Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (٥) - بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َه مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْمِ - حديث رقم (٥٩٣٨) الخطابيّ: وقال بعضهم: ((أحادب))، بالحاء المهملة، والدال، قال: وليس بشيء، قال: وقال بعضهم: ((أجارد))، بالجيم، والراء، والدال، قال: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية، قال الأصمعيّ: الأجارد من الأرض ما لا ينبت الكلأ، معناه: أنها جرداء بارزة، لا يسترها النبات، قال: وقال بعضهم: إنما هي ((إخاذات) بالخاء، والذال المعجمتين، وبالألف، وهو جمع إخاذة، وهي الغدير الذي يمسك الماء، وذكر صاحب ((المطالع)) هذه الأوجه التي ذكرها الخطابيّ، فجعلها روايات منقولة، وقال القاضي في ((الشرح)): لم يَرِدْ هذا الحرف في مسلم، ولا في غيره إلا بالدال المهملة، من الجدب الذي هو ضِدّ الْخِصْب، قال: وعليه شَرَح الشارحون. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((إخاذات))، كذا في رواية أبي ذَرّ بكسر الهمزة، والخاء، والذال المعجمتين، وآخره مثناة من فوقُ، قبلها ألف، جمع إخاذة، وهي الأرض التي تُمسك الماء، وفي رواية غير أبي ذرّ، وكذا في مسلم وغيره: ((أجادب)) بالجيم، والدال المهملة، بعدها موحّدةٌ: جمع جَدْب بفتح الدال المهملة، على غير قياس، وهي الأرض الصلبة التي لا يَنْضُب منها الماء، وضَبَطه المازريّ(٢) بالذال المعجمة، وَوَهَّمه القاضي، ورواها الإسماعيليّ عن أبي يعلى، عن أبي كريب: ((أحارب)) بحاء وراء مهملتين، قال الإسماعيليّ: لم يضبطه أبو يعلى، وقال الخطابيّ(٣): ليست هذه الرواية بشيء، قال: وقال بعضهم: ((أجاره)) بجيم، وراء، ثم دال مهملة: جَمْع جرداء، وهي البارزة التي لا تُنْبت، قال الخطابيّ: هو صحيح المعنى، إن ساعدته الرواية، وأغرب صاحب ((المطالع))، فجعل الجميع روايات، وليس في ((الصحيحين)) سوى روايتين فقط، وكذا جزم القاضي(٤). انتهى(٥). (أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ)؛ أي: بتلك الأجادب؛ أي: بمائها الذي أمسكته، وللأصيلي ((به))؛ أي: بالماء. (فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا) قال أهل (١) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٥. (٣) ((الأعلام)) ١٩٨/١. (٢) ((المعلم)) ١٢٣/٣. (٤) ((مشارق الأنوار)) ١/ ١٤٢. (٥) ((الفتح)) ٣٠٨/١ - ٣٠٩، كتاب ((العلم)) رقم (٧٩). ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل اللغة: سقى، وأسقى بمعنى لغتان، وقيل: سقاه: ناوله ليشرب، وأسقاه: جعل له سُقْيا(١). (وَرَعَوْا) قال النوويّ تَخُّْهُ: بالراء من الرعي، هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، ووقع في البخاريّ: ((وزرعوا))، وكلاهما صحیح. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): فيه حذف المفاعيل من قوله: ((فشربوا، وسقوا، وزرعوا))؛ لكونها معلومةً، ولأنها فضلة في الكلام، والتقدير: فشربوا من الماء، وسقوا دوابهم، وزرعوا ما يصلح للزرع. انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((وزرعوا)) كذا له بزيادة زاي، من الزرع، ووافقه أبو يعلى، ويعقوب بن الأخرم، وغيرهما، عن أبي كريب، ولمسلم، والنسائيّ، وغيرهما، عن أبي كريب: ((ورَعَوْا)) بغير زاي، من الرعي، قال النوويّ: كلاهما صحيح، ورجّح القاضي رواية مسلم بلا مرجح؛ لأن رواية (زرعوا)) تدل على مباشرة الزرع؛ لِتُطابِقَ في التمثيل مباشرةً طلب العلم، وإن كانت رواية ((رَعَوا)) مطابقة لقوله: ((أنبتت))، لكن المراد أنها قابلة للإنبات، وقيل: إنه رُوي: (وَوَعَوْا)) بواوين، ولا أصل لذلك، وقال القاضي: قوله: ((وَرَعَوْا)) راجع للأُولى؛ لأن الثانية لم يحصل منها نبات. انتهى. قال الحافظ: ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضاً، بمعنى أن الماء الذي استقرّ بها سُقيت منه أرض أخرى، فأنبتت. انتهى (٤). (وَأَصَابَ)؛ أي: الماء (طَائِفَةً مِنْهَا)؛ أي: قطعة من الأرض، ووقع في بعض النُّسخ: ((وأصاب منها طائفة)) (أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) بكسر القاف: جمع القاع، وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في الحديث، قال في ((العمدة)): أصل قيعان: قِوْعان، قُلبت الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها، والقاع يُجمع أيضاً على أَفْوُع، وأقواع، والقِيعة بكسر القاف: بمعنى القاع. انتهى(٥). (١) ((عمدة القاري)) ٧٨/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١٥. (٣) ((عمدة القاري)) ٧٩/٢. (٤) ((الفتح)) ٣٠٨/١ - ٣١٠، كتاب ((العلم)) رقم (٧٩). (٥) ((عمدة القاري)) ٧٨/٢. ٢٦٣ (٥) - بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ وَّهِ مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْم - حديث رقم (٥٩٣٨) وقال المجد تَخْذَّتُهُ: القاع: أرض سهلةٌ مُظْمَئِنَّةٌ، قد انفرجت عنها الجبال، والآكام، جمعه: قِيعٌ، وقِيعَةٌ، وقِيعانٌ، بكسرهنّ، وأقواٌ، وأَقْوُعٌ. انتهى(١). (لَا تُمْسِكُ مَاءَ، وَلَا تُنْبِتُ كَلاَ) قال القرطبيّ تَظُّ عند قوله: ((وأصاب طائفة أخرى)) ما نصّه: هذا مَثَل للطائفة الثالثة التي بلغها الشرع، فلم تؤمن، ولم تقبل، وشبّهها بالقيعان السَّبخة التي لا تقبل الماء في نفسها، وتفسده على غيرها، فلا يكون منها إنبات، ولا يحصل بما حصل فيها نفع، و((القيعان)): جمع قاع، وهو ما انخفض من الأرض، وهو الْمُسْتَنْفَع أيضاً، وهذا يعم ما يفسد فيه الماء، وما لا يفسد، لكن مقصود الحديث: ما يفسد فيه الماء. (٢) انتھی(٢). (فَذَلِكَ) الفاء فيه تفصيلية، و((ذلك)) إشارة إلى ما ذكر من الأقسام الثلاثة، وهو في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: (مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ) قال النوويّ ◌َُّهُ: رُوي هنا بالوجهين: بالضم، والكسر، والضم أشهر، وقال في ((العمدة)): الفقه: الفهم، يقال: فَقِه بكسر القاف، كفَرِح يَفْرَح، وأما الفقه الشرعيّ، فقالوا: يقال منه: فَقُّه بضم القاف، وقال ابن دريد: بكسرها، والمراد به ههنا هو الثاني، فتضم القاف على المشهور، وعلى قول ابن دريد تُكسر. انتهى (٣). (فِي دِينِ اللهِ) متعلّق بـ(فقه))، (وَنَفَعَهُ اللهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) هكذا في النسخة الهنديّة، فيكون ذِكْر لفظ الجلالة ثانياً من باب الإظهار في مقام الإضمار للتلذّذ، ووقع في معظم النسخ، ووقع في بعض النسخ: ((ونفعه بما بعثني الله به))، ولفظ البخاريّ: ((ونفعه ما بعثني الله به))، وهي واضحة، فـ((ما)) موصولة فاعل ((نفعه))، وعلى ما في معظم النسخ فيكون ((نفع))، و((بعث)) تنازعا لفظ الجلالة، أو الباء زائدة في الفاعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِالَِّ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]، و((ما)) هي الفاعل. (فَعَلِمَ) بفتح العين، وكسر اللام ثلاثيّاً؛ أي: صار عالِماً لنفسه، (وَعَلَّمَ) بفتحِ العين، وتشديد اللام؛ أي: علّم غيره، قال القرطبيّ: هذا مثال الطائفة الأُولى. (وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ) بالبناء للفاعل، (١) ((القاموس المحيط)) ص١١٠٤. (٣) ((عمدة القاري)) ٧٨/٢. (٢) ((المفهم)) ٦/ ٨٤. ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (بِذَلِكَ)؛ أي: بما بعثه الله به، (رَأْساً) كناية عن عدم قبوله، وقال في ((العمدة)): قوله: ((من لم يرفع بذلك رأساً))؛ يعني: تكبّر، يقال ذلك، ويراد به أنه لم يلتفت إليه من غاية تكبّره. انتهى(١). (وَلَمْ يَقْبَلْ) بالبناء للفاعل أيضاً، (هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، قال القرطبيّ: هذا مثال الطائفة الثالثة، وسكت عن الثانية، إما لأنها قد دخلت في الأُولى بوجه؛ لأنَّها قد حصل منها نَفْع في الدِّين، وإمَّا لأنه أخبر بالأهمّ، فالأهمّ، وهما الطائفتان المتقابلتان: العليا، والسفلى، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). قال النوويّ كَُّهُ: معنى الحديث، ومقصوده تمثيل الهدى الذي جاء به * بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس. فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر، فَيَحْيَى بعد أن كان ميتاً، ويُنبت الكلأ، فينتفع بها الناس، والدوابّ، والزرع، وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس يَبْلُغه الهدى، والعلم، فيحفظه، فيحيا قلبه، ويعمل به، ويعلّمه غيره، فينتفع، وينفع. والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس، والدوابّ، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل، يستنبطون به المعاني، والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة، والعمل به، فهم يحفظونه، حتى يأتي طالبٌ محتاجٌ متعطّشٌ لِمَا عندهم من العلم، أهل للنفع، والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. والنوع الثالث من الأرض: السِّباخ التي لا تُنبت، ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تُمسكه لينتفع بها غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه (١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٠. (٢) ((المفهم)) ٨٤/٦. ٢٦٥ (٥) - بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْم - حديث رقم (٥٩٣٨) لِنَفْع غيرهم، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٣٨/٥] (٢٢٨٢)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٧٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٧/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٩/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٧/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٦/١٣)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٤٩/٨)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٣٦٨/١)، و(الرامهرمزيّ) في ((الأمثال)) (ص٢٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ضرب الأمثال لتوضيح العلم، وتسهيل وصوله إلى أفهام الناس. ٢ - (ومنها): فضل العلم والتعليم، وشدّة الحثّ عليهما. ٣ - (ومنها): ذم الإعراض عن العلم، وعدم الاشتغال بتحصيله. ٤ - (ومنها): بيان انقسام الناس فيما أتى به النبيّ وَّر من الهدى والعلم، فمنهم المؤمن به، والمنتفع لنفسه، والنافع لغيره، ومنهم المنتفع لنفسه، ولم يصل إلى درجة أن ينتفع به الناس، ومنهم المُعْرِضِ المُذْبِر، الذي أنزل الله تعالى فيه، وفي أمثاله قوله: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَثُنَا وَلَّى مُسْتَكًِْا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىّ أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ [لقمان: ٧]، وقوله: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِتَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَيَّ أَدْبَرِهِمْ [الإسراء: ٤٦]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ (٤٦) نُفُورًا لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمِّى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. (١) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ٤٧ - ٤٨. ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل ٥ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ كَثْتُهُ: في الحديث إشعار بأن الاستعدادات ليست مكتسبةً، بل هي مواهب ربّانيّة، يختصّ بها من يشاء، وكمالها أن يُفيض الله رَك عليها من المشكاة النبويّة، فإذا وُجِد من يشتغل بغير الكتاب والسُّنَّة، وما والاهما عُلم أن الله تعالى لم يُرد به خيراً، فلا يُعبأ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو الذي عَلِمَ، وعَمِلَ، ثم عَلَّم، وأن فاقد أحدهما فاقد لهذا الاسم، وأن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعمله، كما يفيدهم بعلمه، ولو أفاد بالعمل فحسب لم يَحظ منه بطائل؛ كأرض معشبة لا ماء فيها، فلا يمرأ مرعاها، ولو اقتصر على القول لأشبه السقي مجرّداً عن الرعي، فيشبه أخذه المستسقي، ولو منعهما معاً كان كأرض ذات ماء وعشب حماها بعض الظلمة عن مستحقّيها، كما قال [من الطويل]: وَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْماً أَضَاعَهُ وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ(١) (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في المَثَل المضروب في هذا الحديث : قد تقدّم ما قاله النوويّ كَّثُ في ((شرحه))، وقال القرطبيّ كَّتُهُ: مقصود هذا الحديث ضَرْبُ مَثَل لِمَا جاء به النبيّ ◌ََّ من العلم والدِّين، ولمن جاءهم بذلك، فشبّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك يُحييهم، ويُغيثهم، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة؛ فمنهم: العالم العامل المعلّم، فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شَرِبت، فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها. ومنهم الجامع للعلم، الحافظ له، المستغرق لزمانه في جَمْعه ووعيه؛ غير أنه لم يتفرغ للعمل بنوافله، ولا ليتفقه فيما جَمَع، لكنه أدَّاه لغيره كما سمعه، فهذا بمنزلة الأرض الصَّلبة التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء، فيشربون ويَسقون، وهذا القسم: هو الذي قال فيه النبيّ وَّ: («نضَّر الله امرءاً سمع مني حديثاً، فبلَّغه غيره، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه))(٢) . (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٨/٢. (٢) حديث صحيح، رواه أحمد ١/ ٤٣٧، والترمذيّ (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢). ٢٦٧ (٥) - بَابُ بَيَانٍ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَِّيُّ ◌َه مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْمِ - حديث رقم (٥٩٣٨) لا يقال: فتشبيه هذا القسم بهذه الأرض التي أمسكت على غيرها، ولم تشرب في نفسها يقتضي ألا تكون عملت بما لزمها من العلم ولا من الدِّين، ومن لم يقم بما وجب عليه من أمور الدِّين، فلا يُنسب للعلماء، ولا للمسلمين؛ لأنَّا نقول: القيام بالواجبات ليس خاصّاً بالعلماء، بل: يستوي فيها العلماء، وغيرهم، ومن لم يقم بواجبات عِلْمه كان من الطائفة الثالثة التي لم تشرب، ولم تُمسك؛ لأنَّه لمّا لم يعمل بما وجب عليه لم ينتفع بعلمه، ولأنه عاص، فلا يصلح للأخذ عنه. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ وغيره: ضرب النبيّ وَّ لِمَا جاء به من الدين مَثَلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت، فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيما جَمَع، لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء، فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: ((نضر الله امرأ سمع مقالتي، فأداها كما سمعها))، ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه، ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السَّبْخَة، أو الملساء التي لا تقبل الماء، أو تفسده على غيرها، وإنما جَمَع في المَثَل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين؛ لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة؛ لعدم النفع بها، والله أعلم. قال الحافظ: ثم ظهر لي أن في كل مَثَل طائفتين، فالأول قد أوضحناه، والثاني الأُولى منه مَن دخل في الدين، ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به، ولم يعلّمه، ومثالها من الأرض: السباخ، وأشير إليها بقوله ◌َسير: ((من لم يرفع بذلك رأساً))؛ أي: أعرض عنه، فلم ينتفع به، ولا نفع، والثانية منه من لم يدخل في الدين أصلاً، بل بلغه، فكفر به، ومثالها من الأرض: الصمّاء (١) ((المفهم)) ٦/ ٨٣ - ٨٤. ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل الملساء المستوية التي يمر عليها الماء، فلا تنتفع به، وأشير إليها بقوله وقلقه: «ولم يقبل هدى الله الذي جئت به)). وقال الطيبيّ: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، ولم يعلّمه غيره، والثاني من لم ينتفع به في نفسه، وعلّمه غيره. قال الحافظ: والأول داخل في الأول؛ لأن النفع حصل في الجملة، وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تُنبته الأرض، فمنه ما ينتفع الناس به، ومنه ما يصير هشيماً، وأما الثاني فإن كان عَمِل الفرائض، وأهمل النوافل، فقد دخل في الثاني، كما قررناه، وإنْ تَرَك الفرائض أيضاً فهو فاسق، لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم: ((من لم يرفع بذلك رأساً))، والله أعلم. (١) انتھی(١). وقال في ((العمدة)): قال الخطابيّ: هذا مَثَل ضُرِب لمن قَبِل الهدى، وعَلِم، ثم عَلَّم غيره، فنفعه الله، ونفع به، ومن لم يقبل الهدى، فلم ينفع بالعلم، ولم ينتفع به. قال العينيّ: فعلى هذا لم يجعل الناس على ثلاثة أنواع، بل على نوعين. وقال الطيبيّ(٢): القسمة الثنائية هي المنصورة، وذلك أن ((أصاب منها طائفةً)) معطوف على ((أصاب أرضاً))، والضمير في ((منها)) يرجع إلى مطلق الأرض المدلول عليه بقوله: ((أرضاً))، ثم قُسمت الأرض الأولى - بحرف التعقيب في ((فكانت))، وعطف ((كانت))، على ((كانت)) - قسمين، فليزم اشتمال الأرض الأُولى على الطائفة الطيّبة، وعلى الأجادب، والثانية على عكسها، فالواو في و((كانت)) ضمّت وِتْراً إلى وتر، وفي ((وأصابت)) شفعاً إلى شفع، ﴿ وَلَا اُلُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ( [فاطر: ١٩، ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]. (١) ((الفتح)) ٣١٠/١ - ٣١١، كتاب ((العلم)) رقم (٧٩). (٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٧/٢ - ٦١٨. ٢٦٩ (٥) - بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَِّّلَه مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْمِ - حديث رقم (٥٩٣٨) قال في ((الكشّاف))(١): الفرق بين عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين أن الإناث والذكر جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بُدّ من توسطة العاطف بينهما، وأما العطف الثاني، فمن عَظْف الصفة على الصفة بحرف الجمع، وكأن معناه أن الجامعين والجامعات بهذه الطاعات أعدّ الله لهم. فالحاصل: أنه قد ذُكِر في الحديث الطرفان: العالي في الاهتداء، والعالي في الضلال، فعبّر عمن قَبِل هدى الله والعلم بقوله: ((فقه))، وعمن أبى قبولها بقوله: ((لم يرفع بذلك رأساً))؛ لأن ما بعدها، وهو: نَفَعه ... إلى آخره، في الأول، ولم يقبل هدى الله إلى آخره في الثاني عطفُ تفسيريّ لـ (فقه))، ولقوله: ((لم يرفع))، وذلك لأن الفقيه هو الذي عَلِم، وعَمِل، ثم عَلَّم غيره، وترك الوسط، وهو قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، فَحَسْب، والثاني الذي لم ينتفع هو بنفسه، ولكن نَفَع غيره. وقال المظهري في ((شرح المصابيح)): اعلم أنه ذَكَر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين: أحدهما مَنْ فقه، ونفع الغير، والثاني من لم يرفع به رأساً، وإنما ذكره كذلك؛ لأن القسم الأول، والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد، من حيث إنه ينتفع به، والثاني هو ما لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان: من يقبل، ومن لا يقبل، وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: من ينتفع به، ومن لا ينتفع، وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به، ولم يبلغ درجة الإفادة، ومنهم من يقبل، ويبلّغ، ومنهم من لا يقبل. وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل لفظ الحديث تثليث القسمة في الناس أيضاً، بأن يقدّر قبل لفظة (نفعه)) كلمة ((مَنْ)) بقرينة عطفه على ((من فقه))، كما في قول حسان عَبْه [من الوافر]: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَخُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ إذا تقديره: ومن يمدحه، وحينئذ يكون الفقيه بمعنى العالم بالفقه مثلاً في (١) راجع: ((الكشّاف)) ٢٣٦/٣. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل مقابلة الأجادب، والنافع في مقابلة النقية، على اللفّ والنشر غير المرتَّبِ، ومن لم يرفع في مقابلة القِيعان. [فإن قلت]: لِمَ حَذَف لفظة مَنْ؟. [قلت]: إشعاراً بأنهما في حكم شيء واحد؛ أي: في كونه ذا انتفاع في الجملة، كما جَعَل للنقية والأجادب حكماً واحداً، ولهذا لم يَعطف بلفظ أصاب في الأجادب. انتهى. وقال النوويّ: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع، فكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر، فتحيى بعد أن كانت ميتة، وتُنبت الكلأ، فينتفع به الناس، والدواب، والنوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم، فيحفظه، ويَحيى قلبه، ويعمل به، ويعلّمه غيره، فينتفع، وينفع، والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع به الناس، والدوابّ، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أذهان ثاقبة، ولا رسوخَ لهم في العلم، يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس لهم اجتهاد في العمل به، فهم يحفظونه، حتى يجيء أهل العلم للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم، والثالث من الأرض هو السباخ التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه؛ لِنَفْع غيرهم، الأول المنتفع النافع، والثاني النافع غير المنتفع، والثالث غير النافع، وغير المنتفع، فالأول إشارة إلى العلماء، والثاني إلى النَّقَلَة، والثالث إلى من لا علم له، ولا عقل. قال العينيّ: الصواب مع الطيبيّ؛ لأن تقسيم الأرض، وإن كان ثلاثة بحسب الظاهر، ولكنه في الحقيقة قسمان؛ لأن النوعين محمودان، والثالث مذموم، وتقسيم الناس نوعان: أحدهما ممدوح، أشار إليه بقوله: ((مثل من فقه في دين الله تعالى ... إلخ))، والآخر مذموم، أشار إليه بقوله: ((ومثل من لم يرفع بذلك رأساً»، وما ذكره الكرمانيّ تعسّف، وهذا التقدير الذي ذكره غير سائغ في الاختيار، وباب الشعر واسع، وأيضاً يلزمه أن يكون تقسيم الناس ٢٧١ (٦) - بَابُ شَفَقَتِهِ وَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٣٩) أربعة: الأول قوله: ((مثل من فقه في دين الله تعالى))، والثاني قوله: ((ونفعه ما بعثني الله به)) على قوله، والثالث قوله: ((ومثل من لم يرفع بذلك رأساً))، والرابع: ((ولم يقبل هدى الله)). انتهى كلام العينيّ تَظّهُ(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٦) - (بَابُ شَفَقَتِهِ نَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَغْفُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٩] (٢٢٨٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ﴿ قَالَ: ((إِنَّ مَثَلِي، وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانٌّ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ، وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي، وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه. شرح الحديث: (عَنْ بُرَيْدٍ) بموحّدة، مصغّراً ابن عبد الله، (عَنْ) جدّه (أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ◌َظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ) أنه (قَالَ: ((إِنَّ مَثَلِي) - بفتح الميم، والمثلثة - والْمَثَلُ: الصفة العجيبة الشأن، (١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٨٠. ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل يُورِدُها البليغ على سبيل التشبيه؛ لإرادة التقريب، والتفهيم(١)، وقال الطيبيّ: أي صفتي وصفة ما بعثني الله به من الأمر العجيب الشأن، كصفة رجل أتى قوماً وشأنه. انتهى(٢). (وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) حذف منه الصلة، والتقدير: إليكم. (كَمَثَلِ رَجُلِ أَتَّى قَوْمَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((أتى قوماً))، والتنكير فيه للشيوع، (فَقَالَ: يَا قَوْمٌ) بكسر الميم، وفتحها، ويجوز ضمها على قلّة، وأصله: يا قومي، وهكذا شأن المنادى الصحيح الآخر إذا أضيف إلى ياء المتكلّم؛ فإن فيه ستّ لغات، ذكر الخمسة منها ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا والسادس: ضَمُّ الاسم المنادى بعد حذف الياء، وهو قليل(٣). (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ) - بالجيم، والشين المعجمة - واللامُ فيه للعهد؛ أي: جيش العدوّ، (بِعَيْنَيَّ) يَحْتَمل أن يكون بالإفراد، ويَحْتَمِل أن يكون بالتثنية، بفتح النون، وتشديد الياء، قيل: ذَكَر العينين إرشاداً إلى أنه تحقق عنده جميع ما أخبر عنه تحقّقَ من رأى شيئاً بعينه، لا يعتريه وَهْمٌ، ولا يخالطه شك. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا ضَرْبُ مَثَل لحاله ◌َّ في الإنذار، ولأحوال السَّامعين لإنذاره، فإنَّه أنذرهم بما عَلِمه من عقاب الله، وبما يتخوف عليهم من فجأته، فمن صدَّقه نجا، ومن أعرض عنه هلك، وهذا بخلاف التمثيل في الحديث الماضي، فإنَّ ذلك بالنسبة إلى تحصيل العلم والانتفاع به، وإلى الإعراض عنه، فهما مَثَلان مختلفان. انتهى (٤). (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ) قال الطيبيّ تَخْذُ: هذا مثلٌ سائل يُضرب لشدّة الأمر، ودنوّ المحذور، وبراءة المحذّر عن التهمة، وأصله أن الرجل إذا رأى العدوّ قد هَجَم على قومه، وأراد أن يُفاجئهم، وكان يخشى لُحوقهم عند لحوقه تجرّد عن ثوبه، وجعله على رأس خشبة، وصاح؛ ليأخذوا حَذَرهم، ويستعدّوا (١) ((الفتح)) ٦٣١/١٤، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٨٢). (٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢/ ٦١٢. (٣) راجع: ((شرح ابن عقيل، مع حاشية الخضريّ)) في باب النداء ١٢٣/٢. (٤) ((المفهم)) ٨٥/٦. ٢٧٣ (٦) - بَابُ شَفَقَتِ وَ ﴿ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٣٩) قبل لحوقهم. انتهى(١). وقال النوويّ: قال العلماء: أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه، وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه، وأشار به إليهم، إذا كان بعيداً منهم؛ ليخبرهم بما دَهَمَهُم، وأكثر ما يفعل هذا رَبِيئة القوم، وهو طليعتهم، ورقيبهم، قالوا: وإنما يَفعل ذلك؛ لأنه أبْيَن للناظر، وأغرب، وأشنع منظراً، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدوّ، وقيل: معناه أنا النذير الذي أدركني جيش العدوّ، فأخذ ثيابي، فأنا أنذركم عرياناً. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قال ابن بطال كَّلُ: النذير العريان رجل من خَتْعم، حَمَل عليه رجل يوم ذي الْخَلَصة، فقطع يده، ويد امرأته، فانصرف إلى قومه، فحذرّهم، فضُرِب به المَثَل في تحقيق الخبر. قال الحافظ: وسبق إلى ذلك يعقوب بن السِّكِّيت وغيره، وسَمَّى الذي حَمَل عليه عوف بن عامر اليشكريّ، وأن المرأة كانت من بني كنانة. وتُعُقّب باستبعاد تنزيل هذه القصة على لفظ الحديث؛ لأنه ليس فيها أنه كان عرياناً، وزعم ابن الكلبيّ أن النذير العريان امرأة من بني عامر بن كعب لَمّا قَتَل المنذر بن ماء السماء أولاد أبي داود، وكان جار المنذر، خَشِيت على قومها، فَرَكِبت جملاً، ولَحِقَت بهم، وقالت: أنا النذير العريان. ويقال: أول من قاله أبرهة الحبشيّ لمّا أصابته الرَّمْية بتهامة، ورجع إلى اليمن، وقد سقط لحمه. وذكر أبو بشر الآمديّ أن زنبراً - بزاي، ونون ساكنة، ثم موحّدة - ابن عمرو الخثعميّ كان ناكحاً في آل زُبيد، فأرادوا أن يغزوا قومه، وخَشُوا أن يُنذر بهم، فحرسه أربعة نفر، فصادف منهم غِرَّةً، فقذف ثيابه، وعدا، وكان من أشدّ الناس عَدْواً، فأنذر قومه. وقال غيره: الأصل فيه أن رجلاً لقي جيشاً، فسلبوه، وأسروه، فانفلت إلى قومه، فقال: إني رأيت الجيش، فسلبوني، فرأوه عرياناً، فتحققوا صِدْقه؛ (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٢/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤٨/١٥. ٢٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل لأنهم كانوا يعرفونه، ولا يتهمونه في النصيحة، ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقه لهذه القرائن، فضَرَب النبيّ وَّ لنفسه، ولِمَا جاء به مَثَلاً بذلك؛ لِمَا أبداه من الخوارق، والمعجزات الدالة على القطع بصدقه؛ تقريباً لأفهام المخاطبين بما يألفونه، ويعرفونه. قال الحافظ: ويؤيده ما أخرجه الرامهرمزيّ في ((الأمثال))، وهو عند أحمد أيضاً بسند جيّد، من حديث عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، قال: خرج النبيّ وَّل ذات يوم، فنادى ثلاث مرّات: أيها الناس مَثَلي ومَثَلكم مَثَل قوم خافوا عدوّاً أن يأتيهم، فبعثوا رجلاً يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدوّ، فأقبل ليُنذر قومه، فخشي أن يُدركه العدوّ قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس أُتيتم، ثلاث مرات. وأحسن ما فُسِّر به الحديث من الحديث. وهذا كله يدلّ على أن العريان من التعري، وهو المعروف في الرواية، وحَكَى الخطابيّ أن محمد بن خالد رواه بالموحّدة، قال: فإن كان محفوظاً، فمعناه الفصيح بالإنذار، لا يَكْنِي، ولا يُوَرِّي، يقال: رجل عريان؛ أي: فصيح اللسان. انتهى (١). (فَالنَّجَاءَ) بالمدّ مصدر نجا: إذا أسرع، يقال: ناقة ناجيةٌ؛ أي: مسرعةٌ، ونَصَبه على المصدر؛ أي: انجوا النجاءَ، أو على الإغراء، قاله الطيبيّ كَذْتُهُ(٢). وقال النوويّ: قال القاضي: المعروف في ((النجاء)) إذا أُفرد المدّ، وحَكَى أبو زيد فيه القَصْر أيضاً، فإذا ما كَرَّروه فقالوا: ((النجاء النجاء)) ففيه المدّ والقصر معاً. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): ((فالنجاء، النجاء)): هو بالمدّ فيهما، وبمدّ الأولى، وقَصْر الثانية، وبالقصر فيهما؛ تخفيفاً، وهو منصوب على الإغراء؛ أي: اطلبوا النجاء، بأن تسرعوا الْهَرَب؛ إشارةً إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش. قال الطيبيّ نَّتُهُ: في كلامه أنواع من التأكيدات: أحدها: ((بعيني))، (١) ((الفتح)) ٦٣٢/١٤ - ٦٣٣، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٨٢). (٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢/ ٦١٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ٤٩/١٥. ٢٧٥ (٦) - بَابُ شَفَقَتِهِ نَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٣٩) ثانيها: قوله: ((وإني أنا))، ثالثها: قوله: ((العريان))؛ لأنه الغاية في قرب العدوّ، ولأنه الذي يختصّ في إنذاره بالصدق. (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ) كذا بالتذكير فيه؛ لأن المراد: بعض القوم (مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا) بهمزة قطع، ثم سكون؛ أي: ساروا أوّلَ الليل، أو ساروا الليل كله، على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة، وأما بالوصل، والتشديد، على أن المراد به سير آخر الليل، فلا يناسب هذا المقام(١). قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله وَله: ((فأدلجوا)): بإسكان الدال، ومعناه: ساروا من أول الليل، يقال: أدلجت بإسكان الدال إِذْلاجاً؛ كأكرمت إكراماً، والاسم الدَّلْجة، بفتح الدال، فإن خرجت من آخر الليل قلت: ادَّلَجتُ، بتشديد الدال، أَذَلِج ادِّلاجاً، بالتشديد أيضاً، والاسم: الدُّلْجة، بضم الدال، قال ابن قتيبة وغيره: ومنهم من يُجيز الوجهين في كلّ واحد منهما. انتهى(٢). (فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ) بضم الميم، وسكون الهاء، وفتح اللام؛ أي: على هِينتهم، ولفظ البخاريّ: ((على مهلهم)) بفتحتين، والمراد به الهِيْنة، والسكون، وبفتح أوله، وسكون ثانيه: الإمهال، وليس مراداً هنا، قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ: قوله: ((على مهلتهم)) هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، بضم الميم، وإسكان الهاء، وبتاء بعد اللام، وفي ((الجمع بين الصحيحين)): ((مَهَلهم)) بحذف التاء، وفتح الميم، والهاء، وهما صحيحان. انتهى (٣). (وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) قال الطيبيّ تَخُّْهُ: عَبَّر في الفرقة الأولى بالطاعة، وفي الثانية بالتكذيب؛ لِيُؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق، ويُشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان. (فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ)؛ أي: أغار عليهم العدوّ وقت الصباح، وقال في ((العمدة)): ((فصبّحهم الجيش))؛ أي: أَتَوْهم صباحاً، هذا أصله، ثم استُعْمِل فيمن يَطْرُقُ بغتةً، في أيّ وقت كان. انتهى(٤). (١) ((الفتح)) ١٤/ ٦٣٣، كتاب ((الرقاق)) رقم (٦٤٨٢). (٢) ((شرح النوويّ)) ٤٩/١٥. (٤) ((عمدة القاري)) ٧٦/٢٣. (٣) (شرح النوويّ)) ٤٩/١٥. ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل (فَأَهْلَكَهُمْ، وَاجْتَاحَهُمْ) - بجيم، ثم حاء مهملة - أي: استأصلهم، من جُحْتُ الشيءَ أَجُوحُه: إذا استأصلته، والاسم: الجائحة، وهي الهلاك، وأُطلقت على الآفة؛ لأنها مُهلكة، قال الطيبيّ: شبّه وَّ نفسه بالرجل، وإنذارَهُ بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبِّح، وشَبّه من أطاعه من أمته، ومن عصاه بمن كذّب الرجل في إنذاره، ومَن صَدَّقه. (فَذَلِكَ مَثَلُ)؛ أي: صفة (مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي، وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ تَخّْتُهُ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٣٩/٦] (٢٢٨٣)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٤٨٢) و((الاعتصام)) (٧٢٨٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة)) (٣٦٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٩٥)، و(الرامهرمزيّ) في ((الأمثال)) (ص١٩ - ٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة ضرب الأمثال في التعليم؛ لإيضاح المسألة، وإيصالها إلى أذهان السامعين. ٢ - (ومنها): بيان ما قام به النبيّ وَّهِ في الدعوة إلى الله تعالى من الجِدِّ والاجتهاد، والعزم والحزم؛ امتثالاً لقوله رَ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]. ٣ - (ومنها): بيان انقسام الناس في دعوته وّل﴿ على قسمين: قِسْم أهل سعادة، استجابوا له، فآمنوا به، وصدّقوه، وقِسْم أهل شقاوة، أعرضوا عنه، وكذّبوه، واتبعوا الشياطين، وأهوائهم. ٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ كَّلُهُ: هذا التشبيه الذي ذُكر في هذا الحديث من التشبيهات المفرّقة، شبّه * ذاته بالرجل، وما بعثه الله من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش الْمُصَبِّح، وشبّه من أطاعه ٢٧٧ (٦) - بَابُ شَفَقَتِ نَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٤٠) من أمته، ومن عصاه بمن كذّب الرجل في إنذاره وصَدَّقه، وفي قول الرجل: ((أنا النذير ... إلخ)) أنواع من التأكيد، أحدها: ((بعيني))؛ لأن الرؤية لا يكون إلا بها، وثانيها: قوله: ((وأنا))، وثالثها: قوله: ((العريان))، فإنه دالّ على بلوغ النهاية في قرب العدوّ، وفي ذلك تنبيه على أنه الذي يختصّ في إنذاره بالصدق الذي لا شبهة فيه، وهو الذي يحرص جدّاً على خلاص قومه من الهلاك، قال في القرينة الأولى: ((فأطاعني))، وقابله في الثانية: ((بكذّب))؛ ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق، ويُشعر أن التكذيب مستتبع للعصيان؛ كأنه جَمَع في كلّ من الفقرتين بين المعنَيَيْن، وإلى المعنيين أشار بقوله ويليه: ((من أطاعني)) إلى آخره، وأتبع قوله: ((فاجتاحهم)) قوله: ((وأهلكهم))؛ إعلاماً بأنه أهلكهم عن آخرهم، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، قال التوربشتيّ: ذِكْر المَعْنَيْن إرشاد إلى أنه نَِّ تحقّق عنده جميع ما أخبر عنه تحقّق من رأى شيئاً بعينه، لا يعتريه وهمٌّ، ولا يخالطه شكّ. انتهى كلام الطيبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٩٤٠] (٢٢٨٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي، كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَفَخَّمُونَ فِيهِ (٢))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثَّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام - بحاء مهملة، وزاي - الحزاميّ المدني، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٢/٢ - ٦١٣. (٢) وفي نسخة: ((تقحّمون فيها)). ٢٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في «الطهارة» ٦٥٣/٢٦. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، كنيته أبو عبد الرحمن المدنيّ، وأبو الزناد لقبه، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٣/٢٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدَّوْسيّ الصحابي الجليل، حافظ الصحابة ◌َّه، اختلف في اسمه، واسم أبيه على عدّة أقوال، تقدّمت في ((شرح المقدّمة))، والمشهور أنه عبد الرحمن بن صخر، وهو قول الأكثرين، وذهب جَمْع من النسّابين إلى أنه عمرو بن عامر، مات سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنیین، سوی شیخه، وقد دخل المدينة؛ للأخذ عن مشايخها، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة نظنه أحفظ من روى الحديث في عصره، وفيه أنه مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة رضيپته. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((إِنَّمَا مَثَلِي، وَمَثَلُ أُمَّتِي)؛ أي: في دعائي الناسَ إلى الإسلام المنقِذ لهم من النار، ومَثَلُ ما تُزَيِّن لهم أنفسهم، من التمادي على الباطل، (كَمَثَلِ رَجُلٍ ... إلخ) والمراد تمثيل الجملة بالجملة، لا تمثيل فرد بفرد، قاله في (الفتح)) (١). " (اسْتَوْقَدَ نَاراً)؛ أي: أوقدها، وزيادة السين والتاء للإشارة إلى أنه عالج إيقادها، وسعَى في تحصيل آلاتها، ووقع في حديث جابر الآتي: ((مثلي، ومثلكم، كمثل رجل أوقد ناراً))، وزاد رواية همام الآتية: ((فلما أضاءت ما حوله)). (فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ) كالبرغوث، والبعوض، ونحوهما، وقوله: (وَالْفَرَاشُ) من عطف الخاصّ على العامّ، وهو (١) ((الفتح)) ٤٢/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٦). ٢٧٩ (٦) - بَابُ شَفَقَتِهِ نَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمُبَالَفَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ - حديث رقم (٥٩٤٠) بفتح الفاء، والشين المعجمة: معروفٌ، ويُطلق الفراش أيضاً على غَوْغاء الجراد الذي يَكْثُر، ويتراكم، وقال في ((المحكم)): الفَرَاش: دوابّ مثل البعوض، واحدتها فراشةٌ، وقد شبّه الله تعالى الناس في المحشر بالفراش المبثوث؛ أي: في الكثرة والانتشار، والإسراع إلى الداعي، قاله في ((الفتح)). وقال في موضع آخر: قوله: ((الفراش)) جزم المازريّ بأنها الجنادب، وتعقبه عياض، فقال: الجندب هو الصرار، قلت(١): والحقّ أن الفراش اسم النوع من الطير، مستقلّ، له أجنحة أكبر من جثته، وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر، وكذا أجنحته، وعطف الدواب على الفراش يشعر بأنها غير الجنادب، والجراد، وأغرب ابن قتيبة، فقال: الفراش ما تهافت في النار، من البعوض، ومقتضاه أن بعض البعوض هو الذي يقع في النار، ويُسَمَّى حينئذ الفراش، وقال الخليل: الفراش كالبعوض، وإنما شبَّهه به؛ لكونه يُلقي نفسه في النار، لا أنه يشارك البعوض في القرص. انتهى. (يَقَعْنَ فِيهِ)؛ أي: فيما أوقده، وفي رواية: ((يقعن فيها))؛ أي: في النار. (فَأَنَا آخِذٌ) قال النوويّ تَخْلُهُ: رُوي باسم الفاعل، ويروى بصيغة المضارعة من المتكلم، وقال الطيبيّ: الفاء فيه فصيحيّة؛ كأنه لما قال: ((مثلي، ومثل الناس ... إلخ))، أتى بما هو أهمّ، وهو قوله: ((فأنا آخذ بحجزكم))، ومن هذه الدقيقة التفت من الغَيبة في قوله: ((ومثل الناس)) إلى الخطاب في قوله: ((بحجزكم)) كما أن من أخذ في حديث من له بشأنه عناية، وهو مشتغل في شيء يورطه في الهلاك، يجد لشدة حرصه على نجاته أنه حاضر عنده. (بِحُجَزِكُمْ) بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها زاي: جمع حُجْزة، وهي مَعْقِد الإزار، ومن السراويل موضع التِّكّة، ويجوز ضم الجيم في الجمع. (وَأَنْتُمْ تَقَخَّمُونَ) بفتح المثناة، والقاف، والمهملة المشدّدة، والأصل: تتقحمون، فحذفت إحدى التاءين، وفي بعض النسخ: ((وأنتم تقتحمون))، وقوله: (فِیهِ)؛ أي: فيما استوقده، وفي بعض النسخ: ((فيها))؛ أي: في النار. وحاصل هذا التمثيل: أنه شبّه تهافت أصحاب الشهوات في المعاصي (١) القائل: صاحب ((الفتح)). ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل التي تكون سبباً في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع في النار؛ اتّباعاً لشهواتها، وشبّه ذَبّه العصاةَ عن المعاصي بما حَذّرهم به، وأنذرهم بذبّ صاحب النار الفَرَاشَ عنها . وقال عياض: شَبَّه تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفَرَاش في نار الدنيا . وقال الطيبيّ: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يَتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وذلك أن حدود الله محارمه، ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: ((ألا إن حمى الله محارمه))، ورأس المحارم حبّ الدنيا، وزينتها، واستيفاء لذتها، وشهواتها، فشبَّه وَلّ إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية، من الكتاب، والسُّنَّة باستنقاذ الرجال من النار، وشبّه فُشُوّ ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبّه الناس، وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعدّيهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات، ومَنْعِه وَّ إياهم عن ذلك بأخذ حُجَزهم بالفراش التي تقتحمن في النار، ويغلبن المستوقد على دفعهنّ عن الاقتحام، وكما أن المستوقد كان غَرَضه من فِعْله انتفاع الخلق به، من الاستضاءة، والاستدفاء، وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سبباً لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة، واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لتردّهم، وفي قوله: ((آخذ بحجزكم)) استعارة، مَثَّلت حالة مَنْعه الأُمَّةَ عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحجزة صاحبه الذي يكاد يهوي في مَهْواة مُهلكة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظلبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٦١٤/٢ - ٦١٥.