Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِخْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٣)
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢١/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك))
(٢٣٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٢/٩) و((شُعب الإيمان)) (٥٩/٢)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((باب من
اکتوی، أو گوی غیره، وفضل من لم یکتو)). انتهى.
قال في ((الفتح)) في شرح هذه الترجمة: كأنه أراد أن الكيّ جائز للحاجة،
وأن الأَولى تَرْكه، إذا لم يتعيّن، وأنه إذا جاز كان أعمّ من أن يباشر الشخص
ذلك بنفسه، أو بغيره لنفسه، أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء
إليه في حديث: ((أو لذعة بنار))، وفَضْل تَرْكه من قوله وَّ: ((وما أحب أن
أكتوي))، وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: ((رُمِي سعد بن
معاذ على أكحله، فحسمه رسول الله (وَل﴾))، ومن طريق أبي سفيان، عن جابر:
((أن النبيّ وَلّهِ بعث إلى أُبيّ بن كعب طبيباً، فقطع منه عِرْقاً، ثم كواه»، وروى
الطحاويّ، وصححه الحاكم عن أنس، قال: ((كواني أبو طلحة في زمن
النبيّ وَّ))، وأصله في البخاريّ، وأنه كُوِيَ من ذات الجُنُب، وعند الترمذيّ
عن أنس: ((أن النبيّ ◌َل﴿ كَوَى أسعد بن زرارة من الشوكة))، ولمسلم عن
عمران بن حصين: ((كان يسلّم عليّ حتى أكتويت، فتُركتُ، ثم تَرَكت الكيّ،
فعاد))، وله عنه من وجه آخر: ((إن الذي كان انقطع عنِي، رجع إليّ، يعني
تسليم الملائكة)) كذا في الأصل، وفي لفظ: ((أنه كان يسلّم عليّ، فلما اكتويت
أُمسك عني، فلما تركته عاد إليّ))، وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن
عمران: ((نَهَى رسول الله بَّر عن الكيّ، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا))،
وفي لفظ: ((فلم يُفلحن، ولم ينجحن))، وسنده قويّ.
والنهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لِمَا يقتضيه
مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان
موضعه خطراً، فنهاه عن كيّه، فلما اشتدّ عليه كواه، فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان:
كَيّ الصحيح؛ لئلا يَعتلّ، فهذا الذي قيل فيه: ((لم يتوكل من اكتوى)»؛
لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
والثاني: كَيّ الجرح إذا نَغَل؛ أي: فسد، والعضو إذا قُطع فهو الذي
يُشرع التداوي به، فإن كان الكيّ لأمر مَحْتَمِلِ فهو خلاف الأولى؛ لِمَا فيه من
تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقَّق.
وحاصل الجمع أن الفعل يدلّ على الجواز، وعدم الفعل لا يدلّ على
المنع، بل يدلّ على أن تَرْكه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما
النهي عنه فإما على سبيل الاختيار، والتنزيه، وإما عما لا يتعيَّن طريقاً إلى
الشفاء، والله أعلم.
قال الحافظ تَخّثُ: ولم أر في أثر صحيح أن النبيّ وَ ﴿ اكتوى، إلا أن
القرطبي نسب إلى ((كتاب أدب النفوس)) للطبريّ أن النبيّ وَّ اكتوى، وذكره
الْحَلِيمِيّ بلفظ: رُوي أنه اكتَوَى للجرح الذي أصابه بأُحد.
قال الحافظ: والثابت في ((الصحيح)) كما تقدم في ((غزوة أُحد)) أن
فاطمة ◌ّا أحرقت حصيراً، فحشت به جرحه، وليس هذا الكيّ المعهود،
وجزم ابن التين بأنه اكتوى، وعَكَسه ابن القيم في ((الهدي)). انتهى ما في
((الفتح))(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي
إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا(٢): فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً).
رجال هذين الإسنادين: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
(١) ((الفتح)) ٩٠/١٣ - ٩١، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٤).
(٢) وفي نسخة: ((لم يذكر)).

١٨٣
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٥)
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) الضمير لجرير بن عبد الحميد، وسفيان
الثوريّ.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرًا) بألف التثنية، وهو ضمير جرير، وسفيان، ووقع في
بعض النسخ: ((ولم يذكر))، أي كلّ منهما .
وقوله: (فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً) مفعول ((يذكرا)) محكيّ لِقَصْد لفظه، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: رواية جرير، وسفيان كلاهما عن الأعمش لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ
جَعْفَرِ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: رُمِيَ أَبِيِّ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللهِ إِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) أبو محمد العسكريّ الفرائضيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قبل بابين.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُکروا قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجّاج أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ) بن مِهْران الأعمشَ
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، (قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿هَا (قَالَ: رُمِيَ أَبَّيّ) ببناء الفعل للمفعول، و((أُبيّ))

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
مصغّراً هو ابن كعب المذكور في الحديث الماضي، ولا يُعرف اسم من رماه(١).
[تنبيه]: قال النوويّ ◌َُّ: قوله: ((أُبَيُّ)) بضم الهمزة، وفتح الباء،
وبتشديد الياء، وهكذا صوابه، وكذا هو في الروايات، والنُّسخ، وهو أُبَيّ بن
كعب المذكور في الرواية التي قبل هذه، وصَحّفه بعضهم، فقال: ((أَبي)) بفتح
الهمزة، وكسر الباء، وتخفيف الياء، وهو غلط فاحشٌ؛ لأن أبا جابر استُشْهِد
يوم أُحُد قبل الأحزاب بأكثر من سنة. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض كَُّ: قوله: ((رُمِي أُبَيّ)) كذا للسجزيّ بضم الهمزة،
وفتح الباء، وعند العذريّ، والسمرقنديّ: ((أَبِي)) بفتح الهمزة، وكسر الباء، وهو
وَهَمِّ، والصواب الأول، بدليل الحديث الذي قبله: (بَعَثَ رسولُ اللهِ وَله إلى
أُبَيّ بن كعب طبيباً، فقَطَع منه عِرْقاً، ثم كواه))، ولأن والد جابر لم يُدرِك يوم
الأحزاب، استُشهِد بأُحُدٍ، في خبر مشهور. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قول جابر حظّه: (رُمي أَبَيُّ)) صحيح رواية هذه
اللفظة بضم الهمزة، وفتح الباء، وياء التصغير، ورواها العذريّ، والسَّمر قنديّ:
((أَبِي)) بفتح الهمزة، وكسر الباء، على إضافته لياء المتكلم، والأول هو
الصحيح، بدليل الرواية التي نُصَّ فيها على أنه أُبَي بن كعب؛ ولأن أبا جابر لم
يدرك يوم الأحزاب، وإنَّما استشهد يوم أُحد. انتهى (٤).
(يَوْمَ الأَحْزَابِ)؛ أي: يوم غزوة الأحراب، والأحزاب بفتح الهمزة:
جمع حِزْب، بكسر، فسكون، وهو الطائفة من الناس، ويوم الأحزاب هو يوم
الخندق(٥)، فتُسمّى باسمين، فأما تسميتها بالخندق، فلأجل الخندق الذي حُفِر
(١) (تنبيه المعلم)) ص ٣٧٧.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ١/ ٦٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٩٧.
(٤) ((المفهم)) ٥٩٧/٥.
(٥) قال في (تاج العروس)) ١/ ٦٢٩٥: الخنْدَقُ كجَعْفَر: حَفِيرٌ حول أسْوار المُدُنِ، قالَ
ابنُ دُرَيد: فارسي مُعَرَّبَ كَنْدَه، وقد تَكلَّمَتْ به العَرَبُ، قالَ الشاعر [من الرجز]:
لا تَحْسَبَنَّ الخنْدَقِ المَحْفُورا يَدْفَعُ عنكَ القَدَرَ المِقْدُوَرا
والجمْعُ: الخَنادِقُ، قالَ عُمارَةُ بن طارِق [من الرجز]:
مِثْلُ حِطاطِ البَغْل في الخَنادِقِ
يَحُظُ بالعَبْدِ الشَّدِيدِ العاتِقِ

١٨٥
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ)، وَاسْتِخْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٥)
فرعنه ،
حول المدينة بأمر النبيّ ◌َ*، وكان الذي أشار بذلك سلمان الفارسيّ
حيث قال للنبيّ وَله: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبيّ وَله
بحفر الخندق حول المدينة، وعَمِل فيه بنفسه؛ ترغيباً للمسلمين، فسارعوا إلى
عمله، حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم.
وأما تسميتها بالأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين،
وهم قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر
سورة الأحزاب(١)، وقد تقدّمت القصّة مستوفاةً في ((باب غزوة الأحزاب)) [٣٤/
٤٦٣١] (١٧٨٨) من كتاب ((الجهاد)»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(عَلَى أَكْحَلِهِ) - بفتح الهمزة، والحاء المهملة، بينهما كاف ساكنة ــ وهو
عِرْق في وسط الذراع، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: إن في كل عضو
منه شُعْبة، فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النَّسَا، إذا
قُطع لم يرقأ الدم، قاله في ((الفتح)) (٢)، وقد نظمت ذلك مع الزيادة بقولي:
قُطِعَ صَاحِبُهُ مَاتَ أَلَمَا
يُقَالُ فِي الْجَسَدِ عِرْقٌ حَيْثُمَا
لَهُ تَشَغُبٌ بِأَعْضَاءِ الْجَسَدْ
فِي كُلِّ عُضْوٍ خُصَّ بِاسْمِ انْفَرَدْ
فَخُصَّ فِي الْعُنُقِ بِالْوَرِيدِ
كَذَلِكَ الْوَدَجُ ذُو تَسْدِيدٍ
فِي الظّهْرِ بِالنِّيَاطِ يُدْعَى وَالَّذِي
اسْتَبْطَنَ الصُّلْبَ بِأَبْهَرٍ خُذٍ
فِي الْبَطْنِ بِالْوَتِينِ صَارَ يُعْقَلُ
وَذَا بِهِ الْقَلْبُ غَدَا يَتَّصِلُ
وَبِالنَّسَا فِي الْفَخْذِ وَالأَبْجَلُ فِي
رِجْلٍ وَبِالأَكْحَلِ فِي الْيَدِ يَفِي
نَظْمِي لِمَنْ يَرْغَبُ مِنْ ذَوِي النُّهَى
فِي السَّاقِ بِالصَّافِنِ يُدْعَى وَانْتَهَى
(فَكَوَاهُ)؛ أي: أمر بكيّه (رَسُولُ اللهِ وَلِهِ) كما فُسّر في الرواية الماضية:
(بَعَثَ رسول الله ◌َّهِ إلى أُبَيّ بن كعب طبيباً، فقَطَع منه عِرْقاً، ثم كواه عليه))،
والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ◌َُّهُ، وقد تقدّم تخريجه في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٨٢/٩ - ١٨٣، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٧).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢١٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٧).

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٦] (٢٢٠٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ. قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ وَهـ
بِيَدِهِ، بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ، فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ
اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) عن
(٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، و((أبو خيثمة)) هو زهير بن معاوية المذكور في
السند الأول.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٤٤٣) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرس المكيّ (عَنْ جَابٍِ)
عنْه .
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية أبي الزبير هذه، وهي معنعنة، وهو
مدلّس؟.
[قلت]: لا تضرّ عنعنة أبي الزبير هنا؛ لأن الليث بن سعد تابع زهير بن
معاوية فيها، عند الترمذيّ، وغيره، كما يأتي في التنبيه الآتي، وقد صحّ عن الليث
أنه لا يروي عن أبي الزبير إلا ما سمعه من جابر رؤيته، كما أشرت إليه بقولي:
إِنْ يَرْوِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ لَا تَخْشَ لَهُ التَّدْلِيسَ بَلْ خُذْ مُوصَلَا
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَاغْتَنِمَا
ولا تلتفت إلى ما أشار إليه بعض من كَتَب على مسلم من الطعن في هذه
الرواية بأنها من رواية أبي الزبير، وهو مدّس، فإنه غفلة عن القاعدة
المذكورة، فتنبّه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

١٨٧
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٦)
(قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) بن النعمان الأنصاريّ الأشهليّ، أبو عمرو،
سيّد الأوس، شَهِد بدراً، واستُشهِد من سهم أصابه بالخندق، ومناقبه كثيرة،
وله في مسلم ذِكر، دون رواية، وله عند البخاريّ حديث واحد موقوف، رواه
عنه ابن مسعود.
وأخرج ابن سعد في ((الطبقات))، قال: كان سعد بن معاذ رجلاً أبيض،
طوالاً، جميلاً، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية، فرُمي يوم الخندق، سنة
خمس من الهجرة، فمات من رَمْيته تلك، وهو يومئذٍ ابن سبع وثلاثين سنةً،
فصلى عليه رسول الله وَلّ، ودُفن بالبقيع. انتهى (١).
[تنبيه]: الذي رَمَى سعد بن معاذ رَُّه رجل من قريش، يقال له: حِبّان
ابن الْعَرِقة، وهو حبّان بن قيس، ويقال: ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف،
والْعَرِقة - بفتح العين المهملة، وكسر الراء، ثم قاف - أمه، وهي بنت سعيد بن
سعد بن سِهْم(٢)، وقد تقدّمت القصّة مستوفاة في ((الجهاد)): ((باب جواز قتال
من نقض العهد)) [٤٥٨٨/٢٢] (١٧٦٩) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فِي أَكْحَلِهِ) هو عِرق في الذراع يقال له: عِرْق الحياة؛ لأنه إذا قُطع
مات صاحبه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. (قَالَ) جابر
(فَحَسَمَهُ)؛ أي: كواه (النَّبِيُّ ◌َّهِ بِيَدِهِ) الشريفة؛ ليقطع دمه، وأصل الحسم:
القطع، (بِمِشْقَصٍ) - بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف،
وبصاد مهملة -: وهو نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض(٣). (ثُمَّ وَرِمَتْ)
بكسر الراء، يقال: وَرِمَ يَرِم - بكسرهما - وَرَماً، وتورّم، وهو تغلّظه من مرض،
وجمع الورم أورام، قاله الفيّوميّ (٤)، وقال المجد: الورم محرّكةً: النتوء،
والانتفاخ. انتهى. (فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ)؛ أي: كواه النبيّ وَّل مرّة ثانية.
قال القرطبيّ ◌َُّ: وكيّ النبيّ ◌َّهُ لأُبيّ، وسعد دليلٌ على جواز الكيّ،
والعمل به، إذا ظن الإنسان منفعته، ودعت الحاجة إليه، فيُحْمَل نهيه وَلِّ عن
(١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٤٣٣/٣.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢١٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٧).
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣٩/٢٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٥٦/٢.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
الكيّ على ما إذا أمكن أن يُستَغنَى عنه بغيره من الأدوية، فمن فعله في محله،
وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهاً في حقّه، ولا مُنقصاً له من فضله، ويجوز
أن يكون من السَّبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، كيف لا؟ وقد
كوى النبيّ ◌َ ﴿ سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرَّحمُن، وأبي بن كعب
المخصوص بأنه أقرأ الأمَّة للقرآن، وقد اكتوى عمران بن حصين، فمن اعتقد
أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفاً؛ ففساد كلامه لا يخفى،
وعلى هذا البحث فيكون قوله في في السبعين ألفاً: ((أنهم هم الذين لا يكتوون))
إنما يعني به: الذي يكتوي وهو يجد عنه غنى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر القرطبيّ تَّثُ، وفي بعض ما قاله
نظر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ساق الترمذيّ ◌َّثُ قصة سعد بن معاذ رَُّه هذه مطوّلةً في
«جامعه))، فقال:
(١٥٨٢) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه
قال: رُمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، أو أبجله، فحسمه
رسول الله 0 8* بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى،
فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تُخرج نفسي، حتى تُقِرّ عيني من
بني قريظة، فاستمسك عِرْقُه، فما قطر قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد بن
معاذ، فأرسل إليه، فحَكَم أن يُقتل رجالهم، ويُستحيى نساؤهم، يستعين بهنّ
المسلمون، فقال رسول الله وَله: ((أصبت حكم الله فيهم))، وكانوا أربعمائة،
فلمّا فرغ من قتلهم انفتق عِرْقه فمات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ
صحیحٌ. انتھی(٢).
وساقها الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)» بأطول من هذا، فقال:
(٥٣٢٧) - حدّثنا محمد بن عمرو بن خالد الحرانيّ، حدّثني أبي، ثنا ابن
لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، أن سعد بن معاذ نصُ رُمِي يوم الخندق
رَمْيَةً، فقُطعت الأكحل من عضده، فزعموا أنه رماه حِبّان بن قيس، أحد بني
(١) ((المفهم)) ٥٩٧/٥ - ٥٩٨.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ١٤٤/٤.

١٨٩
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ)، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٦)
عامر بن لؤيّ، ثم أخو بني الْعَرِقة، ويقول آخرون: رماه أبو أسامة الْجُشَميّ،
فقال سعد بن معاذ ربه: رب اشفني من بني قريظة قبل الممات، فرقأ الكَلْم
بعدما قد انفجر، قال: وأقام النبيّ وَل﴿ على بني قريظة، حتى سألوه أن يجعل
بينه وبينهم حَكَماً، ينزلون على حُكْمه، فقال رسول الله وَّ ه: ((اختاروا من
أصحابي من أردتم، فلنستمع لقوله))، فاختاروا سعد بن معاذ، فَرَضِي به
رسول الله وَله، وسلّموا، وأمر رسول الله وَليل بأسلحتهم، فجُعلت في بيت،
وأَمر بهم، فَكُتِّمُوا، وأُوثقوا، فجعلوا في دار أسامة بن زيد، وبعث رسول الله وَّه
إلى سعد بن معاذ، فأقبل على حمار أعرابيّ، يزعمون أن وطأة برذعه من
ليف، واتبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه، يُعَظِّم حق بني
قريظة، ويَذكُر حلفهم، والذي أبلوهم يوم بُعاث، وأنهم اختاروك على من
سواك رجاء عطفك، وتحنّنك عليهم، فاستبْقهم، فإنهم لك جَمَالٌ وعُدَدٌ، قال:
فأكثر ذلك الرجل، ولم يُحِرْ إليه سعد شيئاً، حتى دَنَوا، فقال له الرجل: ألا
ترجع إليّ شيئاً، فقال سعد: والله لا أبالي في الله لومة لائم، ففارقه الرجل،
فأتى إلى قومه، قد يئس من أن يستبقيهم، وأخبرهم بالذي كلّمه به، والذي
رجع إليه، ونَفَذَ سعد حتى أتى رسول الله وَّر، فقال: يا سعد احكم بيننا
وبينهم، فقال سعد رَُّه: أحكم فيهم بأن تُقْتَل مقاتلتُهم، ويُغتنم سبيهم،
وتؤخذ أموالهم، وتسبى ذراريهم، ونساؤهم، فقال رسول الله وَّه: حَكَم فيهم
سعد بن معاذ بحكم الله، ويزعم ناس أنهم نزلوا على حكم رسول الله وَّهُ، فَرَدّ
رسول الله وَلقر الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فأُخرجوا رسلاً رسلاً، فضُربت
أعناقهم، وأُخرج حُيَيّ بن أخطب، فقال له رسول الله وَله: ((هل أخزاك الله؟))
فقال: قد ظهرت عليّ، وما ألوم نفسي فيك، فأمر به رسول الله وَله، فأُخرج
إلى أحجار الزيت التي بالسوق، فضُربت عنقه، كل ذلك بعين سعد بن معاذ،
وزعموا أنه كان برئ كَلْم سعد، وتحجر بالبرء، ثم إنه دعا، فقال: اللهم رب
السماوات والأرض، فإنه لم يكن في الأرض قوم أبغض إليّ من قوم كذبوا
رسولك، وأخرجوه، وإني أظن أن قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان
بقي بيننا وبينهم قتال، فأبقني، أقاتلهم فيك، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا
وبينهم، فافجر هذا المكان، واجعل موتي فيه، ففجره الله تبارك وتعالى، وإنه

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
لراقد بين ظهري الليل، فما دَرَوا به، حتى مات، وما رقأ الكلم حتى
مات رَّتُهُ. انتهى(١) .
قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ تَكْثُ في ((المجمع)): رواه الطبرانيّ مرسلاً،
وفيه ابن لَهيعة، وحديثه حسنٌّ، وفيه ضَعف، وفي ((الصحيح)) بعضه عن
عائشه ظّا متصل الإسناد. انتهى(٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ربه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٣٦/١١] (٢٢٠٨)، و(أبو داود) في ((الطبّ))
(٣٨٦٦)، و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٥٨٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥/
٢٠٦)، و(ابن ماجه) في (الطبّ)) (٣٤٩٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٢/٣
و٣٥٠ و٣٨٦)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٧٤٥)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٣٨/٢)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٨٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٧٨٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧/٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٣٢١/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤١٧/٤)، و(ابن سعد) في
((الطبقات)) (٤٢٩/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٢/٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٧] (١٢٠٢)(٣) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ،
حَدَّثَنَا حَبَّنُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّمَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ
[١١] (ت٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
(١) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ٧/٦ - ٨.
(٣) هذا الرقم مكرّر.
(٢) («مجمع الزوائد)) ١٣٩/٦.

١٩١
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَ﴿ه: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٧)
٢ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) تقدم في
«الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد البصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿ها، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن
عبّاس ها حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ احْتَجَمَ) بالبناء للفاعل؛ أي: طلب
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
من يَحْجُمُهُ، يقال: حجمه يحجمه، من بابي ضرب، ونصر: إذا امتصّ دمه
بالْمِحَجَم. (وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ) وفي رواية تقدّمت للمصنّف في ((البيوع)) من
رواية الشعبيّ، عن ابن عبّاس ﴿ه: ((حَجَمَ النبيَّ وَّ عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه
النبيّ ◌َ﴿ أجره، وكَلَّم سيّده، فخفّف عنه من ضريبته))، ولو كان سُحتاً لم يُعطه
النبيّ. قيل: العبد المذكور هو أبو طيبة المذكور في حديث أنس ظه المتقدّم
هناك، فراجع ما تقدّم، والله تعالى أعلم.
(وَاسْتَعَطَ)؛ أي: استَعمل السَّعُوط، وهو أن يَستلقي على ظهره، ويَجعل
بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه، ويقطر في أنفه ماء، أو دهنٌ، فيه دواءٌ
مفرد، أو مركبٌ؛ ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه؛ لاستخراج ما فيه من
الداء بالعطاس، وأخرج الترمذيّ عن ابن عبّاس ظه رفعه: ((إن خير ما تداويتم
به السَّعُوط))(١)، ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عبّاس ﴿هَّ هذا متّفقٌ عليه، وقد
مضى تخريجه في ((البيوع)) [٤٠٣٤/٣٣ و٤٠٣٥] (١٢٠٢)، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
(١) حديث ضعيف.
(٢) ((الفتح)) ٧٨/١٣.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
[تنبيه]: ذكر الإمام ابن القيّم تَّثُ في هذا الباب بحثاً مهمّاً، أحببت
إيراده هنا؛ لنفاسته، وكثرة فوائده، قال نَّتُهُ:
وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي، واستحباب
الحجامة، وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، وجواز احتجام
المُحْرِم، وإن آل إلى قطع شيء من الشعر، فإن ذلك جائز، وفي وجوب الفدية
عليه نظر، ولا يقوى الوجوب، وجواز احتجام الصائم، فإن في ((صحيح
البخاريّ)) أن رسول الله ◌َّ: ((احتَجَم، وهو صائم))، ولكن هل يُفطر بذلك أم
لا؟ مسألة أخرى، الصواب: الفطر بالحجامة؛ لصحته عن رسول الله وَلخير من
غير معارض، وأصح ما يعارض به حديث حجامته، وهو صائم، ولكن لا يدلّ
على عدم الفطر، إلا بعد أربعة أمور:
أحدها: أن الصوم كان فرضاً.
الثاني: أنه كان مقيماً.
الثالث: أنه لم يكن به مرض، احتاج معه إلى الحجامة.
الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: ((أفطر الحاجم، والمحجوم)).
فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع أمكن الاستدلال بفعله وَهو على بقاء
الصوم مع الحجامة، وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلاً يجوز الخروج منه
بالحجامة وغيرها، أو من رمضان، لكنه في السفر، أو من رمضان في الحضر،
لكن دعت الحاجة إليها، كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون
فرضاً من رمضان في الحضر، من غير حاجة إليها، لكنه مُبَقَّى على الأصل؟
وقوله: ((أفطر الحاجم، والمحجوم)) ناقل، ومتأخر، فيتعيّن المصير إليه، ولا
سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدّمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها؟.
وفيها دليل على استئجار الطبيب، وغيره، من غير عقد إجارة، بل يعطيه
أجرة المثل، أو ما يُرضيه.
وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، وإن كان لا يطيب للحرّ
أَكْل أجرته من غير تحريم عليه، فإن النبيّ وَّر أعطاه أجره، ولم يمنعه من
أكله، وتسميته إياه خبيثاً كتسميته للثوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك
تحریمھما .

١٩٣
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٨)
وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده، كلَّ يوم شيئاً
معلوماً بقدر طاقته، وأن للعبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه، ولو مُنِعٍ من
التصرف لكان كسبه كله خراجاً، ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد على
خراجه فهو تمليك من سيده له، يتصرف فيه كما أراد، والله أعلم. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٨] (١٥٧٧)(٢) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ
أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: احْتَجَمَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَكَانَ لَا يَظْلِمُ أَحَداً أَجْرَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (عَمْرُو بْنُ عَامِرِ الأَنْصَارِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس بن مالك، وعنه أبو الزناد، وشعبة، والثوريّ، ومِسعر،
وشريك، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث(٣).
والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب.
شرح الحدیث:
(عَنْ عَمْرٍوِ بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ) الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكِ) رَّهِ (يَقُولُ: احْتَجَمَّ رَسُولُ اللهِ وَي) وفي الرواية المتقدّمة للمصنّف في
((البيوع)) من رواية حميد، قال: سئل أنس بن مالك عن كسب الحجّام، فقال:
احتَجَمَ رسول الله وَّةِ، حَجَمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكَلَّم
(١) ((زاد المعاد)) ٤ /٥٦.
(٢) هذا الرقم مكرّر.
(٣) وقال في ((الفتح)): ليس له في البخاريّ إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب، وحديث
في الطهارة، وحديث في الصلاة.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
أهله، فوضعوا عنه من خراجه، وقال: ((إن أفضل ما تداويتم به الحجامة، أو
هو من أمثل دوائكم)). (وَكَانَ) وَلِّ (لَا يَظْلِمُ أَحَداً أَجْرَهُ) بل يُعطيه فوق ما
تمنّاه، كما فعل بأبي طيبة المذكور، حيث أعطاه صاعين، وأمر أهله فخفّفوا
عنه ضريبته، وهذا من كمال شفقته وَالت .
وفي رواية البخاريّ ◌َُّ: (كان النبيّ وَّرِ يحتجم، ولم يكن يظلم أحداً
أجره))، قال في ((الفتح)): فيه إشعار بالمواظبة، وفيه إثبات إعطائه أجرة الحجّام
بطريق الاستنباط، بخلاف رواية ابن عبّاس بلفظ: ((وأعطى الحجام أجره))،
ففيها الجزم بذلك على سبيل التنصيص. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((ولم يكن يظلم أحداً أجره)) أعمّ من أجر
الحجام وغيره، ممن يُستَعْمَلُ في عمل، والمراد أنه يوفي أجر كل أجير، ولم
يكن يظلم؛ أي: ينقص من أجر أحد، ولا يردّه بغير أجر. انتهى(٢)، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك نظريته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٣٨/١١] (١٥٧٧)(٣)، و(البخاريّ) في
((الإجارة)) (٢٢٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٠/٣ و١٧٧ و٢١٥ و٢٦١)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٥/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٩] (٢٢٠٩) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا:
حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنٍ
النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»).
(١) ((الفتح)) ٥٦/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٨٠).
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠٢/١٢.
(٣) هذا الرقم مكرّر، فتنبّه.

١٩٥
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٣ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو
عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات ظُبه سنة (٧٣) أو أول التي
تليها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
والباقون تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدّ الناس اتّباعاً للأثر.
شرح الحدیث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر الْعُمَريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي نَافِعٌ) مولى ابن عمر
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ)
[تنبيه]: هكذا أخرج الحديث مسلم من طريق يحيى القطّان عن عبيد الله
العمري، عن نافع، وأخرجه البخاريّ من طريق عبد الله بن وهب عن مالك،
عن نافع، وهو أيضاً عند مسلم، قال في ((الفتح)) بعد ذِكر هذا: وأخرجه
النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، قال الدارقطنيّ في
((الموطآت)): لم يروه من أصحاب مالك في ((الموطأ)): إلا ابن وهب، وابن
القاسم، وتابعهما الشافعيّ، وسعيد بن عُفير، وسعيد بن داود، قال: ولم يأت
به مَعْن، ولا القعنبيّ، ولا أبو مصعب، ولا ابن بكير. انتهى، وكذا قال ابن
عبد البرّ في ((التقصي))، قال الحافظ: وقد أخرجه شيخنا - يعني: الحافظ
العراقيّ - في ((تقريبه)) من رواية أبي مصعب، عن مالك، وهو ذهول منه؛ لأنه
اعتَمَد فيه على ((الملخّص)) للقابسيّ، والقابسيّ إنما أخرج ((الملخص)) من طريق

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
ابن القاسم، عن مالك، وهذا ثاني حديث عَثَرت عليه في ((تقريب الأسانيد))
لشيخنا - عفا الله تعالى عنه - من هذا الجنس، وقد نبهت عليه نصيحةً لله
تعالى، والله أعلم.
وقد أخرجه الدارقطنيّ، والإسماعيليّ من رواية حرملة، عن الشافعيّ،
وأخرجه الدارقطنيّ من طريق سعيد بن عُفير، ومن طريق سعيد بن داود، ولم
يخرجه ابن عبد البرّ في ((التمهيد))؛ لأنه ليس في رواية يحيى بن يحيى الليثيّ،
والله أعلم. انتهى(١).
(عَنِ النَّبِيِّ وَِّ) أنه (قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) - بفتح الفاء، وسكون
التحتانية، بعدها مهملة - في حديث رافع: ((من فوح)) بالواو، وفي حديث له
بلفظ: ((فور)) بالراء بدل الحاء، وكلها بمعنى، والمراد: سُطوع حَرّها،
ووَهَجُهُ، والحمّى أنواع، كما سيأتي تحقيقه.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((من فيح جهنّم))؛ أي: شدَّة حرارتها، وأصله
من فاحت القِدْر: إذا غَلَت، وقد يعبّر عنه بالفور؛ كما جاء في الرواية
الأخرى، ولفحُ النَّار: إصابة شدَّة حرارتها، وجهنم: اسم عَلَمٌ من أسماء نار
الآخرة؛ مؤنث، ولذلك لم ينصرف، وقد تقدم اشتقاقه. انتهى (٢).
وقال ابن القيّم تَخْثُ: قوله: ((من فيح جهنم)) هو شدّة لَهَبها، وانتشارها،
ونظيره قوله: ((شدة الحر من فیح جهنم))، وفيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك أنموذج، ورقيقة اشتُقّت من جهنم؛ ليستدل بها العباد
عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله سبحانه قدّر ظهورها بأسباب تقتضيها، كما أن
الرَّوْح، والفرح، والسرور، واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار
عبرةً، ودلالةً، وقدّر ظهورها بأسباب توجبها .
والثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبّه شدة الحمى، ولهبها بفیح جهنم،
وشبه شدة الحرّ به أيضاً؛ تنبيهاً للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه
(١) ((الفتح)) ١٢٢/١٣ - ١٢٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٣).
(٢) ((المفهم)) ٥٩٩/٥.

١٩٧
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلُّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩)
الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، وهو ما يصيب من قَرُب منها من حرّها. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): واختُلِف في نسبة الحمّى إلى جهنم، فقيل: حقيقةٌ،
واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقَدّر الله ظهورها بأسباب
تقتضيها؛ ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفَرَح واللذة من نعيم الجنة،
أظهَرَها في هذه الدار عبرةً، ودلالةً، وقد جاء في حديث أخرجه البزار، من
حديث عائشة نا، بسند حسنٍ وفيه: عن أبي أمامة، عند أحمد، وعن أبي
ريحانة، عند الطبرانيّ، وعن ابن مسعود، في ((مسند الشهاب)): ((الحمى حَظّ
المؤمن من النار))، وهذا كما تقدم في حديث الأمر بالإبراد: ((إن شدة الحر من
فيح جهنم، وأن الله أَذِن لها بنَفَسين)).
وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حَرّ الحمّى شبيه بحرٌ
جهنم؛ تنبيهاً للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة
بفيحها، وهو ما يصيب مَن قَرُب منها من حرّها، كما قيل بذلك في حديث
الإبراد، والأول أولى، والله أعلم، ويؤيده ما في آخر الحديث عند البخاريّ:
((قال نافع: وكان عبد الله يقول: اكشف عنّا الرجز))، أفاده في ((الفتح))(٢)، وهو
تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(فَابْرُدُوهَا) قال في ((الفتح)): المشهور في ضَبْطها بهمزة وصل، والراء
مضمومة، وحُكِيَ كسرها، يقال: بَرَدتُ الحمَّى أَبِرُدُها بَرْداً، بوزن قَتَلتها أقتُلُها
قَتْلاً؛ أي: أسكنت حرارتها، قال شاعر الحماسة [من الطويل]:
أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِفَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ
إِذَا وَجَدتُ لَهِيبَ الْمُبِّ فِي گېدِي
فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ
هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الْمَاءِ ظَاهِرَهُ
وحَكَى عياض روايةً بهمزة قطع مفتوحة، وكسر الراء، من أبرد الشيءَ:
إذا عالجه، فصَيَّره بارداً، مثل أسخنه: إذا صيّره سُخْناً، وقد أشار إليها
الخطابيّ، وقال الجوهريّ: إنها لغة رديئة. انتهى (٣).
(١) (زاد المعاد)) ٢٣/٤.
(٢) ((الفتح)) ١٢١/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٣).
(٣) ((الفتح)) ١٢٢/١٣ - ١٢٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٣).

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فابْرُدوها بالماء)) صوابه بوصل الألف؛ لأنَّه
من بَرَّد الماءُ حرارةَ جوفي، وهو ثلاثيّ معدَّى؛ كما قال [من الطويل]:
ستَبْرُدُ أكباداً وتُبْكِي بَوَاكِيَا
وَعَطِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكابِ فإنَّها
وقد أخطأ من قال: أبردوها، بقطع الألف، وفي الرواية الأخرى:
((فأطفئوها))، بالهمزة رباعيّاً، من أطفأ. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله وٍَّ: ((الحمى من فيح جهنم فابرُدوها بالماء))،
وفي رواية: ((من فَوْر جهنم)) هو بفتح الفاء فيهما، وهو شدّة حرّها، ولهبها،
وانتشارها، وأما ((فابرُدوها)) فبهمزة وصل، ويضم الراء، يقال: بَرَدتُ الحمَّى
أبرُدها بَرْداً، على وزن قتَلتها أقتُلها قَتْلاً؛ أي: أسكنت حرارتها، وأطفأت
لهبها، كما قال في الرواية الأخرى: ((فأطفئوها بالماء)»، وهذا الذي ذكرناه من
كونه بهمزة وصل، وضم الراء، هو الصحيح الفصيح المشهور في الروايات،
وكُتُب اللغة، وغيرها، وحَكَى القاضي عياض في ((المشارق)) أنه يقال: بهمزة
قطع، وكَسْر الراء في لغة، قد حكاه الجوهريّ، وقال: هي لغة رديئة.
انتھی(٢) .
وقوله: (بِالْمَاءِ) قال ابن القيّم تََّثُ: فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء،
وهو الصحيح، والثاني: أنه ماء زمزم، واحتَجّ أصحاب هذا القول بما رواه
البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ قال: كنت
أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن
رسول الله وَل﴿ قال: ((إن الحمى من فيح جهنم، فابْرُدُوها بالماء، أو قال: بماء
زمزم»، وراوي هذا قد شكّ فيه، ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة بماء زمزم؛
إذ هو متيسِّر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء.
قال: ثم اختَلَفَ من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء،
أو استعماله؟ على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذي حَمَل من
قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، ولم
يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهاً حسناً، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما
(١) ((المفهم)) ٥٩٩/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/١٤.

١٩٩
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَِّ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٩)
أَخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاءً
وفاقاً، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث، وإشارته، وأما المراد به فاستعماله.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)): وفي حديث أبي هريرة ظبه عند ابن ماجه: ((بالماء
البارد))، ومثله في حديث سمرة ظُه عند أحمد، ووقع في حديث ابن
عباس : ((بماء زمزم))، فقد أخرج البخاريّ من رواية أبي جمرة - بالجيم -
قال: ((كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمّى))، - وفي رواية أحمد -:
كنت أدفع الناس عن ابن عباس، فاحتبست أيّاماً، فقال: ما حبسك؟ قلت:
الحمَّى، قال: أبْرِدها بماء زمزم، فإن رسول الله وَلي قال: ((الحمى من فيح
جهنم، فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم)) شك همام، كذا في رواية البخاريّ من
طريق أبي عامر العَقَديّ، عن همام.
وقد تعلّق به من قال بأن ذِكْر ماء زمزم ليس قيداً؛ لشكٌّ راويه فيه، وممن
ذهب إلى ذلك ابن القيّم.
قال الجامع عفا الله عنه: ليس ابن القيّم ممن قال بهذا، بل هو قائل بأن
المراد به العموم، ولكنه تأول قول من قال بهذا، على تقدير ثبوته، كما أسلفت
لك نصّه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وتُعُقِّب بأنه وقع في رواية أحمد، عن عفّان، عن همام: ((فأبردوها
بماء زمزم))، ولم يشكّ، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من رواية
عفان، وإن کان الحاکم وَهِمَ في استدراكه، وترجم له ابن حبان بعد إيراده حديث
ابن عمر، فقال: ((ذِكْر الخبر المفسِّر للماء المجمل في الحديث الذي قبله، وهو
أن شدّة الحمی تُبرَّد بماء زمزم دون غيره من المياه))، وساق حديث ابن عباس.
وقد تُعُقّب على تقدير أن لا شك في ذِكر ماء زمزم فيه، بأن الخطاب
لأهل مكة خاصّة؛ لتيسُّر ماء زمزم عندهم، كما خصّ الخطاب بأصل الأمر
بأهل البلاد الحارّة، وخفي ذلك على بعض الناس. انتهى(٢).
(١) ((زاد المعاد)) ٢٣/٤.
(٢) ((الفتح)) ١٢٣/١٣ - ١٢٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٣).

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على العموم هو الصواب، كما
أشار إليه ابن القيّم تَخْلُ في كلامه السابق؛ لأن التنصيص على بعض أفراد
العامّ لا يُخصّص، فالحقّ أن الحديث على عمومه، فمن تيسّر له ماء زمزم
كأهل مكة برّدها به، ومن لا؛ كغيرهم برّدها بما لديه من الماء، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقال ابن عبد البرّ كَّلُهُ: وأما معنى الحديث فقد فسرته فاطمة بنت
المنذر في روايتها له عن أسماء، بأنها كانت تَصُبّ الماء بين المرأة المحمومة
وبين جيبها؛ كأنها كانت تصبه بين طوق قميصها، وعنقها، حتى يصل إلى
جسدها، وذكر ابن وهب في صفة الغسل للحمى حديثاً في ((جامعه)) مرفوعاً إلى
النبيّ ◌َّ أنه قال لرجل شكى إليه الحمى: ((اغتسل ثلاثة أيام قبل طلوع
الشمس، كل يوم، وقل: بسم الله، وبالله، اذهبي يا أم مِلْدَم فإن لم تذهب،
فاغتسل سبعاً)).
قال أبو عمر: مَن فعل شيئاً مما في هذين الحديثين، أو غيرهما مع
اليقين الثابت، لم تلبث الحمى أن تُقلع إن شاء الله تعالى.
قال: وقد رَوَى ابن عباس ظها عن النبيّ ◌َّ أنه قال: ((إن الحمى من
فيح جهنم، فابْرُدوها بماء زمزم))، رواه أبو جمرة عنه، ورَوَى مِقْسم عن ابن
عباس أنه كان إذا حُمّ بَلّ ثوبه، ثم لبسه، ثم قال: ((إنها من فيح جهنم،
فابْرُدوها بالماء))، قال أبو عمر: تأويل ابن عباس حسن أيضاً إن شاء الله رحمت.
(١)
انتھی(١).
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق مالك عن نافع في آخر الحديث
ما نصّه: قال نافع: وكان عبد الله يقول: ((اكشف عنّا الرجز)). انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال نافع: وكان عبد الله))؛ أي: ابن عمر
يقول: اكشف عنا الرجز؛ أي: العذاب، وهذا موصول بالسند الذي قبله،
وكأن ابن عمر فَهِم من كون أصل الحمى من جهنم أن من أصابته عُذِّب بها،
وهذا التعذيب يختلف باختلاف محله، فيكون للمؤمن تكفيراً لذنوبه، وزيادةً في
(١) ((الاستذكار)) لابن عبد البرّ ٤١٩/٨.