الجمهور، فرآه النبيّ وَّة على صورته، له ستمائة جناح مرتين، وقال تعالى: ٢١ وَمَا مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَشِ مَكِنِ ١٩ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ وَقَدْ رَءَاهُ بِلْأَفْقِ الْبِينِ ﴿٣ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ٢٢ صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: ١٩ - ٢٤]. انتهى كلام النوويّ تَّتُهُ(١). ٢٤] (كَانَ يَلْقَاهُ) بَيِّ (فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ)؛ أي: في كلّ ليلة من ليالي رمضان، بدليل قوله: ((حتى ينسلخ))، قال الزمخشريّ: رمضانُ مصدر رَمِض: إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر، وجُعل علماً، ومُنِع من الصرف؛ للتعريف، والألف والنون، وسَمَّوه بذلك؛ لارتماضهم فيه من حَرّ الجوع، (١) (تهذيب الأسماء واللغات)) ١٥٠/١ - ١٥١. ٤١١ (١٢) - بَابٌ فِي جُودِهِ نَّهِ - حديث رقم (٥٩٩٢) ومقاساة شدّته(١). وقال في ((الفتح)): اختُلِف في تسمية هذا الشهر رمضان، فقيل: لأنه تُرْمَض فيه الذنوب؛ أي: تُحرق؛ لأن الرمضاء شدّة الحرّ، وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زمناً حارّاً، والله أعلم. انتهى(٢). (حَتَّى يَنْسَلِخَ)؛ أي: إلى أن ينتهي رمضان، وفي رواية للبخاريّ: ((في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ))؛ أي: رمضانُ، قال في ((الفتح)): وهذا ظاهر في أنه كان يلقاه كذلك في كل رمضان منذ أُنزل عليه القرآن، ولا يختص ذلك برمضانات الهجرة، وإن كان صيام شهر رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأنه كان يُسَمَّى رمضان قبل أن يُفرض صيامه. انتهى(٣). (فَيَعْرِضُ) بكسر الراء، من العرض، بفتح، فسكون، والفعل من باب ضرب؛ أي: يقرأ (عَلَيْهِ)؛ أي: على جبريل لعلّها، (رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْقُرْآنَ)؛ يعني: أنه ◌َ﴿ يقرأ القرآن على جبريل عن ظهر قلبه، يقال: عَرَضتُ الكتابَ: إذا قرأته عن ظهر القلب، قاله الفيّوميّ كَُّهُ(٤). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية صريحة في كون النبيّ وَّ هو الذي كان يعرض القرآن على جبريل، وقد عقد البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)) ترجمة بعكسه، فقال: ((باب كان جبريل يَعرض القرآن على النبيّ ◌َّ))، ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((فيدارسه القرآن)»، ولا تعارض بينها؛ إذ يُحْمَل على أن كلّاً منهما كان يعرض على الآخر، فيتدارسان، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ الهِ وَلِ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) - بفتح السين المهملة - أي: المبعوثة لنفع الناس، هذا إذا جعلنا اللام في الريح للجنس، وإن جعلناها للعهد يكون المعنى: من الريح المرسلة للرحمة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية [الأعراف: ٥٧]، (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٧٥. (٢) ((الفتح)) ٢٢٨/٥، كتاب ((الصوم)) رقم (١٨٩٨). (٣) ((الفتح)) ٢١٨/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٤٩٩٧). (٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٠٢. ٤١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل [المرسلات: ١]؛ أي: الرياح المرسلات وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا للمعروف على أحد التفاسير، قاله في ((العمدة))(١). وقال في ((الفتح)): فيه استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقيّ والمجازيّ؛ لأن الجود من النبيّ وَّر حقيقة، ومن الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جُوداً باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول أجود على المفضَّل عليه نكتة لطيفة، وهي أنه لو أخّره لَظُنّ تعلّقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المرادُ من الوصف من الأجودية، إلا أنه تفوت فيه المبالغة؛ لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح المرسلة مطلقاً. انتهى(٢). [تنبيه]: قيل: الحكمة في كونه ◌َلّ أجود في رمضان أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبيّ وَلَّ يُؤْثِر متابعة سُنَّة الله في عباده، فبمجموع ما ذُكِر من الوقت، والمنزول به، والنازل، والمذاكرة، حَصَل المزيد في الجود، والعلمُ عند الله تعالى، قاله في ((الفتح))(٣). وفي رواية البخاريّ: ((فَلَرسول الله وَلَ أجود بالخير من الريح المرسلة))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فلرسول الله (وَالر ... إلخ)) الفاء سببية، واللام للابتداء، وزيدت على المبتدأ تأكيداً، أو هي جواب قَسَم مقدَّر، والمرسلة؛ أي: المطلقة؛ يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعَبَّر بالمرسلة إشارةً إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهبّ عليه، ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: ((لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه))، وثبتت هذه الزيادة في ((الصحيح)) من حديث جابر نظر اته: ((ما (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٧٥. (٢) ((الفتح)) ٢٢٠/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٤٩٩٧). (٣) ((الفتح)) ٦٩/١، كتاب (بدء الوحي)) رقم (٦). ٤١٣ (١٢) - بَابٌ فِي جُودِهِ لَِّ - حديث رقم (٥٩٩٢) سُئل رسول الله وَله شيئاً فقال: لا)). انتهى (١). وقال الزين ابن الْمُنَيِّر تَخْذَقُ: وجه التشبيه بين أجْوَديته ربَّ هُ بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة، أن المراد بالريح: ريح الرحمة التي يُرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العامّ الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة، وغير الميتة؛ أي: فيعمّ خيره وبرّه مَن هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية، أكثر مما يعم الغيث الناشئ عن الريح المرسلة وَلثور. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٩٢/١٢ و٥٩٩٣] (٢٣٠٨)، و(البخاريّ) في (بدء الوحي)) (٦) و((الصوم)) (١٩٠٢) و((بدء الخلق)) (٣٢٢٠) و(المناقب)) (٣٥٥٤) و((فضائل القرآن)) (٤٩٩٧) و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣٤٦)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (١٢٥/٤) و((الكبرى)) (٢٤٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٠/١ و٢٨٨ و٣٢٦ و٣٦٣ و٣٦٦ و٣٧٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٨٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٤٤٠ و٦٣٧٠)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٠٠/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٥/٤) و((شُعب الإيمان)) (٤١٣/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الجود في كل وقت، ومنها الزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح. ٢ - (ومنها): استحباب زيارة الصلحاء، وأهل الخير، وتكرار ذلك، إذا کان المزور لا یکرهه. (١) ((الفتح)) ٦٩/١، كتاب ((بدء الوحي)) رقم (٦). (٢) ((الفتح)) ٢٣٣/٥، كتاب ((الصوم)) رقم (١٩٠٢). ٤١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٣ - (ومنها): استحباب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار؛ إذ لو كان الذكر أفضل، أو مساوياً لَفَعله النبيّ ◌ََّ، وجبريل ◌ِلَّلا. [فإن قيل]: المقصود تجويد الحفظ. [قلنا]: الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس. ٤ - (ومنها): استحباب مدارسة القرآن، وغيره من العلوم الشرعية في رمضان. ٥ - (ومنها): بيان أنه يجوز أن يقال: رمضان من غير إضافة، وقد اختلف العلماء في ذلك، وقد مال البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) إلى جواز الأمرين، حيث قال: ((باب هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان؟ ومن رأى كلّه واسعاً، وقال النبيّ وَّه: ((من صام رمضان))، وقال: ((لا تَقَدَّموا رمضان)). انتھی . قال في ((الفتح)): أشار البخاريّ بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف، رواه أبو معشر نَجِيح المدني، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان))، أخرجه ابن عديّ في ((الكامل))، وضعّفه بأبي معشر، قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتجّ البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث. انتهى. وقد ترجم النسائيّ لذلك أيضاً، فقال: ((باب الرخصة في أن يقال الشهر رمضان: رمضان))، ثم أورد حديث أبي بكرة مرفوعاً: ((لا يقولنّ أحدكم: صُمْت رمضان، ولا قُمْته كله))، وحديث ابن عباس: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) . وقد يُتَمَسّك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مع احتمال أن يكون حَذْف لفظ شهر من الأحاديث من تصرّف الرواة، وكأن هذا هو السر في عدم جزم البخاريّ بالحكم. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ، وهذا عجيب منه، كيف يقال: إنه من تصرّف الرواة مع كثرة ورود الأحاديث الصحيحة في استعمال ٤١٥ (١٢) - بَابٌ فِي جُودِهِ نَّارِ - حديث رقم (٥٩٩٢) لفظ رمضان؟ فما أخطر هذا المسلك، وأبعده عن الصواب، ولا يخفى مَيْل البخاريّ إلى جوازه لمن تأمل في هذه الترجمة، والأحاديث التي أوردها فيها، فتبصّر بالإمعان، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الموفّق للصواب. قال: ونُقل عن أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم، وكثير من الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يُكره، والجمهور على الجواز. انتهى(١). وقال الفيّوميّ كَذَتُ: رَمَضَانُ: اسم للشهر، قيل: سُمّي بذلك؛ لأن وضعه وافق الرَمَضَ، وهو شدة الحرّ، وجَمْعه رَمَضَانَاتٌ، وأَرْمِضَاءُ، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِينُ، مثلُ شَعَابين، قال بعض العلماء: يُكْرَه أن يقال: جاء رَمَضَانُ، وشِبْهه، إذا أريد به الشهر، وليس معه قرينة تدلّ عليه، وإنما يقال: جاء شَهْرُ رَمَضَانَ، واستَدَلّ بحديث: ((لا تَقُولُوا: رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَلَكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ))، وهذا الحديث ضَعّفه البيهقيّ، وضُعْفُه ظاهر؛ لأنه لم يُنقل عن أحد من العلماء أن رَمَضَانَ من أسماء الله تعالى، فلا يُعمل به، والظاهر جوازه من غير كراهة، كما ذهب إليه البخاريّ، وجماعة من المحققين؛ لأنه لم يصحّ في الكراهة شيء، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على الجواز مطلقاً؛ كقوله وَله: ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ))، متّفقٌ عليه، وقال القاضي عياض: وفي قوله: ((إذا جاء رمضان)) دليل على جواز استعماله من غير لفظ شهر، خلافاً لمن كرهه من العلماء. انتهى(٢). ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس ظًا، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي تُوفي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في ((الصحيح)) عن فاطمة رحُنا، والله أعلم بالصواب. (١) ((الفتح)) ٢٢٨/٥، كتاب ((الصوم)) رقم (١٨٩٨). (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٩/١. ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٧ - (ومنها): أن في قوله: ((أجود بالخير من الريح المرسلة)) جوازَ المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنويّ بالمحسوس؛ ليقرب لِفَهْم سامعه، وذلك أنه أثْبَتَ له أوّلاً وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبّه ◌ُوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك منها؛ لأن الريح قد تسكن. ٨ - (ومنها): أن فيه الاحتراسَ؛ لأن الريح منها العقيم الضارة، ومنها المبشرة بالخير، فوصفها بالمرسلة لِيُعَيِّن الثانية، وأشار إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ الآية [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٍ﴾ الآية [الفرقان: ٤٨]، ونحو ذلك، فالريح المرسلة تستمرّ مدة إرسالها، وكذا كان عمله 18 في رمضان ديمة، لا ینقطع ٩ - (ومنها): بيان تعظيم شهر رمضان؛ لاختصاصه بابتداء نزول القرآن فيه، ثم معارضته ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه، وفي كثرة نزوله من توارد الخيرات والبركات ما لا يحصى. ١٠ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة. ١١ - (ومنها): أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير. ١٢ - (ومنها): استحباب تكثير العبادة في آخر العمر، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم، وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك؛ لزيادة التذكرة والاتعاظ. ١٣ - (ومنها): أن ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مظنة ذلك؛ لِمَا في النهار من الشواغل، والعوارض الدنيوية والدينية، ويَحْتَمِل أنه وَّ كان يَقْسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ كلَّ ليلة جزءاً في جزء من الليلة، والسبب في ذلك ما كان يشتغل به في كل ليلة من سوى ذلك، مِنْ تَهَجُّد بالصلاة، ومِن راحة بَدَن، ومِن تَعاهُد أهل، ولعله كان يعيد ذلك الجزء مراراً بحسب تعدد الحروف المأذون في قراءتها، ولتستوعب بركة القرآن جميع الشهر، ولولا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة، وفي السنة الأخيرة عَرَضه مرتين، لجاز أنه كان يَعرض جميع ما نزل عليه كلّ ليلة، ثم يعيده في بقية الليالي. ٤١٧ (١٢) - بَابٌ فِي جُودِهِ نَ﴿ - حديث رقم (٥٩٩٢) وقد أخرج أبو عبيد من طريق داود بن أبي هند، قال: قلت للشعبيّ: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]، أما كان ينزل عليه في سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض مع النبيّ وَّر في رمضان ما أنزل الله، فيُحْكِم الله ما يشاء، ويُثْبت ما يشاء. قال الحافظ: ففي هذا إشارة إلى الحكمة في التقسيط الذي أشرت إليه لتفصيل ما ذكره من المحكم والمنسوخ. وتؤيده أيضاً الرواية بلفظ: ((فيدارسه القرآن))، فإن ظاهرها أن كلّاً منهما كان يقرأ على الآخر، وهي موافقة لقوله: ((يعارضه))، فيستدعي ذلك زماناً زائداً على ما لو قرأ الواحد، ولا يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿سَتُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ [الأعلى: ٦]، إذا قلنا: إن ((لا)) نافية، كما هو المشهور، وقول الأكثر؛ لأن المعنى: أنه إذا أقرأه فلا ينسى ما أقرأه، ومن جملة الإقراء مدارسة جبريل، أو المراد: أن المنفي بقوله: ﴿فَلَا تَ﴾ النسيان الذي لا ذِكر بعده، لا النسيان الذي يعقبه الذِّكر في الحال، حتى لو قُدِّر أنه نسي شيئاً، فإنه يُذَكِّرِه إياه في الحال. انتهى(١). ١٤ - (ومنها): ما ذكره العينيّ كَُّ على طريقة الأسئلة والأجوبة، فقال: [منها]: ما قيل: إن ههنا أربع جُمَل، فما الجهة الجامعة بينها؟ وأجيب بأن المناسبة بين الجمل الثلاث، وهي قوله: ((كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وفَلَرسول الله وَله ... إلخ)) ظاهرة؛ لأنه أشار بالجملة الأولى إلى أنه وسلم أجود الناس مطلقاً، وأشار بالثانية إلى أن جُوده في رمضان يُفَضَّل على جوده في سائر أوقاته، وأشار بالثالثة إلى أن جوده في عموم النفع والإسراع فيه كالريح المرسلة، وشبَّه عمومه وسرعة وصوله إلى الناس بالريح المنتشرة، وشتان ما بين الأمرين، فإن أحدهما يُحيي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها . وأما المناسبة بين الجملة الرابعة، وهي قوله: ((وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن))، وبين الجملة الباقية، فهي أن جوده وّير الذي في (١) ((الفتح)) ٢٢٠/١١ - ٢٢١. ٤١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل رمضان الذي فُضِّل على جوده في غيره إنما كان بأمرين: أحدهما: بكونه في رمضان، والآخر بملاقاته جبريل ظلَّلهُ، ومدارسته معه القرآن، ولمّا كان ابن عباس رضيها في صدد بيان أقسام جوده وَّة على سبيل تفضيل بعضه على بعض، أشار فيه إلى بيان السبب الموجب لأعلى جوده، وهو كونه في رمضان، وملاقاته جبريل. [فإن قلت]: ما وجه كون هذين الأمرين سبباً موجباً لأعلى جوده وَّ؟. [قلت]: أما رمضان فإنه شهر عظيم، وفيه الصوم، وفيه ليلة القدر، وهو من أشرف العبادات، فلذلك قال الله وم: ((الصوم لي، وأنا أجزي به))، فلا جَرَم يتضاعف ثواب الصدقة، والخير فيه، وكذلك العبادات، وعن هذا قال الزهريّ: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره، وقد جاء في الحديث: ((إن الله تعالى يُعتق فيه كلَّ ليلة ألف ألف عتيق من النار)) (١)، وأما ملاقاة جبريل ظلّ فإن فيها زيادة ترقّيه في المقامات وزيادة اطلاعه على علوم الله تَاله ، ولا سيما عند مدارسته القرآن معه، مع نزوله إليه في كل ليلة، ولم ينزل إلى غيره من الأنبياء - عليهم الصلاة، والسلام - ما نزل إليه وَله. [ومنها]: ما قيل: ما الحكمة في مدارسته القرآن في رمضان؟ . [وأجيب]: بأنها كانت لتجديد العهد واليقين، وقال الكرمانيّ: وفائدة دَرْس جبريلظلَّل: تعليم الرسول وَل بتجويد لفظه، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وليكون سُنَّةً في هذه الأمة؛ كتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم، وأما تخصيصه رمضان، فلكونه موسم الخيرات؛ لأن نِعَم الله تعالى على عباده فيه زائدة على غيره. [ومنها]: ما قيل: المفهوم منه أن جبريل ظلَّ* كان ينزل على النبيّ في كل ليلة من رمضان، وهذا يعارضه ما روي في ((صحيح مسلم)): ((في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ))، وأجيب بأن المحفوظ في مسلم أيضاً مِثْل ما في البخاريّ، ولئن سلّمنا صحة الرواية المذكورة، فلا تعارض؛ لأن معناه بمعنى (١) هذا موضوع، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ كَذَفُ ٤٧٠/١. ٤١٩ (١٢) - بَابٌ فِي جُودِهِ وَّارِ - حديث رقم (٥٩٩٢) الأول؛ لأن قوله: ((حتى ينسلخ)) بمعنى كل ليلة. انتهى(١). ١٥ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): وفي الحديث إطلاق القرآن على بعضه، وعلى معظمه؛ لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر إلى أن مات النبيّ وَّيه في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْعَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾. الآية [المائدة: ٣]، فإنها نزلت يوم عرفة، والنبيّ وَّ بها بالاتفاق، وكأن الذي نزل في تلك الأيام لمّا كان قليلاً بالنسبة لِمَا تقدم اغتُّفِر أمر معارضته، فيستفاد من ذلك أن القرآن يُطلق على البعض مجازاً، ومن ثَمّ لا يحنث من حلف لَيَقْرَ أنَّ القرآن، فقرأ بعضه، إلا إن قَصَد الجمیع. انتهى(٢). [فائدة]: قال في ((الفتح)): اختُلِف في العرضة الأخيرة، هل كانت بجميع الأحرف المأذون في قراءتها، أو بحرف واحد منها؟ وعلى الثاني: فهل هو الحرف الذي جَمَع عليه عثمان جميع الناس، أو غيره؟ وقد رَوَى أحمد، وابن أبي داود، والطبريّ من طريق عبيدة بن عَمْرو السَّلْمانيّ أن الذي جَمَع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة. ومن طريق محمد بن سيرين، قال: ((كان جبريل يعارض النبيّ وَلـ بالقرآن ... )) الحديث نحو حديث ابن عباس، وزاد في آخره: ((فَيَرَون أن قراءتنا أحدث القراءات عهداً بالعرضة الأخيرة)). وعند الحاكم نحوه من حديث سَمُرة، وإسناده حسن، وقد صححه هو، ولفظه: ((عُرض القرآن على رسول الله وَّهُ عَرَضات، ويقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة)). ومن طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: ((أيّ القراءتين تَرَوْن كان آخر القراءة؟ قالوا: قراءة زيد بن ثابت، فقال: لا، إن رسول الله ﴿ ﴿ه كان يَعْرض القرآن كلَّ سنة على جبريل، فلما كان في السنة التي قُبض فيها عَرَضه عليه (١) ((عمدة القاري)) ٧٦/١. (٢) ((الفتح)) ٢١٩/١١. ٤٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مرتين، وكانت قراءة ابن مسعود آخرهما))، وهذا يغاير حديث سمرة، ومَن وافقه . وعند مسدد في ((مسنده)) من طريق إبراهيم النخعيّ أن ابن عباس سمع رجلاً يقول: الحرف الأول، فقال: ما الحرف الأول؟ قال: إن عمر بعث ابن مسعود إلى الكوفة معلّماً، فأخذوا بقراءته، فغيَّر عثمان القراءة، فهم يَدْعُون قراءة ابن مسعود الحرف الأول، فقال ابن عباس: إنه لآخر حرف عَرَض به النبيّ وَّل على جبريل. وأخرج النسائيّ من طريق أبي ظبيان، قال: ((قال لي ابن عباس: أيّ القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأُولى قراءة ابن أم عبد - يعني: عبد الله بن مسعود - قال: بل هي الأخيرة، إن رسول الله (وَل﴿ كان يعرض على جبريل ... )) الحديث، وفي آخره: ((فحضر ذلك ابن مسعود، فعَلِم ما نُسِخ من ذلك، وما بُدِّل))، وإسناده صحيح. قال الحافظ: ويُمكن الجمع بين القولين بأن تكون العرضتان الأخيرتان وقعتا بالحرفين المذكورين، فيصح إطلاق الآخِرية على كل منهما. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٥٩٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، ◌ِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ مُبَارَكٍ) هو: عبد الله بن المبارك المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمِعت فيه خصال الخير [٨] (ت١٨١) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. (١) ((الفتح)) ٢١٩/١١.