Indexed OCR Text

Pages 1-20

القِ الحَيَظُ التجاري
في شرح
جَعُ الإِطُ مُسْلِمُ الحَجَاب
لِجَامِعِهِ الْفَقِيُرِالحَصَوْلَهِ الغَنِالْقَدِرُ
مُدَابر الشَُّ العُلَّمَ بَِّ ينَ آدَمْ بِرُمُوسَىَ الإِسَيُّبِالوَأْوِيّ
مُحْوَيَدْمِ الْعِلُم بِمَكّة المُكرَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَن وَالديه آمين
المَجَلَّدُ الشَّابِع وَالثَّلاثون
كِتَابُ: الرُّؤْيَا - الفَضَائل
رقم الأحاديث (٥٨٨٣ - ٦٠٩٧)
دارابن الجوزي

القِ الخَطُ التجاري
في شرح
جَةُ الإِهِلُ مُسْلِمُ الْجَار
٣٧

حِقُوق الطّرِّعْ محقُوظة لِدَارابن الجوزي
الطّبَعَة الأولى
١٤٣٥هـ
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ابـ
دار ابن
ـبوني
للنشر و التوزيع
دار ابن الجوزي
للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧
الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨
جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت
هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨
تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
٤٤ - کتاب الرؤيا
برالسه الرحمن الرحيم
قال الجامع عفا الله عنه: ابتدأتُ بكتابة الجزء السابع والثلاثين
من شرح ((صحيح الإمام مسلم) المسمّى ((البحر المحيط التجّاج
في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج زُجمالُهُ)) ليلة الخميس
الثالثة والعشرين من شهر جمادى الثانية ١٤٣٢/٦/٢٣هـ.
٤٤ - (كِتَابُ الرُّؤْيَا)
(١) - (بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٣] (٢٢٦١) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِابْنٍ أَبِي عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا، أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ، حَتَّى
لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا
مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْماً يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ
ثَلَاثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بكير، أبو عثمان البغدادي، نزل الرقّة،
ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه الْحَنْظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل
مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف ((المسند))، وكان لازم
ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق)
تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٤ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، إلا أنه تغير حفظه بأخَرَة، وكان ربما
دلّسَ، لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة، وكان أثبت الناس في عمرو بن
دينار [٨] مات في رجب سنة (١٩٨)، وله إحدى وتسعون سنةً (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن
عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشيّ، أبو بكر الفقيه الحافظ، متّفَقٌ
على جلالته، وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة [٤] (ت١٢٥) وقيل: قبل ذلك
بسنة، أو سنتين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ، مكثرُ [٣] (ت٩٤ أو ١٠٤) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ، هو الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن
رِبْعِيّ - بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة، بضم الموحّدة،
والمهملة، بينهما لام ساكنة - السَّلَميّ بفتحتين، المدنيّ شَهِد أُحُداً، وما
بعدها، ولم يصح شهوده بدراً، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان
وثلاثين، والأول أصحّ، وأشهر (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛
لاتّحاد كيفيّة تحمّلهم عنه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد
الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف أنه (قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا)

٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مِنَ النُُّوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
قال القرطبيّ تَخَّثُ: الرؤيا: مصدر رأى في المنام رؤيا، على وزن فُعْلى، وألفه
للتأنيث؛ ولذلك لم ينصرف، والرؤية: مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية، هذا
المعروف من لسان العرب، وقال بعض العلماء: إن الرؤيا قد تجيء بمعنى
الرؤية؛ وحَمَل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَِّيَّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾
الآية [الإسراء: ٦٠]، وقال: إنما يعني بها: رؤية النبيّ وَّ في الإسراء لَمّا
أراه الله من عجائب السماوات، والملكوت، وكان الإسراء من أوله إلى آخره
في اليقظة، وقد ذكرنا هذا في ((باب الإسراء)) من ((كتاب الإيمان)). انتهى (١).
وقوله: (أُعْرَى مِنْهَا) - بضم الهمزة، وإسكان العين، وفتح الراء - أي:
أُحَمّ؛ لخوفي من ظاهرها في معرفتي، قال أهل اللغة: يقال: عُرِي الرجلُ
بضم العين، وتخفيف الراء، يُعْرَى: إذا أصابه ◌ُرَاء، بضم العين، وبالمدّ،
وهو نفض الْحُمَّى، وقيل: رِعْدَةٌ(٢). (غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ) بضمّ أوله، وتشديد
الميم، مبنيّاً للمفعول؛ أي: لا أغطّى، ولا أُلَفّ كالمحموم، (حَتَّى لَقِيتُ أَبَا
قَتَادَةَ) الأنصاريّ ◌َبِهِ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ)؛ أي: الذي يصيبه من رؤيا تسوؤه،
وتشتدّ عليه، وفي رواية عبد ربّه، عن أبي سلمة الآتية: ((إن كنت لأرى الرؤيا
تُمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا، فتُمرضني،
حتى سمعت رسول الله وَل﴿ يقول ... )). (فَقَالَ) أبو قتادة
◌ُ (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا) قال النوويّ: الرؤيا مقصورة، مهموزةٌ، ويجوز
ترك همزها؛ كنظائرها. (مِنَ اللهِ)؛ أي: بشرى من الله، أو تحذير وإنذار،
وقال في ((العمدة)): إضافة الرؤيا إلى الله للتشريف، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ
[الشمس: ١٣]، والرؤيا المضافة إلى الله لا
لَمْ رَسُولُ الَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا
يقال لها: حُلُم، والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: رؤيا، وهذا تصرّف
شرعيّ، وإلا فالكل يسمى رؤيا. انتهى (٣).
وقال المازريّ: الرؤيا اسم للمحبوب، والحُلُم اسم للمكروه، وقال
غيره: أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف، بخلاف المكروهة، وإن
(١) ((المفهم)) ٥/٦ - ٦.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١٣٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦/١٥.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
كانتا جميعاً من خلق الله تعالى، وتدبيره، وبإرادته، ولا فِعل للشيطان فيهما،
لكنه يحضر المكروهة، ويرتضيها، ويُسَرُّ بها. انتهى(١).
وفي رواية عبد ربّه بن سعيد عن أبي سلمة الآتية: ((الرؤيا الصالحة
من الله))، وفي لفظ للبخاريّ: ((الرؤيا الصادقة من الله))، قال في ((الفتح)):
قوله: ((الرؤيا الصادقة))، وفي رواية الكشميهنيّ: ((الصالحة))، وهو الذي وقع
في معظم الروايات، وسقط الوصف من رواية أحمد بن يحيى الحلوانيّ، عن
أحمد بن يونس شيخ البخاريّ فيه، أخرجه أبو نعيم في (المستخرج)) بلفظ:
((الرؤيا من الله)؛ كالترجمة (٢)، وكذا في ((الطب)) من رواية سليمان بن بلال،
والإسماعيليّ، من رواية الثوريّ، وبشر بن المفضَّل، ويحيى القطان، كلهم عن
يحيى بن سعيد، ولمسلم من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة(٣)، ووقع في رواية
عبد ربه بن سعيد، عن أبي سلمة بلفظ: ((الرؤيا الحسنة من الله))، ووقع عند
مسلم من هذا الوجه: (الصالحة))، زاد في هذه الرواية: ((فإذا رأى أحدكم ما
يحبّ فلا يُخْبر به إلا من يُحِبّ))، ولمسلم في رواية من هذا الوجه: ((فإن رأى
رؤيا حسنة فليَبْشُر، ولا يخبر إلا من يحب))، وقوله: ((فليبشر))، بفتح التحتانية،
وسكون الموحّدة، وضم المعجمة، من البشرى، وقيل: بنون بدل الموحّدة؛
أي: ليحدّث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ من
مسلم: ((فليستر)) بمهملة، ومثناة، من الستر.
وفي حديث أبي رزين عند الترمذيّ: ((ولا يقصّها إلا على وادّ -
بتشديد الدال، اسم فاعل من الوُدّ - أو ذي رأي))، وفي أخرى: ((ولا يحدّث
بها إلا لبيباً، أو حبيباً))، وفي أخرى: ((ولا يقصّ الرؤيا إلا على عالم، أو
ناصح)).
قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أما العالِم فإنه يؤولها له على الخير،
مهما أمكنه، وأما الناصح فإنه يُرشد إلى ما ينفعه، ويُعِينُه عليه، وأما اللبيب،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٥.
(٢) أي: كترجمة البخاريّ، حيث قال: ((باب الرؤيا من الله)).
(٣) يعني: هذه الرواية التي نشرحها الآن.

٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
وهو العارف بتأويلها، فإنه يُعْلِمِه بما يُعَوِّل عليه في ذلك، أو يسكت، وأما
الحبيب فإن عرف خيراً قاله، وإن جهل، أو شكّ سكت.
قال الحافظ: والأَولى الجمع بين الروايتين، فإن اللبيب عُبِّر به عن
العالِم، والحبيب عُبّر به عن الناصح، وسيأتي عند مسلم في حديث أبي سعيد:
((فليحمد الله عليها، ولْيُحَدِّث بها))(١).
(وَالْحُلْمُ) - بضم الحاء المهملة، وسكون اللام، وقد تضمّ -: ما يراه
النائم، ولم يَحْكِ النوويّ غير السكون، يقال: حَلَم بفتح اللام، يحلُم بضمها،
وأما من الحلم بكسر أوله، وسكون ثانيه، فيقال: حَلُّم بضم اللام، وجَمْع
الحلُم بالضم، والحِلْم بالكسر: أحلام(٢).
(مِنَ الشَّيْطَانِ) إضافة الحلم إلى الشيطان، بمعنى أنها تناسب صفته، من
الكذب، والتهويل، وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة، فأضيفت إلى الله
إضافةً تشريف، وإن كان الكلّ بخلق الله تعالى، وتقديره، كما أن الجميع
عباد الله، ولو كانوا عُصاةً، كما قال تعالى: ﴿يَعِبَادِىّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
الآية [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ الآية
[الحجر: ٤٢](٣) .
وقال المهلّب: سَمَّى الشارع الرؤيا الخالصة من الأضغاث صالحةً،
وصادقةً، وأضافها إلى الله تعالى، وسَمَّى الأضغاث حُلُّماً، وأضافها إلى
الشيطان؛ إذ كانت مخلوقةً على شاكلته، فأعلمَ الناس بكيده، وأرشدهم إلى
دفعه؛ لئلا يُبْلغِوه أَرَبه في تحزينهم، والتهويل عليهم.
وقال أبو عبد الملك: أضيفت إلى الشيطان؛ لكونها على هواه، ومراده.
وقال ابن الباقلانيّ: يخلق الله الرؤيا الصالحة بحضرة الملك، ويخلق
الرؤيا التي تقابلها بحضرة الشيطان، فمن ثَمّ أضيفت إليه، وقيل: أضيفت إليه؛
(١) ((الفتح)) ٣٠٦/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٨٤).
(٢) ((الفتح)) ٣٤٤/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٠٥).
(٣) ((الفتح)) ٣٤٤/١٦ - ٣٤٥، كتاب ((التعبير)) رقم (٧٠٠٥).

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
لأنه الذي يُخَيِّل بها، ولا حقيقة لها في نفس الأمر(١).
(فَإِذَا حَلَمَ) بفتح اللام، من باب نصر: إذا رأى في منامه الرؤيا، ويقال:
احتلم أيضاً، ومنه حلَم الصبيّ، واحتلم: إذا بلغ مبلغ الرجال، وأما حَلُم
بمعنى صفح، وستر، فهو بضمّ اللام؛ ككرُم، حِلْماً بكسر، فسكون(٢).
(أَحَدُكُمْ حُلْماً) بضمّتين، وبإسكان الثاني تخفيفاً.
وقال القرطبيّ: الْحُلْم - بضم الحاء، وسكون اللام - مصدر حَلَمٍ - بفتح
الحاء واللام -: إذا رأى في منامه رؤيا، ويُجمع على أحلام في القلّة، وفي
الكثرة: حلوم؛ وإنَّما جُمع، وإن كان مصدراً لاختلاف أنواعه، وهو في
الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسناً كان، أو مكروهاً، وأراد به
النبيّ وَّ هنا ما يُكره، وما لا ينتظم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
فأمَّا الحِلم - بكسر الحاء -، فهو مصدر حَلُمَ - بضم اللام - يَحْلِمُ: إذا
صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة، وتحلَّم: تكثّف الحلم. والْحَلم -
بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ، وتثقيبه فيه. يقال منه: حَلِم الأديم -
بكسر اللام - يحلم - بفتحها -: إذا صار كذلك. انتهى(٣).
وقوله: (يَكْرَهُهُ) من باب فَهِم، صفة لـ((حُلُمَاً))، (فَلْيَنْفُثْ) بضمّ الفاء،
وكسرها، قال القاضي عياض تَخْتُ: اختُلِف في التفل والنفث، فقيل: معناهما
واحد، ولا يكونان إلا بِريق، وقيل: يُشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في
النفث، وقیل عكسه.
وقال النوويّ: أكثر الروايات: ((فلينفث))، وهو النفخ اللطيف، بلا ريق،
فيكون التفل، والبصق محمولين عليه مجازاً.
وتعقبه الحافظ بأن المطلوب طرد الشيطان، وإظهار احتقاره، واستقداره،
كما نقله هو عن عياض كما مرّ، فالذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل، فإنه
(١) ((شرح ابن بطّال على البخاريّ)) ٥١٤/٩، و((الفتح)) ٣٠٧/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم
(٦٩٨٤).
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١/ ١٤٨.
(٣) ((المفهم)) ٦/٦.

١١
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
نفخٌ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له: نفث، وبالنظر إلى التفل قيل
له: بصق. انتهى(١).
وقال في ((التاج)): (نَفَثَ يَنْفُثُ)) بالضَّمّ، ((ويَنفِثُ)) بالكسر، نَفْثاً، ونَفَثَاناً،
محرّكة، وهو كالنَّفْخ، مع رِيقٍ، كذا في ((الكَشّاف))، وفي ((النَّشْرِ)): النَّفْث: شِبْهُ
النَّفْخِ، يكون في الَرُّقْيَة، ولا رِيقَ معه، فإِن كان معه رِيقٌ، فهو التَّفْل، وهو
الأَصَحّ، كذا في ((العِناية))، وفي ((الأَذكار)): قال أَهلُ اللّغةِ: ((النَّفْثُ)): نَفْخٌ
لَطِيفٌ بلا رِيقٍ، و((النَّفْث)): أَقَلُّ من الثَّفْلِ؛ لأَنّ التَّفْلَ لا يكون إِلّا ومعه شَيْ
من الرِّيقِ، وقيل: هو التَّفْلِ بِعَيْنِهِ، وعن بعضهم: النَّفْثُ: فوقَ النَّفْخ، أَو
شِبْهُه، ودُونَ التَّفْلِ، وقد يكون بلا رِيقٍ، بخلاف التَّفْلِ، وقد يكون بِرِيقٍ
خفِيفٍ، بخلافِ النَّفْخِ. وقيل: النَّفْتُ: إِخْرَاجُ الرِّيحِ من الفَمِ بقليلٍ من الرِّيقِ.
وفي ((المصباح)): نَفَثَه من فَمِه نَفْئاً، من باب ضَرَب: رَمَى به، ونَفَثَ: إِذا
بَزَقَ، وبَعْضِهُم يقول: إِذا بَزَقَ، ولا رِيقَ معه، ونَفَثَ في العُقْدَةِ عند الرُّقَى،
وهو البُصَاقُ الگثیرُ. انتهى(٢).
(عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث مرّات، (وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا)؛ أي: شرّ
هذه الرؤيا التي كرهها، (فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ))) قال القرطبيّ عند قوله: ((والحلم من
الشيطان)): يعني به: ما يُلقيه مما يهوّل، أو يخوف، أو يحزن به، وهذا النوع
هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنَّه من تخييلات الشيطان، وتشويشاته، فإذا
استعاذ الرائي منه صادقاً في التجائه إلى الله تعالى، ونفث عن يساره ثلاثاً،
وتحوَّل عن جَنْبه كما أمره النبيّ ◌َّ﴿ في هذا الحديث، وصلى؛ أذهب الله عنه
ما أصابه، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء ببركة صدق الالتجاء
إلى الله تعالى، وامتثال أوامر رسوله وقلقه .
وعلى هذا فيكون قوله: ((فإذا رأى أحدكم ما يكره)) إنَّما يعني به: ما
يكون سببه الشيطان. وقيل: بل الخبر بحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان،
وما لا يسببه، مما يكرهه الرائي. ويكون فِعل هذه الأمور كلها مانعاً من وقوع
(١) (شرح الزرقاني على الموطأ)) ٤٥٣/٤.
(٢) ((تاج العروس)) ١٣١٥/١.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
ذلك المكروه، كما يقال: إن الدعاء يدفع البلاء، والصَّدقة تدفع ميتة السوء،
وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، ولكن الوسائط والأسباب عاديات لا
موجودات(١). وفائدة أَمْرِه بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه،
وينقطع عن ذلك المنام المكروه، وفائدة الأمر بالصلاة، أن تكمل الرغبة،
وتصح الطَّلِبة، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. انتهى (٢)، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة رضّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٨٨٣/١ و٥٨٨٤ و٥٨٨٥ و٥٨٨٦ و٥٨٨٧
و ٥٨٨٨ و٥٨٨٩] (٢٢٦١)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٣٩٢) و((الطبّ))
(٥٧٤٧) و((التعبير)) (٦٩٨٤)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠٢١)، و(الترمذيّ)
في ((الرؤيا)) (٢٢٧٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٩١/٤ و٢٢٤/٦)، و((عمل
اليوم والليلة)) (٨٩٧ و٩٠٠ و٩٠١)، و(ابن ماجه) في ((تعبير الرؤيا)) (٣٩٠٩)،
و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢/ ٩٥٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢١٢/١١)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧٠/١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٠٢/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٠/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٤/٢)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٦٠٥٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٧٠/٥)،
و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (١٨٧/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٢٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٣):
١ - (منها): أن الرؤيا الصالحة من الله تعالى بشرى، لعبده، والرؤيا
السيّئة من الشيطان، قال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وأما قوله وَّ في الحديث:
(١) هكذا نسخة ((المفهم))، والظاهر أن صوابه: لا موجبات، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((المفهم)) ٩/٦ - ١٠.
(٣) المراد فوائد أحاديث الباب، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.

١٣
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
((الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح))، وربما جاء في الحديث: ((الرؤيا
الصالحة)) فقط، وربما جاء في الحديث أيضاً: ((رؤيا المؤمن)) فقط، وربما
جاء: ((يراها الرجل الصالح، أو تُرى له))؛ يعني: من صالح وغير صالح، وهي
ألفاظ المحدِّثين، والله أعلم بها، والمعنى عندي في ذلك على نحو ما ظهر لي
في الأجزاء المختلفة من النبوة، والرؤيا إذا لم تكن من الأضغاث،
والأهاويل، فهي الرؤيا الصادقة، وقد تكون الرؤيا الصادقة من الكافر، ومن
الفاسق؛ كرؤيا الملِك التي فسَّرها يوسف وَّه، ورؤيا الفَتَيَيْن في السجن،
ورؤيا بختنصر التي فسَّرها دانيال في ذهاب مُلكه، ورؤيا كسرى في ظهور
النبيّ وَّ، ورؤيا عاتكة عمة رسول الله وَ له في أمر النبيّ وَّ، ومثل هذا كثير،
وقد قسم رسول الله ول﴿ الرؤيا أقساماً تغني عن قول كل قائل، ثم أخرج بسنده
حديث عوف بن مالك عن رسول الله وسلم قال: ((الرؤيا ثلاثة: منها أهاويل
الشيطان؛ ليحزن ابن آدم، ومنها ما يَهُمّ به في يقظته، فيراه في منامه، ومنها
جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان آداب من رآى ما يكرهه، وهو أن ينفث عن يساره
ثلاثاً، ويتعوّذ بالله من شرها، فإنها لا تضرّه.
٣ - (ومنها): بيان عداوة الشيطان للإنسان في كلّ أحواله، في يقظته،
ومنامه، فلا يتركه في أيّ حال من الأحوال إلا يتعرّض لأذيّته، وأنه لا ملجأ
ولا منجى له إلا بالالتجاء إلى الله، والتحصّن بذكره، فإنه الكافي عبدَه،
فقد وعد بذلك حيث قال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ
وَكِيلًا
[الإسراء: ٦٥].
٦٥
٤ - (ومنها): بيان آداب الرؤيا الصالحة، وهي ثلاثة أشياء: أن يحمد الله
تعالى عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها، لكن لمن يُحِبّ دون من
يكره.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((ولا يذكرها)) على أن الرؤيا تقع على ما
يُعَبَّر به، وسيأتي تمام البحث في ذلك - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٨٦/١.

١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على أن للوهم تأثيراً في النفوس؛ لأن
التفل، وما ذُكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن
للوهم تأثير لَمَا أَرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره لمن
يكره، والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب.
٧ - (ومنها): أنه وقع في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُله عند البخاريّ:
((وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان))، قال في ((الفتح)): ظاهر
الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي، ويؤيده
مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول
أهل التعبير، ومن تبعهم: إن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذاراً
نظرٌ؛ لأن الإنذار غالباً يكون فيما يكره الرائي.
ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه، وبأن المراد بما
يكره ما هو أعمّ من ظاهر الرؤيا، ومما تعبَّر به.
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا - يعني:
ما كان فيه تهويل، أو تخويف، أو تحزين - هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه
من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقاً في التجائه إلى الله تعالى،
وفَعَل ما أُمر به من التفل، والتحول، والصلاة، أذهب الله عنه ما به، وما
يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء.
وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي، بتناول ما يتسبب به
الشيطان، وما لا تسبُّب له فيه، وفِعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه،
كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله
وقدره، ولكن الأسباب عادات، لا موجودات(١)، وأما ما يرى أحياناً مما
يُعجب الرائي، ولكنه لا يجده في اليقظة، ولا ما يدلّ عليه، فإنه يدخل في
قسم آخر، وهو ما كان الخاطر به مشغولاً قبل النوم، ثم يحصل النوم، فيراه،
فهذا قسم لا يضرّ، ولا ينفع(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) هكذا النسخة، ولعله لا موجبات، والله أعلم.
(٢) ((الفتح)) ٣١١/١٦ - ٣١٢، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٨٥).

١٥
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
(المسألة الرابعة): حاصل ما ذُكر في هذه الأحاديث من آداب الرؤيا
المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرّها، ومن شر الشيطان، وأن يتفل
حين يَهُبّ من نومه عن يساره ثلاثاً، ولا يذكرها لأحد أصلاً، ووقع عند
الشيخين من حديث أبي هريرة عظ ته خامسةٌ، وهي الصلاة، ولفظه: ((فمن رأى
شيئاً يكرهه، فلا يقصّه على أحد، وليقم، فليصلّ))، لكن لم يصرح البخاريّ
بوصله، وصرح به مسلم، كما سيأتي.
وغفل القاضي أبو بكر ابن العربيّ، فقال: زاد الترمذي على ((الصحيحين))
بالأمر بالصلاة. انتهى.
وزاد مسلم سادسةً، وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه.
وفي الجملة فتكمل الآداب ستة: الأربعة الماضية، والصلاة، والتحول.
قال الحافظ: ورأيت في بعض الشروح ذَكَر سابعةً، وهي قراءة آية
الكرسيّ، ولم يذكر لذلك مستنداً، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي
هريرة: ((ولا يقربنك شيطان))، فيتّجه، وينبغي أن يقرأها في صلاته
المذكورة(١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): فيما قاله العلماء من الحكمة في الأمر بالاستعاذة،
وغيرها :
قال في ((الفتح)): قد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور، فأما الاستعاذة بالله
من شرها فواضح، وهي مشروعة عند كل أمر يكره.
وأما الاستعاذة من الشيطان: فَلِمَا وقع في بعض طرق الحديث أنها منه،
وأنه يُخَيِّل بها لقصد تحزين الآدميّ، والتهويل عليه، كما تقدم.
وأما التفل: فقال عياض: أمر به طرداً للشيطان الذي حضر الرؤيا
المكروهة؛ تحقيراً له، واستقذاراً، وخُصّت به اليسار؛ لأنها محل الأقذار،
ونحوها، قال الحافظ: والتثليث للتأكيد.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: فيه إشارة إلى أنه في مقام الرُّقية؛
ليتقرر عند النفس دَفْعه عنها، وعَبَّر في بعض الروايات بالبصاق؛ إشارةً إلى
(١) ((الفتح)) ٣٠٨/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٨٤).

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
استقذاره، وقد ورد بثلاثة ألفاظ: التفث، والتفل، والبصق.
قال النوويّ في الكلام على النفث في الرقية تبعاً لعياض: اختُلِف في
التفث، والتفل، فقيل هما بمعنى، ولا يكونان إلا بريق.
وقال أبو عبيد: يُشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في التفث، وقيل:
عكسه، وسئلت عائشة ها عن التفث في الرقية، فقالت: كما ينفث آكل
الزبيب، لا ريق معه، قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلّة بغير قصد، قال:
وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب، فجعل يجمع بُزاقه،
قال عياض: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة، والهواء، والتفث المباشر للرقية
المقارن الذِّكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يُكتب من الذِّكر والأسماء.
وقال النوويّ أيضاً: أكثر الروايات في الرؤيا: ((فلينفث))، وهو نفخ لطيف
بلا ريق، فيكون التفل، والبصق محمولين عليه، مجازاً.
قال الحافظ: لكن المطلوب في الموضعين مختلف؛ لأن المطلوب في
الرقية التبرك برطوبة الذُّكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان، وإظهار
احتقاره، واستقذاره، كما نقله هو عن عياض، كما تقدم، فالذي يجمع
الثلاثة: الحمل على التفل، فإنه نفخٌ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل
له: تفث، وبالنظر إلى الريق قيل له: بصاق.
قال النوويّ: وأما قوله: ((فإنها لا تضرّه)) فمعناه أن الله تعالى جَعَل ما
ذُكر سبباً للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية
للمال. انتهى.
وأما الصلاة: فَلِمَا فيها من التوجه إلى الله تعالى، واللجأ إليه، ولأن في
التحرّم بها عصمةً من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطَّلِبة؛ لِقُرْب
المصلي من ربه ر®مت عند سجوده.
وأما التحول: فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، قال النوويّ:
وينبغي أن يُجمع بين هذه الروايات كلِّها، ويَعْمَل بجميع ما تضمّنه، فإن اقتصر
على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى، كما صرَّحت به الأحاديث.
قال الحافظ: لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم
أشار المهلَّب إلى أن الاستعاذة كافية في دَفْع شرّها، وكأنه أخذه من قوله

١٧
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
إِنَّهُ، لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُّ عَلَى
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ (@)
[النحل: ٩٨، ٩٩]، فيحتاج مع الاستعاذة
(٩٩)
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان.
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): الصلاة تجمع ذلك كله؛ لأنه إذا قام،
فصلى تحوّل عن جَنْبه، وبصق، ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ
قبل القراءة، ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه.
وورد في صفة التعوذ من شرّ الرؤيا أثر صحيح، أخرجه سعيد بن
منصور، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، بأسانيد صحيحة، عن إبراهيم النخعيّ
قال: ((إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره، فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت
به ملائكة الله، ورسله، من شرّ رؤياي هذه، أن يصيبني فيها ما أكره في ديني،
ودنياي)).
وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك، قال: ((بلغني
أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إني أُرَوَّع في المنام، فقال: قل: أعوذ
بكلمات الله التامات من شر غضبه، وعذابه، وشر عباده، ومن همزات
الشياطين، وأن يحضرون))، وأخرجه النسائيّ من رواية عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدّه، قال: كان خالد بن الوليد يفزع في منامه، فذكر نحوه، وزاد
في أوله: ((إذا اضطجعت، فقل: باسم الله ... ))، فذكره، وأصله عند أبي
داود، والترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصححه.
واستثنى الداوديّ من عموم قوله: ((إذا رأى ما يكره)) ما يكون في الرؤيا
الصادقة؛ لكونها قد تقع إنذاراً، كما تقع تبشيراً، وفي الإنذار نوعُ ما يكرهه
الرائي، فلا يُشْرَع إذا عُرف أنها صادقة ما ذَكَره من الاستعاذة، ونحوها،
واستند إلى ما ورد من مرائي النبيّ وَّه؛ كالبقر التي تُنحر، ونحو ذلك.
ويمكن أن يقال: لا يلزم من ترك الاستعاذة في الصادقة، أن لا يتحول
عن جنبه، ولا أن لا يصلي، فقد يكون ذلك سبباً لدفع مكروه الإنذار، مع
حصول مقصود الإنذار، وأيضاً فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشِّرة؛ لأن من
أُنذِر بما سيقع له، ولو كان لا يسرّه أحسن حالاً ممن هُجِم عليه ذلك، فإنه
ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه، فيكون ذلك تخفيفاً عنه، ورفقاً به.

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
قال الحكيم الترمذيّ: الرؤيا الصادقة أصلها حق تُخبر عن الحقّ، وهو
بشرى، وإنذار، ومعاتبة؛ لتكون عوناً لِمَا نُدِب إليه، قال: وقد كان غالب أمور
الأوَّلين الرؤيا، إلا أنها قلَّت في هذه الأمة؛ لِعِظَم ما جاء به نبيّها وٍَّ من
الوحي، ولكثرة من في أمته من الصدِّيقين من الْمُحَدَّثين بفتح الدال، وأهل
اليقين، فاكتفَوْا بكثرة الإلهام والملْهَمين عن كثرة الرؤيا التي كانت في
المتقدِّمین.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وقد كان غالب أمور الأَوَّلين الرؤيا)) لم
يذكر مستنده في هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم ..
وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل قوله: الرؤيا الحسنة، والصالحة أن يرجع
إلى حُسن ظاهرها، أو صِدْقها، كما أن قوله: الرؤيا المكروهة، أو السوء
يَحْتَمِل سوء الظاهر، أو سوء التأويل.
وأما كتمها: مع أنها قد تكون صادقةً، فخَفِيَتْ حكمته، ويحتمل أن يكون
لمخافة تعجيل اشتغال سرّ الرائي بمكروه تفسيرها؛ لأنها قد تبطئ، فإذا لم
يُخبِر بها زال تعجيل رَوْعها وتخويفها، ويبقى إذا لم يعبِّرها له أحد بين الطمع
في أن لها تفسيراً حسناً، أو الرجاء في أنها من الأضغاث، فيكون ذلك أسكن
لنفسه، والله تعالى أعلم(١) .
(المسألة السادسة): في ذكر ما قيل في كيفيّة الرؤيا:
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وقد اختلف الناس في حقيقة الرؤيا قديماً وحديثاً،
فقال غير المتشرِّعين أقوالاً مختلفة، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة، قد
عَرِيت عن البرهان، فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم: الإعراض
عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم.
وبيان ذلك أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيِّب عنا
عِلْم حقيقتها، وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه كان أحرى، وأَولى
ألّا نعلم ما غُيِّب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقةَ كثير مما قد
انكشف لنا جملته من إدراكاتها؛ كحس السمع، والعين، والأذن، وغير ذلك،
(١) ((الفتح)) ٣١١/١٦، كتاب ((التعبير)) رقم (٦٩٨٤).

١٩
(١) - بَابٌ فِي كَوْنِ الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ - حديث رقم (٥٨٨٣)
فإنا إنما نعلم منها أموراً جُمْلية، لا تفصيلية، وأوصافاً لازمة، أو عَرَضية، لا
حقيقية، وسبيل العاقل ألّا يطمع في معرفة ما لم يُنْصَب له عليه دليل عقليّ،
ولا حسيّ، ولا مركّب منهما؛ إلا أن يُخْبِر بذلك صادق، وهو الذي دلَّ الدليل
القطعيّ على صدقه، وهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فإنَّهم دَلّت
على صدقهم دلائل المعجزات، وإذا كان كذلك، فسبيلنا أن نُعْرِض عن أحوال
المعرضين، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشارع، والمتشرّعين.
قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: المذهب الصحيح ما عليه أهل السُّنَّة،
وهو أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب
اليقظان، وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء، وما يمنعه من فعله نوم، ولا يقظة،
وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات عَلَماً على أمور أُخَر يخلقها في ثاني حال،
أو كان قد خلقها .
وقال غيره: إن لله تعالى مَلَكاً موكّلاً يَعْرِض المرئيَّات على المحل
المُدْرِك من النائم، فيمثّل له صوراً محسوسة؛ فتارة تكون تلك الصور أمثلة
موافقةً لِمَا يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعاني معقولة غير محسوسة،
وفي الحالتين تكون مبشرة ومنذرة.
قال القرطبيّ: وهذا مِثْل الأول في المعنى؛ غير أنه زاد فيه قضية الْمَلَك،
ويحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع؛ إذ يجوز أن يخلق الله تعالى تلك
التمثيلات من غير مَلَك. وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل
جعلها الله إعلاماً على ما كان، أو يكون؛ وهو أشبهها .
فإن قيل: كيف يقال: إن الرؤيا إدراك مع أن النوم ضد الإدراك؛ فإنه من
الأضداد العامة؛ كالموت، فلا يجتمع معه إدراك؟
فالجواب: أن الجزء المدرِك من النائم لم يحلّه النوم، فلم يجتمع معه،
فقد تكون العين نائمة، والقلب يقظان؛ كما قال النبيّ ◌َّ: ((إن عيني تنامان،
ولا ينام قلبي))، وإنما قال: منضبطة التخيل؛ لأنَّ الرائي لا يرى في منامه إلا
من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه، غير أنه قد تُركَّب المتخيَّلات في النوم
تركيباً يحصل من مجموعها صورة لم يوجد لها مثال في الخارج، تكون عَلَماً
على أمر نادر؛ كمن يرى في نومه موجوداً رأسه رأس الإنسان، وجسده جسد

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الرؤيا
الفرس مثلاً، وله جناحان، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد
مثلها في الوجود، وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجيّ، وإنَّما قال:
جعلها الله إعلاماً على ما كان، أو يكون؛ لأنَّه يعني به: الرؤيا الصحيحة
المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ثمّ إن النبيّ ◌َّ﴿ه قد ذكر أنواع الرؤيا هنا، وفيما رواه الترمذيّ من حديث
أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَله: ((الرؤيا ثلاث: فرؤيا حقّ، ورؤيا
يحدِّث المرء بها نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان))، وذَكَر الحديث، فرؤيا
الحقّ هي المنتظمة التي لا تخليط فيها، وقد سَمَّاها في رواية أخرى:
((الصادقة))، وفي أخرى: ((الصالحة))، وهي التي يحصل بها التنبيه على أمر في
اليقظة صحيح، وهي - التي إذا صدرت من الإنسان الصالح - جزء من أجزاء
النبوة؛ أي: خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى.
وأما الثانية: فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية، وشهواتٍ غالبة،
وهموم لازمة، ينام عليها، فيرى ذلك في نومه، فلا التفات إلى هذا، وكذلك
الثالثة، فإنها تحزين، وتهويل، وتخويف، يُدخل كل ذلك الشيطان على
الإنسان في نومه؛ ليشوّش يقظته، وقد يجتمع هذان السببان، أعني هموم
النفس، وأُلقيات الشيطان في منام واحد، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها،
والضغث: هي القبضة من الحشيش المختلط. انتهى كلام القرطبيّ تَّتُهُ(١)،
وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٨٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلٍ طَلْحَةَ، وَعَبْدِ رَبِّهِ، وَيَحْتَى ابْنَيْ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِمْ
قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الزُّؤْيَا، أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ).
(١) ((المفهم)) ٦/٦ - ٩.