Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٤) انتقال العلة للصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنوّ من صاحب العاهة التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوّه من العليل، فيقع فيما أبطله النبيّ وَير من العدوى، قال: وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضةٌ لِأَكْله معه؛ لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحياناً، وعلى سبيل الإباحة أخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، وإنما كان يفعل ما نَهَى عنه أحياناً لبيان أن ذلك ليس حراماً . وقد سلك الطحاويّ في ((معاني الآثار)) مسلك ابن خزيمة فيما ذكره، فأورد حديث: ((لا يورد ممرض على مصحّ))، ثم قال: معناه أن المصحّ قد يصيبه ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني ما أوردته عليه لم يُصِبْه من هذا المرض شيء، والواقع أنه لو لم يُورِدْه لأصابه، لكون الله تعالى قدّره، فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالباً من وقوعها في قلب المرء، ثم ساق الأحاديث في ذلك، فأطنب، وجَمَع بينها بنحو ما جمع به ابن خزيمة، ولذلك قال القرطبيّ في ((المفهم)): إنما نهى رسول الله وَّ عن إيراد الممرض على المصحّ مخافةَ الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية، من اعتقاد العدوى، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله: ((فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد))، وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرةً، وكراهيةً لمخالطته، حتى لو أكره إنسان نفسه على القُرْب منه، وعلى مجالسته لتأذّت نفسه بذلك، فحينئذ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيجتنب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أن لا يُنْجِي حذرٌ مِنْ قَدَر، والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشفقة؛ لأنه کان ینھی أمته عن كل ما فيه ضرر، بأي وجه كان، ويدلّهم على كل ما فيه خير، وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللاً، فكان هذا وجه الأمر بالمجانبة، وقد أكل هو مع المجذوم، فلو كان الأمر بمجانبته على الوجوب لَمَا فَعَله، قال: ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضَعف المخاطبين، وفِعْله حقيقة الإيمان، فمن ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى فعل الأول أصاب السُّنَّة، وهي أثر الحكمة، ومن فعل الثاني كان أقوى يقيناً؛ لأن الأشياء كلها لا تأثير لها، إلا بمقتضى إرادة الله تعالى، وتقديره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فمن كان قوي اليقين، فله أن يتابعه بَّر في فعله، ولا يضره شيء، ومَن وَجَد في نفسه ضَعفاً فليتّبع أَمْره في الفرار؛ لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة. فالحاصل أن الأمور التي يُتوقع منها الضرر، وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها، فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها، وأما أصحاب الصدق واليقين، فهم في ذلك بالخيار. قال: وفي الحديث أن الحكم للأكثر؛ لأن الغالب من الناس هو الضَّعف، فجاء الأمر بالفرار بحسب ذلك. واستُدِلّ بالأمر بالفرار من المجذوم لإثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح، إذا وجده أحدهما بالآخر، وهو قول جمهور العلماء. وأجاب فيه من لم يقل بالفسخ: بأنه لو أخذ بعمومه لثبت الفسخ إذا حدث الجذام، ولا قائل به. ورُدّ بأن الخلاف ثابت، بل هو الراجح عند الشافعية، واختُلِف في أَمَة الأجذم، هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ واختَلَف العلماء في المجذومين إذا كَثُروا، هل يُمنعون من المساجد، والمجامع؟ وهل يُتخذ لهم مكان منفرد عن الأصحاء؟ ولم يختلفوا في النادر أنه لا يُمنع، ولا في شهود الجمعة. انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب المسالك هو المسلك الخامس، وهو أن المراد بنفي العدوى نفي ما كانت عليه الجاهليّة من زعمهم أن المرض يُعدي بطبعه، لا بتقدير الله تعالى، فردّ عليهم ذلك، فقال: ((لا عدوى))، وأمرهم بالفرار من المجذوم، ونهاهم عن إيراد الممرض على المصحّ؛ لئلا يحصل لهم بتقدير الله تعالى؛ إذ جرت سنّة الله تعالى بأن الأسباب تفضي إلى مسيّياتها، ففيه إثبات الأسباب، وفي أَكْله ◌َّ مع المجذوم (١) ((الفتح)) ٩٧/١٣ - ١٠٢، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٧). ٣٦٣ (١٨) - بَابُ لَّا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَّا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٥) بيانُ أن الأسباب لا تستقلّ بنفسها، بل الله تعالى إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثّر، وإن شاء أبقاها، فتؤثّر، فهذا هو أقرب الوجوه المذكورة في الجمع بين أحاديث الباب المختلفة في نظري، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرُهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ))، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنُّ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حُجّةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغِفَاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه))، فقال: (٥٣٨٧) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيره: أن أبا هريرة ظه قال: إن رسول الله وسلم قال: ((لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة))، فقال أعرابيّ: يا رسول الله، فما بال إبلي تكون في الرمل؛ كأنها ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل بينها، فيُجربها؟ فقال: ((فمن أعدى الأول؟)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: (لَا عَدْوَى))، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، وَصَالِحٍ، وَعَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ الشهير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ) واسم أبيه يزيد بن أمية، ويقال: ابن ربيعة، ويقال له: الديليّ، المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، والحسين بن عليّ، وجابر، وأبي واقد الليثيّ. وروى عنه الزهريّ، وزيد بن أسلم، وأبو ◌ُوَالة على ما ذكره الحاكم. قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال يحيى بن بكير: مات سنة خمس ومائة، وله اثنتان وثمانون سنةً. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط(٢)، هذا برقم (٢٢٢٠)، وحديث في ((كتاب الفضائل)) (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٦١/٥. (٢) وقال في ((الفتح)) ٢٤٤/١٠: سنان بن أبي سنان مدنيّ ثقة، واسم أبيه يزيد بن أبي أمية، وليس له في البخاريّ عن أبي هريرة سوى هذا الحديث الواحد، وله آخر عن جابر، قَرَنه في كل منهما بأبي سلمة بن عبد الرحمن. انتهى. ٣٦٥ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةً، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٧) (٨٤٣)(١): ((إن رجلاً أتاني، وأنا نائم، فأخذ السيف ... )) الحديث. ٥ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعرف بابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ، صحابيّ صغير، له أحاديث قليلة، وحُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر سوق المدينة، مات سنة (٩١)، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧/ ١٧١٢. والباقیان ذكرا قبله. [تنبيه]: رواية شعيب عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَظُّ في ((صحيحه))، فقال: (٥٤٣٩) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سنان بن أبي سنان الدُّؤَليّ، أن أبا هريرة به قال: إن رسول الله وَّ ه قال: ((لا عدوى))، فقام أعرابيّ، فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتيها البعير الأجرب، فَتَجْرَب؟ قال النبيّ وَّى: ((فمن أعدى الأول)). انتهى. وأما رواية الزهريّ عن السائب بن يزيد، فساقها الإمام أحمد تَخّْثُ في ((مسنده))، فقال: (١٥٧٦٥) - حدّثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني السائب بن يزيد ابن أخت نَمِرَ، أن النبيَّ وَّر قال: ((لا عدوى، ولا صفر، ولا (٢) هامة)). انتھی(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٧] (٢٢٢١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ قَالَ: ((لَا عَدْوَى))، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ قَالَ: ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحّ»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو (١) الرقم مكرّر. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٤٩/٣. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلَيْهِمَا(١) عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: ((لَا عَدْوَى))، وَأَقَامَ عَلَى ((أَنْ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحِّ))، قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ -: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثَنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثاً آخَرَ، قَدْ سَكَثَّ عَنْهُ، كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: (لَا عَدْوَى))، فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وَقَالَ: ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ))، فَمَارَأْهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، فَقَالَ لِلْحَارِثِ: أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: أَبَيْتُ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِّ ◌َِهـ قَالَ: ((لَا عَدْوَى))، فَلَ أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ؟). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد ذُكِر قبل حديثين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَا عَدْوَى))) اسم من الإعداء، وهو أن يكون ببعير جرب مثلاً، فتتقى مخالطته بإبل أخرى حِذاراً أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه، فقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبيّ وَّ ر أن الأمر ليس كذلك، وإنما الله تعالى هو الذي يُمْرِض، ويُنزل الداء(٢). (وَيُحَدِّثُ) أبو هريرة ◌َظ ◌ُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلّى قَالَ: ((لَا يُورِدُ) كذا هو عند مسلم بصيغة النفي، والمراد به النهي بدليل رواية البخاريّ بلفظ: ((لا يوردنّ ممرض على مُصحّ))، والله تعالى أعلم. (مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ))) قال ابن الأثير كَّتُهُ: الْمُمْرِض الذي له إبل مَرْضَى، فنُهِي أن يسقي إبله مع إبل الْمُصِحّ، لا لأجل العدوى، ولكن لأن الصحاح ربما عَرَض لها مرضٌ، فوقع في نفس صاحبها أن ذلك من قبيل العدوى، فيفتنه، ويُشَكِّكه، فأُمر باجتنابه، والبعد عنه، وقد يَحْتَمِل أن يكون (١) وفي نسخة: ((كلتيهما)). (٢) ((لسان العرب)) ٣٩/١٥. ٣٦٧ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٧) ذلك من قبيل الماء والمرعى، تستوبله الماشية، فتَمْرَض، فإذا شاركها في ذلك غيرها أصابه مثل ذلك الداء، فكانوا لجهلهم يسمونه عدوى، وإنما هو فِعل الله تعالى. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: الورود: هو الوصول إلى الماء، و((أورد إبله)): إذا أوصلها إليه، فصاحب الإبل: مُورِدٌ، والإبل مُورَدَةٌ، وممرض: اسم فاعل من أمرض الرجل: إذا أصاب ماشيته مرض، قاله يعقوب، ومُصِحّ: اسم فاعل من أصح: إذا أصابت ماشيته عاهة، ثم صحّت، قاله الجوهريّ. انتهى (٢). وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((يورد)) بكسر الراء، والْمُمْرِضُ، والْمُصِحُ بكسر الراء، والصاد، ومفعول يورد محذوف؛ أي: لا يورد إبله المراضَ، قال العلماء: الممرض صاحب الإبل المراض، والمصِحّ صاحب الإبل الصحاح، فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح؛ لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى، وقَدَره الذي أجرى به العادة، لا بطبعها، فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها، فيكفر، والله أعلم. انتهى(٣). وقيل: النهي ليس للعدوى، بل للتأذي بالرائحة الكريهة، ونحوها، حكاه ابن رسلان في ((شرح السنن)» (٤) . وفي رواية البخاريّ: ((لا يردنّ مُمرض على مصحّ))، قال في ((الفتح)): كذا فيه بتأكيد النهي عن الإيراد، والممرض بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر الراء، بعدها ضاد معجمة: هو الذي له إبل مَرْضَى، والمصحّ بضم الميم، وكسر الصاد المهملة، بعدها مهملة: مَن له إبل صِحاح، نَهَى صاحب الإبل المريضة أن يوردها على الإبل الصحيحة، قال أهل اللغة: الممرض: اسم فاعل من أمرض الرجل: إذا أصاب ماشيته مرض، والمصحّ: اسم فاعل من أصح: إذا أصاب ماشيته عاهةٌ، ثم ذهب عنها، وصحّت. انتهى(٥). (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣١٩/٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/١٤. (٢) ((المفهم)) ٦٢٤/٥. (٤) ((نيل الأوطار)) ٣٧٧/٧. (٥) ((الفتح)) ٢٣٢/١٣ - ٢٣٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٧٠). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلَيْهِمَا)؛ أي: يحدث بحديث: ((لا عدوى))، وحديث: ((لا يورد ممرض على مُصِحّ))، ووقع في معظم النُّسخ بلفظ: ((كلتيهما)) بالتأنيث، بتأويله بالقصّة، أو الواقعة، وقال النوويّ تَخْلُ: قوله: ((كلتيهما)) كذا هو في جميع النسخ ((كلتيهما)) بالتاء، والياء مجموعتين، والضمير عائد إلى الكلمتين، أو القصتين، أو المسألتين، ونحو (١) ذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: في جميع النسخ: لعله يريد النسخ التي اطلع عليها، وإلا فقد أثبت في النسخة الهنديّة اللفظين: ((كلتيهما))، و((كليهما))، فلذا أثبتُّه هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، ثُمَّ صَمَتَ)؛ أي: سكت، وترك التحديثَ (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُه (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد تحديثه بهما، (عَنْ قَوْلِهِ: ((لَا عَدْوَى))، وَأَقَامَ)؛ أي: ثبت عَلَى التحديث بحديث ((لا يورد ممرض عَلَى مُصِحٌ))، وقوله: ((أَنْ) مخفّفة من ((أنّ) المشدّدة، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي: أنه لا يورد ... إلخ، قال في ((الخلاصة)): وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ ((أَنْ)) وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ)) فَاسْمُهَا اسْتَكَنَّ وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا تَنْفِيسِ أوْ (لَوْ)» وقَلِيلٌ ذِكْرُ ((لَو)» فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ«قَدْ)) أَوْ نَفْي أَوْ (لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِّحُّ))، قَالَ) أبو سلمة (فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ) - بضمّ الذال المعجمة، وبموحّدتين - هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن ذُباب الدَّوْسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِم من الخامسة، مات سنة (١٤٦) تقدّم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٩/٥٤. (وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثَنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: حديث: ((لا يورد ... إلخ)) (حَدِيثاً آخَرَ، قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ) الآن، (كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا عَدْوَى))، فَأَبَى)؛ أي: امتنع (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ (أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ)؛ يعني: أنه نسيه (وَ) ثبت على الثاني، فـ(قَالَ: ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/١٤. ٣٦٩ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٧) مُصِحّ))، فَمَارَأْهُ) من المماراة، وهي المجادلة. (الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: في كونه حدّث بـ«لا عدوى))، (حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبُه (فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ)؛ أي: تكلّم باللغة الحبشيّة، قال المجد تَُّهُ: الرَّطَانَةُ - أي: بالفتح - ويُكسَر: الكلام بالأعجميّة، ورَطَنَ له، وراطنه: كلّمه بها، وتراطنوا: تكلّموا بها. انتهى (١). (فَقَالَ) أبو هريرة ◌َُّه (لِلْحَارِثِ: أَتَدْرِي)؛ أي: أتعلم (مَاذَا قُلْتُ؟)؛ أي: أيُّ شيءٍ قلته؟ (قَالَ) الحارث (لَا) أدري، (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ﴾ وَبَّهِ (قُلْتُ: أَبَيْتُ)؛ أي: قلت كلاماً معناه بالعربيّة: أبيت؛ أي: امتنعت من الاعتراف بما قلت. (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (وَلَعَمْرِي) بفتح العين، وسكون الميم؛ أي: وخالق حياتي، قال في ((التاج)): الغُّمُرُ بالفَتْح، وبالضّمّ، وبضَمَّتَيْن: الحَيَاةُ، يقالُ: قد طال عَمْرُه، وعُمْرُه، لُغَتَان فَصِيحَتان، فإِذا أَقْسَمُوا فقالوا: لَعَمْرُكَ، فَتَحُوا لا غير، وفي ((البَصَائر)): العَمْرُ، والعُمْرُ واحدٌ، لكن خُصَّ القَسَمُ بالمَفْتُوحَة. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولعمري)) كونه للقسم غير جائز؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، فيكون على حذف مضاف، كما قدّرناه، أو أنه لم يُرِدْ به القَسَم، بل مجرّد تأكيد الكلام، كما في: تَرِبَتْ يمينك، ونحوه، والله تعالى أعلم. (يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَا عَدْوَى))، (لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ﴾ فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ؟) الأقرب أن السبب هو النسيان، قال في ((الفتح)): هذا الذي قاله أبو سلمة ظاهر في أنه كان يعتقد أن بين الحديثين تمام التعارض، وقد تقدم وجه الجمع بينهما، وحاصله أن قوله: ((لا عدوى)) نَهْيٌّ عن اعتقادها، وقوله: ((لا يورد)) سبب النهي عن الإيراد خشيةً الوقوع في اعتقاد العدوى، أو خشية تأثير الأوهام، كما في حديث: ((فِرّ من المجذوم))؛ لأن الذي لا يعتقد أن الجذام يُعدي يجد في نفسه نفرةً، حتى لو أكرهها على القرب منه لتألمت بذلك، فالأولى بالعاقل أن لا يتعرض لمثل ذلك، بل يباعد أسباب الآلام، ويجانب طرق الأوهام، والله أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) ص٥١٤. (٢) ((تاج العروس)) ٣٢٣٥/١. ٣٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى وقال ابن التين: لعل أبا هريرة كان يسمع هذا الحديث قبل أن يسمع من النبيّ وَّ حديث: ((من بسط رداءه، ثم ضمه إليه، لم ينس شيئاً سمعه من مقالتي))، وقد قيل في الحديث المذكور: إن المراد أنه لا ينسى تلك المقالة التي قالها ذلك اليوم، لا أنه ينتفي عنه النسيان أصلاً، وقيل: كان الحديث الثاني ناسخاً للأول، فسكت عن المنسوخ، وقيل: معنى قوله: ((لا عدوى)) النهي عن الاعتداء، ولعل بعض من أجلب عليه إبلاً جرباء أراد تضمينه، فاحتجّ عليه في إسقاط الضمان بأنه إنما أصابها ما قُدِّر عليها، وما لم تكن تنجو منه؛ لأن العجماء جُبَارٌ، ويَحْتَمِل أن يكون قال هذا على ظنه، ثم تبيّن له خلاف ذلك. انتهى. قال الحافظ: فأما دعوى نسيان أبي هريرة للحديث فهو بحسب ما ظن أبو سلمة، وقد بيّنت ذلك رواية يونس التي أشرت إليها، وأما دعوى النسخ فمردودة؛ لأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، ولا سيما مع إمكان الجمع، وأما الاحتمال الثالث فبعيد من مساق الحديث، والذي بعده أبعد منه. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كون السبب هو النسيان هو الأقرب؛ لأن الاحتمالات الأخرى لا يخفى ما فيها التعسّف، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: ويَحْتَمِل أيضاً أنهما لمّا كانا خبرين متغايرين عن حكمين مختلفين، لا ملازمة بينهما جاز عنده أن يُحَدِّث بأحدهما، ويسكت عن الآخر، حسبما تدعو إليه الحاجة، قاله القرطبيّ في ((المفهم))، قال: ويَحْتَمِل أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما، وكان إذا أَمِن ذلك حَدَّث بهما جميعاً . وقال القرطبيّ ◌َّلهُ: قد جمع أبو هريرة ربه في هذه الرواية بين قوله وَّل: ((لا عدوى))، وبين قوله: ((لا يورد ممرض على مصحّ))، وهو جمعٌ صحيح، لا بُعد فيه؛ إذ كلاهما خبر عن المشروعية، لا خبر عن الوجود، فقوله: ((لا عدوى))؛ أي: لا يجوز اعتقادها، وقوله: ((لا يورد ممرض على مصحِّ))؛ أي: لا يفعل ذلك، فهما خبران يتضمنان النهي عن ذلك، وإنَّما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافةً الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من ٣٧١ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٧) اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره بالفرار من المجذوم، فإنه وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يُعدي، فإنا نجد من أنفسنا نفرةً، وكراهيةً لذلك، حتى إذا أكره الإنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته تألَّمت نفسه، وربما تأذت بذلك، ومرضت، فيحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة، ومكابدة، ومع ذلك فالطبع أغلب، وإذا كان الأمر بهذه المثابة؛ فالأَولى بالإنسان ألا يقرب شيئاً يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة، وأن لا يتعرض فيه إلى هذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعماً أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة، هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضاً إرادة علاجه حتى يزيله، ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء، ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام، ويجانب طرق الأوهام، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكن، مع عِلْمه بأنه لا يُنْجي حذر عن قَدَر، وبمجموع الأمرين وَرَدَت الشرائع، وتوافقت على ذلك العقول والطبائع. قال: وأما سكوت أبي هريرة تظله عن قوله: ((لا عدوى))، وإيراد حديثٍ: ((لا يورد ممرض على مصحّ)) بعد أن حدَّث بمجموعها، فلا يصحّ أن يكون من باب النسخ، كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأنهما لا تعارض بينهما؛ إذ الجمع صحيحٌ كما قدَّمناه، بل الواجب أن يقال: إنهما خبران شرعيان عن أمرين مختلفين، لا متعارضين؛ كخبر يتضمَّن حكماً من أحكام الصلاة، وآخر يتضمن حكماً من أحكام الطهارة مثلاً، وقد بيَّنَّا وجه تباين الخبرين، وعلى هذا فسكوت أبي هريرة ﴿به يَحْتَمِل أوجهاً: أحدها: السببان المتقدِّمان، كما قال أبو سلمة. وثانيهما: أنهما لما كانا خبرين متغايرين لا ملازمة بينهما؛ جاز للمحدِّث أن يحدِّث بأحدهما، ويسكت عن الآخر؛ حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية. وثالثها: أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما حتى إذا أَمِن ذلك حدَّث بهما جميعاً . ورابعها: أن يكون حَمَله على ذلك وجه غير ما ذكرناه، لم يُظْلِعِ عليه أحداً . ٣٧٢ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وعلى الجملة: فكل ذلك مُحْتَمِل، غير أن الذي يُقطع بنفيه: النَّسخ، على ما قرَّرناه. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَذّتُهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن أقرب الاحتمالات عندي هو النسيان، ويدلّ على ذلك إنكار أبي هريرة رضيبه للحديث، فلما ماراه ابن عمّه غضب، فلولا نسيانه لما فعل هذا، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٧٧/١٨ و٥٧٧٨ و٥٧٧٩] (٢٢٢١)، و(البخاريّ) في ((الطبّ)) (٥٧٧١ و٥٧٧٣ و٥٧٧٤)، و(أبو داود) في ((الطبّ)) (٣٩١١)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٥٤١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٥٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٤/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١١٥)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٦/٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٣/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٦/٧ و٢١٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سدّ الذريعة؛ لأنه وإن كانت الأمراض لا تُعدي إلا أن الأحوط أن لا يورد الممرض على المصحّ؛ لئلا يتّفق أن تمرض الصحاح بتقدير الله تعالى، فيقع في قلب صاحبها أنه بسبب الإيراد، فقطعه وَ﴿ بالنهي عن الإيراد لذلك، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن فيه وقوعَ تشبيه الشيء بالشيء إذا جَمَعهما وصف خاصّ، ولو تباينا في الصورة، قاله في ((الفتح))(٢). ٣ - (ومنها): أن فيه شدّةً ورع أبي هريرة تظ له؛ لأنه مع كون الحارث (١) ((المفهم)) ٦٢٤/٥ - ٦٢٦. (٢) ((الفتح)) ٢٣٢/١٣ - ٢٣٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٧٠). ٣٧٣ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَّا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٧٨ - ٥٧٧٩) أغضبه حتى تكلم بغير العربية، خشي أن يظنّ الحارث أنه قال فيه شيئاً يكرهه، ففسَّر له في الحال ما قال، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولُ اللهِنَّهِ قَالَ: (لَا عَدْوَى))، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: (لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ))، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب قبل حديثين، غير ((عبد بن حميد))، وقد تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب قبل حديثين. [تنبيه]: رواية شعيب عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَظّْشُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٤٣٩) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: إن رسول الله وَ له قال: ((لا عدوى))، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمعت أبا هريرة، عن النبيّ وَلـ قال: ((لا تُورِدُوا الممرض على المصحّ)). انتهى (٢). (١) ((الفتح)) ٢٣٢/١٣ - ٢٣٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٧٠). (٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٧٧/٥. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: (لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا صَفَرَ))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب قبل بابين، وتقدّم أيضاً شرح الحديث قريباً، إلا قوله: (وَلَا نَوْءَ) - بفتح النون، وسكون الواو -؛ أي: طلوع نجم، وغروب ما يقابله، أحدهما في المشرق، والآخر بالمغرب، وكانوا يعتقدون أنه لا بُدّ عنده من مطر، أو ريح، ينسبونه إلى الطالع، أو الغارب، فنفى صحة ذلك، وقال بعضهم: النوء سقوط نجم من منازل القمر مع طلوع الصبح، وهي ثمانية وعشرون نجماً يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة نَجْم منها في المغرب، مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابله في المشرق من ساعته. انتھی(١). وقال النوويّ ◌َّتُ: قوله وَله: ((ولا نوء))؛ أي: لا تقولوا: مُطرنا بنوء كذا، ولا تعتقدوه، وسبق شرحه واضحاً في ((كتاب الصلاة)). انتهى (٢). وقال في ((التاج)): والنَّوْءُ: النَّجْم إذا مالَ للغُروبِ، جمعه: أَنْواءٌ، ونُوآنٌ، مثل عَبْد، وعُبْدان، وبَظْن وبُظْنان، قال حسَّان بن ثابتٍ ـّه [من المتقارب]: ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا إِذَا أَقْحَطَ الغَيْثُ نُواْنُهَا أَو هو سُقوطُ النَّجْم من المَنازِل في المَغْرِب مع الفَجْرِ، وطُلوعُ رَقيبه، وهو نجم آخر يُقابِلُه، منَ ساعَتِهِ في المَشْرِق، في كلِّ ليلةٍ إلى ثلاثةَ عَشَرَ يوماً، وهكذا كلُّ نَجْم منها إلى انْقِضاءِ السُّنَّة، ما خلا الجَبْهَةَ، فإنَّ لها أَربعَةَ عشرَ يوماً، فتَنْقَضيّ جميعُها مع انقضاءِ السُّنَّة، وفي (لسان العرب)): وإنَّما سمِّي نَوْءاً؛ لأَنَّه إذا سقط الغاربُ نَاءَ الطالِعُ، وذلك الظُّلوعُ هو النَّوْءُ، وبعضُهم يَجعلُ النَّوْءَ هو السُّقوط؛ كأَنَّه من الأَضدادِ، قال أبو عبيدٍ: ولم يُسمع في النَّوْءِ (١) ((عون المعبود)) ٢٩٢/١٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٦/١٤. ٣٧٥ (١٨) - بَابُ لَّا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٨٠) أَنه السُّقوط إِلَّا في هذا الموضع، وكانت العربُ تُضيفُ الأَمطارَ، والرِّياحَ، والحَرَّ، والبَرْدَ إلى السَّاقط منها. وقال الأَصمعيُّ: إلى الطالع منها في سُلْطانِهِ، فتقول: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا، وقال أبو حنيفةَ - الدِّينَوَريّ -: نَوْءُ النَّجْمِ: هو أَوَّل سُقوطٍ يُدْرِكُه بالغَداةِ، إذا همَّتِ الكواكبُ بالمُصُوحِ(١)، وذلك فَي بَياض الفَجْرِ المُسْتَطِير. وفي ((التهذيب)): نَاءَ النجمُ يَنوءُ نَوْءاً إذا سقَط. وقال أبو عبيد: الأنواءُ ثمانيةٌ وعشرون نجماً، واحدُها نَوْءٌ، وقد نَاءَ الطالع بالمَشْرِق يَنوءُ نَوْءاً؛ أي: نهضَ، وطلَع، وذلك النُّهوضُ هو النَّوْءُ، فسمِّيَ النَّجمُ به، وكذلك كلُّ ناهضٍ بثِقَلِ وإِبْطاءٍ، فإنَّه يَنوءُ عند نُهُوضه، وقد يكون النَّوْءُ السُّقوطَ، قال ذو الرُّمَّةِ [من الطويل]: تَنُوءُ بِأُخْراها فَلأُياً قِيامُها وتَمْشِي الْهُوَيْنى عن قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ أُخْراها: عَجيزَتُها تُنيئُها إلى الأَرضِ؛ لضِخَمِها، وكَثرة لحمِها في أَردافها. انتهى(٢). وقال ابن منظور كَّتُهُ: قال شَمِر: هذه الثمانية وعشرون التي أَراد أَبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب، وغيرهم، من الفُرْس، والروم، والهند، لم يختلفوا في أنها ثمانية وعشرون، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، قال شَمِر: وقد رأيتها بالهندية، والرومية، والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أَخبرني به ابن الأَعرابيّ: الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والنَّجْمُ، والدَّبَرانُ، والهَفْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراع، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهُ، والخَراتانِ، والصَّرْفَةُ، والعَوَّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانَى، والإِكْليلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلةُ، والنَّعائمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذَّابح، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُود، وسَعْدُ الأَخْبِيَةِ، وفَرْغُ الدَّلْو المُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، والحُوتُ، قال: ولا تَسْتَنِيءُ العَرَبُ بهَا كُلِّها، إِنما تذكر بالأَنْواءِ بَعْضَها، وهي معروفة في أشعارهم، وكلامهم، وكان ابن الأعرابيّ يقول: لا يكون نَوْءٌ حتى يكون معه مَطَر، وإلا فلا نَوْءَ. (١) أي: الذهاب. (٢) ((تاج العروس)) ٢٤٥/١. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى قال أبو منصور: أَول المطر الوَسْمِيُّ، وأَنْواؤُه العَرْقُوتَانِ المُؤَخَّرتانِ، قال أَبو منصور: هما الفَرْغُ المُؤَخَّر، ثم الشَّرَطُ، ثم الثُّرَيًّا، ثم الشَّتَوِيُّ، وأَنْواؤه الجَوْزاءُ، ثمَّ الذِّراعانِ، ونَثْرَتُهما، ثمَّ الجَبْهةُ، وهي آخِرِ الشَّتَوِيِّ، وأَوَّلُ الدَّفَئِيّ، والصَّيْفِيّ، ثم الصَّيْفِيُّ، وأَنْواؤُه السِّماكانِ: الأَوَّل الأَعْزَلُ، والآخرُ الرَّقيبُ، وما بين السِّماكَيْنِ صَيف، وهو نحو من أربعين يوماً، ثمَّ الحَمِيمُ، وهو نحو من عشرين ليلة عند طُلُوع الدَّبَرانِ، وهو بين الصيفِ والخَرِيفِ، وليس له نَوْءٌ، ثمَّ الخَرِيفِيُّ، وأَنْواؤُهَ النَّسْرانِ، ثمَّ الأَخْضَرُ، ثم عَرْقُوتا الدَّلْوِ الأُولَيانِ، قال أَبو منصور: وهما الفَرْغُ المُقَدَّمُ، قال: وكلُّ مطَر من الوَسْمِيِّ إِلى الدَّفَئِيِّ ربیعٌ. وقال الزجاج في بعض ((أَمالِيه))، وذَكر قَوْلَ النبيّ ◌َِّهِ: (مَنْ قال: سُقِينا بالنَّجْمِ، فقد آمَنَ بالنَّجْم، وكَفَر باللهِ، ومن قال: سَقانا اللهُ، فقد آمَنَ باللهِ، وكَفَرَ بالنَّجْم))، قال: ومعنى مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا: أي: مُطِرْنا بطُلوع نجم، وسُقُوط آخَر،َ قال: والنَّوْءُ على الحقيقة سُقُوط نجم في المَغْرِب، وطُلوعُ آخَرَ في المشرق، فالساقِطةُ في المغرب هي الأَنْواءُ، والطالِعةُ في المشرق هي البَوارِحُ، قال: وقال بعضهم: النَّوْءُ ارْتِفاعُ نَجْم من المشرق، وسقوط نظيره في المغرب، وهو نظير القول الأَوَّل، فإِذا قالَ القائل: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثرَيًّا، فإِنما تأويله أَنَّه ارتفع النجم من المشرق، وسقط نظيره في المغرب؛ أي: مُطِرْنا بما ناءَ به هذا النَّجمُ، قال: وإِنما غَلَّظَ النبيُّ وَله فيها؛ لأَنَّ العرب كانت تزعم أن ذلك المطر الذي جاءَ بسقوطِ نَجْم هو فعل النجم، وكانت تَنْسُبُ المطر إِليه، ولا يجعلونه سُقْيا من الله، وإِنّ وافَقَ سقُوطَ ذلك النجم المطرُ يجعلون النجمَ هو الفاعل؛ لأَن في الحديث دَلِيلَ هذا، وهو قوله: ((مَنْ قال: سُقِينا بالنَّجْم، فقد آمَنَ بالنَّجْم، وكَفَرَ باللهِ))، قال أَبو إِسحق: وأَما من قال: مُطِرْنا بُنَوْءِ كذا وكذا، ولم يُرِدْ ذلك المعنى، ومرادُه أَنَّا مُطِرْنا في هذا الوقت، ولم يَقْصِدْ إِلى فِعْل النجم فذلك - والله أعلم - جائز. وقال ابن الأَثير: أَمَّا مَنْ جَعلَ المَطَر مِنْ فِعْلِ اللهِ تعالى، وأَراد بقوله: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا؛ أي: في وَقْت كذا، وهو هذا النَّوْءُ الفلانيّ، فإِن ذلك جائز؛ أي: إِن اللهَ تعالى قد أَجْرَى العادة أَن يَأْتِيَ المَطَرُ في هذه الأوقات، قال: ٣٧٧ (١٨) - بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٨١) رَّهِ، عن النبيّ ◌َّرِ أَنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ ورَوى عَليّ [الواقعة: ٨٢] قال: يقولون: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، قال أَبو تُكَّذّبُونَ منصور: معناه: وتَجْعَلُون شُكْرَ رِزْقِكم الذي رَزَقَكُمُوه اللهُ التَّكْذِيبَ أَنَّه من عندِ الرَّزَّاقِ، وتجعلون الرِّزْقَ من عندِ غيرِ اللهِ، وذلك كفر، فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الرِّزْقَ مِن عِندِ اللهِ وجَعَلِ النجمَ وقْتاً وقُّتَه للغَيْثِ، ولم يَجعلْه المُغِيثَ الرَّزَّاقَ، رَجَوْتُ أَن لا يكون مُكَذِّباً، والله أعلم، قال: وهو معنى ما قاله أبو إِسحق، وغيره، من ذوي التمييز. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٨١] (٢٢٢٢) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا غُولَ))). قال الجامع عفا الله عنه: هذان الإسنادان تقدّما قريباً، و((زُهير)) هو: ابن معاوية بن حُديج، وهو أبو خيثمة في الإسناد الثاني. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف، وهما (٤٤٤)، (٤٤٥) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ﴿يًّا، وقد صرّح أبو الزبير في رواية ابن جريج الآتية بالسماع من جابر ◌َظُبه، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا عَدْوَى) قال التوربشتيّ نَّتُهُ: العدوى مجاوزة العلّة صاحبها إلى غيره، يقال: أعدى فلان فلاناً من خُلُقه، أو من علّة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطبّبة في عِلَل سبع: الجُذام، والْجَرَب، والْجُدريّ، والحصبة، والبَخَر، والرمَد، والأمراض الوبائيّة. وقد اختَلَف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك، وإبطاله على ما (١) ((لسان العرب)) ١٧٤/١. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى يدلّ عليه ظاهر الحديث، والقرائن المسوقة على العدوى، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يُرد إبطالها، فقد قال رَّهِ: ((فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد))(١)، وقال: ((لا يوردنّ ممرض على مصحّ))(٢)، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون أن العلل المعدية مؤثّرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على تتوهّمون، بل هو متعلّق بالمشيئة، إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويُشير إلى هذا المعنى قوله: ((فمن أعدى الأول؟))؛ أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟، وبيّن بقوله: ((فِرّ من المجذوم))، وبقوله: ((لا يوردنّ ممرض على مصحّ)) أن مداناة ذلك من أسباب العلّة، فليتّقه اتّقاءه من الجدار المائل، والسفينة المعيبة. وقد ردّ الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقاً على مباشِر أحد الأمرين، فتصيبه علّة في نفسه، أو عاهة في بدنه، فيعتقد أن العدوى حقّ. قال: وأرى القول الثاني أَولى التأويلين؛ لِمَا فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، ثُمّ إن القول الأول يُفضي إلى تعطيل الأصول الطبّة، ولم يَرِد الشرع بتعطيلها، بل ورد بإثباتها، والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد، ولا مناقضة في القول بها على الوجه الذي ذكرناه. قال: وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشارع قد يجمع في النهي بين ما هو حرام، وبين ما هو مكروه، وبين ما يُنهى عنه لمعنى، وبين ما يُنهى عنه لمعان كثيرة، ويدلّ على صحة ما ذكرنا قوله واَله للمجذوم المبايع: ((قد بايعنك، فارجع)) في حديث الشريد بن سُويد الثقفيّ رَُّبه، وقوله ◌َّ للمجذوم الذي أخذ بيده، فوضعها معه في القصعة: ((كل ثقةً بالله، وتوكّلاً عليه))، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، يبيّن بالأول التوقّي من أسباب التلف، وبالثاني التوكّل على الله في متاركة الأسباب؛ ليثبت بالأول التعرّض بالأسباب، وهو سنّة، وبالثاني ترك (١) رواه البخاريّ. (٢) متّفقٌ عليه. ٣٧٩ (١٨) - بَابُ لَّا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَّا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٧٨١) الأسباب، وهو حاله. انتهى كلام التوربشتيّ كَّلُهُ(١)، وهو بحث جيّد، إلا قوله في الأخير: ((وهو حاله))، فإن حاله وَ له الأخذ بالأسباب، مع التوكّل لا مجرّد التوكلّ، فليُتنبه، والله تعالى أعلم. (وَلَا طِيَرَةَ) - بكسر الطاء، وفتح الياء، آخر الحروف، وقد تسكن ـ هي التشاؤم بالشيء، وقال ابن الأثير: وهو مصدر تطيّر، يقال: تطيّ طِيَرةَ، وتَخَيَّر خِيَرَةً، ولم يجئ من المصادر هكذا غير هذين. انتهى (٢). (وَلَا غُولَ))) ((الغُول)) بالفتح مصدرٌ، معناه البعد، والهلاك، وبالضم الاسم، وهو من السَّعَالى، وجمعه أغوال، وغِيلان، كانوا يزعمون أن الغيلان في الفلاة، وهو من جنس الشياطين، تتراءى للناس، وتتغَوّل؛ أي: تتلوّن، فتضلّهم عن الطريق، فتُهلكهم، فأبطل ذلك، وقيل: إنما أبطل ما زعموه من تلوّنه، لا وجوده، ومعنى لا غول: أي: لا يستطيع أحد إضلال أحد. قال القاضي: والمراد بقوله وَل: ((لا عدوى ... إلخ)) أن مصاحبة المعلول، ومؤاكلته، لا توجب حصول تلك العلة، ولا تؤثّر فيها؛ لتخلّفه عن ذلك طرداً، وعكساً، لكنها تكون من الأسباب المقدّرة التي تعلقت المشيئة بترتب العلة عليها بالنسبة إلى بعض الأبدان إحداث الله تعالى، فعلى العاقل التحرز عنها ما أمكن، بتحرّزه عن الأطعمة الضارّة، والأشياء المخوفة. والطَّرة: التفاؤل بالطير، وكانوا يتفاءلون بأسمائها، وأصواتها، والهامة: الصَّدَاء، وهو طائر كبير، يضعف بصره بالنهار، ويطير بالليل، ويصوِّت فيه، ويقال له: بُوم، والناس يتشاءمون بصوته، ومن زعمات العرب أن رُوح القتيل الذي لا يُدرك ثأره تصير هامة، فتبدو، وتقول: اسقوني، فإذا أُدرك ثأره طارت. وقوله: ((لا غُول)) يَحْتَمِل أن المراد به نفيه رأساً، وأن المراد نفيه على الوجه الذي يزعمونه، فإنهم يقولون: هو ضرب من الجنّ يتشخّص لمن يمشي وحده في فلاة، أو في الليلة الليلاء، ويمشي قدامه، فيظن الماشي خلفه أنه (١) ((الكاشف عن حقائق السُّنن)) ٢٩٧٨/٩ - ٢٩٧٩. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٧٣/٢١. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى إنسان، فيتبعه، فيوقعه في الهلاك. انتهى (١). وقال الطيبيّ ◌َخَّقُ: قوله: ((لا غُول)) قال في ((النهاية)): الْغُول: واحد الغِيلان، وهي جنس من الجنّ والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغُول في الفلاة تترآى للناس، فيتغوّل تغوّلاً؛ أي: يتلوّن تلوّناً في صور شتّى، ويغولهم؛ أي: يُضلّهم عن الطريق، ويُهلكهم، فنفاه النبيّ وََّ، وأبطله. وقيل: قوله: ((لا غُول)) ليس نفياً لِعَيْن الغُول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلوّنه بالصور المختلفة، واغتياله، فيكون المعنى بقوله: ((لا غُول)) إنها لا تستطيع أن تُضلّ أحداً، ويشهد له الحديث الآخر: ((لا غُول، ولكن السعالى))، والسعالى - بالسين المفتوحة، والعين المهملة - هم: سحرة الجنّ؛ أي: ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس، وتخييلٌ، ومنه الحديث: ((إذا تغوّلت الغيلان، فبادروا بالأذان))(٢)؛ أي: ادفعوا شرّها بذكر الله تعالى، وهذا يدلّ على أنه لم يُرِد بنفيها عدمها، ومنه حديث: ((كان ثمرة في سهوة، وكانت الغُول تجيء، فتأخذه))(٣). وقال التوربشتيّ: قال الطحاويّ: يَحْتَمل أن الغُول قد كان، ثم دفعه الله تعالى عن عباده، أو عن بعضهم، وهذا ليس ببعيد؛ لأنه يَحْتَمل أنه من خصائص بعثة نبيّنا وَّة، ونظيره مَنْع الشياطين من استراق السمع بالشهاب الثاقب . قال الطيبيّ: إنّ ((لا)) التي لنفي الجنس دخلت على المذكورات، ونفت ذواتها، وهي غير منفية، فيوجَّه النفي إلى أوصافها، وأحوالها التي هي مخالفة الشرع، فإن العدوى، وصفر، والهامة موجودة، والمنفيّ هو ما زعمت الجاهلية إثباتها، فإن نفي الذات لإرادة نفي الصفات أبلغ في باب الكناية، وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، فنهاهم عن الموت، (١) ((فيض القدير)) ٤٣٤/٦. (٢) حديث ضعيف، راجع: ((الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ كَُّ ٢٧٧/٣. (٣) رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني، وفي سنده محمد عبد الرحمن بن أبي لیلی، متکلّم فیه.