Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيَِّ وَهَ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٧٦)
قال في ((الفتح)): والحكمة في الذّوْد المذكور أنه ◌َ له يريد أن يُرشد كل
أحد إلى حوض نبيّه على ما تقدم: أن لكل نبيّ حوضاً، وأنهم يتباهون بكثرة
من يتبعهم، فيكون ذلك من جملة إنصافه ◌ّ* ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه
يطردهم بُخْلاً عليهم بالماء، ويَحْتَمِل أنه يطرد من لا يستحق الشرب من
الحوض، والعلم عند الله تعالى. انتهى(١).
(كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ»)؛ أي: كما تُمنع وتُطرد الإبل التي ليست
لصاحب الحوض، وقال النوويّ كَّلُ: معناه: كما يذود الساقي الناقة الغريبة
عن إبله إذا أرادت الشرب مع إبله. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((كما تذاد الغريبة من الإبل))؛ أي: كما تُظْرَد
الناقة الغريبة من الإبل عن الحوض، إذا أرادت الشرب مع إبله، وعادة الراعي
إذا ساق الإبل إلى الحوض لتشرب أن يطرد الناقة الغريبة، إذا رآها بينهم(٣).
وفيه إباحة منع صاحب الحوض عن حوضه الإبل التي ليست له.
[تنبيه]: قال في ((العمدة)): اختلف في هؤلاء الرجال، فقيل: هم
المنافقون، حكاه ابن التين، وقال ابن الجوزيّ: هم المبتدعون، وقال
القرطبيّ: هم الذين لا سِيمًا لهم من غير هذه الأمة، وذكر قبيصة في ((صحيح
البخاريّ أنهم هم المرتدّون الذين بَدّلوا، وقال ابن بطال:
[فإن قيل]: كيف يأتون غُرّاً، والمرتدّ لا غُرّة له؟.
[فالجواب]: أن النبيّ وَل﴾ قال: ((تأتي كل أمة فيها منافقوها))، وقد قال الله
تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُتَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن ◌ُّرِكُمْ﴾ [الحديد:
١٣] فصحَّ أن المؤمنين يُحشرون، وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا،
حتى يُضْرَب بينهم بسور، والمنافق لا غُرّة له، ولا تحجيل، لكن المؤمنون
سُمُّوا غُرّاً بالجملة، وإن كان المنافق في خلالهم، وقال ابن الجوزيّ:
[فإن قيل]: كيف خَفِي حالهم على النبيّ ◌ََّ، وقد قال: ((تُعْرَض عليّ
أعمال أمتي)»؟.
(١) ((الفتح)) ١٨٠/١٥، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٥٨٥).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٤/١٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢١٠/١٢ - ٢١١.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
[فالجواب]: أنه إنما تُعْرَض أعمال الموحدين، لا المنافقين، والكافرين.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة وظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٧٦/٩ و٥٩٧٧] (٢٣٠٢)، و(البخاريّ) في
(المساقاة)) (٢٣٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٨/٢ و٤٥٤ و٤٦٧)، و(ابن
بشكوال) في ((الذيل على جزء بقيّ بن مَخْلَد)) (١٦٢/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٧٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلّهم ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة عن محمد بن زياد هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُ في
((صحيحه))، فقال:
(٢٢٣٨) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا غُندر، حدّثنا شعبة، عن
محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة رضيبه، عن النبيّ وَّ قال: ((والذي نفسي بيده،
لأَذُودنّ رجالاً عن حوضي، كما تُذاد الغريبةُ من الإبل عن الحوض)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٧٨] (٢٣٠٣) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
قَالَ: ((قَدْرُ(٣) حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ
كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ»).
(١) ((عمدة القاري)) ٢١٠/١٢ - ٢١١.
(٣) وفي نسخة: ((إنَّ قَدْر)).
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢/ ٨٣٤.

٣٨٣
(٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبَِّ وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٧٨)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الجليل ظُه، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين إلى يونس،
والباقيان مدنيّان، وفيه أنس الخادم الشهير، وأحد المكثرين السبعة، وآخر من
بالبصرة، وهو معمّر، مات وقد جاوز المائة
مات من الصحابة
شرح الحدیث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ)
(حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث ابنَ شهاب، قال في ((الفتح)): هذا يدفع تعليل من أعلَّ
الحديث بأن ابن شهاب لم يسمعه من أنس ؛ لأن أبا أويس رواه عن ابن
شهاب، عن أخيه عبد الله بن مسلم، عن أنس، أخرجه ابن أبي عاصم،
وأخرجه الترمذيّ من طريق محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهريّ، عن
أبيه به، قال الحافظ: والذي يظهر أنه كان عند ابن شهاب عن أخيه، عن
أنس، ثم سمعه عن أنس، فإن بين السياقين اختلافاً، وقد ذكر ابن أبي عاصم
أسماء من رواه عن ابن شهاب، عن أنس بلا واسطة، فزادوا على عشرة.
انتهى (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((قَدْرُ) ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((إن قدر))،
(حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - قال في ((الفتح)): هي
مدينة كانت عامرةً، وهي بطرف بحر القُلْزُم، من طرف الشام، وهي الآن
خراب يَمُرّ بها الحاجّ من مصر، فتكون شماليهم، ويمرّ بها الحاج من غَزّة
وغيرها، فتكون أمامهم، ويجلبون إليها الميرة من الكرك، والشوبك، وغيرهما
يتلقون بها الحاجّ ذهاباً وإياباً، وإليها تُنسب الْعَقَبة المشهورة عند المصريين،
(١) ((الفتح)) ١٧٧/١٥، رقم (٦٥٨٠).

٣٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وبينها وبين المدينة النبوية نحو الشهر بِسَيْر الأثقال، إن اقتصروا كلَّ يوم على
مرحلة، وإلا فدون ذلك، وهي من مصر على أكثر من النصف من ذلك، ولم
يُصِب من قال من المتقدمين: إنها على النصف مما بين مصر ومكة، بل هي
دون الثلث، فإنها أقرب إلى مصر، ونقل عياض عن بعض أهل العلم أن أيلة
شِعْب من جبل رضوى الذي في ينبع، وتُعُقّب بأنه اسم وافق اسْماً، والمراد
بأيلة في الخبر: هي المدينة الموصوفة آنفاً، وقد ثبت ذِكرها في ((صحيح مسلم))
في قصة غزوة تبوك، وفيه: أن صاحب أيلة جاء إلى رسول الله وَله، وصالحه.
وتقدم لها ذِكْر أيضاً في ((كتاب الجمعة)).
(وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ) إنما قَيَّد في هذه الرواية باليمن احترازاً من صنعاءَ
التي بالشام، والأصل فيها صنعاء اليمن، لَمّا هاجر أهل اليمن في زمن
عمر ظوته عند فتوح الشام، نزل أهل صنعاء في مكان من دمشق، فسُمّي باسم
بلدهم، فعلى هذا فـ((مِنْ)) في قوله في هذه الرواية: ((من اليمن)) إن كانت
ابتدائية فيكون هذا اللفظ مرفوعاً، وإن كانت بيانية، فيكون مُدْرَجاً من قول
بعض الرواة، والظاهر أنه الزهريّ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الإدراج هنا مما لا دليل عليه، فالذي
يظهر أنه مرفوع كلّه، ومما يؤيّد ذلك أنه وقع في ((صحيح ابن حبّان)) بلفظ:
((كما بين أيلة إلى صنعاء اليمن)) بالإضافة، فتبصّر بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ)))، وتقدّم في حديث ابن عمر:
((فيه أباريق كنجوم السماء))، وفي حديث أبي ذرّ نَظُه: ((لآنيته أكثر من عدد
نجوم السماء وکواکبها)).
[تنبيه]: قال النوويّ في ((شرحه)): وقع في بعض النُّسخ: ((كما)) بالكاف،
وفي بعضها: ((لما)) باللام، و(كعدد)) بالكاف، وفي بعضها: ((لعدد نجوم
السماء)) باللام، وكلاهما صحيح. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره النووي من اختلاف النُّسخ هنا لم أره
لغيره، وفي تصحيحه الجميع نَظَر لا يخفى، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٧٧/١٥، رقم (٦٥٨٠).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٤/١٥.

٣٨٥
(٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَ لَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٧٩)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌ُبه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٧٨/٩] (٢٣٠٣)، و(البخاريّ) في ((الرقاق))
(٦٥٨٠ و٦٥٨٢)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٤٢)، و(ابن ماجه) في
((الزهد)) (٤٣٥٩ و٤٣٦٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٥/٣)، و(ابن أبي
عاصم) في ((السُّنَّة)) (٧١١ و٧١٢ و٧١٣)، و(البيهقيّ) في ((البعث والنشور))
(١٢١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٧٩] (٢٣٠٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم
الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صِّهَيْبٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنَاً
أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ، مِمَّنْ صَاحَبَنِي،
حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ، وَرُفِعُوا إِلَيَّ، اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي،
أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ ◌ِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدََ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِمَ الصَّفَّارُ) البصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (وُهَيْبُ) - بالتصَّغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغيّر قليلاً بأَخَرَةٍ [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
٤ - (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ - بموحّدة، ونونين - البصريّ، ثقةٌ
[٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
و «أنس بن مالك»
ذُکر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه،

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
فبغداديّ، ومسلسلٌ بالتحديث والسماع، وفيه أنس بن مالك
فيه في الحديث الماضي.
سبق القول
مضرعنه
شرح الحديث:
عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َتْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ
قَالَ: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْخَوْضَ رِجَالٌ، مِمَّنْ صَاحَبَنِي) بيان لـ((رجال))، ولفظ البخاريّ:
(لَيَرِدنّ عليّ ناسٌ من أُصيحابيّ الحوضَ حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني)). (حَتَّى
إِذَا رَأَيْتُهُمْ، وَرُفِعُوا إِلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول، (اخْتُلِجُوا) بالبناء للمفعول أيضاً؛
أي: اقتُطعوا، وأُخرجوا من بين الواردين. (دُونِي)؛ أي: قبل وصولهم إليّ،
(فَلْأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ) ((أي)) حرف نداء للبعيد، ولكن هنا مستعمل للقريب؛
لأن الله رَكْ قريب ممن دعاه، كما قال ريك: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ
قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، و(ربّ)) منادى يجوز تثليث
بائه المشدّد، وقد تقدّم أن فيه ستّ لغات، فلا تغفل. (أُصَيْحَابِي، أُصَيْحَابِي)
بالتصغير مكرّراً، ووقع في رواية عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: ((فأقول:
أصحابي)) مكبَّراً دون تكرار، وهو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هؤلاء أصيحابي.
وقال النوويّ تَظُّهُ: وأمّا قوله: ((أصيحابي)) فوقع في الروايات مُصغّراً
مُكرّراً، وفي بعض النسخ: ((أصحابي، أصحابي)) مُكَبَّراً مُكرّراً، قال القاضي:
هذا دليل لصحة تأويل من تأول أنهم أهل الرِّدّة، ولهذا قال فيهم: ((سُحْقاً
سُحْقاً))، ولا يقول ذلك في مذنبي الأمة، بل يَشفع لهم، ويهتمّ لأمرهم، قال:
وقيل: هؤلاء صنفان: أحدهما: عصاةٌ مرتدون عن الاستقامة، لا عن الإسلام،
وهؤلاء مُبَدِّلون للأعمال الصالحة بالسيئة، والثاني: مرتدون إلى الكفر حقيقةً،
ناكصون على أعقابهم، واسم التبديل يشمل الصنفين. انتهى (١).
(فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي)؛ أي: لا تعلم (مَا) موصولة مفعول ((تدري))
(أَحْدَثُوا بَعْدَكَ))) هذا يشمل الرّة عن الإسلام، والرّة عن سنّته المطهّرة، من
إحداث البدع، والشركيّات، وكلّ ما هو مضادّ لشريعته وَلّ.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٤/١٥ - ٦٥.

٣٨٧
(٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٨٠)
وفي حديث أبي هريرة: ((إنهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى))، وفي رواية
له: «فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك،
فأقول: سُحْقاً سُحْقاً))؛ أي: بُعْداً بُعْداً، والتأكيد للمبالغة، وفي حديث أبي
سعيد: ((فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غَيَّر
بعدي))، وزاد في رواية عطاء بن يسار: ((فلا أراه يَخْلُص منهم إلا مثل همل
النعم (١))، ولأحمد، والطبرانيّ من حديث أبي بكرة رفعه: (ليردنّ عليّ الحوض
رجال ممن صحبني، ورآني))، وسنده حسن، وللطبراني من حديث أبي الدرداء
نحوه، وزاد: ((فقلت: يا رسول الله ادع الله أن لا يجعلني منهم، قال: لست
منهم))، وسنده حسنٌ، قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٧٩/٩ و٥٩٨٠] (٢٣٠٤)، و(البخاريّ) في
((الرقاق)) (٦٥٨٢)، و(أبو داود) في ((سننه)) (٤٧٤٧)، و(النسائيّ) في ((المجتبى))
(١٣٣/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٠٢/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/
٣٦٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ، جَمِيعاً عَنٍ
الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْقُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَزَادَ: ((آنِيَتُهُ عَدَدُ
النُّجُومِ»).
(١) قوله: ((همل النعم)) بفتح الهاء والميم، وهو ما يُترك مُهملاً، لا يُتَعَهَّد ولا يرعى
حتى يضيع، ويهلك؛ أي: لا يخلص منهم من النار إلا قليل. قاله في ((عمدة
القاري)) ١٤٢/٢٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٥/١١.

٣٨٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) - بضم المهملة، وسكون الجيم - ابن إياس السَّعْديّ
المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقةٌ، حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ
الكوفيّ قاضي الموصل، ثقةٌ، [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُل) - بفاءين مضمومتين، ولامين، الأُولى ساكنة - مولی
عمرو بن حُريث، صدوق، لَه أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في ((الإيمان) ٣٥٨/٦٣.
والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن فُضيل)) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان.
[تنبيه]: رواية المختار بن فُلْفُل عن أنس رضيُبه هذه ساقها ابن أبي
شيبة دَخْذَلُ في ((مصنّفه))، فقال:
(٣٧١٧٨) - حدّثنا عليّ بن مُسْهِر، عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن
مالك، قال: قال لي رسول الله وَلير: (الكوثر نهر وعدني ربي، عليه خير كثير،
هو حوضي، تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فَيُخْتَلَج العبد منهم،
فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: لا تدري ما أحدث بعدك)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨١] (٢٣٠٣) (٢) - (وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، وَهُرَيْمُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللَّفْظُ لِعَاصِم - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ
وَالْمَدِينَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) ابن المنتشر الأحول التيميّ، أبو عُمر
البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم
في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٥٠/٢٦.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٧/ ٤٥٥.
(٢) مكرّر.

٣٨٩
(٩) - بَابُ إِثْبَاتٍ حَوْضٍ نَبَِّ فََّ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٨٢)
٢ - (هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن الْفُرات الأسديّ، أبو حمزة البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٥) على الصحيح (م) من أفراد المصنّف، تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٤/٥٥.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطفيل، ثقةٌ،
من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني
تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت٢٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي ... إلخ) الناحية: الجانب، فاعلة بمعنى
مفعولة؛ لأنك نَحَوتها؛ أي: قصدتها، قاله الفيّوميّ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حدیثین.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا
هِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو
عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا شَكَّا، فَقَالَا:
((أَوْ مِثْلَ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ))، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً: ((مَا بَيْنَ لَابَتَيْ حَوْضِي))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الْحَمّال البزاز،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم، التَّنُّوريّ
- بفتح المثناة، وتثقيل النون المضمومة - أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة
[٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر، بمهملة، ثم نون، ثم موحّدة، وزانُ
جعفر، أبو بكر البصريّ الدَّسْتوائيّ، بفتح الدال، وسكون السين المهملتين،
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
وفتح المثناة، ثم مَدّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله
ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ،
أبو عليّ الخلال الْحُلْوانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت١٤٢)
(خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٥ - (أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٢٧) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٣.
٦ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ ... إلخ) ضمير التثنية لهشام الدستوائيّ، وأبي
عَوَانة .
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل حديث سليمان التيميّ عن قتادة، عن
أنس هڅته.
وقوله: (مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ) بفتح العين المهملة، وتشديد الميم: بلد
بالأردنّ، وهو عاصمتها اليوم.
وقوله: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْ حَوْضِي)؛ أي: جانبيه، استعارة للجانب وسَعَته
باللابة، وأصله من لابتي المدينة: وَادٍ عليه يلوب العطاش - أي: يدورون -
للشرب، أفاده عياض(١).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: لابتا الحوض: جانباه اللذان من خارجه حيث يكون
شدّة الحرّ والعطش، وأصل اللابة: الحرّة، وهي أرض أُلبست حجارةً سوداء.
انتھی(٢).
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد تَظُّ في
((مسنده))، فقال:
(١٣٣١٨) - حدّثنا عبد الوهاب، قال: أنا هشام، عن قتادة، عن أنس بن
(١) ((مشارق الأنوار)) ٣٦٥/١.
(٢) ((المفهم)» ٩٨/٦.

٣٩١
(٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبِيِّنَا وَّهِ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٨٣ - ٥٩٨٤)
مالك، أن نبيّ الله وَالر قال: ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة،
أو مثل ما بين المدينة وعَمَّان))، شك هشام. انتهى(١).
وأما رواية أبي عوانة عن قتادة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
الرُّزُِّّ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ:
قَالَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ: ((تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) - براء مضمومة، ثم زاي ثقيلة - أبو جعفر
البغداديّ، ثقةٌ يَهِمُ [١٠] (ت٢٣١) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الجهاد
والسِّيَر)) ٢٧ / ٤٦٠١.
٣ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٤ - (سَعِيدٌ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختَلَطَ، وكان من أثبت الناس في
قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ((تُرَى فِيهِ ... إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: تُرى في الحوض.
والحديث تقدّم البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى،
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّهِ قَالَ مِثْلَهُ، وَزَادَ:
((أَوْ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ»).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢١٩/٣.

٣٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وقد تقدّم الإسناد نفسه في هذا الباب قبل تسعة أحاديث.
[تنبيه]: رواية شيبان بن عبد الرحمن النحويّ عن قتادة هذه ساقها الإمام
أحمد تَخّْثُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال:
(١٣٥٢١) - حدّثنا حسن بن موسى، ثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن
قتادة، قال: ثنا أنس بن مالك، أن نبيّ الله وَ له قال: ((يُرَى فيه أباريق الذهب
والفضة، كعدد نجوم السماء، أو أكثرُ من عدد نجوم السماء)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨٥] (٢٣٠٥) - (حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ،
حَدَّثَنِي أَبِي - رَحِمَهُ اللهُ - حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ خَيْئَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَِّ قَالَ: ((أَلَا إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ
بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ؛ كَأَنَّ الأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ) أبو هَمّام بن أبي بدر الکوفيّ، نزیل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) على الصحيح (م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧٧/ ٤٠٢.
[تنبيه]: قوله: ((السَّكُونيّ)) - بفتح السين المهملة، وضمّ الكاف -: نسبة
إلى السَّكُون، وهو بطنٌ من كِندة، وهو السَّكون بن أشرس بن ثور، وهو كِندة،
قاله في ((اللباب))(٢).
٢ - (أَبُوهُ) شجاع بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ، أبو بدر الكوفيّ، صدوقٌ،
وَرِعٌ، له أوهام [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الصيد والذبائح)) ٧/ ٥٠٢٣.
٣ - (زِيَادُ بْنُ خَيْئَمَةَ) الجعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، ونعيم بن أبي هند، وسعد بن مجاهد
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٣٨/٣.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٢٤/٢ - ١٢٣.

٣٩٣
(٩) - بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضٍ نَبَِّ لَهُ، وَصِفَاتِهِ - حديث رقم (٥٩٨٥)
الطائيّ، وسماك بن حرب، وعطية الْعَوْفيّ، ومجاهد، وثابت البنانيّ،
والأسود بن سعيد، وجماعة.
وروى عنه أبو خيثمة الجعفيّ، وهشيم، وأبو بدر، ومحمد بن الْمُعَلَّى
الکوفيّ، نزیل الريّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال
أبو داود: زياد بن خيثمة قَرَابة زهير ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الحدیث.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ الكوفيّ، أبو
المغيرة، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وقد تغيّر بأَخَرَة، فكان
ربما تَلَقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة - بضم الجيم، بعدها نون - السُّوَائيّ
- بضم المهملة، والمدّ ـ الصحابي ابن الصحابي ﴿ه، نزل الكوفة، ومات بها
بعد سنة سبعين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ) ◌ِّهَا (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ) أنه (قَالَ: ((أَلَا) أداة
استفتاح وتنبيه، (إِنَّ) بكسر الهمزة وجوباً؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في
«الخلاصة» :
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(فَرَطٌ) بفتحتين؛ أي: متقدّم (لَكُمْ)؛ أي: لأجل مصلحتكم، (عَلَى
الْحَوْضِ، وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ)؛ أي: صنعاء اليمن، كما
سبق التصريح به، (وَأَيْلَةَ) البلدة المعروفة بين مصر والشام، (كَأَنَّ الأَبَارِيقَ فِيهِ
النُّجُومُ)))؛ أي: في الكثرة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿ًّ هذا من أفراد
المصنّف رَّلهُ .

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٨٥/٩ و٥٩٨٦] (٢٣٠٥)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٣٠٥/٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧٣/٤)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١٩٨/٢) و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٥/١٣)، و(ابن أبي عاصم)
في ((السُّنَّة)) (٣٤٣/٢) و(الآحاد والمثاني)) (١٢٨/٣)، و(بقيّ بن مَخْلَد) في
((الحوض والكوثر)) (٩٤/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِنَّهِ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنيّ، أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أصله
من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ، يَهِم [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٢ - (الْمُهَاجِرُ بْنُ مِسْمَارٍ) الزهريّ، مولى سعد المدنيّ، ثقة(١) [٧] (م ت
فق) تقدم في ((الإمارة)) ٤٧٠٣/١.
٣ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف تَخْذُهُ، وهو
مختصر، وقد تقدّم للمصنّف في ((كتاب الإمارة)) أن ساقه مطوّلاً، فقال:
[٤٧٠٣/١] (١٨٢٢) - (حدّثنا قتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة،
قالا: حدّثنا حاتم، وهو ابن إسماعيل، عن المهاجر بن مِسمار، عن عامر بن
(١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): مقبول، كما مرّ بيانه في هذا الشرح، فتنبّه.

(١٠) - بَابُ إِكْرَامِ الله ◌َيْ نَبِيَّهُ بَّهِ بِقِتَالِ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُ - حديث رقم (٥٩٨٧)
٣٩٥
سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أن
أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ◌َّي، قال: فكتب إليّ: سمعت رسول الله وَلحوم
يوم جمعة، عشيةَ رُجِمَ الأسلميّ يقول: ((لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة،
أو يكون عليكم اثنا عشر خليفةً، كلهم من قريش))، وسمعته يقول: ((عُصيبة من
المسلمین یفتتحون البيت الأبيض، بیت کسری، أو آل كسرى))، وسمعته يقول:
((إن بين يدي الساعة كذابين، فاحذروهم))، وسمعته يقول: ((إذا أعطى الله
أحدكم خيراً، فليبدأ بنفسه، وأهل بيته))، وسمعته يقول: ((أنا الفَرَط على
الحوض)). انتهى.
وقد استوفيت شرحه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ إِكْرَامِ الله رَكْ نَبِّهُ بِهِ بِقِتَالِ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٨٧] (٢٣٠٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ،
وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ
عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، مَا
رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ - يَعْنِي: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، عَلَيْهِمَا السَّلامُ -).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، وُلِّي
قضاء المدينة، وكان ثقةً، فاضلاً، عابداً [٥] (ت١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن
اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: له
رؤية، وسماعه من عمر أثبته يعقوب بن شيبة [٢] (ت٥ أو ٩٦) (خ م د س ق)
تقدم في ((الجهاد والسِّيَر)) ٤٥٥٩/١٣.
٣ - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات نظُّه بالعقيق سنة خمس
وخمسين، على المشهور (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و((أبو أسامة)) هو: حمّاد بن أُسامة،
و((مِسعر)) هو: ابن كِدَام.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن
تابعيّ: سعد عن إبراهيم، وفيه أن صحابيّه ظُه أحد العشرة المبشرين بالجنّة،
وأول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله، وهو آخر العشرة وفاةً، ومناقبه كثيرة نظُّته.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص ◌َّهِ أنه (قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ لاَّال،
وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ) - بضمّتين - أي: يوم غزوة أُحُد، وكانت الوقعة في أوائل
شوّال سنة ثلاث من الهجرة. (رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ) بالرفع صفة
لـ «ثيابٌ))، على حذف مضاف؛ أي: ذات بياض، وهذا الضبط هو الذي في
النسخة الهنديّة بضبط القلم حيث رفعهما جميعاً، ووقع في غيرها: ((ثيابُ
بياضٍٍ)) بالإضافة بضبط القلم أيضاً، فيكون من إضافة الصفة إلى الموصوف،
على حذف مضاف أيضاً؛ أي: ذات بياض، ووقع في شرح الأبيّ بلفظ:
(ثيابٌ بِيضٌ))، وهو الواقع في الرواية التالية، فيكون بكسر الموحّدة جَمْع
أبيض، وهو صفة أيضاً، والله تعالى أعلم.
قال سعد رَظُه: (مَا) نافية، (رَأَيْتُهُمَا)؛ أي: الرجلين المذكورين (قَبْلُ،
وَلَا بَعْدُ) ببنائهما على الضمّ؛ لِقَطْعهما عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: قبل
ذلك اليوم، ولا بعده، وفي رواية الطيالسيّ عن إبراهيم بن سعد: ((لم أرهما
قبل ذلك اليوم، ولا بعده)). انتهى(١).
وقوله: (يَعْنِي: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ - عَلَيْهِمَا السَّلامُ -) العناية من بعض
الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، أراد بذلك تفسير الرجلين بأنهما هما الملَكان
(١) ((الفتح)) ١٣٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٥٤).

٣٩٧
(١٠) - بَابُ إِكْرَامِ الله وَكْ نَبِيَّهُ لَهُ بِقِتَالِ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُ - حديث رقم (٥٩٨٧)
المشهوران: جبريل، وميكائيل بَلَّه. قال في ((الفتح)): ولم يُصب من زعم أن
أحدهما إسرافيل. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ظـ
هذا متّفق عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٨٧/١٠ و٥٩٨٨] (٢٣٠٦)، و(البخاريّ) في
(المغازي)) (٤٠٥٤) و((اللباس)) (٥٨٢٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢/
٨٩)، و(الدورقيّ) في ((مسند سعد)) (٧٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٧١/١
و١٧٧)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (١٤١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٩٨٧)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١٨٥/١)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة))
(٢٥٥/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أكرم الله ◌ُعَلَ نبيّه ◌َ﴿ بإنزال الملائكة تقاتل معه،
وتدافع عنه.
٢ - (ومنها): بيان أن الملائكة تقاتل مع المسلمين؛ إكراماً لهم، وتكثيراً
لجيوشهم، وتقويةً لقلوبهم، وإرعاباً لقلوب أعدائهم.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان أن قتالهم لم يختصّ بيوم بدر، وهذا هو
الصواب، خلافاً لمن زعم الاختصاص به، فهذا صريح في الردّ عليه، قاله
النوويّ ◌َُّهُ(٢).
٤ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الثياب البيض، وأنها لباس الملائكة الذين
نَصَروا رسول الله مَ له يوم أحد وغيره، وكان ◌َّهُ يلبس البياض، ويَحُضّ على
لباسه، ويأمر بتكفين الأموات فيه، فقد أخرج أصحاب ((السنن))، عن ابن
عباس ﴿يًّا أن رسول الله وَالر قال: ((الْبَسُوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير
(١) ((الفتح)) ٢٩٨/١٣، رقم (٥٨٢٦)
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٥.

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم))، قال الترمذيّ: حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن
حبان، والحاكم.
٥ - (ومنها): بيان أن الملائكة تتشكّل بصورة بني آدم، وتُرى حقيقةً
بخلاف صورتها الأصليّة.
٦ - (ومنها): أن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء، بل يراهم الصحابة،
والأولياء.
٧ - (ومنها): أن فيه منقبةً لسعد بن أبي وقاص رظُله حيث رأى الملَكين،
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: رؤية سعد رضيُّه لهذين الملكين في ذلك اليوم كرامة من الله
تعالى، خصَّه بها، كما قد خصَّ عمران بن حصين ظًّا بتسليم الملائكة عليه،
وأُسيد بن حُضير برؤية الملائكة الذين تنزّلوا لقراءة القرآن، وقتال الملائكة
للكفار يوم بدر، ويوم أحد لم يَخرُج عن عادة القتال المعتاد بين الناس، ولو
أَذِن الله تعالى لملَك من أولئك الملائكة بأن يَصيح صيحة واحدة في عسكر
العدوّ لهلكوا في لحظة واحدة، أو لخسف بهم موضعهم، أو أسقط عليهم
قطعة من الجبل المطلّ عليهم، لكن لو كان ذلك لصار الخبر عياناً، والإيمان
بالغيب مشاهدة، فيبطل سرّ التكليف، فلا يتوجَّه لوم، ولا تعنيف، كما قد
صرَّح الله تعالى بذلك قولاً وذكراً؛ إذ قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ◌َايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا
إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ
عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينٍ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ِّ، وَعَنْ يَسَارِهِ
رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ؛ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ، وَلَا
بَعْدُ).
(١) ((المفهم)) ١٠١/٦.

٣٩٩
(١١) - بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِّ ◌َه، وَتَقَدُّمِهِ لِلْحَرْبِ - حديث رقم (٥٩٨٩)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَأَشَدِّ الْقِتَالِ) الكاف فيه زائدة، قاله الكرمانيّ، وتعقّبه العينيّ،
فقال: بل هي للتشبيه؛ أي: كأشدّ قتال بني آدم. انتهى (١).
والحديث من أفراد المصنّف تَخْلُهُ، وقد مضى البحث فيه مستوفّى فيما
قبله، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾
(١١) - (بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِّ وَّهِ، وَتَقَدُِّهِ لِلْحَرْبِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٥٩٨٩] (٢٣٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ،
وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ
أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ رَاجِعاً،
وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ، عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ،
وَهُوَ يَقُولُ: ((لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا))، قَالَ: ((وَجَدْنَاهُ بَحْراً، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ))، قَالَ:
وَكَانَ فَرَساً يُبَطَّأُ).
(١) ((عمدة القاري)) ١٤٨/١٧.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) ابن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو
زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتُ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧) وقيل:
بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود البصريّ، ثم البغداديّ، تقدّم
قبل باب.
٤ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حُسين الْجَحْدريّ البصريّ، تقدّم أيضاً قبل
باب.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) البصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (ثَابِتُ) بن أسلم البُنَانيّ، تقدّم قريباً.
٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَؤُه تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخَُّهُ، وهو (٤٦١) من رباعيّات الكتاب، وأنَّ
له فيه أربعةً من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، وأدائه، ثم فرّق
بينهم؛ لاختلافهم في ذلك، كما بيّناه غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير
يحيى، فنيسابوريّ، وسعيد، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وفيه أنس ظُه تقدّم الكلام
فيه قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَله أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ النَّاسِ)؛
أي: أحسنهم خَلْقاً، وخُلُقاً، (وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ)؛ أي: أكثرهم بذلاً لِمَا يَقْدِر
عليه، (وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ)؛ أي: أكثرهم إقداماً مع عدم الفرار، قال في
((الفتح)): واقتصار أنس به على هذه الأوصاف الثلاث من جوامع الكلم؛
لأنها أمهات الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاثَ قُوَى: أحدها: الغضبية،