Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٤)
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن
عُبيد القرشيّ، الكوفيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الطلاق)) ٣٦٥٩/١.
٢ - (عَبْدُ رَبِّهِ) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقة [٥]
(ت١٣٩) وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٧٢/١٩.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ) بن وَّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له
أوهامٌ [٦] (ت١٤٥) على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِثْلَهُ)؛ أي: مثل حديث الزهريّ المذكور قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل؛ أي: لم يذكر سفيان بن عيينة (فِي
حَدِيثِهِمْ)؛ أي: في حديث هؤلاء الأربعة: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلٍ
طَلْحَةَ، وَعَبْدِ رَبِّهِ بن سعيد، وَأخيه يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
عَلْقَمَةَ، وإنما رواه في حديث الزهريّ فقط.
وقوله: (قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ ... إلخ) بنصب ((قولَ)) مفعولاً لـ((يَذْكُر))، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن هؤلاء الأربعة، ساقها الحميديّ ◌َّتُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٤١٩) - حدّثنا(١) الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: وحدّثناه أربعة:
محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وعبدُ ربه، ويحيى ابنا سعيد،
ومحمد بن عمرو بن علقمة، أنهم سمعوه من أبي سلمة بن عبد الرحمن،
يحدّثه عن أبي قتادة، أن رسول الله وَّه قال: ((الرؤيا الصالحة من الله، والْحُلُم
من الشيطان، فإذا حَلَم أحدكم حُلْماً يكرهه، فلينفْث عن يساره، وليستعذ بالله
(١) هذا من قول الراوي عن الحميديّ، فتنبّه.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
من شر ما رأى، فإنها لن تضرّه)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا
أُعْرَى مِنْهَا، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يُونُسَ: ((فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ (٢) حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ،
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران، أبو حفص التُّجِيبيّ
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدُ [٩] (ت١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنة
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ - بفتح الهمزة، وسكون
التحتانية، بعدها لام - أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ، إلا أن في روايته عن
الزهريّ وَهَماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على
الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكسّيّ، بمهملة، أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَرِيّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ، شَهِيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع
[٩] (ت٢١١)، وله خمس وثمانون (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((مسند الحميديّ)) ٢٠٣/١.
(٢) وفي نسخة: ((عن يساره).

٢٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٥)
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلُ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة
شيئاً، وكذا فيما حَدَّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت١٥٤)، وهو ابن ثمان
وخمسين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا ... إلخ) الضمير ليونس بن يزيد، ومعمر بن
راشد.
وقوله: (حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ)؛ أي: يستيقظ، يقال: هبّ من نومه، من
باب نصر: استيقظ .
[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد عن الزهريّ هذه ساقها الطبرانيّ ◌َّتُ في
((الدعاء))، فقال:
(١٢٧٥) - حدّثنا إسماعيل بن الحسن الخفّاف المصريّ، ثنا أحمد بن
صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن
أبي قتادة به قال: قال رسول الله وَله: ((خير الرؤيا من الله، والحلم من
الشيطان، فإذا حَلَم أحدكم بالشيء يكرهه، فليبصق عن يساره حين يَهُبّ من
نومه ثلاث مرات، وليستعذ بالله وَّكْ من شرّها، فلن تضرّه)). انتهى (١).
ورواية معمر عن الزهريّ ساقها عبد الرزّاق ◌َُّ في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٠٣٥٣) - أخبرنا(٢) عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي
سلمة، قال: كنت ألقى من الرؤيا شدّة، غير أني لا أُزَمَّل، حتى حدّثني أبو
قتادة، أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ((الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان،
فإذا حَلَم أحدكم شيئاً يكرهه، فليبصق عن شماله ثلاث نَفَئَات، وليستعذ من
الشيطان، فإنه لا يضرّه)). انتهى(٣).
(١) ((الدعاء للطبرانيّ)) ٣٨١/١.
(٢) قائل: ((أخبرنا)) هو تلميذ عبد الرّزّاق، فتنبّه.
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢١٢/١١.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -
يَغْنِي: ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ،
وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفِتْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا (١)، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ))، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا
أَنْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَمَا أُبَالِيهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن
المديني لا يُقَدِّمان عليه في ((الموطأ)) أحداً، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ
م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) زاد في رواية للبخاريّ: ((عن أبي سلمة، أن أبا
قتادة الأنصاريّ، وكان من أصحاب النبيّ وَّل، قال: سمعت رسول الله (وَلێ))،
قال في ((العمدة)): قوله: ((وكان من أصحاب النبيّ(وَّ)) ذَكَر هذا تعظيماً له،
وافتخاراً به، وتعليماً للجاهل، وإن كان من الصحابة المشهورين.
وقوله: ((وفرسانه))؛ أي: ومن فرسان النبيّ وَّل، ومن فُروسيته أنه قَتَل
يوم خيبر عشرين رجلاً، فنفّله النبيّ وَّ سَلَبَهم. انتهى (٢).
وقوله: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ)؛ أي: المنام المحبوب منه تَُّلَ.
وقوله: (وَالْحُلْمُ) بضم الحاء، واللام، قال ابن التين: كذا قرأناه، وفي
ضَبْط الجوهريّ بسكون اللام، وهو ما يراه النائم، وحَلَمَ بفتح الحاء، واللام؛
(١) وفي نسخة: ((وليتعوّذ من شرّها)).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٤٦/٢٤.

٢٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٦)
كضَرَب، تقول: حَلَمت بكذا، وحلمته، وقال ابن سِيده في ((مثلثه)): ويُجمع
على أحلام، لا غير، وقال الزمخشريّ: الحالم: النائم يرى في منامه شيئاً،
وإذا لم ير شيئاً فليس بحالم، وقال الزجاج: الحلم بالضم ليس بمصدر، وإنما
هو اسم، وحَكَى ابن التّاني في ((الموعب)) عن الأصمعيّ في المصدر: حُلماً،
وحلماً، والحلم بالكسر الأناءة، يقال منه: حَلُم بضم اللام.
وقوله: (مِنَ الشَّيْطَانِ) أضيفت إليه؛ لكونها على هواه، ومراده، وقيل:
لأنه الذي يُخَيِّل بها، ولا حقيقة لها في نفس الأمر.
وقال المباركفوريّ تَظُّهُ: الحلم بضم الحاء، وسكون اللام، وتُضمّ: ما
يُرى في المنام من الخيالات الفاسدة.
وقال في ((النهاية)): الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه، من الأشياء،
لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير، والشيء الحسن، وغلب الحلم على
ما يراه من الشرّ، والأمر القبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَثُ أَعْلَمِ﴾
[يوسف: ٤٤]، ويُستعمل كل منهما موضع الآخر، وتضم لام الحلم، وتسكن.
(١)
انتھی(١).
وقوله: (فَلْيَنْفِثْ) من بابي نصر، وضرب؛ أي: فليبصق.
وقوله: (وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا)، ووقع في بعض النسخ: ((وليتعوّذ من
شرّها)).
وقوله: (فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)))؛ أي: فإن الرؤيا المكروهة لا تضره، قال
النوويّ: معناه أنه تعالى جعل فعله من التعوذ، والتفل، وغيره سبباً لسلامته من
المكروه، يترتب عليها، كما جَعَل الصدقة وقايةً للمال، وسبباً لدفع البلاء (٢).
وقوله: (فَقَالَ)؛ أي: أبو سلمة (إِنْ كُنْتُ)؛ أي: قبل أن أسمع بهذا
الحديث، (لأَرَى الرُّؤْيَا) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام بعدها، كما
قال في ((الخلاصة)):
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ)) فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وقوله: (أَنْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ)؛ أي: ثِقْل جبل لو حملته.
(١) ((تحفة الأحوذيّ)) ٤٥٩/٦.
(٢) ((عون المعبود)) ٢٤٨/١٣.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وقوله: (فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: فما الأمر والشأن
إلا سماعي بهذا الحديث.
وقوله: (فَمَا أَبَالِيهَا)؛ أي: ما ألتفت إلى تلك الرؤيا التي تثقل عليّ، ولا
أُلقي لها بالاً، ولا أخطرها على فكري ثقةً بالله تعالى، وتوكّلاً عليه، وامتثالاً
لأمره وَ له، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِيَّ: الثَّقَفِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الهِ بْنُ نُمَيْرٍ، كُلَّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَإِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا، وَلَيْسَ فِي
حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَابْنٍ نُمَيْرِ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي
رِوَايَةٍ (١) هَذَا الْحَدِيثِ: ((وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَمِيل - بفتح الجيم - ابن طَرِيف الثقفيّ، أبو
رَجَاء الْبَغْلانيّ - بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة - يقال: اسمه يحيى، وقيل:
عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) في شعبان (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص ٤١٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ - بفتح النون، والزاي - أبو
موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ، مشهورٌ بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(١) وفي نسخة: ((في روايته))، فعليه يكون ((هذا الحديثَ)) منصوباً على المفعوليّة،
فتنبه .

٢٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٧)
(ت٢٥٢)، وكان هو وبُندار فَرَسي رِهان، وماتا في سنة واحدة (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢/٢.
٥ - (عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت
الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت١٩٤) عن
نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧.
٦ - (أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الواسطيّ الأصلِ، ثمّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ صاحب تصانيف
[١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) - بنون مصغّراً - الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ،
ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت١٩٩)، وله أربع
وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
و(يحيى بن سعيد)) هو: الأنصاريّ، ذُكر قبله.
وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ يعني: عن أبي سلمة، عن
أبي قتادة، مثل حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد.
وقوله: (وَزَادَ ابْنُ رُمْح فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ) ووقع في بعض النسخ:
((في روايته هذا الحديث))، وعليه فـ((هذا الحديث)) منصوب بـ((روايته))، بخلاف
الأول، فإنه مجرور بالإضافة، فتنبه.
وقوله: (وَزَادَ ابْنُ رُمْح فِي رِوَايَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ: ((وَلْيَتَحَوَّلْ ... إلخ))) قال
في ((الفتح)): ذكر بعض الحفّاظ أن هذه الزيادة إنما هي في حديث الليث، عن
أبي الزبير، كما اتَّفَقَ عليه قتيبة وابن رُمْح، وأما طريق يحيى بن سعيد في
حديث أبي قتادة، فليست فيه، ولذلك لم يذكرها قتيبة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد هذا البعض إعلال زيادة: ((وليتحوّل عن
جنبه الذي كان عليه))؛ بتفرّد محمد بن رُمح بها، والذي يظهر لي أن هذا لا
يضرّ؛ لأن ابن رُمح ثقةٌ ثبت، فلا يضرّ تفرّده بزيادتها، فتأمل بالإمعان، والله
تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٣٠٨/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٨٤).

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
[تنبيه]: رواية قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ ساقها
الترمذيّ تَكَّثُ في ((جامعه))، فقال:
(٢٢٧٧) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي قتادة، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((الرؤيا
من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه، فلينفْث عن يساره
ثلاث مرات، وليستعذ بالله من شرّها، فإنها لا تضرّه))، قال: وهذا حديث
حسنٌ صحيحٌ. انتهى(١).
ورواية محمد بن رُمح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد ساقها ابن ماجه
في ((سننه))، فقال:
(٣٩٠٩) - حدّثنا محمد بن رُمح، ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن
سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي قتادة، أن
رسول الله 8* قال: ((الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم
شيئاً يكرهه، فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً،
وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)). انتهى(٢).
ورواية عبد الله بن نُمير، عن يحيى بن سعيد ساقها أبو بكر بن أبي شيبة،
في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٩٥٤٤) - حدّثنا عبد الله بن نُمير، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة،
عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله وَله: ((الرؤيا من الله، والحلم من
الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يَكره فلينفث عن يساره، وليتعوذ من شرّها، فإنها
لا تضرّه)). انتهى(٣).
وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من
ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٥٣٥/٤.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٧٠.
(٢) ((سُنن ابن ماجه)) ١٢٨٦/٢.

٢٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ
مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا، فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئاً، فَلْيَنْفِثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ.
مِنَ الشَّيْطَانِ، لَا تَضُرُّهُ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَداً، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيُبْشِرْ، وَلَا
يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عَمْرو بن عبد الله بن عَمْرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧)، وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو
أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٤ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاري، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٣٩) وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٩/ ١٢٧٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)؛ أي: المنتظمة الواقعة على شروطها
الصحيحة، وهي ما فيها بشارةٌ أو تنبيه على غفلة، وقال الكرمانيّ: الصالحة
صفة موضِّحة؛ لأن غيرها يسمى بالحلُم، أو مخصّصة، والصلاح باعتبار
صورتها، أو تعبيرها، وقال عياض تبعاً للباجيّ: يَحْتَمِل أن معنى الصالحة
والحسنة: حسنُ ظاهرها، ويَحْتَمِل أن المراد: صحتها .
وقوله: (مِنَ اللهِ)؛ أي: بشرى، وتحذير، وإنذار منه ◌ُوَ﴾.
وقوله: (وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ) بفتح السين المهملة، وسكون الواو، صفةٌ

٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
لـ((الرؤيا))، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: هو رجلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ،
فإن عرّفتَ قلتَ: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. انتهى(١).
وقال السيد محمد مرتضى: السُّوءُ - أي: بالضمّ -: كلُّ آفةٍ، ومرضٍ؛
أي: اسمٌ جامعٌ للآفاتِ، والأمراض، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
الشُّهَ وَالْفَحْشَآءُ﴾ [يوسف: ٢٤] قال الزجَّاج: السُّوءُ: خيانَةُ صاحِبَةِ العزيز،
والفحشاء: رُكوب الفاحشة، ويقال: لا خيرَ في قولِ السَّوءِ بالفتح، والضمّ،
إِذا فتحتَ السين فمعناه: لا خَيْرَ في قولٍ قَبيح، وإذا ضممتَ السِّين فمعناه: لا
خَيْرَ في أن تقولَ سُوءاً؛ أي: لا تقل سُوءاً، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيَّهِمْ دَابِرَةُ
السَّوْءٌ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين: الفتح، والضم، قال الفرَّاء: هو مثل قولك:
رجلُ السَّوْءِ، والسَّوْءُ، بالفتح في القراءة أَكثرُ، وقلَّما تقولُ العربُ: دائرة السُّوءِ
بالضَّمِّ، وقال الزجَّاج في قوله تعالى: ﴿الَّآتِينَ بِلَّهِ ظَنَّ السَّوْءْ عَلَيْهِمْ دَآيِرَةُ
السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]: كانوا ظنُّوا أَنْ لن يعودَ الرسولُ والمؤمنون إلى أَهليهم
فجعلَ اللهُ دائرة السَّوْءِ عليهم، قال: ومن قرأ: (ظنَّ السُّوءِ) فهو جائزٌ، قال:
ولا أعلم أحداً قرأ بها، إِلَّا أَنَّها قد رُوِيَتْ، قال الأَزهريُّ: قولُه: لا أَعلم
أحداً إلى آخره وَهَمِّ، قرأَ ابنُ كثيرٍ، وأَبو عمرو: (دائِرَةُ السُّوءِ) بضم السِّين،
ممدوداً في ((سورة بَراءة))، و((سورة الفتح))، وقرأَ سائرُ القُرَّاء: السَّوْءِ بفتح
السين في السُّورتين. قال: وتعجَّبتُ أَن يذهَبَ على مِثْلِ الزجَّاج قِراءةُ القارِئَيْنِ
الجليلين: ابنِ كثيرٍ، وأبي عمرو، وقال أَبو منصور: أَمَّا قوله: ﴿وَظَنْتُمْ ظَرَّ
السَّوْءِ﴾، فلم يُقرأْ إِلَّا بالفتح، قال: ولا يجوز فيه ضمّ السين، وقد قرأَ ابنُ كثير،
وأبو عمرو: (دائِرَةُ السُّوءِ) بضم السِّين ممدوداً في السُّورتين، وقرأَ سائر القُرَّاءِ
بالفتح فيهما، وقال الفرَّاء في ((سورة براءة)) في قوله تعالى: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُ الَّوَابِرِ
عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءُ﴾ قال: قراءة القُرَّاءِ بنصب السَّوْءِ، وأَراد بالسَّوْء المصدَرَ،
ومن رفع السِّين جعله اسماً، قال: ولا يجوز ضمُّ السِّين في قوله: ﴿مَا كَانَ
أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨]، ولا في قوله: ﴿وَظَنْتُمْ ظَرَةَ السَّهِ﴾؛ لأنَّه ضدٌّ
لقولهم: هذا رجلُ صدقٍ، وثوبُ صدقٍ، وليس للسَّوْءِ هنا معنًى في بلاءٍ، ولا
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩٨/١.

٣١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٨)
عذابٍ، فيُضَمَّ، وقُرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَآَبِرَةُ السَّوْءٍ﴾؛ أي: الهزيمَةِ،
والشَّرِّ، والبلاءِ، والعذاب، والرَّدى، والفَساد، وكذا في قوله تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ
مَطَرَ السَّوْءُ﴾ [الفرقان: ٤٠] بالوجهين، أَو أَنَّ المضموم هو الضَّرَرُ، وسوءُ الحال،
والسَّوْءُ المفتوح: من المَسَاءة، مثل الفَساد، والرَّدى، والنَّار، ومنه قوله تعالى:
﴿ثُزَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَلُواْ السُّوءَ﴾ [الروم: ١٠]، قيل: هي جهنم - أَعاذنا الله منها -
في قراءةٍ؛ أي: عند بعض القُرَّاء، والمشهور: ﴿السُّوأَى﴾، ورجلُ سَوْءٍ بالفتح؛
أَي: يعملُ عملَ سَوْءٍ، وإذا عرَّفته وصفتَ به، تقول: هذا رجلُ سَوْءٍ بالإضافة
وتُدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجلُ السَّوْءِ. قال الفرزدق [من الطويل]:
وَكُنْتَ كَذِتُبِ السَّوْءِ لمَّا رَأَى دَماً بِصَاحِبِهِ يوماً أَحالَ على الدَّمِ
وقال الأَخفش: ولا يقال الرَّجلُ السَّوْءُ، ويقال: الحقُّ اليقينُ، وَحَقُّ
اليقينِ جميعاً؛ لأَنَّ السَّوْءَ ليس بالرجل، واليقينُ هو الحقُّ، قال: ولا يقال:
هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، قال ابن بَرِّيّ: وقد أَجاز الأَخفشُ أن يُقال: رجلٌ
السَّوْءِ، ورجلُ سَوْءٍ بفتح السين فيهما، ولم يُجز: رجلُ السُّوءِ بضم السِّين؛
لأَنَّ السُّوءَ اسمٌ للضُّرِّ، وسوءِ الحال، وإِنَّما يُضاف إلى المصدر الذي هو فعله،
كما يقال: رجلُ الضَّربِ، والطّعنِ، فيقومُ مقامَ قولك: رجلٌ ضرَّابٌ، وطعَّانٌ،
فلهذا جاز أَن يقال: رجلُ السَّوْءِ بالفتح، ولم يَجُزْ أَن يقال: هذا رجلُ السُّوءِ
بالضَّمِّ، وتقول في النَّكرة: رجلُ سَوْءٍ، وإذا عرَّفت قلت: هذا الرجلُ السَّوْءُ
ولم تُضِف، وتقول: هذا عملُ سَوْءٍ، ولا تقل السَّوْءِ؛ لأنَّ السَّوْءَ يكون نعتاً
للرجل، ولا يكون السَّوْءُ نعتاً للعمل؛ لأنَّ الفعل من الرجل، وليس الفعل من
السَّوْءِ، كما تقول: قوْلُ صدقٍ، والقولُ الصِّدقُ، ورجلٌ صدق، ولا تقول:
رجلُ الصِّدق؛ لأنَّ الرجل ليس من الصِّدقِ. انتهى(١).
(مِنَ الشَّيْطَانِ)؛ أي: من إلقائه، يُخَوِّف، ويَحْزُن الإنسان بها، قال
عياض: إضافةُ؛ أي: نسبة الرؤيا إلى الله تعالى إضافة تكريم وتشريف؛
لطهارتها من حضور الشيطان، وإفساده لها، وسلامتها من الأضغاث؛ أي:
التخليط، وجمع الأشياء المتضادة، بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعاً من
(١) (تاج العروس)) ١٣٩/١ - ١٤٠.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
خلق الله تعالى، وبإرادته، ولا فِعل للشيطان فيها، لكنه يحضرها، ويرتضيها،
ويُسَرّ بها، فلذا نُسبت إليه، أو لأنها مخلوقة على طبعه، من التحذير، والكراهة
التي خُلِقٍ عليها، أو لأنها توافقه، ويستحسنها؛ لِمَا فيها من شَغْل بال المسلم،
وتضرره بها، قاله الزرقانيّ كَذُ(١).
وقوله: (فَلْيَنْفِثْ) تقدّم بلفظ: ((فليبصق))، وفي رواية: ((فليتفل))، قال في
((الصحاح)): التفل شبيه بالبصق، وهو أقل منه، أَوَّله البزاق، ثم التفل، ثم
النفث، ثم النفخ، وقال الزركشيّ: جاء في رواية: ((فليتفل))، وفي أخرى:
((فلينفث))، وفي أخرى: ((فليبصق)) وبينها تفاوت، فينبغي فِعْل الكل؛ لأنه زجر
للشيطان، فهو من باب رمي الجمار. انتهى(٢).
وقوله: (عَنْ يَسَارِهِ) إنما عيّن اليسار؛ لأنه موقف القرين؛ أي: الشيطان،
واليمين موقف المَلَك، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ)، وفي رواية: ((وليستعذ بالله من
شرها))، قال الحافظ تَُّهُ: وَرَدَ في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح
أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، بأسانيد صحيحة، عن
إبراهيم النخعيّ، قال: ((إذا رأى أحدكم في منامه ما يَكره، فليقل إذا استيقظ:
أعوذ بما عاذت به ملائكة الله، ورسله، من شرّ رؤياي هذه، أن يصيبني فيها ما
أكره في ديني، ودنياي))، وقال غيره: وَرَدَ أنه يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من
عمل الشيطان، وسيئات الأحلام))، رواه ابن السنيّ(٣).
وقوله: (لَا تَضُرُّهُ)؛ أي: لأن الله تعالى جعل ما ذُكِر سبباً للسلامة من
المكروه المترقب من الرؤيا، كما جَعَل الصدقة وقايةً للمال، وأنها تدفع البلاء
إذا فَعَل ذلك مصدِّقاً متكلاً على الله تعالى في دفع المكروه.
وقوله: (وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَداً)؛ أي: لئلا يعبّرها بتعبير غير مرضيّ؛ إما
حسداً، أو لجهله، فتقع ذلك، ويتضرّر الرائي، فقد أخرج أبو داود،
(١) ((شرح الزرقانيّ)) ٤٥٢/٤.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٥٠/١.
(٣) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤٥٣/٤.

٣٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٨)
والترمذيّ، وصححه ابن حبّان، عن أبي رَزين الْعُقيليّ، قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((الرؤيا على رجل طائر، ما لم تُعبّر، فإذا عُبِّرت وقعت - قال:
وأحسبه - قال: ولا يقصّها إلا على وادّ، أو ذي رأي))(١).
وقوله: (فَلْيُبْشِرْ) قال النوويّ تَخْلَقُ: هكذا هو في معظم الأصول:
((فَلْيُبْشِرْ)) بضم الياء، وبعدها باء ساكنة، من الإبشار، والبشرى، وفي بعضها:
بفتح الياء، وبالنون، من النشر، وهو الإشاعة، قال القاضي في ((المشارق))،
وفي ((الشرح)): هو تصحيف، وفي بعضها: ((فليستر)) بسين مهملة، من الستر،
والله أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (وَلَا يُخْبِرْ إِلَّ مَنْ يُحِبُّ))) وفي رواية الترمذيّ: ((لا يحدّث بها
إلا لبيباً، أو حبيباً))؛ أي: لأنه إذا حدّث بها من لا يحبّ قد يفسرها بما لا
يحب، إما بغضاً، وإما حسداً، فقد يقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه
من ذلك حزناً، ونَكَداً، فأُمر بترك تحديث من لا يحب؛ لسبب ذلك، وقد
رُوي مرفوعاً: ((الرؤيا لأول عابر))، وهو ضعيف، لكن له شاهد عند أبي
داود، والترمذيّ، وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم، عن أبي رزين
العُقيليّ، رفعه: ((الرؤيا على رجل طائر، ما لم تعبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت))،
قال أبو عبيدة وغيره: معناه إذا كان العابر الأول عالِماً، فعبَّر، وأصاب وجه
التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده؛ إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب
في تعبير المنام؛ ليتوصل بذلك إلى مراد الله تعالى فيما ضَرَب من المثل،
فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن لم يُصِب فليسأل الثاني، وعليه أن
يُخبر بما عنده، ويبيّن ما جَهِل الأول، وفيه بحث يطول ذكره، قاله
الزرقانيّ ◌َخَُّ(٣) .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
(١) صححه ابن حبّان، والشيخ الألبانيّ، وحسّنه الحافظ في ((الفتح)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٥ - ٢٠.
(٣) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤٥٤/٤.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الْحَكَمِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا، تُمْرِضُنِي، قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَقَالَ:
وَأَنَا كُنْتُ لِأَرَى الرُّؤْيَا، فَتُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا
الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبْ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِنْ
رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلْيَتْفِلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَشَرِّهَا، وَلَا
يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) محمد بن خَلّاد بن کَثير البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم) بن أبي فَرْوة الهاشميّ، يُعرف بابن
الكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٧) (م ت س) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٦٧٨/١٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقةٌ
صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلةً [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ، كان الثوريّ يقول: هو أمير المؤمنين في
الحديث، وهو أول من فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبّ عن السُّنَّة، وكان عابداً
[٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (تُمْرِضُنِي) بضمّ أوله، من الإمراض، رباعيّاً؛ أي: تؤلمني.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩٠] (٢٢٦٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا

٣٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩٠)
رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
ثَلَاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس - بفتح المثناة، وسكون الدال
المهملة، وضم الراء - الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يدلّس [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٢ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ -
بفتحتين - الصحابيّ ابن صحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، ومات بالمدينة بعد
السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون ذكروا قبل حدیثین.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّْثُ، وهو (٤٥١) من رباعيّات الكتاب، وفيه
أن صحابيّه ◌َظ ◌ُبه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى
أعلم.
وشرح الحديث واضحٌ يُعلم من شرح حديث أبي قتادة حظُّه الماضي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا من أفراد المصنّف رَّلهُ .
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٩٠] (٢٢٦٢)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٥٠٢٢)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٩٥٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٣٩٠/٤ و٢٢٦/٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٩١١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٥٠/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/١١)، و(عبد بن حميد) في
((مسنده)) (١٠٤٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٢٦٣)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه) (٦٠٦٠)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٩٢/٤)، و(البيهقيّ) في
(شُعب الإيمان)) (١٨٨/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٧٧)، والله تعالى
علم.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٩١] (٢٢٦٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ،
وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثاً، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ (١) وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً
مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ
الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ،
فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ))، قَالَ: ((وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ
فِي الدِّينِ))، فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ، أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) - بفتح السين المهملة، بعدها خاء معجمة، ثم
مثناة، ثم تحتانية، وبعد الألف نون - هو: أيوب بن أبي تَمِيمة كيسان، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت١٣١)، وله خمس
وستون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير الصحابيّ،
فمدنيّ، وشيخه، فمكيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة نظـ
رأس المكثرين السبعة.
(١) وفي نسخة: ((من خمسة)).
رضىعنه

٣٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّهَ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َ) أنه (قَالَ: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ) قال
الخطابيّ في ((المعالم)) (١): في قوله: ((إذا اقترب الزمان)) قولان:
أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت
استوائهما أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالباً، وكذلك هو في
الحديث، والمعبِّرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار،
وإدراك الثمار، ونقله في ((غريب الحديث)) عن أبي داود السجستانيّ، ثم قال:
والمعبِّرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الأزهار،
وإدراك الثمار، وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار.
والقول الآخر: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته، إذا دنا قيام الساعة.
انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِم تَكْذِبُ)؛ أي: لم تقارب الكذب، وفيه
إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئاً منها لا يصدق، والراجح
أن المراد: نفي الكذب عنها أصلاً؛ لأن حرف النفي الداخل على ((كاد)» ينفي
قرب حصوله، والنافي لقرب حصول الشيء أدلّ على نفيه نفسه، ويدلّ عليه
قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ، لَمْ يَكَّدْ يَرَهَا﴾ [النور: ٤٠]، ذكره الطيبيّ(٢).
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): قيل في اقتراب الزمان قولان:
أحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وهو الزمان الذي تتفتق فيه
الأزهار، وتينع فيه الثمار، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال
الأمزجة فيه؛ فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام، فإنَّ من موجبات التخليط
فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها .
وثانيهما: أن المراد بذلك: آخر الزمان المقارب للقيامة. وقد روي عن
النبيّ وَ ﴿ من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة نظره أنه
(١) ((معالم السُّنن)) ١٢٩/٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٣٠٠٣/٩.

٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
قال: ((في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن))(١).
قال: والمراد - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث: زمان
الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث
عبد الله بن عمر ◌ًّا ما نصّه: ((فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس
سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يُرسل الله ريحاً باردةً من قبل الشام، فلا
يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرّة من خير، أو إيمان إلا قبضته))
الحديث، قال: فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصَّدْر
الأَوَّل، وأصدقهم أقوالاً، فكانت رؤياهم لا تكذب، ومن ثَمّ قال عقب هذا:
((وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً))، وإنما كان كذلك؛ لأن من كَثُر صِدْقه تنوّر
قلبه، وقَوِيَ إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان
غالب حاله الصدق في يقظته، استَصْحَب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقاً،
وهذا بخلاف الكاذب، والمخلِّط، فإنه يفسد قلبه، ويُظْلِم فلا يرى إلا تخليطاً،
وأضغائاً، وقد يندر أحياناً، فيرى الصادق ما لا يصحّ، ويرى الكاذب ما يصحّ
ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، والله أعلم. انتهى(٢).
قال الحافظ: وهذا يؤيده ما ثبت أن الرؤيا لا تكون إلا من أجزاء النبوة،
إن صدرت من مسلم صادق صالح، ومن ثَمّ قُيِّد بذلك في حديث: ((رؤيا
المسلم جزء))، فإنه جاء مطلقاً مقتصراً على المسلم، فأخرج الكافر، وجاء
مقيَّداً بالصالح تارةً، وبالصالحة، وبالحسنة، وبالصادقة، كما تقدم بيانه،
فُيُحمَل المطلق على المقيَّد، وهو الذي يناسب حاله حالَ النبيّ وََّ، فَيُكْرَم بما
أُكْرِم به النبيّ وَّر، وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر، والمنافق،
والكاذب، والمخلِّط، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات، فإنها لا تكون
من الوحي، ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في شيءٍ مَّا يكون خبره ذلك
نبوةً، فقد يقول الكاهن كلمة حقّ، وقد يُحَدِّث المنجِّم، فيصيب، لكن كلُّ
ذلك على الندور والقلة، والله أعلم.
(١) حديث صحيحٌ، رواه أحمد في («مسنده)) (٢٦٩/٢)، والترمذيّ في ((جامعه)) (٢٢٩١).
(٢) ((المفهم)) ١١/٦ - ١٢.

٣٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٩١)
وقال ابن أبي جمرة كَُّ(١): معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا
تكاد تكذب، أنها تقع غالباً على الوجه الذي لا يَحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها
الكذب، بخلاف ما قبل ذلك، فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبّرها العابر، فلا تقع
كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار.
قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان، أن المؤمن في ذلك
الوقت يكون غريباً، كما في الحديث: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً))،
أخرجه مسلم، فيقِلّ أنيس المؤمن، ومُعِيْنه في ذلك الوقت، فيُكْرَم بالرؤيا
الصادقة، قال: ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد
أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن، فيقال: كلما قَرُب الأمر، وكانت الرؤيا
أصدق حُمل على أقلّ عدد وَرَدَ، وعكسه، وما بين ذلك.
قال الحافظ: وتنبغي الإشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدم من المناسبات.
وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله: ((إذا اقترب الزمان لم تكد
رؤيا المؤمن تكذب)) إذا كان المراد آخر الزمان ثلاثة أقوال:
أحدها: أن العلم بأمور الديانة لَمّا يَذهبُ غالبه بذهاب غالب أهله،
وتعذرت النبوة في هذه الأمة عُوِّضُوا بالرؤيا الصادقة؛ ليجدَّد لهم ما قد دَرَسَ
من العلم.
والثاني: أن المؤمنين لَمّا يقلّ عددهم، ويغلب الكفر، والجهل، والفسق
على الموجودين، يُؤْنَس المؤمن، ويعان بالرؤيا الصادقة؛ إكراماً له، وتسليةً،
وعلى هذين القولين لا يختصّ ذلك بزمان معيَّن، بل كلما قَرُب فراغ الدنيا،
وأَخَذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق.
والثالث: أن ذلك خاصّ بزمان عيسى ابن مريم، وأولها أولاها، والله
أعلم.
(وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثاً)؛ يعني: أن من كان أكثر صدقاً في
حديثه كان أكثر صدقاً في رؤياه، قال النوويّ: ظاهره أنه على إطلاقه، وحَكَی
القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم،
(١) ((بهجة النفوس)) ٢٤٧/٤.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
وموت العلماء، والصالحين، ومن يُستضاء بقوله، وعمله، فجعله الله تعالى
جابراً، وعِوَضاً، ومنِّهاً لهم، والأول أظهر؛ لأن غير الصادق في حديثه يتطرق
الخلل إلی رؤياه، وحكايته إياها. انتهى(١).
(وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسةٍ) وقع في معظم النسخ: بلفظ: ((خمس))
بحذف التاء، والأولَ أولى، والله تعالى أعلم. (وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ) قال
السيوطيّ ◌َّثُ في ((شرحه)): هذا عندي من الأحاديث المتشابهة التي نؤمن بها،
ونكل معناها المراد إلى قائله وَ﴾، ولا نخوض في تعيين هذا الجزء من هذا
العدد، ولا في حكمته خصوصاً، وقد اختلفت الروايات في كمية العدد، ففي
رواية: ((من ستة وأربعين))، وفي رواية: ((من ستة وعشرين))، وفي رواية: ((من
أربعين))، وفي رواية: ((من أربعة وأربعين))، وفي رواية: ((من تسعة وأربعين))،
وفي رواية: ((من خمسين))، وفي رواية: ((من سبعين))، والله أعلم بمراد نبّه وَله.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: سأذكر في المسألة الخامسة ما قاله أهل العلم
في قوله وقال: ((جزء من أربعين جزءاً من النبوّة)) - إن شاء الله تعالى -.
(وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ)؛ أي: ثلاثة أنواع، (فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ) من إضافة الموصوف
إلى الصفة؛ كمسجد الجامع، وهو مبتدأ خبره قوله: (بُشْرَى مِنَ اللهِ) تعالى؛
أي: الرؤيا الصالحة التي يراها المسلم، أو تُرى له بُشرى من الله تَّ له، قال
القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((بشرى من الله))؛ أي: مُبشرة بخير، ومحذِّرة عن شرٍّ،
فإن التحذير عن الشرِّ خيرٌ، فتتضمَّنه البشرى، وإنَّما قلنا ذلك هنا؛ لأنَّه قد قال
في حديث الترمذيّ: ((الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله)) مكان: ((بشرى من الله))،
فأراد بذلك - والله أعلم - الرؤيا الصادقة المبشِّرة، والمحذِّرة. انتهى(٣).
(وَرُؤْيَا) مبتدأ سوّغه التقسيم، وخبره قوله: (تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)؛ أي:
إيقاع منه للمسلم في حُزْن وَهَمّ، قال القرطبيّ كَُّ: ويُلحق بالرؤيا المحزنة:
المفزعات، والمهوِّلات، وأضغاث الأحلام؛ إذ كل ذلك مذموم؛ لأنها من آثار
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٥.
(٣) ((المفهم)) ١٨/٦.
(٢) ((الديباج على مسلم)) ٢٨٤/٥.