Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(١) - بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِّلَّهِ وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٢٣)
هَدَوْهُ، وهذا قَوْلُ مَعْرُوفٍ بِنِ خَرَّبُوذَ، أَوْ سُمِّيَتْ بِمُصَغَرِ القِرْشِ، وهِيَ دَابَّةٌ
بَحْرِيَّةٌ تَخَافُهَا دَوَابُّ البَحْرِ كُلُّها، وقِيلَ: إِنّهَا سَيِّدةُ الدّوابُ، إِذا دَنَتْ وَقَفَت
الدَّوابُ، وإِذا مَشَتْ مَشَتْ، وكَذلِكَ قُرَيْشٌ ساداتُ النّاسِ جاهِلِيَّةً وإِسْلَاماً،
وهذا القَوْلُ نَقَلَه الزُّبَيْرُ بنُ بَكّارٍ بسَنَدِه عن ابنِ عَبّاسٍ، وأَنْشَدَ قَوْلَ المُشَمْرِجِ
الحِمْيَرِيّ [من الخفيف]:
وقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا
أَو سُمِّيَتْ بِقُرَيْشِ بنِ مَخْلَدِ بنِ غالِبٍ بنِ فِهْرٍ، وكانَ صاحِبَ عِیرِهم،
فكانُوا يَقُولُون: قَدِمَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ، وخَرَجَتْ عِيْرُ قُرَيْشٍ، فَلُقِّبُوا بِذلِكَ. وقال
السُّهَيْلِيُّ - في ((مُبهَمِ القُرْآنِ)) في آلِ عِمْران عِنْدَ ذِكْرٍ بَدْرٍ -: هُوَ أَبُو بَدْرٍ، وهُوَ
ابنُ قُرَيْشِ بنِ الحَارِثِ بن يَخْلُدَ بنِ النَّضْرِ، وكَانَ قُرَيْشٌ أَبُوهُ دَلِيلاً بَينَ فِهْرِ بنِ
مالكِ في الجاهلية، فكانت عِيرُهم إِذا وَرَدَتْ بَدْراً يقال: قد جاءَت عِيرُ قُرَيْشٍ،
يُضِيفُونَهَا إِلى الرّجُلِ، حَتَّى ماتَ، وبَقِيَ الاِسْمُ، فهذِهِ ثَمانِيَةُ أَوْجُهِ، ذَكَرها في
سَبَبٍ تَلْقِيبِ النّصْرِ قُرَيْشاً، سَبْعَةٌ مِنْهَا نَقَلَها إِبِراهِيمُ الحَرْبِيُّ في ((غَرِيبِ الحَدِيثِ))
مِنْ تَأْلِيفِه، وفاتَهُ ما نَقَلَه الأَزْهَرِيُّ وغيرُه: سُمِّيَتْ بِذلِكَ لِتَبَخُّرِهَا، وَتَكَسُّبِهَا،
وضَرْبِهَا في البِلادِ تَبْتَغِي الرِّزْقَ، وقِيلَ: لأَنّهُم كانُوا أَهْلَ تِجَارَةٍ، ولَمْ يَكُونوا
أَصْحَابَ ضَرْعٍ، وزَرْعٍ، من قَوْلهم: فلانٌ يَتَقَرَّشُ المالَ؛ أَيْ: يَجْمَعُه، فَهذِهِ
عَشَرَةُ أَوْجُه، وَالمَشْهُوَّرُ من ذلِكَ الوَجْهُ الأَوّلُ الَّذِي نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ عنِ الفَرّاءِ،
ثُمَّ مَا ذَكَرَه الزُّبَيْرُ بنُ بَّارٍ، نَسّابَةُ العَرَبِ، وحُكِيَ لِبَعْضِهِم في تَسْمِيَتِهِم بِقُرَيْشٍ
عِشْرُونَ قَوْلاً .
قال الجَوْهَرِيُّ: فإِنْ أَرَدْتَ بِقُرَيْشِ الحَيَّ صَرَفْتَه، وإِنْ أَرَدْتَ بِهِ القَبِيلَةَ لَمْ
تَصْرِفْهِ، قالَ الشاعرُ في تَرْكِ الصَّرْفِ [من الطويل]:
غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ سَمَاحَةً وَكَفَى قُرَيْشَ المُعْضِلَاتِ وِسَادَهَا
وهُوَ لِعَدِيِّ بنِ الرِّقاعِ يَمْدَحُ الوَلِيدَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ وبعدَهُ:
وإِذا نَشَرْتَ لَهُ الثَّنَاءَ وَجَدْتَه وَرِثَ المَكَارِمَ طُرْفَهَا وَتِلَادَهَا

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
والنِّسْبَةُ إِلى قُرَيْش: قُرَشِيٍّ، وقُرَيْشِيٍّ نادِرٌ عن الخَلِيلِ، قَالَ الشّاعر [من
الطويل]:
بِكُلِ قُرَيْشِيٍّ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ .
سَرِيعٍ إِلى دَاعِي النَّدَى والتَّكَرُّمِ
وقالَ قَوْمٌ: القِيَاسُ هُوَ الأَوَّلُ؛ يَعْنِي: حَذْفَ الياءِ في النَّسَبِ، قَال
المرتضى: وهُوَ المَشْهُورُ المُسْتَعْمَلُ. وفي ((التَّهْذِيبِ)): إِذا نَسَبُوا إِلى قُرَيْشٍ قالُوا:
قُرَشِيٌّ بِحَذْفِ الزّيادَةِ، قالَ: وللشّاعِرِ أَنْ يَقُولَ: قُرَيْشِيٍّ إِذا اضْطَرَّ. انتهى(١).
[تنبيه]: قال النوويّ في ((تهذيب الأسماء)): قال أهل الأنساب: قريش
نوعان: قريش البِطّاح، وهم بنو كعب بن لؤيّ، وقريش الظواهر، وهم بنو
عامر بن لؤيّ. انتهى (٢) .
وقال في ((التاج)): قال ابنُ الأعرابيّ: قُرَيْشُ الّواهِرِ: هم النّازِلُونَ بِظَهْرٍ
جِبَالِ مَكَّةَ - شَرَّفها اللهُ تعالى - وقُرَيْشُ البِطَاحِ: هم النّازِلُونُ بِبِطَاحِ مَكَّةَ، قال:
وهم أشْرَفُ، وأكرمُ مِن قُرَيْشِ الظّواهِرِ، وقال الكُمَيْتُ [من مجزؤ الكامل]:
فَحَلَلْتَ مُعْتَلِجَ الِبِطَا ح وَحَلَّ غيرُكَ بالظّوَاهِرْ
قال خالِدُ بن كُلْتُومٍ: مُعْتَلِجُ البِطَاحِ: بَطْنُ مَكَّةَ، وذلك أنَّ بنِي هاشِم،
وبَنِي أمَيَّة، وسَادَةً قُريْش نُزُولٌ بَبَظْنِ مَكَّةَ، ومَنْ كانَ دونَهمُ، فهم نُزُولٌ بِظَوَاهرِ
جِبَالِها، ويقال: أرادَ بالَّوَاهِرِ: أعلىَ مكّةَ. انتهى(٣).
[تنبيه آخر]: قال في ((العمدة)): كانت لقريش في الجاهلية مكارمُ منها
السقاية، والعمارة، والرِّفادة، والعقاب، والحجابة، والندوة، واللواء،
والمشورة، والأشناق، والقبة، والأعنة، والسِّفارة، والأيسار، والحكومة،
والأموال المحجرة، وكانوا يُسَمَّون آل الله، وجيران الله، والنسبة إلى قريش
قريشيّ، وعن الخليل: قرشيّ أيضاً، فإن أردت بقريش الحيّ صرفته، وإن
أردت به القبيلة لم تصرفه. انتهى(٤).
(١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٤٣٢٥/١.
(٢) ((تهذيب الاسماء)) ٢ / ٥٦٤.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٦/ ٧٣.
(٣) ((تاج العروس)) ٣١٣٦/١.

١٨٣
(١) - بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِّلَّهِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٢٣)
(مِنْ كِنَانَةَ)؛ أي: من بني كنانة، (وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِم) ابن
عبد مناف، (وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم))) وقال الحافظ تَُّ في ((الأمالي
المطلقة)) بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّهً: وله شاهد من حديث ابن عمر أتمّ
سياقاً منه، ثم قال: وبه إلى ابن منده قال: أخبرنا محمد بن يعقوب، قال:
حدّثنا الحسن بن مكرم، قال: حدّثنا عبد الله بن بكر، قال: حدّثنا محمد بن
ذكوان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر ﴿يا قال: بينما نحن على باب
النبيّ وَّة، فذكر حديثاً، قال فيه: فخرج النبيّ وَّ﴿، فقال: ((إن الله خلق
السماوات سبعاً، ثم خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، ثم اختار من بني
آدم العرب، ثم اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر قريشاً، ثم اختار من
قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خِيَارٌ من خيار)). انتهى.
قال: هذا حديث حسن، أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير))، و((الأوسط)) من
رواية حماد بن واقد، عن محمد بن ذكوان. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وأخرج البيهقيّ نَظُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر قال: إنا لقعود
بفناء النبيّ ◌َّ، فذكر الحديث إلى أن قال: عن النبيّ وَّل: ((إن الله تعالى خلق
السماوات سبعاً، فاختار العليا منها، فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق
الخلق، فاختار مِن خَلْقه بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من
العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني
من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن
أبغض العرب فيبغضي أبغضهم)). انتهى(٢).
(١) ((الأمالي المطلقة)) ٦٨/١.
(٢) ((شعب الإيمان)) ١٣٩/٢ - ١٤٠. والحديث ضعّفه بعضهم؛ لأجل حماد بن واقد،
ومحمد بن ذكوان، لكن الذي يظهر لي أنه حسن، كما قال الحافظ؛ لأن حماد بن
واقد لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن بكر السهميّ، وهو ثقةٌ، ومحمد بن ذكوان
روى عنه جماعة، وثّقه ابن معين، وابن حبّان، وقال أبو داود الطيالسيّ عن شعبة:
حدّثني محمد بن ذكوان، وكان كخير الرجال، وتكلّم فيه غيرهم، راجع: ((تهذيب
التهذيب)) (٥٥٨/٣)، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، والله تعالى أعلم.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث واثلة بن الأسقع رضوه هذا من أفراد
المصنّف ◌َظْلَهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٣/١] (٢٢٧٦)، و(الترمذيّ) في ((المناقب))
(٣٦٠٥ و٣٦٠٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧/٤)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦٢٤٢ و٦٣٣٣ و٦٤٧٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦١/٢٢)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٦٩/١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل النبيّ وَله، وعلوّ قدره، وأنه مختار الله تعالى من
خلقه .
٢ - (ومنها): بيان شرف نسب النبيّ وَل﴾، فهم أشرف أنساب الناس
جميعاً .
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّلهُ: معنى اختيار الله تعالى لمن شاء من
خلقه: تخصيصه إياه بصفات كمال نوعه، وجَعْله إياه أصلاً لذلك النوع،
وإكرامه له على ما سبق في علمه، ونافذ حكمه من غير وجوب عليه، ولا
إجبار، بل على ما قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾ [القصص: ٦٨]، وقد
اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَمَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَِّبَتِ وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى
﴾ [الإسراء: ٧٠]، ويكفيك من ذلك كله: أن الله
كَثِيرٍ مِّمَنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
تعالى خلق العالم كلَّه لأجله، كما قد صرح بذلك عنه لمّا قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ
لَكُ مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية [الجاثية: ١٣]، ثم إن الله تعالى
اختار من هذا النوع الإنساني مَن جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم:
آدم - عليه الصلاة والسلام - ثم إن الله تعالى اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم
يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، فكان منها الأنبياء
والرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى
) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضَِّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ()﴾ [آل عمران: ٣٣، ٣٤]، ثم
اُلْعَلَمِينَ (®).

١٨٥
(١) - بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِّ ◌َّهِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٢٣)
إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَآ
إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِزَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة
كما ذكرهم النبيّ وَّ في هذا الحديث، ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم،
وأمَّهم بإمامهم، وشرَّفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدتهم، شمس ضحاها،
هلال ليلتها، درِّ تقاصيرها، زبرجدها، وهو محمد بَّةٍ، أخَّره عن الأنبياء
زماناً، وقدّمه عليهم رتبة ومكاناً، جعله الله واسطة النظام، وكمَّل بكماله أولئك
الملأ الكرام، وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، فهو
شفيعهم إذا استَشْفَعُوا، وقائدهم إذا وَفَدوا، وخطيبهم إذا جُمِعُوا، وسيِّدهم إذا
ذُكِروا، فاقتبس من الخير عيونه، فبيده لواء الحمد، تحته آدمُ، فمن دونه،
ويكفيك أُثْرَةً وكرامة: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة))، وقد تبيّن للعقل والعيان
ما به كان محمد * سيد نوع الإنسان.
وقد ثبت بصحيح الأخبار ما له من السؤدد في تلك الدار، فمنها أنه قال:
((أنا سيد ولد آدم))، قال: ((وتدرون بم ذاك؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:
((إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد))، وذكر حديث
الشفاعة المتقدم. ومضمونُهُ: أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال
عليهم، وعظم كربهم طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم،
فيبدؤون بآدم عليه، فيسألونه الشفاعة، فيقول: نفسي، نفسي، لست لها، وهكذا
يقول من سُئِلها من الأنبياء، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد وَّه، فيقول: ((أنا
لها)»، فيقوم في أرفع مقام، ويُخصُّ بما لا يُحصى من المعارف والإلهام،
ويُنادَى بألطف خطاب، وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع، وسل تعطه، واشفع
تشفع، وهذا مقام لم ينله أحدٌ من الأنام، ولا سُمع بمثله لأحد من الملائكة
الكرام، فنسأل الله تعالى باسمه العظيم، وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته،
ويميتنا على ملته، ويحشرنا في زمرته، ولا يجعلنا ممن ذِيد عنه، وبُعِّدَ منه.
انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ وتحقيقٌ أنيس؛ والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٤٦/٦ - ٤٨.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّتُهُ: استَدَلّ به أصحابنا على أن غير قريش
من العرب ليس بكفء لهم، ولا غير بني هاشم كفؤ لهم، إلا بني المطلب،
فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد، كما صرح به في الحديث الصحيح، والله
أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاستدلال المذكور غير صحيح، فقد زوّج
النبيّ وَّ زينب بنت جحش، وهي قرشيّة، زيد بن حارثة، وهو مولى، وزوّج أبو
حذيفة أخته سالماً مولاه، وغير ذلك كثير، فالمعتبر في كفاءة النكاح هو الدين
والخلق، فقد أخرج الترمذيّ عن أبي حاتم المزنيّ ◌َظُه قال: قال رسول الله وَله:
((إذا جاءكم من ترضون دِينه وخُلُقه، فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض
وفساد))، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: ((إذا جاءكم من ترضون دينه
وخلقه، فأنكحوه)) ثلاث مرات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وأبو
حاتم المزني له صحبة، ولا نعرف له عن النبيّ وَّر غير هذا الحديث. انتهى (١).
وأخرج أيضاً عن أبي هريرة ظلانه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا خَطَب
إليكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض،
وفساد عريضٌ)). انتهى(٢).
والحديث مختلف في وَصْله، وإرساله، لكن يشهد له ما قبله.
والحاصل أن الصحيح هو ما ذهب إليه مالك: من أن المعتبَر الدِّين، لا
النسب، ولا غيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك مفصّلاً في ((كتاب النكاح))، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٢٤] (٢٢٧٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي
بُكَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَراً بِمَكَّةَ، كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ
أُبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ)).
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٣٩٥/٣.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ٣٩٤/٣.

١٨٧
(١) - بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَِّّوَهِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٢٤)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر - بفتح النون، وسكون المهملة -
الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزَل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧١.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) الْخُراسانيّ، أبو سعيد، سكن نيسابور، ثم
مكة، ثقةٌ يُغْرب، وتُكُلّم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] (ت١٦٨) (ع)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩١/٣١.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ الكوفيّ أبو
المغيرة، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان
ربما تَلَقَّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة - بضم الجيم، بعدها نون - السُّوَائيّ
- بضم المهملة، والمدّ ـ صحابي ابن صحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة
سبعين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿يَا أَنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ
حَجَراً بِمَكَّةَ) قيل: هو الحجر الأسود، وقيل غيره، (كَانَ يُسَلُّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ
أُبْعَثَ)؛ يعني: أنه يسلّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه الملك بذلك،
(إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ))) قال القرطبيّ ◌َخْتُهُ: يعني: أنه ◌َّ كان وقت حدَّثهم بهذا
الحديث يعرف الحجر معرفة من كان يشاهده، وقيل: إن ذلك الحجر: هو
الحجر الأسود، والله أعلم. انتهى(١).
وقال المناويّ كَُّهُ: قوله: ((إني لأعرف حجراً بمكة، كان يسلم عليّ))؛
أي: بالنبوة، وقوله: (قبل أن أُبعث))؛ أي: أُرسَل، وقيّد به؛ لأن الحجارة
.(٢) .
کلها کانت تسلم علیه بعد البعث، کما رُوي عن عليّ
(١) ((المفهم)) ٥١/٦ - ٥٢.
(٢) هو ما رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)) عن عليّ رَُّه قال: ((خرجت مع النبيّ ◌َّه =

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
[فإن قيل]: ما حكمة إلقاء هذا الحديث بصورة التأكيد بـ((إنّ))، والجملة
الاسمية، وليس المقام مقام إنكار؟.
[قلنا]: قد يكون عَلِم منهم الغفلة عن مثل هذا في ذلك الوقت، فأراد
التنبيه عليه بتنزيلهم منزلة الغافلين عنه، كما في قوله تَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ
[المؤمنون: ١٥]، ولم يُنكر أحد الموت، لكن لما غلبت الغفلة عنه
لَمَسُِّنَ
حَسُن، أو بالنظر إلى غيرهم؛ لأنه أمر مستغرب فهو في مظنة الإنكار.
[فإن قيل]: محصول الخبر إفادة العلم بعرفانه حجراً كان يسلّم، وهو
وهم كانوا يعلمون سلام الحجر وغيره عليه، فلم خصّه؟.
[قلنا]: يَحْتَمِل أنه حجر ذو شأن عظيم، ولهذا نَكَّره تنكير تعظيم، ومن
ثَمّ قيل: هو الحجر الأسود، كما تقدّم، وبهذا المعنى يلتثم مع خبر عائشة حديثها:
(لَمّا استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمرّ بحجر، ولا مَدَر، ولا شجر إلا
سَلَّم عليّ))(١).
قال ابن سيد الناس تَخّْثُ: وهذا التسليم يَحْتَمِل كونه حقيقةً بأن أنطقه الله
كما أنطق الْجِذع، وكَوْنَه مضافاً إلى ملائكة عنده من قبيل: ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢]، قال غيره: والصحيح الأول، معجزةً له كإحياء الموتى معجزة
لعيسى - عليه الصلاة والسلام - انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره ابن سيد الناس ضعيف،
بل باطل، يُبطله سياق الحديث، فإنه وَلله ساقه لبيان ما أكرمه الله تعالى بهذا
الخارق للعادات، فلو كان ذلك سلام الملائكة لَمَا كان مستغرباً .
= فجعل لا يمرّ على حجر، ولا شجر، إلا سَلَّم عليه))، رواه الطبراني في ((الأوسط)).
قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٦٠/٨: والتابعي أبو عُمارة الحواني لم أعرفه،
وبقية رجاله ثقات. انتهى.
(١) هو ما رواه البزّار في ((مسنده)) عن عائشة قالت: قال رسول الله وَليقول: ((لَمّا أوحي
إليّ، أو نُبّئت - أو كلمة نحوها - جعلت لا أمرّ بحجر، ولا شجر، إلا قال:
السلام عليك يا رسول الله)).
قال الحافظ الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٦٠/٨: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن
شبيب، وهو ضعيف. انتهى.

١٨٩
(١) - بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِّلَه وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٩٢٤)
فالحق أن تسليم الحجر على ظاهره، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ومعنى سماعه سلامه: أنه فتح سمعه لإدراك سلامه، وفي ((الروض
الأُنُف)): الأظهر أن هذا التسليم حقيقةٌ، وأنه تعالى أنطقه إنطاقاً، كما خلق
الحنين في الجذع.
وقال القرطبيّ: الصحيح من مذهب أئمتنا أن كلام الجماد راجع إلى أنه
تعالى يخلق فيه أصواتاً مقطعةً من غير مخارج يُفهم منها ما يُفهم من الأصوات
الخارجة من مخارج الفم، وذلك ممكن في نفسه، والقدرة الإلهيّة لا قصور
فيها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿ّ هذا من أفراد
المصنّف ◌َخَذَلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٤/١] (٢٢٧٧)، و(الترمذيّ) في
((المناقب)) (٣٦٢٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٠٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٨٩/٥ و٩٥ و١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٤/١١)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٨٢)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٩٩٥) و((الأوسط)) (٢٠٣٣) و((الصغير)) (١٦٧)،
و(أبو نعيم) في ((دلائل النبوّة)) (٣٠٠ و٣٠١)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة))
(١٥٣/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٧٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أكرم الله وَلَ نبيّه وَلله بالمعجزات الظاهرة الدالّة على
صِدْق نبوّته.
(١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) ١٩/٣.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
٢ - (ومنها): بيان إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله
تعالى في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٧٤]، وقوله
تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قال النوويّ تَكْتُ: وفي
هذه الآية خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبح حقيقةً، ويجعل الله تعالى فيه
تمييزاً بحسبه، كما ذكرنا، ومنه الحجر الذي فَرّ بثوب موسى فعلا، وكلام
الذراع المسمومة، ومَشْيُ إحدى الشجرتين إلى الأخرى حين دعاهما النبيّ وَّ،
وأشباه ذلك. انتهى(١).
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخّْلهُ: ذكر العلماء بسيرة النبيّ
صَلىالله
وَسَلم
وأحواله أنه كان من لطف الله بنبيه وَل* أن قدَّم له مقدِّمات، وخصّه
ببشائر، وكرامات، درَّجَهُ بذلك في أطوارٍ؛ لينقطع بذلك عن مألوفات
الأغمار(٢)، ويتأهل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه، ولتسهُل مشافهة الملَك
عليه، فكان ◌َّ﴿ يرى ضياءً وأنواراً، وسمع تسليماً، وكلاماً، ولا يرى
أشخاصاً، فيسمع الحجارة والشجر تناديه، ولا يرى أحداً يناديه؛ إلى أن
استوحش من الخلق، ففرَّ إلى الحقّ، فحُبِّت إليه الخلوة، فكان سبب هذه
الْحَبْوة، مشافهة الملَك، فقَبِلَ، فَمَلَك، وقد قدَّمنا أن الصحيح من مذاهب
أئمتنا أن كلام الجمادات راجع إلى أن الله تعالى يخلق فيها أصواتاً مقطعة
من غير مخارج يُفْهَم منها ما يُفهم من الأصوات الخارجة من مخارج
الفم، وذلك ممكن في نفسه، والقدرة لا قُصور فيها، فقد أخبر بها
الصادق، فيجب له التصديق، كيف لا؟ وقد سمع من حضر تسبيح الحصى
في كفه، وحنين الجذع إليه، والمسجد قد غُصَّ بأهله. انتهى(٣)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) (شرح النوويّ)) ٣٦/١٥ - ٣٧.
(٢) جمع غُمْر، وهو من لم يجرّب الأمور.
(٣) ((المفهم)) ٥١/٦.

١٩١
(٢) - بَابُ تَفْضِيلِ نَبَِّ وَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ - حديث رقم (٥٩٢٥)
(٢) - (بَابُ تَفْضِيلِ نَبَِّ وَّهَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٢٥] (٢٢٧٨) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحِ، حَدَّثَنَا مِقْلٌ -
يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ - عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ،
حَذَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ
مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَقَّعٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح) هو: الحكم بن موسى بن أبي زُهير البغداديّ
القَنْطريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٢) (ختَّ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ) هو: هِقْل - بكسر أوله، وسكون القاف، ثم لام -
ابن زياد السَّكْسَكيّ - بمهملتين مفتوحتين، بينهما كاف ساكنة - الدِّمشقيّ، نزيل
بيروت، قيل: هقل لقب، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعيّ،
ثقةٌ [٩] (ت١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٩/٤٤.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ) التيميّ، مولى عائشة المدنيّ، نزل الشام، ثقةٌ
[٣] (م د) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٣٠/١٦.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و((أَبُو عَمَّارٍ)) هو شدّاد بن عبد الله
المذکور قبل حدیث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالشاميين من هقل،
وشيخه بغداديّ، والصحابيّ مدنيّ، ومسلسلٌ أيضاً بالتحديث إلا في موضع،
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُه تقدّم القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنِ الأَوْزَاعِيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ)
شدّاد بن عبد الله، قال: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُوخَ) قال: (حَدَّثَنِي

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) قال
القرطبيّ كَّهُ: السيد: اسم فاعل، من ساد قومه؛ إذا تقدَّمهم بما فيه من
خصال الكمال، وبما يُوليهم من الإحسان والإفضال، وأصله: سَيْوِدٌ؛ لأنَّ:
ألف ساد منقلبة عن واو، بدليل: أن مضارعه يسود، فقلبوا الواو ياء،
وأدغموها في الياء، فقالوا: سيِّد. وهذا كما فعلوا في: ميِّت. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك تَظْتُهُ في
(الخلاصة)) حيث قال:
وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍٍ عَرِيَا
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا
وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا
وقال الهرويّ: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو
الذي يُفْزَع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويَتَحَمّل عنهم مكارههم،
ويدفعها عنهم (٢).
وقال في ((المشارق)): السيد الذي يفوق قومه، وهي السيدة، والسؤدد:
هي الرياسة، والزَّعامة، ورِفعةُ القدر؛ لأنه وَّ سيد ولد آدم في الدنيا
والآخرة، ومنه قوله وَلير: ((قوموا إلى سيدكم))؛ أي: زعيمكم، وأفضلكم، ومنه
قوله: ((إن ابني هذا سيد))، وقيل: هو الحليم الذي لا يغلبه غضبه، وسيد
المرأة بعلها، والسيد أيضاً العابد، والسيد الكريم. انتهى (٣).
وقال في ((النهاية)): قاله ◌َله إخباراً عما أكرمه الله تعالى به، من الفضل،
والسؤدد، وتحدثاً بنعمة الله تعالى عليه، وإعلاماً لأمته؛ ليكون إيمانهم به على
حَسَبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: (ولا فخر))؛ أي: إن هذه الفضيلة التي نلتها
كرامة من الله، لم أنلها من قِبَل نفسي، ولا بَلَغْتها بقوّتي، فليس لي أن أفتخر
(٤)
بها . انتھی(٤).
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال المناويّ ◌َخْتُهُ: خصّه؛ لأنه يومٌ مجموعٌ له الناسُ،
فيظهر سؤدده لكل أحد عياناً، ووَصَف نفسه بالسؤدد المطلق المفيد للعموم في
(١) ((المفهم)) ٤٨/٦.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٢٣٠/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ٣٧.
(٤) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤١٧/٢.

(٢) - بَابُ تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا وَ﴿ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ - حديث رقم (٥٩٢٥)
١٩٣
المقام الخطابيّ على ما تقرر في علم المعاني، فيفيد تفوقه على جميع ولد آدم
حتى أولو العزم من الرسل، واحتياجهم إليه، كيف لا؟ وهو واسطة كل فيض،
وتخصيصه ولد آدم ليس للاحتراز، فهو أفضل حتى من خواصّ الملائكة، كما
نقل الإمام عليه الإجماعَ، ومراده: إجماع من يُعْتَدّ به من أهل السُّنَّة. انتهى (١).
وقال النوويّ كَُّ: وأما قوله وَلافيه: ((يوم القيامة)) مع أنه سيدهم في الدنيا
والآخرة، فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقى
منازع، ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار،
وزعماء المشركين، وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ
لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] مع أن المُلك له وَلَ قبل ذلك، لكن كان في
الدنيا مَن يَدَّعِي المُلك، أو من يضاف إليه مجازاً، فانقطع كل ذلك في
الآخرة.
قال العلماء: وقوله وَ فيه: ((أنا سيد ولد آدم)) لم يقله فخراً، بل صَرَّح بنفي
الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور: ((أنا سيد ولد آدم، ولا فَخْرَ ))،
وانما قاله لوجهين:
[الضحى: ١١].
أحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته؛ ليعرفوه،
ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه، ويوقِّروه وَ﴿ بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله
تعالى. انتهى(٢).
(وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ)؛ أي: أول من يُعَجَّل إحياؤه مبالغةً في
إكرامه، وتخصيصاً له بتعجيل جزيل إنعامه، قال القرطبيّ: ويعارض هذا
قوله وَ﴿ في حديث آخر: ((أنه أول من يُبعث، فيجد موسى متعلِّقاً بساق
العرش))، وسيأتي هذا مبيّناً في باب: ذِكر موسى وََّ، إن شاء الله تعالى(٣).
(وَأَوَّلُ شَافِع) للعصاة؛ أي: لا يتقدمني شافع، لا مَلَك، ولا بَشَر في
جميع أحكام الشفَّاعات(٤). (وَأَوَّلُ مُشَفَّع))) - بفتح الفاء المشدّدة - أي: مقبول
(١) ((فيض القدير)) ٤١/٣.
(٣) ((المفهم)) ٤٩/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥/ ٣٧.
(٤) ((فيض القدير)) ٤١/٣.

١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الشفاعة، وإنما لم يكتف بقوله: ((أول شافع))؛ لأنه قد يشفع الثاني،
فيُشَفَّع منهما قبل الأول، وإنما قال ذلك؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّثْ (1)﴾ [الضحى: ١١]، وهو من البيان الذي يجب تبليغه أمته (١)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٥/٢] (٢٢٧٨)، و(أبو داود) في ((السُّنَّة))
(٤٦٧٣)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٥٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٧/٦)، و(البيهقيّ) في ((شُعب
الإيمان)) (١٧٩/٢)، و(اللالكائيّ) في ((اعتقاد أهل السُّنَّة)) (٢٨٨/٤)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (٢/ ٨٥١)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنَّة)) (٢/ ٣٧٠) وفي
(الأوائل)) له (٦٣/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل النبيّ وَّل، وعظيم مرتبته عند الله ◌ُعَالَ .
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ كَخّتُهُ: هذا الحديث دليل لتفضيله وَلقر على
الخلق كلهم؛ لأن مذهب أهل السُّنَّة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو ◌َّ
أفضل الآدميين وغيرهم.
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة تفضيل البشر على الملائكة، أو العكس
طال النزاع فيها بين العلماء، وقد حقّقت الكلام فيها في ((شرح النسائيّ))،
فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قال: وأما الحديث الآخر: ((لا تُفَضِّلوا بين الأنبياء))، فجوابه من خمسة
أوجه:
أحدهما: أنه ◌َّيّ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما عَلِم أخبر به.
(١) ((فيض القدير)) ٤١/٣.

١٩٥
(٢) - بَابُ تَفْضِيلِ نَبَِّ وَ﴿ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ - حديث رقم (٥٩٢٥)
والثاني: قاله أدباً، وتواضعاً.
والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول.
والرابع: إنما نُهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة، كما هو
المشهور في سبب الحدیث.
والخامس: أن النهي مختصّ بالتفضيل في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها،
وإنما التفاضل بالخصائص، وفضائلَ أخرى، ولا بدّ من اعتقاد التفضيل، فقد
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. انتهى(١).
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَثّتُهُ: مقصود هذا الحديث أن يُبَيَّن أنه لا
يتقدَّمه شافع؛ لا من الملائكة، ولا من النبيين، ولا من المؤمنين، في جميع
أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره.
وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب، وهذه الخصائص والفضائل التي
حدَّث بها النبيّ وَّر عن نفسه؛ إنما كان ذلك منه؛ لأنها من جملة ما أمر
بتبليغه؛ لِمَا يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حقّ في نفسه، ولِيُرْغَب
في الدخول في دينه، ولِيَتَمَسَّك به من دخل فيه، وليعلم قَدْر نعمة الله عليه في
أن جعله من أمَّةِ مَن هذا حاله، ولتعظم محبَّته في قلوب مُتَّبعيه، فتكثر أعمالهم،
وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظّ الأكبر من كرامته.
وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا، وشرف الآخرة؛ لأنَّ شرف
المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال.
[فإن قيل]: كل هذا راجع للاعتقاد، وكيف يحصل القطع بذلك من
أخبار الآحاد؛ فالجواب: أن من سمع شيئاً من تلك الأمور من النبيّ وَل
مشافهة حصل له العلم بذلك، كما حصل للصحابة السامعين منه، ومن لم
يشافه، فقد حصل له العلم بذلك من جهة التواتر المعنويّ؛ إذ قد كثرث بذلك
الظواهر، وأخبار الآحاد حتى حصل لسامعها العلم القطعيّ بذلك المراد.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٧/١٥ - ٣٨.
(٢) ((المفهم)) ٤٩/٦.

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
(٣) - (بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٢٦] (٢٢٧٩) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثْنَا
حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ
بِقَدَحِ رَحْرَاحِ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّقِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ،
قَالَ: فَجَعَلْتَّ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قريباً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُ، وهو (٤٥٥) من رباعيّات الكتاب، وأن
رواته كلهم بصريون، وشيخه، وإن نزل بغداد، إلا أنه بصريّ الأصل.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ◌َظَتِهِ (أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ دَعَا بِمَاءٍ، فَأَتِيَ بِقَدَحِ رَحْرَاحِ)
- بفتح الراء، وبالحاءين المهملتين - أي: واسع، ويقال: رَحْرَح أيضاً بحذفَّ
الألف، وقال القرطبيّ: قوله: ((رحراح))؛ أي: واسع، ويقال: رَحْرَحُ - بغير
ألف -، وإناءٌ أَرَحُ، وآنية رَخَّاء، كل ذلك بمعنى الواسع، قال ابن الأنباريّ:
ويكون ذلك قصير الجدار. انتهى (١).
وقال الخطابيّ: الرَّحْرَاحِ: الإناء الواسعُ الفمِ القريبُ القَعْرِ، ومثله لا
يسع الماء الكثير، فهو أدلّ على المعجزة.
ورَوَى ابن خزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، فقال
بدل ((رَحْرَاح)): ((زُجاج)) بزاي مضمومة، وجيمين، وبَوّب عليه: ((الوضوءُ من آنية
الزجاج، ضِدّ قول من زعم من المتصوفة أن ذلك إسراف؛ لإسراع الكسر إليه)).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٢.

١٩٧
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ◌َلِ - حديث رقم (٥٩٢٦)
قال الحافظ: وهذه اللفظة تفرد بها أحمد بن عبدة، وخالفه أصحاب
حماد بن زيد، فقالوا: ((رَحْراح))، وقال بعضهم: ((واسع الفم))، وهي رواية
الإسماعيليّ عن عبد الله بن ناجية، عن محمد بن موسى، وإسحاق بن أبي
إسرائيل، وأحمد بن عبدة، كلّهم عن حماد، وكأنه ساقه على لفظ محمد بن
موسى، وصَرّح جَمْع من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحّفها، ويُقَوِّي ذلك أنه
أتى في روايته بقوله: ((أحسبه))، فدلّ على أنه لم يُتْقنه، فإن كان ضَبَطه فلا
منافاة بين روايته، ورواية الجماعة؛ لاحتمال أن يكونوا وصفوا هيئته، وذَكَر هو
جنسه .
وفي (مسند أحمد)) عن ابن عباس: أن المقوقس أهدى للنبيّ وَّ قَدَحاً
من زجاج، لكن في إسناده مقال. انتهى(١).
(فَجَعَلَ) أي شرع (الْقَوْمُ يَتَوَضَّتُونَ، فَحَزَرْتُ) بالحاء المهملة، وتقديم
الزاي على الراء؛ أي: قدّرت القوم المتوضّئين بذلك الماء (مَا بَيْنَ السِّئِّينَ إِلَى
الثَّمَانِينَ) هكذا رواية مسلم بلفظ ((الستّين))، ورواية البخاريّ: ((ما بين السبعين
إلى الثمانين))، قال الحافظ في ((شرحه)): وتقدّم من رواية حميد: ((أنهم كانوا
ثمانين وزيادة))، وهنا قال: ((ما بين السبعين إلى الثمانين))، والجمع بينهما أن
أنساً لم يكن يضبط العدّة، بل كان يتحقق أنها تُنيف على السبعين، ويَشُكّ هل
بلغت العقد الثامن، أو تجاوزته، فربما جزم بالمجاوزة، حيث يغلب ذلك على
ظنه. انتهى.
(فَجَعَلْتُ)؛ أي: شرعت (أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ) قال
المجد ◌َّتُهُ: نبع الماء ينبِّع - مثلّثةً - نَبْعاً، ونُبُوعاً: خرج من العين، والْيَنبوع
(٢)
العین. انتهى (٢).
(قَالَ) أنس
وقال ابن منظور تَُّ: نَبَعَ الماءُ - بفتح الموحّدة - ونبِعَ - بكسرها - ونَبُعَ
- بضمّها - يَنْبِعُ - بكسرها أيضاً - وينْبَعُ - بفتحها - ويَنْبُع - بضمّها - نَبْعاً،
ونُبُوعاً: تَفَجَّر، وقيل: خرج من العين، ولذلك سُمّيت العين يَنْبُوعاً، قال
(١) (الفتح)) ٥٢٠/١ - ٥٢١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٠٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٢٥٧.

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
الأَزهريّ: هو يفعول، من نَبَعَ الماء: إِذا جرى من العين، وجمعه يَنابِيعُ.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما تقدّم أن نبع ينبع مثلّث الماضي،
والمضارع، خلاف ما زعمه بعض اللغويين من أن التثليث للمضارع فقط،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) وََّ، قال النوويّ كَُّ: وفي كيفية هذا النبع قولان،
حكاهما القاضي وغيره:
أحدهما - ونقله القاضي عن الْمُزنيّ، وأكثر العلماء -: أن معناه أن الماء
كان يخرج من نفس أصابعه وَّي، وينبع من ذاتها، قالوا: وهو أعظم في
المعجزة مِن نَبْعه من حجر، ويؤيد هذا أنه جاء في رواية: ((فرأيت الماء ينبع
من أصابعه)).
والثاني: يَحْتَمِل أن الله كثّر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه،
لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة، وآية باهرة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر الموافق لظاهر
النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٩٢٦/٣] (٢٢٧٩)، و(البخاريّ) في ((الوضوء))
(٢٠٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٧/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١٢٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٤٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٣٣٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠/١)، و((دلائل النبوّة)) (٢٢)، وفي
((الاعتقاد)) (ص٢٧٣ - ٢٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((لسان العرب)) ٣٤٥/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٨/١٥.

١٩٩
(٣) - بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٥٩٢٧)
١ - (منها): بيان إثبات المعجزة للنبيّ وَّ﴾، وهي كثيرة، منها نَبْع الماء
من بين أصابعه لل المذكور هنا .
٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَّلهُ: هذه المعجزة تكررت من النبيّ مرَّات
عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس،
وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم رؤية ممن يحصل
بمجموع أخبارهم العلم القطعيّ المستفاد من التواتر المعنويّ.
وبهذا الطريق؛ حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته،
كما قد ذكرنا جملةَ ذلك في كتاب ((الإعلام))، وهذه المعجزة أبلغ من معجزة
موسى 18 في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا؛ إذ من المألوف نبع
الماء من بعض الحجارة، فأما نَبْعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم
يُسمع بمثله، ولا يُتُحدَّث به عن غيره ◌َّهِ. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): ويستفاد من هذا بلاغة معجزته بَليّ، وهو أبلغ من
تفجير الماء من الحجر لموسى سير؛ لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء
الغَدَقُ الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم. انتهى (٢).
٢ - (ومنها): أن الشافعيّ ◌َُّ استدلّ بهذا الحديث على ردّ قول من قال
من أصحاب الرأي: إن الوضوء مقدّر بقدر من الماء معيَّن، ووجه الدلالة أن
الصحابة اغترفوا من ذلك القدح من غير تقدير؛ لأن الماء النابع لم يكن قَدْره
معلوماً لهم، فدلّ على عدم التقدير، ذكره في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٩٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ،
حَدَّثَنَا مَالِك (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَتِيَ
(١) ((المفهم)) ٦/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ٩٤/٣.
(٣) ((الفتح)) ٥٢١، كتاب ((الوضوء)) رقم (٢٠٠).

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفضائل
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ بَّه فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ
يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، حَتَّى
تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ) هو: إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بن عبد الله بن
موسى بن عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ
متقنٌ [١٠] (ت١٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ
القزاز، ثقةٌ، ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠]
(ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٧ / ٥٦٣.
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله
المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال
البخاريّ: أصح الأسانيد كلُّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر [٧] (ت١٧٩)
وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٦ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، أبو يحيى،
ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠.
و((أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ)) قُه ذُكِر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل،
والأول مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن عمّه، فإن أنساً تَظُه عمّ
لإسحاق بن عبد الله، وفيه أنس ظُله من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين،
وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة