Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه،
وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، فلنذكر بقيّة المسائل:
(المسألة الأولى): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التداوي بالحجامة، وأنها من أنفع الأدوية.
٢ - (ومنها): أن الْخُراج يعالج بالحجامة، فإنها من أنفع الأدوية فيه.
٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض تخلّثُ: وفي جملة هذه الأحاديث ما
حَوَاه من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطبّ، وجواز التطبب في الجملة،
واستحبابه بالأمور المذكورة، من الحجامة، وشرب الأدوية، والسَّعُوط،
واللَّدُود، وقطع العروق، والرُّقَى، قال: قوله وَله: ((أَنزل الدواء الذي أنزل
الداء)» هذا إعلام لهم، وإذن فيه، وقد يكون المراد بإنزاله إنزال الملائكة
الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض، من داء، ودواء، قال: وذكر بعض
الأطباء في قوله وَله: ((شَرْطة مِحْجَم، أو شَرْبة عسل، أو لَذْعَةٌ بنار))، أنه إشارة
إلى جميع ضروب المعافاة، والله أعلم. انتهى.
(المسألة الثانية): قال النوويّ كَّلُ: قوله وَير: ((إن كان في شيء من
أدويتكم خير، ففي شَرْطة مِحجم ... إلخ)): هذا من بديع الطبّ عند أهله؛ لأن
الأمراض الامتلائية دموية، أو صفراوية، أو سوداوية، أو بلغمية، فإن كانت
دموية، فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال
بالمسهل اللائق لكل خلط منها، فكأنه نبّه ◌َ﴿ بالعسل على المسهلات،
وبالحجامة على إخراج الدم بها، وبالفصد، ووضع العَلَق وغيرها مما في
معناها، وذَكَر الكيّ؛ لأنه يُستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة، ونحوها،
فآخر الطبّ الكتيّ.
وقوله: ((وما أحب أن أكتوي)) إشارة إلى تأخير العلاج بالكيّ حتى يُضْطَرَّ
إليه؛ لِمَا فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم، قد يكون أضعف من ألم
الكيّ.
وأما ما اعتَرَضَ به الملحد المتقدّم ذكره، فنقول في إبطاله: إن علم
الطبّ من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء
دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يَعْرِض، من
١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
غضب يُحَمِّي مزاجه، فيغيّر علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك، مما لا
تحصى كثرته، فإذا وُجد الشفاء في شيء في حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء
به في سائر الأحوال، وجميع الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن المرض
الواحد يختلف علاجه، باختلاف السنّ، والزمان، والعادة، والغذاء المتقدمة،
والتدبير المألوف، وقوّة الطباع.
فإذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة، منها
الإسهال الحادث من التخم، والهيضات(١)، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا
على علاجه بأن يترك الطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى مُعِين على الإسهال
أُعينت ما دامت القوّة باقيةً، فأما حبسها فضرر عندهم، واستعجال مرض،
فَيَحْتَمِل أن يكون هذا الإسهال للشخص المذكور في الحديث أصابه من
امتلاء، أو هيضة، فدواؤه تَرْك إسهاله على ما هو، أو تقويته، فَأَمَرِه وَل بشرب
العسل، فرآه إسهالاً، فزاده عسلاً، إلى أن فنيت المادّة، فوقف الإسهال،
ويكون الخلط الذي كان يوافقه شرب العسل، فثبت بما ذكرناه أن العسل جارٍ
على صناعة الطبّ، وأن المعترِض عليه جاهل لها، ولسنا نقصد الاستظهار
لتصديق الحديث بقول الأطباء، بل لو كذّبوه كذبناهم، وكفّرناهم، فلو أوجدوا
المشاهدة بصحة دعواهم تأولنا كلامه وَالر حينئذٍ، وخرّجناه على ما يصح،
فذكرنا هذا الجواب، وما بعده عُدّةً للحاجة إليه، إن اعتضدوا بمشاهدة،
وليظهر به جهلُ المعترض، وأنه لا يُحسن الصناعة التي اعتُرض بها، وانتسب
إليها، وكذلك القول في الماء البارد للمحموم، فإن المعترض يقول على
النبيّ وَّ ما لم يقل، فإنه رَّي لم يقل أكثر من قوله: ((أبردوها بالماء))، ولم
يُبيّن صفته، وحالته، والأطبّاء يسلّمون أن الْحُمّى الصفراويّ يُبرّد صاحبها بسقي
الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا
يبعد أنه سي﴿ أراد هذا النوع من الحمّى والغسل على نحو ما قالوه، وقد ذكر
مسلم هنا في (صحيحه)) عن أسماء ﴿ثها أنها كانت تُؤْتَى بالمرأة الموعوكة،
(١) قال في ((القاموس)): الْهَيْضة: معاودة الهمّ والحزن، والمرضَةُ بعد الْمَرْضة.
انتھی .
١٦٣
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ الَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
فتصب الماء في جيبها، وتقول: إن رسول الله و 18 قال: ((أبردوها بالماء))، فهذه
أسماء راوية الحديث، وقربها من النبيّ وَّ ر معلوم تأولت الحديث على نحو ما
قلناه، فلم يبق للملحد المعترض إلا اختراعه الكذب، واعتراضه به، فلا يُلتفت
إليه .
وأما إنكارهم الشفاء من ذات الجَنْب بالقُسط فباطل، فقد قال بعض
قدماء الأطباء: إن ذات الجنب إذا حدثت من البلغم، كان القُسط من علاجها،
وقد ذكر جالينوس وغيره أنه ينفع من وجع الصدر، وقال بعض قدماء الأطباء:
ويستعمل حيث يحتاج إلى إسخان عضو من الأعضاء، وحيث يحتاج إلى أن
يجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره، وهكذا قاله ابن سينا وغيره، وهذا
يبطل ما زعمه هذا المعترض الملحد.
وأما قوله ◌َله: ((فيه سبعة أشفية)): فقد أطبق الأطباء في كتبهم على أنه
يُدِرّ الطمث، والبول، وينفع من السموم، ويُحَرِّك شهوة الجماع، ويقتل الدود،
وحبّ القرع في الأمعاء، إذا شُرب بعسل، ويُذهب الكَلَف، إذا طُلِي عليه،
وينفع من ضعف المعدة، والكبد، وبردهما، ومن حُمّى الورد، والربع، وغير
ذلك، وهو صنفان: بحريّ، وهنديّ، والبحريّ: هو القسط الأبيض، وهو أكثر
من صنفين، ونصّ بعضهم أن البحريّ أفضل من الهنديّ، وهو أقل حرارة منه،
وقيل: هما حارّان يابسان في الدرجة الثالثة، والهنديّ أشد حرّاً في الجزء
الثالث من الحرارة، وقال ابن سينا: القسط حارّ في الثالثة، يابس في الثانية،
فقد اتَّفَقَ العلماء على هذه المنافع التي ذكرناها في القسط، فصار ممدوحاً
شرعاً، وطِبّاً، وإنما عدّدنا منافع القسط من كتب الأطباء؛ لأن النبيّ وَّهُ ذَكَر
منها عدداً مجملاً.
وأما قوله ◌َله: ((إن في الحبة السوداء شفاءً من كل داء، إلا السام))،
فيُحْمَل أيضاً على العلل الباردة، على نحو ما سبق في القسط، وهو يَّه قد
يصف بحسب ما شاهده من غالب أحوال أصحابه
وذكر القاضي عياض كلام المازري الذي قدمناه، ثم قال: وذَكَر الأطباء
في منفعة الحبة السوداء التي هي الشونيز أشياء كثيرة، وخوَاصّ عجيبة، يُصَدِّقها
قوله ﴿ فيها، فذكر جالينوس أنها تحل النفخ، وتقتل ديدان البطن، إذا أكل،
١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
أو وضع على البطن، وتشفي الزكام، إذا قُلِي، وصُرَّ في خرقة، وشُمَّ، وتزيل
العلة التي يتقشر منها الجلد، وتقلع الثآليل المتعلقة، والمنكسة، والخيلان،
وتُدرّ الطمث المنحبس، إذا كان انحباسه من أخلاط غليظة لزجة، وتنفع
الصداع إذا طُلِيَ بها الجبين، وتقلع البثور، والجرَب، وتحلل الأورام البلغمية،
إذا تضمد بها مع الخلّ، وتنفع من الماء العارض في العين، إذا استُعِط بها
مسحوقاً بدهن الأريا، وتنفع من انتصاب النفس، ويتمضمض بها من وجع
الأسنان، وتدرّ البول، واللبن، وتنفع من نهشة الرتيلا، واذا بُخِّر به طرد
الهوام.
قال القاضي: وقال غير جالينوس: خاصيته إذهاب حمى البلغم،
والسوداء، وتقتل حب القرع، وإذا عُلِّق في عنق المزكوم نفعه، وينفع من حمى
الربع، قال: ولا يبعد منفعة الحارّ من أدواء حارّة بخواص فيها، فقد نجد ذلك
في أدوية كثيرة، فيكون الشونيز منها؛ لعموم الحديث، ويكون استعماله أحياناً
منفرداً، وأحياناً مركباً، والله تعالى أعلم (١).
(المسألة الثالثة): قال الخطابيّ تَّتُهُ: انتظم هذا الحديث على جملة ما
يَتَدَاوَى به الناس، وذلك أن الحجم يستفرغ الدم، وهو أعظم الأخلاط،
والحجم أنجحها شفاءً عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مُسهِل للأخلاط
البلغمية، ويدخل في المعجونات؛ ليحفظ على تلك الأدوية قواها، ويخرجها
من البدن، وأما الكيّ، فإنما يُستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته
إلا به، ولهذا وصفه النبيّ وَّ﴿، ثم نَهَى عنه، وإنما كَرِهه لِمَا فيه من الألم
الشديد، والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها: آخرُ الدواء
الكيّ، وقد کَوَى النبيّ ◌َّ سعد بن معاذ وغيره، واكتوى غير واحد من
الصحابة .
قال الحافظ تَخُّْهُ: ولم يُرِد النبيّ وَله الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد
يكون في غيرها، وإنما نبّه بها على أصول العلاج، وذلك أن الأمراض
الامتلائية تكون دموية، وصفراوية، وبلغمية، وسوداوية، وشفاء الدموية بإخراج
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٩٢ - ١٩٧.
١٦٥
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَلَّهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِخْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
الدم، وإنما خَصّ الحجمَ بالذِّكر؛ لكثرة استعمال العرب، وإِلْفِهم له، بخلاف
الفَصْد، فإنه وإن كان في معنى الحجم، لكنه لم يكن معهوداً لها غالباً، على
أن في التعبير بقوله: ((شَرْطَةُ مِحْجَم)) ما قد يتناول الفصد، وأيضاً فالحجم في
البلاد الحارّة أنجح من الفصد، والفصد في البلاد التي ليست بحارّة أنجح من
الحجم.
وأما الامتلاء الصفراويّ، وما ذُكر معه، فدواؤه بالْمُسْهل، وقد نَبَّه عليه
بذكر العسل، وسيأتي توجيه ذلك قريباً.
وأما الكيّ، فإنه يقع آخراً لإخراج ما يتعسر إخراجه من الفضلات، وإنما
نَهَى عنه مع إثباته الشفاء فيه، إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادّة بطبعه،
فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء؛ لظنهم أنه يَحسِم
الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار؛ لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع
له ذلك المرض الذي يقطعه الكيّ.
ويؤخذ من الجمع بين كراهته و﴿ للكيّ، وبين استعماله له، أنه لا يُترك
مطلقاً، ولا يُستعمل مطلقاً، بل يُستعمل عند تعيّنه طريقاً إلى الشفاء، مع
مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يُحْمَل حديث
المغيرة به، رفعه: ((مَنِ اكتوى، أو استرقى فقد برئ من التوكل)»، أخرجه
الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة تَخّثُ: عُلِم من مجموع كلامه وَّلـ
في الكيّ أن فيه نفعاً، وأن فيه مضرّةً، فلمّا نَهَى عنه عُلِم أن جانب المضرة فيه
أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع، ثم حرّمها؛ لأن
المضار التي فيها أعظم من المنافع. انتهى مُلَخَّصاً.
وقد قيل: إن المراد بالشفاء في هذا الحديث الشفاء من أحد قسمي
المرض؛ لأن الأمراض كلها إما ماديّة، أو غيرها، والمادية كما تقدم حارّة،
وباردة، وكل منهما - وإن انقسم إلى رطبة، ويابسة، ومركبة - فالأصل
الحرارة، والبرودة، وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنَّه بالخبر على أصل
المعالجة بضرب من المثال، فالحارّة تعالج بإخراج الدم؛ لِمَا فيه من استفراغ
المادّة، وتبريد المزاج، والباردة بتناول العسل؛ لِمَا فيه من التسخين،
١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
والإنضاج، والتقطيع، والتلطيف، والجلاء، والتليين، فيحصل بذلك استفراغ
المادّة برفق.
وأما الكيّ فخاص بالمرض المزمن؛ لأنه يكون عن مادّة باردة، فقد
تفسد مزاج العضو، فإذا ◌ُوِي خرجت منه.
وأما الأمراض التي ليست بماديّة، فقد أشير إلى علاجها بحديث:
((الْحُمَّى من فَيْح جهنم، فأبردوها بالماء)). انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): كتب الإمام ابن القيّم تَخْتُ بحثاً طويلاً في الحجامة،
أحببت إيراده هنا، وإن كان كثير منه تقدّم إلا أن فيه زوائد مهمةً، قال تَظَّتُهُ:
فصل: في هديه وَّر في العلاج بشرب العسل، والحجامة، والكيّ:
في ((صحيح البخاريّ)): عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ وَل
قال: ((الشفاء في ثلاث: شَربة عسل، وشَرطة محجم، وكيّة نار، وأنا أنهى
أمتي عن الكيّ)).
قال أبو عبد الله المازريّ: الأمراض الامتلائية: إما أن تكون دموية، أو
صفراوية، أو بلغمية، أو سوداوية، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم، وإن
كانت من الأقسام الثلاثة الباقية، فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها،
وكأنه وَّه نبّه بالعسل على المسهلات، وبالحجامة على الفصد، وقد قال بعض
الناس: إن الفصد يدخل في قوله: ((شَرطة محجم))، فإذا أعيا الدواء فآخر
الطبّ الكيّ، فَذَكَرِهِ وَّ﴿ في الأدوية؛ لأنه يُستعمل عند غلبة الطباع لقوى
الأدوية، وحيث لا ينفع الدواء المشروب، وقوله: ((وأنا أنهى أمتي عن الكيّ))،
وفي الحديث الآخر: ((وما أحب أن أكتوي)) إشارة إلى أن يؤخر العلاج به،
حتى تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به؛ لِمَا فيه من استعجال الألم
الشديد في دَفْع ألم قد يكون أضعف من ألم الكتيّ. انتهى كلامه.
وقال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية: إما أن تكون بمادة، أو بغير
مادة، والمادية منها: إما حارّة، أو باردة، أو رطبة، أو يابسة، أو ما تركّب
(١) ((الفتح)) ٦٢/١٣ - ٦٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٠).
١٦٧
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
منها، وهذه الكيفيات الأربع منها كيفيتان فاعلتان: وهما الحرارة، والبرودة،
وكيفيتان منفعلتان، وهما الرطوبة، واليبوسة، ويلزم من غلبة إحدى الكيفيتين
الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها، وكذلك كان لكل واحد من الأخلاط
الموجودة في البدن، وسائر المركبات كيفيتان: فاعلة، ومنفعلة، فحصل من
ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي
الحرارة والبرودة، فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارّة
والباردة على طريق التمثيل، فإن كان المرض حارّاً عالجناه بإخراج الدم بالفصد
كان، أو بالحجامة؛ لأن في ذلك استفراغاً للمادة، وتبريداً للمزاج، وإن كان
بارداً عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل، فإن كان يحتاج مع ذلك إلى
استفراغ المادّة الباردة، فالعسل أيضاً يفعل في ذلك؛ لِمَا فيه من الإنضاج،
والتقطيع، والتلطيف، والجلاء، والتليين، فيحصل بذلك استفراغ تلك المادّة
برفق، وأَمْن، من نكاية المسهلات القوية.
وأما الكيّ: فلأن كل واحد من الأمراض الماديّة، إما أن يكون حادّاً،
فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين، فلا يحتاج إليه فيه، وإما أن يكون مُزمناً،
وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكتيّ في الأعضاء التي يجوز فيها الكيّ؛ لأنه لا
يكون مُزمناً إلا عن مادّة باردة غليظة، قد رسخت في العضو، وأفسدت مزاجه،
وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها، فيشتعل في ذلك العضو،
فيستخرج بالكيّ تلك المادّة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناريّ
الموجود بالكيّ لتلك المادّة.
فتعلَّمنا بهذا الحديث الشريف أَخْذَ معالجة الأمراض الماديّة جميعها،
كما استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله {وَ ه: ((إن شدة الْحُمَّى من فيح
جهنم، فأبردوها بالماء)).
فصل: وأما الحجامة ففي (سنن ابن ماجه)) من حديث جُبَارة بن الْمُغَلِّس
- وهو ضعيف (١) - عن كثير بن سُليم، قال: سمعت أنس بن مالك رُه يقول:
(١) وشيخه كثير أيضاً ضعيف.
١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
قال رسول الله وَله: ((ما مررت ليلة أسري بي بملإ إلا قالوا: يا محمد! مر
أمتك بالحجامة))(١) .
هذا الحديث :
وروى الترمذي في ((جامعه)) من حديث ابن عباس
وقال فيه: ((عليك بالحجامة يا محمد))(٢).
وفي ((الصحيحين)): من حديث طاوس، عن ابن عباس ظها أن النبيّ ◌َّ:
(«احتجم، وأعطى الحجام أجره)).
وفي ((الصحيحين)) أيضاً عن حميد الطويل، عن أنس: أن رسول الله وَالـ
حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكَلِّم مواليه، فخففوا عنه من
ضريبته، وقال: ((خير ما تداويتم به الحجامة)).
وفي جامع الترمذيّ عن عباد بن منصور، قال: سمعت عكرمة يقول:
((كان لابن عباس غِلْمة ثلاثةٌ حجامون، فكان اثنان يُغِلّان عليه، وعلى أهله،
وواحد لِحَجْمه، وحَجْم أهله))، قال: وقال ابن عباس ◌َّ: قال نبي الله وَلَّه:
(نِعْم العبد الحجّام يذهب بالدم، ويخف الصلب، ويجلو البصر))، وقال: إن
رسول الله وَُّ حيث عُرج به ما مَرّ على ملإٍ من الملائكة، إلا قالوا: ((عليك
بالحجامة))، وقال: ((إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع
عشرة، ويوم إحدى وعشرين))، وقال: ((إن خير ما تداويتم به السَّعُوط،
واللَّدُود، والحجامة، والمشي))، وإن رسول الله ◌َ﴿ لُدّ، فقال: ((من لدّني؟
فكلهم أمسكوا، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لُدّ إلا العباس))، قال: هذا
حديث غريب، ورواه ابن ماجه(٣).
فصل: وأما منافع الحجامة: فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثر من الفصد،
(١) حديث صحيح بشواهده، أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٩) وسنده ضعيف، لكن في الباب
عن ابن عبّاس عند الترمذيّ (٢٠٥٤)، وعن ابن مسعود عند الترمذيّ أيضاً (٢٠٥٣).
(٢) رواه الترمذيّ (٢٠٥٤) وفي سنده عبّاد بن منصور ضعيف؛ لسوء حفظه وتغيّره،
لكن أسلفنا أن الحديث صحيح بشواهده، فلا تغفل.
(٣) رواه الترمذيّ (٢٠٥٤)، وابن ماجه (٣٤٧٨) وفي سنده عباد بن منصور ضعيف،
كما تقدّم.
١٦٩
(١١) - بَابُ قَوْلِهَِله: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ)، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد.
قال ابن القيّم: والتحقيق في أمرها، وأمر الفصد أنهما يختلفان باختلاف
الزمان، والمكان، والأسنان، والأمزجة، فالبلاد الحارّة، والأزمنة الحارّة،
والأمزجة الحارّة التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من
الفصد بكثير، فإن الدم يَنضِج، ويَرِقّ، ويخرج إلى سطح الجسد الداخل،
فتُخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد، ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد،
ولمن لا يقوى على الفصد، وقد نَصّ الأطباء على أن البلاد الحارّة الحجامة
فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب في وسط الشهر، وبعد وسطه،
وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر؛ لأن الدم في أول الشهر لم يكن
بعد قد هاج وتبيّغ، وفي آخره يكون قد سكن، وأما في وسطه وبُعَيده، فيكون
في نهاية التزيد.
قال صاحب ((القانون)): ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر؛ لأن
الأخلاط لا تكون قد تحركت، وهاجت، ولا في آخره؛ لأنها تكون قد
نقصت، بل في وسط الشهر، حين تكون الأخلاط هائجة بالغة، في تزايدها؛
لتزيد النور في جرم القمر، وقد رُوي عن النبيّ وَّ أنه قال: ((خير ما تداويتم
به الحجامة، والفصد))(١)، وفي حديث: ((خير الدواء الحجامة، والفصد)).
انتھی .
وقوله مثل: ((خير ما تداويتم به الحجامة)) إشارة إلى أهل الحجاز،
والبلاد الحارّة؛ لأن دماءهم رقيقة، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم؛ لجذب
الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن
مسام أبدانهم واسعة، وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة
(١) أخرجه الشيخان وغيرهما بدون لفظ الفصد، قال محقق ((زاد المعاد)) ٥٤/٤: لفظ
((والفصد)) لم نقف عليه في شيء من كتب الحديث التي بأيدينا. انتهى.
قال الجامع: ذكر الزرقاني في ((شرح الموطأ)) ٤٩٠/٤ لفظ الرواية الثانية، فقال:
ولأبي نعيم عن عليّ رفعه: ((خير الدواء الحجامة، والفصد)»، لكن في سنده
حسين بن عبد الله بن ضُميرة كذبه مالك، وغيره. انتهى.
١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
تَفَرُّق اتصاليّ إراديّ يتبعه استفراغ كليّ من العروق، وخاصة العروق التي لا
تُفصد كثيراً، ولفصد كل واحد منها نفع خاصّ، ففصد الباسليق: ينفع من
حرارة الكبد، والطحال، والأورام الكائنة فيهما من الدم، وينفع من أورام
الرئة، وينفع من الشَّوْصة(١) وذات الجنب، وجميع الأمراض الدموية العارضة
من أسفل الركبة إلى الورك.
وفصد الأكحل: ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن، إذا كان
دمویّاً، وكذلك إذا کان الدم قد فسد في جمیع البدن.
وفصد القيفال(٢): ينفع من العلل العارضة في الرأس، والرقبة، من كثرة
الدم، أو فساده.
وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال، والرَّبْو، والبَهَر، ووجع الجبين.
والحجامة على الكاهل: تنفع من وجع المنكب، والحلق.
والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس، وأجزائه، كالوجه،
والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق، إذا كان حدوث ذلك عن
كثرة الدم، أو فساده، أو عنهما جميعاً، قال أنس ظُاته: ((كان رسول الله وَل
يحتجم في الأخدعين، والكاهل))(٣).
وعن أنس رضيبه قال: ((كان رسول الله و له يحتجم ثلاثاً: واحدة على
كاهله، واثنتين على الأخدعين)) (٤).
وفي ((الصحيح)): عنه: ((أنه احتجم، وهو محرم في رأسه، لصداع كان
به))(٥) .
(١) الشَّوْصة: وَجَع في البطن بسبب ريح تأخذ الإنسان مرّة هنا، ومرّةً هناك.
(٢) ((القيفال)): عرق في الذراع.
(٣) رواه الترمذيّ في ((جامعه)) (٢٠٥٢)، وفي ((الشمائل)) ٢٢٣/٢، وأبو داود
(٣٨٦٠)، وابن ماجه (٣٤٨٣)، وأحمد ١١٩/٣ و١٩٢، وإسناده صحيح،
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
(٤) عزاه ابن القيّم تَذَفُ إلى ((الصحيحين))، فوهّمه المحقّق، وقال: لم يخرجاه، ولا
أحدهما، وإنما أخرجه أحمد، وأصحاب السُّنن، كما سبق في التعليق الماضي، فتنبّه.
(٥) رواه البخاريّ في ((الطبّ)) ١٢٨/١.
١٧١
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَلِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
وفي ((سنن ابن ماجه)) عن عليّ ظُه: ((نزل جبريل على النبيّ وَّه بحجامة
الأخدعین، والكاهل))(١) .
وفي (سنن أبي داود)) من حديث جابر ظه: أن النبيّ وَّ: ((احتجم في
ورکه، من وَثْء کان به))(٢).
فصل: واختَلَف الأطباء في الحجامة على نُقرة القفا، وهي القَمَحْدُوة(٣):
وذكر أبو نعيم في ((كتاب الطب النبويّ)) حديثاً مرفوعاً: ((عليكم بالحجامة
فِي جَوْزَة الْقَمَحْدوة، فإنها تشفي من خمسة أدواء))، ذكر منها الجذام(٤).
وفي حديث آخر: ((عليكم بالحجامة في جَوْزة القَمَحْدُوة، فإنها شفاء من
اثنين وسبعين داء)) .
فطائفة منهم استحسنته، وقالت: إنها تنفع من جحظ العين، والنتوء
العارض فيها، وكثير من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين، والجفن، وتنفع من
جَرَبه.
ورُوي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم
يحتجم في النقرة، وممن كرهها صاحب ((القانون))، وقال: إنها تورث النسيان
حقّاً، كما قال سيدنا، ومولانا، وصاحب شريعتنا محمد وَّه، فإن مُؤَخَّر
الدماغ موضع الحفظ، والحجامة تذهبه. انتهى كلامه.
ورَدّ عليه آخرون، وقالوا: الحديث لا يثبت، وإن ثبث فالحجامة إنما
تضعف مؤخر الدماغ، إذا استُعملت لغير ضرورة، فأما إذا استعملت لغلبة الدم
عليه، فإنها نافعة له طبّاً وشرعاً، فقد ثبت عن النبيّ وَّ أنه احتجم في عِدّة
أماكن، من قفاه، بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا،
بحسب ما دعت إليه حاجته.
(١) رواه ابن ماجه (٣٤٨٢) وفيه أصبغ بن نباتة، وهو ضعيف.
(٢) حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٨٦٤). والوَثْءُ: وجع يصيب العضو من غير كسر.
(٣) قال في ((القاموس)): الْقَمَحْدُوة: الْهَنَة الناشرة فوق القفا، وأعلى الْقَذَال خلف
الأذنين، ومؤخّر القذال، جمعه قَماحد. انتهى.
(٤) ضعيف، راجع: ((الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ كَّقُ.
١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
فصل: والحجامة تحت الذَّقَن تنفع من وجع الأسنان، والوجه،
والحلقوم، إذا استُعملت في وقتها، وتنقي الرأس، والفكين، والحجامة على
ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن، وهو عرق عظيم عند الكعب، وتنفع من
قروح الفخذين، والساقين، وانقطاع الطمث، والحكة العارضة في الأنثيين،
والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ، وجَرَبه، وبثوره، ومن
النَّقْرِس، والبواسير، والفيل، وحكة الظهر.
فصل: في هديه ◌َّ في أوقات الحجامة:
روى الترمذي في ((جامعه)): من حديث ابن عباس ◌ًَّا يرفعه: ((إن خير
ما تحتجمون في يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين))(١)،
وفيه عن أنس: ((كان رسول الله وَلم يحتجم في الأخدعين، والكاهل، وكان
يحتجم لسبعة عشر، وتسعة عشر، وفي إحدى وعشرين))(٢)، وفي ((سنن ابن
ماجه)) عن أنس، مرفوعاً: ((من أراد الحجامة فليتحرَّ سبعة عشر، أو تسعة
عشر، أو إحدى وعشرين، لا يتبيّغ بأحدكم الدم، فيقتله))(٣)، وفي ((سنن أبي
داود)) من حديث أبي هريرة به مرفوعاً: ((من احتجم لسبع عشرة، أو تسع
عشرة، أو إحدى وعشرين، كانت شفاء من كل داء))(٤)، وهذا معناه: من كل
داء سببه غلبة الدم.
وهذه الأحاديث موافقة لِمَا أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف
الثاني، وما يليه من الربع الثالث من أرباعه، أنفع من أوله وآخره، وإذا
استعملت عند الحاجة إليها نفعت، أي وقت كان من أول الشهر وآخره.
قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو
(١) رواه الترمذيّ (٢٠٥٤) وفي سنده عبّاد بن منصور ضعّفوه، لكن الحديث حسن
بشواهده، فتنبه.
(٢) رواه الترمذيّ (٢٠٥١) ورجاله ثقات، وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب.
(٣) رواه ابن ماجه (٣٤٨٦) وفي سنده النهاس بن قهم، ضعيف، لكن يشهد له حديث
أبي هريرة الذي بعده، وحديث ابن عباس المتقدّم.
(٤) رواه أبو داود (٣٨٦١) وسنده حسن.
١٧٣
(١١) - جَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ النَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم، أيّ وقت هاج به الدم، وأي ساعة كانت.
وقال صاحب ((القانون)): أوقاتها في النهار: الساعة الثانية، أو الثالثة،
ويجب توقّيها بعد الحمّام إلا فيمن دمه غليظ، فيجب أن يستحمّ، ثم يستجمّ
ساعة، ثم يحتجم. انتهى.
وتكره عندهم الحجامة على الشبع، فإنها ربما أورثت سدداً، وأمراضاً
رديئةً، لا سيما إذا كان الغذاء رديئاً غليظاً، وفي أثر: ((الحجامة على الريق
دواء، وعلى الشبع داء، وفي سبعة عشر من الشهر شفاء))(١).
واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط،
والتحرز من الأذى، وحفظاً للصحة، وأما في مداواة الأمراض فحيثما وُجد
الاحتياح إليها وجب استعمالها، وفي قوله: ((لا يتبيغ بأحدكم الدم، فيقتله))،
دلالة على ذلك؛ يعني: لئلا يتبيغ، فحذف حرف الجر مع ((أن))، ثم حُذفت
(١) هذا الأثر بهذا اللفظ لم أجد من رواه، لكن الحديث رواه ابن ماجه في ((سنته)) ٢/
١١٥٣ بسنده عن ابن عمر ﴿يا قال: ((يا نافع قد تبيّغ بي الدم، فالتمس لي
حجاماً، واجعله رفيقاً، إن استطعت، ولا تجعله شيخاً كبيراً، ولا صبيّاً صغيراً))،
فإني سمعت رسول الله قال: ((يقول الحجامة على الريق أمثل، وفيه شفاء، وبركة،
وتزيد في العقل، وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واجتنبوا
الحجامة يوم الأربعاء، والجمعة، والسبت، ويوم الأحد، تحرياً، واحتجموا يوم
الاثنين، والثلاثاء، فإنه اليوم الذي عافى الله فيه أيوب من البلاء، وضربه بالبلاء
يوم الأربعاء، فإنه لا يبدو جذام، ولا برص، إلا يوم الأربعاء، أو ليلة الأربعاء)).
انتهى، وسنده ضعيف، وحسّنه الشيخ الألبانيّ كَّفُ، راجع: ((الصحيحة)) ٣٩٢/٢.
ثم أخرجه بسند آخر، ولفظه: قال ابن عمر: يا نافع تبيّغ بي الدم، فأتني بحجام،
واجعله شابّاً، ولا تجعله شيخاً، ولا صبيّاً، قال: وقال ابن عمر: سمعت
رسول الله * يقول: ((الحجامة على الريق أمثل، وهي تزيد في العقل، وتزيد في
الحفظ، وتزيد الحافظ حفظاً، فمن كان محتجماً، فيوم الخميس، على اسم الله،
واجتنبوا الحجامة يوم الجمعة، ويوم السبت، ويوم الأحد، واحتجموا يوم الاثنين،
والثلاثاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء، فإنه اليوم الذي أصيب فيه أيوب
بالبلاء، وما يبدو جذام، ولا برص، إلا في يوم الأربعاء، أو ليلة الأربعاء)).
انتهى، وسنده ضعيف أيضاً، وحسّنه الشيخ الألبانيّ تَقْلَفُ أيضاً.
١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
((أن))، والتبيغ: الهيج، وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه، فإنه بغي الدم،
وهيجانه، وقد تقدم أن الإمام أحمد كان يحتجم أيّ وقت احتاج من الشهر.
فصل: وأما اختيار أيام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في ((جامعه)):
أخبرنا حرب بن إسماعيل، قال: قلت لأحمد: تكره الحجامة في شيء من
الأيام؟ قال: قد جاء في الأربعاء، والسبت، وفيه: عن الحسين بن حسان أنه
سأل أبا عبد الله عن الحجامة، أيّ يوم تُكره؟ فقال: في يوم السبت، ويوم
الأربعاء، ويقولون: يوم الجمعة، وروى الخلال عن أبي سلمة، وأبي سعيد
المقبريّ، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السبت،
فأصابه بياض، أو برص، فلا يلومنّ إلا نفسه))(١).
وقال الخلال: أخبرنا محمد بن عليّ بن جعفر، أن يعقوب بن بختان
حدثهم، قال: سئل أحمد عن النورة، والحجامة يوم السبت، ويوم الأربعاء؟
فكرهها، وقال: بلغني عن رجل أنه تنوّر، واحتجم؛ يعني: يوم الأربعاء،
فأصابه البرص، قلت له: كأنه تهاون بالحديث؟ قال: نعم.
وفي ((كتاب الأفراد)) للدارقطنيّ من حديث نافع قال: قال لي عبد الله بن
عمر: تبيّغ بي الدم، فابغ لي حجّاماً، ولا يكن صبيّاً، ولا شيخاً كبيراً فإني
سمعت رسول الله 180 يقول: ((الحجامة تزيد الحافظ حفظاً، والعاقل عقلاً،
فاحتجموا على اسم الله تعالى، ولا تحتجموا الخميس، والجمعة، والسبت،
والأحد، واحتجموا الاثنين، وما كان من جذام، ولا برص، إلا نزل يوم
الأربعاء))، قال الدارقطني: تفرد به زياد بن يحيى، وقد رواه أيوب، عن نافع،
وقال فيه: ((واحتجموا يوم الاثنين، والثلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء)).
وقد روى أبو داود في ((سننه)) من حديث أبي بكرة به أنه كان يكره
الحجامة يوم الثلاثاء، وقال: إن رسول الله وسلم قال: ((يوم الثلاثاء يوم الدم،
وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم))(٢). انتهى ما كتبه ابن القيّم كَّتُهُ(٣)، وهو بحث
نفيسٌ مفيد، والله تعالى أعلم.
(١) رواه الحاكم، ٤٠٩/٤، والبيهقيّ ٩/ ٣٤٠، وفي سنده سليمان بن الأرقم، وهو متروك.
(٣) ((زاد المعاد)) ٥٣/٤.
(٢) رواه أبو داود، وفي سنده مجهولة.
١٧٥
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ نَّهِ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ الَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣١)
(المسألة الخامسة): قال الإمام البخاريّ: في ((صحيحه)): ((بابُ الدواء
بالعسل))، وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾ [النحل: ٦٩]، قال في ((الفتح)):
كأنه أشار بذكر الآية إلى أن الضمير فيها للعسل، وهو قول الجمهور، وزعم
بعض أهل التفسير أنه للقرآن، وذكر ابن بطال أن بعضهم قال: إن قوله تعالى:
﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسُِ﴾؛ أي: لبعضهم، وحَمَله على ذلك أن تناول العسل قد يَضُرّ
ببعض الناس، كمن يكون حارّ المزاج، لكن لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأنه ليس في
حَمْله على العموم ما يمنع أنه قد يَضُرّ ببعض الأبدان بطريق العَرَض.
قال: و((الْعَسَل)) يذكّر، ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من
المنافع ما لخّصه الموفَّق البغداديّ، وغيره، فقالوا: يُجَلِّي الأوساخ التي في
العروق، والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويغسل المعدة، ويُسَخِّنها تسخيناً
معتدلاً، ويفتح أفواه العروق، ويشدّ المعدة، والكبد، والكُلَى، والمثانة، وفيه
تحليل للرطوبات أكلاً، وطِلاءً، وتغذيةً، وفيه حفظ للمعجونات، وإذهاب
لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية للكبد، والصدر، وإدرار البول، والطمث،
وينفع للسعال الكائن من البلغم، والأمزجة الباردة، وإذا أضيف إليه الخلّ نفَعَ
أصحاب الصفراء، ثم هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من
الأشربة، وحلوى من الحلاوات، وطلاء من الأطلية، ومفرح من المفرحات.
ومن منافعه أنه إذا شُرِب حارّاً بدهن الورد نفع من نهش الحيوان، وإذا
شُرب وحده بماء نفع من عَضَّة الكَلْب الكَلِبِ، وإذا جُعل فيه اللحم الطريّ
حُفِظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذا الخيار، والقرع، والباذنجان، والليمون ونحو
ذلك، وإذا لُطِخ به البدن للقمل قَتَل القمل، والصئبان، وطَوَّل الشعر، وحَسَّنه،
ونعّمَه، وإن اكْتُحِل به جلا ظلمة البصر، وإن استُنَّ به صَقَّل الأسنان، وحَفِظ
صحتها، وهو عجيب في حفظ جثة الموتى، فلا يُسرع إليها البِلا، وهو مع
ذلك مأمون الغائلة، قليل المضرّة، ولم يكن يُعَوِّل قدماء الأطباء في الأدوية
المركبة إلا عليه، ولا ذِكْر للسكّر في أكثر كتبهم أصلاً.
وقد أخرج أبو نعيم في ((الطب النبوي)) بسند ضعيف من حديث أبي
هريرة رَظُه رفعه، وابن ماجه بسند ضعيف، من حديث جابر نَظ ◌ُلُه رفعه: ((مَنْ
١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
لَعِق العسل ثلاث غدوات، من كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء». انتهى ما
في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٢] (٢٢٠٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتْ
رَسُولَ اللهِ وَ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ وَ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا، قَالَ: حَسِبْتُ
أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ غُلَاماً لَمْ يَحْتَلِمْ).
رجال هذين الإسنادين: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) وهو ابن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن مهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه، إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢
ص٤١٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين:
أنهما من رباعيّات المصنّف تَّثُ، وهما (٤٤٢) من رباعيّات الكتاب،
وأنهم مصريون، سوی أبي الزبير، فمكيّ، وجابر ټڅته، فمدنيّ، وفيه جابر
من المكثرين السبعة.
مضى عنْه
شرح الحديث:
(أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة،
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله
أم المؤمنين ◌ٌّا، تقدّمت ترجمتها في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣. (اسْتَأْذَنَتْ
رَسُولَ اللهِ فِي الْحِجَامَةِ) قال القرطبيّ كَّتُ: واستئذان أم سلمة
النبيّ وَ﴿ في الحجامة دليلٌ على أن المرأة لا ينبغي لها أن تفعل في نفسها شيئاً
(١) ((الفتح)) ٦٤/١٣ - ٦٥، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٦٨٢).
١٧٧
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٢)
من التداوي، أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها؛ لإمكان أن يكون ذلك الشيء مانعاً
له من حقه، أو منقصاً لغرضه منها، وإذا كانت لا تَشرع في شيءٍ من
التطوَّعات التي تتقرَّب بها إلى الله تعالى إلا بإذنٍ منه؛ كان أحرى وأَولى ألا
تتعرَّض لغير القُرَب إلا بإذنه؛ اللهم إلا أن تدعو لذلك ضرورة من خوف
موت، أو مرض شديد، فهذا لا تحتاج فيه إلى إذن؛ لأنَّه قد التحق بقسم
الواجبات المتعيَّنة، وأيضاً: فإنَّ الحجامة وما يتنزّل منزلتها مما يُحتاج فيها إلى
محاولة الغير، ولا بدَّ فيها من استئذان الزوج لنظره فيمن يَصلح، وفيما يحلُّ
من ذلك، ألا ترى أن النبيّ وَل﴿ أمر أبا طيبة أن يحجمها؛ لِمَا عَلِم أن بينهما
من السبب المبيح، كما قال الرَّاوي: حسبت: أنه كان أخاها من الرَّضاعة، أو
غلاماً لم يحتلم، ولا شكّ في أن مراعاة هذا هي الواجبة متى وُجد ذلك، فإنْ
لم يوجد من يكون كذلك، ودعت الضرورة إلى معالجة الكبير الأجنبيّ جاز
دفعاً لأعظم الضررين، وترجيحاً لأخف الممنوعين. انتهى(١).
(فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَبَا طَيْبَةَ) اسمه: نافع على الصحيح، فقد رَوَى أحمد،
وابن السكن، والطبرانيّ، من حديث مُحَيِّصة بن مسعود، أنه كان له غلام
حجّام، يقال له: نافع أبو طيبة، فانطلق إلى النبيّ وَلهم يسأله عن خراجه ...
الحديث، وحَكَى ابن عبد البرّ في اسم أبي طيبة أنه دينار، ووَهَّموه في ذلك؛
لأن ديناراً الحجام تابعيّ، رَوَى عن أبي طيبة، لا أنه اسم أبي طيبة، أخرج
حديثه ابن منده من طريق بسام الحجّام، عن دينار الحجّام، عن أبي طيبة
الحجّام، قال: حجمت النبيّ ◌َ و ... الحديث، وبذلك جزم أبو أحمد
الحاكم، في ((الكُنَى)) أن ديناراً الحجام يَروي عن أبي طيبة، لا أنه أبو طيبة
نفسه، وذكر البغويّ في ((الصحابة)) بإسناد ضعيف، أن اسم أبي طيبة: ميسرة،
وأما العسكريّ، فقال: الصحيح أنه لا يُعرف اسمه، وذكر ابن الحذاء في
رجال ((الموطأ)) أنه عاش مائة وثلاثاً وأربعين سنةً. انتهى(٢).
(أَنْ يَحْجُمَهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وضمّه، من بابي ضرب، ونصر.
(١) ((المفهم)) ٥٩٥/٥ - ٥٩٦.
(٢) ((الفتح)) ٥٦/٦ - ٥٧، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٨١).
١٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
(قَالَ) أبو الزبير (حَسِبْتُ)؛ أي: ظننت (أَنَّهُ)؛ أي: جابراً نَظُبه، (قَالَ: كَانَ)
أبو طيبة (أَخَاهَا)؛ أي: أخا أم سلمة رضينا.
وقد اعترض ابن حزم ◌َُّ هذا الحسبان، فقال: وأما قول الراوي:
حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلاماً لم يحتلم، فإنما هو ظنّ من
بعض رواة الخبر، ممن دون جابر به، ثم هو أيضاً ظنّ غير صادق؛ لأن أم
سلمة رُّ وُلدت بمكة، وبها وَلَدت أكثر أولادها، وأبو طيبة غلام لبعض
الأنصار بالمدينة، فمحال أن يكون أخاها من الرضاعة، وكان عبداً مضروباً
عليه الخراج، كما رَوَينا من طريق مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن
مالك، قال: (حَجَمَ رسولَ الله وَلِّ أبو طيبة، فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله
أن يخففوا من خراجه))، ولا يمكن أن يحجمها إلا حتى يرى عنُقها، وأعلى
ظهرها مما يوازي أعلى كتفيها. انتهى(١).
(مِنَ الرَّضَاعَةِ) بفتح الراء، وكسرها، قال المجد كَثُهُ: رَضِعَ أُمَّه،
كسَمِع، وضَرَب، رَضْعاً، ويُحَرَّكُ، ورَضاعاً، ورَضاعةً، ويُكْسَرانِ، ورَضِعاً،
ككتفٍ، فهو راضِعٌ، جمعه: كرُوَّعٍ، ورَضِعٌ، ككتِفٍ، جمعه: كعُنُقِ: امْتَصَّ
ثَدْیها. انتھی(٢).
(أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: قال: كان (غُلَاماً لَمْ يَحْتَلِمْ)؛ أي: صغيراً
يجوز له أن ينظر إلى الأجنبيّة، قال القرطبيّ كَخَُّ: وفيه من الفقه ما يدلّ على
أن ذا المحرم يجوز أن يطَّلع من ذات محرمه على بعض ما يحرم على
الأجنبيّ، وكذلك الصبيّ، فإن الحجامة غالباً إنما تكون من بدن المرأة فيما لا
يجوز للأجنبيّ الاطلاع عليه، كالقفا، والرَّأس، والساقين. انتهى(٣).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظه هذا من أفراد المصنّف تَظّتُهُ .
[تنبيه]: قال أبو محمد بن حزم كَّلُهُ - بعد أن أورد حديث جابر هذا - ما
نصّه: هذا خبر في غاية الصحة؛ لأنه من رواية الليث، عن أبي الزبير، عن
(١) ((المحلى)) لابن حزم كّتُ ٣٣/١٠.
(٣) ((المفهم)) ٥٩٥/٥ - ٥٩٦.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١/ ٩٣٢.
١٧٩
(١١) - بَابُ قَوْلِهِ وَهِ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء))، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي - حديث رقم (٥٧٣٣)
جابر، وقد روينا بأصح طريق أن كل ما رواه الليث، عن أبي الزبير، عن
جابر، فإن أبا الزبير أخبره أنه سمعه عن جابر بنظُه. انتهى (١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٣٢/١١] (٢٢٠٦)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(٤١٠٥)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
٣٥٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٠٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/
١٨٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٦/٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٣٣] (٢٢٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ بَحْبَى - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِلَى
أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ طَيِباً، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وقد تقدّموا قبل أربعة أبواب، و((أبو سفيان)) هو: طلحة بن نافع.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رَبُهُ أنه (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَه إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) بن
قيس بن عبيد بن زيد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبي المنذر، سيّد القرّاء، ويُكنى أبا
الطفيل أيضاً، من فضلاء الصحابة ﴿ه، اختلف في سنة وفاته اختلافاً كثيراً،
قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته
في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦. (طَبِيباً) لا يعرف اسمه(٢)، (فَقَطَعَ) الطبيب
(مِنْهُ)؛ أي: من أُبيّ ◌َظُه (عِرْقاً) بكسر العين المهملة، وسكون الراء: مجرى
الدم في الجسد (٣)، (ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ)؛ أي: على موضع القطع، والكيّ: هو أن
يُخْمَى حديدٌ، ويوضع على عضو معلول؛ ليُحرق، ويُحبس دمه، ولا يخرج،
(١) ((المحلى)) لابن حزم كانمُ ٣٣/١٠.
(٣) ((المعجم الوسيط)) ٥٩٦/٢.
(٢) ((تنبيه المعلم)) ص٣٧٧.
١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
أو لينقطع العِرْق الذي خرج منه الدم، وإنما كواه بعد القطع؛ لينقطع الدم
الخارج من العرق المقطوع.
قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: وكونه وَّه بعث إلى أُبِي طبيباً فكواه، دليلٌ على أن
الواجب في عمل العلاج أن لا يباشره إلا من كان معروفاً به، خبيراً بمباشرته،
ولذلك أحال النبيّ وَ ﴿ على الحارث بن كَلَدَة، ووصف له النبيّ وَِّ الدَّواء
وكيفية العمل، على ما يأتي. انتهى(١).
وقال الشوكانيّ تَكْثُهُ: وقد جاء النهي عن الكيّ وجاءت الرخصة فيه؛
لبيان جوازه، حيث لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواء آخر، وإنما ورد النهي
حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواء آخر؛ لأن الكيّ فيه تعذيب
بالنار، ولا يجوز أن يعذّب بالنار إلا ربُّ النار، وهو الله تعالى، ولأن الكيّ
يبقى منه أثر فاحش، وهذان نوعان من أنواع الكي الأربعة، وهما النهي عن
الفعل، وجوازه، والثالث الثناء على من تركه، كحديث السبعين ألفاً الذين
يدخلون الجنة بغير حساب، والرابع عدم محبته، كحديث ((الصحيحين)): ((وما
أُحبّ أن أَكْتَوِيَ))، فعدم محبته يدلّ على أن الأَولى عدم فعله، والثناء على تركه
يدلّ على أن تركه أَولى، فتبيّن أنه لا تعارُض بين الأربعة.
وقال الشيخ أبو محمد بن جمرة كفُّهُ: عُلم من مجموع كلامه وَّ في
الكي أن فيه نفعاً، وأن فيه مضرّةً، فلمّا نَهَى عنه عُلم أن جانب المضرّة فيه
أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع، ثم حرّمها؛ لأن
المضار التي فيها أعظم من المنافع. انتهى ملخصاً (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
رُهُ هذا من أفراد المصنّف ◌َذُّهُ.
(المسألة الأولى): حديث جابر
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٣٣/١١ و٥٧٣٤ و٥٧٣٥] (٢٢٠٧)، و(أبو
داود) في ((الطبّ)) (٣٨٦٤)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٩٣)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٣/٣ و٣٠٤ و٣١٥)،
(١) («المفهم)) ٥٩٧/٥.
(٢) ((نيل الأوطار)) ٩٦/٩.