Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١)
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز أخذ الأجرة على
الرُّقَى، وتعليم القرآن:
قال القرطبيّ تَخْتُ: في الحديث أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على
الرُّقى، والطب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وجماعة من السَّلف، والخلف.
وأمَّا الأجرة على تعليم القرآن: فأجازها الجمهور من السلف والخلف،
متمسِّكين بهذا الحديث، وما زاد فيه البخاريّ من حديث ابن عباس حظًا: أن
النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))، وهذا يُلحق
بالنُّصوص، وقد حرّم أبو حنيفة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكذلك
أصحابه، تمسُّكاً بأمرين:
أحدهما: أن تعلم القرآن وتعليمه واجبٌ من الواجبات التي تحتاج إلى نيَّة
التقرُّب، والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة، والصيام.
وثانيهما: ما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت ظُبه قال:
علَّمت ناساً من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، وأهدى إليَّ رجل منهم قوساً،
فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، فلآتينَّ رسول الله وَچ،
فلأسألنَّه، فأتيته، فسألته، فقال: ((إن كنت تحب أن تطوَّق قوساً من نار
فاقبلها)) .
وللجمهور أن يقولوا: لا نسلِّم صحة ذلك القياس؛ لأنَّه فاسد الوضع؛
لأنَّه في مقابلة قوله ◌َّى: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))، وهو عمومٌ
قويّ، وظاهرٌ جليّ.
والجواب عن القياس أنه لا يصح للفرق الذي بين الفرع والأصل، سلَّمنا
لكن بينهما فرق وهو أن الصوم والصلاة عبادات خاصَّة بالفاعل، وتعليم القرآن
عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولة النقل، كتعليم كتابة
القرآن.
وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته، فالقول بموجَبِهِ؛ لأنَّ تعليم
عُبادة لم تكن بإجارةٍ، ولا جُعْل، وإنما علَّم الله تعالى تطوعاً، لا لغيره، ومن
كان كذلك حَرُم عليه أخذ العِوَض على ما فعله لله تعالى؛ لأنَّه ربما يفسد

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
عمله، ويأكل مالاً بالباطل. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): استَدَلّ به للجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم
القرآن، وخالف الحنفية، فمنعوه في التعليم، وأجازوه في الرُّقَى، كالدواء،
قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرُّقَى إلا
أنهم أجازوه فيها؛ لهذا الخبر، وحَمَل بعضهم الأجر في هذا الحديث على
الثواب، وسياق القصّة التي في الحديث يأبى هذا التأويل.
وادَّعَى بعضهم نَسْخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على
تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود، وغيره.
وتُعُقّب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود، وبأن الأحاديث ليس
فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال، محتملةٌ للتأويل؛
لِتُوافق الأحاديث الصحيحة، كحديث الباب، وبأن الأحاديث المذكورة أيضاً
ليس فيها ما تقوم به الحجة، فلا تعارض الأحاديث الصحيحة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم،
وأدلّتهم في مسألة أخذ الأجرة على الرُّقَى، وعلى تعليم القرآن أن الحقّ هو
قول الجمهور، وهو الجواز؛ الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأصرحها،
وأصحّها حديث ابن عبّاس ﴿يَا مرفوعاً: ((إن أحقّ ما أخذتم عليه أجراً
كتاب الله))، فهو عامّ صريحٌ في الموضوع، وأما ما استدلّ به المانعون من
حديث عبادة بن الصامت ره المتقدّم، فلا يصلح معارضاً لهذا الصحيح
الصريح؛ لأن في سنده الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول، وكذلك الأحاديث
الأخرى، وقد ذكرها صاحب ((التكملة))(٣)، فكلّها فيها مقال؛ وعلى تقدير
صحّتها فهي قابلة للتأويل، كما سبق عن الحافظ تَخْذَّتُهُ.
والحاصل أن أخذ الأجرة على التعليم جائز، وإن كان الأَولى للمسلم أن
يحتسب في ذلك؛ لِمَا فيه من الفضل العظيم؛ فإنه ينال به الخيريّة عند الله رَ،
(١) ((المفهم)) ٥٨٨/٥ - ٥٨٩.
(٢) ((الفتح)) ٤٦/٦ - ٤٧، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦).
(٣) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣٢٩/٤ - ٣٣٠.

١٢٣
(٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢٢)
فقد قال النبيّ ◌َّهِ: ((خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه))، رواه البخاريّ، فتأمّل
بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، كِلَاهُمَا عَنْ
غُنْدَرٍ مُحَمَّدِ بْنٍ جَعْفٍَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْتَّادِ، وَقَالَ فِي
الْحَدِيثِ: فَجَعَلَ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ،
صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/
١٥٨.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، ((وأَبُو بِشْرٍ)) جعفر بن
إياس.
[تنبيه]: رواية شعبة عن أبي بشر هذه ساقها البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه))
بسند المصنّف، فقال:
(٥٧٣٦) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي
بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدريّ ◌ُه أن ناساً من أصحاب
النبيّ ◌َّ﴿ أتوا على حَيٍّ من أحياء العرب، فلم يَقْرُوهم(١)، فبينما هم كذلك إذ
لُدِغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء، أو رَاقٍ؟ فقالوا: إنكم لم
تَقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء، فجعل
يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويَتْفل(٢)، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه
حتى نسأل النبيّ وَّ*، فسألوه، فضحك، وقال: ((وما أدراك أنها رُقية؟ خذوها،
واضربوا لي بسهم)). انتهى (٣).
(١) بفتح حرف المضارعة، من باب رمی يرمي.
(٢) بضمّ الفاء، وكسرها، من بابي نصر، وضرب.
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٦٦/٥.

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَأَتَتْنَا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ،
لُدِغَ، فَهَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً، فَرَقَاهُ
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ، فَأَعْطَوْهُ غَنَماً، وَسَقَوْنَا لَبَناً، فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْبَةً؟
فَقَالَ: مَا رَقَيْتُهُ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ(١)، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُحَرَّكُوهَا، حَتَّى نَأْتِيَ
النَّبِيَّ وَّهِ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ◌َهِ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «مَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟
اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمِ مَعَكُمْ (٢))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٢ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من
أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل:
كان يُرسل عنهما [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣٠٨.
٤ - (مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم البصريّ، أكبر إخوته، ثقةٌ [٣]
مات على رأس المائة (خ م د س) تقدم في ((النكاح)) ٣٥٤٧/٢٣.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ... إلخ) ذكر البخاريّ نَُّ بعد إخراجه عن
محمد بن المثنّى، حدّثنا وهبٌ، حدّثنا هشام، عن محمد، عن معبد، عن أبي
(١) وفي نسخة: ((إلا بأم القرآن)).
(٢) وفي نسخة: ((واضربوا سهمي معكم)).

١٢٥
(٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢٤)
سعيد الخدريّ ... إلخ ما نصّه: وقال أبو معمر: حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا
هشامٌ، حدّثنا محمد بن سيرين، حدّثني مَعْبَد بن سيرين، عن أبي سعيد
الخدريّ بهذا. انتهى.
وقوله: (فَأَتْنَا امْرَأَةٌ) ولفظ البخاريّ: ((فأتتنا جاريةٌ))، وقد تقدّم بلفظ:
((فأتوهم))، ويُجمع بينهما بأنه كان مع المرأة غيرها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ)؛ أي: لديغ، قيل: سُمّي بذلك تفاؤلاً
بالسلامة، وقيل: لأنه مستسلم لِمَا به(١).
وقال في ((الفتح)): السليم: هو اللديغ، سُمّي بذلك تفاؤلاً من السلامة؛
لكون غالب من يُلدَغْ يَعْطَب، وقيل: سَلِيم فَعِيل بمعنى مفعول؛ لأنه أسلم
للعطب، واستعمال اللدغ في ضرب العقرب مجازٌ، والأصل أنه الذي يضرب
بفيه، والذي يضرب بمؤخره يقال: لَسْعٌ، وبأسنانه: نَهْس ـ بالمهملة،
والمعجمة - وبأنفه: نَكْز - بنون، وكاف، وزاي - وبنابه: نَشْط، هذا هو
الأصل، وقد يُستعمل بعضها مكان بعض تجوّزاً. انتهى(٢).
وقوله: (فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا) تقدّم أنه أبو سعيد الخدريّ
وقوله: (فَبَرَأَ) تقدّم أنه من باب نفع، وتعب، وكُرُم.
وقوله: (فَأَعْطَوْهُ غَنَماً) تقدّم أنها ثلاثون شاةً.
وقوله: (مَا رَقَيْتُهُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وفي بعض النُّسخ: ((إلا بأمّ القرآن)).
وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُحَرِّكُوهَا)؛ أي: قال أبو سعيد رَُّته لأصحابه:
لا تحرّكوا هذه الأغنام، وهو كناية عن التصرّف بالقسمة، ونحوها.
والحدیث متفقٌ علیه، وقد مضی تمام شرحه، وبیان مسائله قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخّْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا
هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَأِْنُهُ بِرُقْيَةٍ).
(١) (شرح النوويّ)) ١٨٨/١٤ - ١٨٩.
(٢) ((الفتح)) ١٦١/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٣٧).

١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العمريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ،
ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
و((هشام)) بن حسّان ذُكر قبله.
وقوله: (مَا كُنَّا نَأْبِتُهُ بِرُقْيَةٍ) قال النوويّ تَخْلُ: هو بكسر الباء، وضمها؛
أي: نظنه، كما سبق في الرواية التي قبلها، وأكثر ما يُستعمل هذا اللفظ بمعنى
نتهمه، ولكن المراد هنا: نظنه، كما ذكرناه، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في «العمدة)): أي ما كنا نعلمه أنه يرقي، فنُعِيْنُه، ومادته همزة،
وباء موحّدة، ونون، من أبنت الرجل آبُنُه، من باب نصر، وآبِنُهُ من باب
ضرب: إذا رميته بخلّة سَوْء، وهو مأبون، والأَبْنُ بفتح الهمزة، وسكون الباء:
(٢)
التهمة. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ما كنا نأبُنُه برقية))؛ أي: نتهمه بها، يقال:
أَبَنْتُ الرَّجلِ ابْنُهُ، وآئِنُهُ: إذا رميته بخلَّة سوء، ومنه رجل مأبون؛ أي: مَعِيبٌ،
والأَبْنَةُ: العيب، ومنه: عُودٌ مأبون: إذا كان فيه أُبْنَةٌ تعيبه؛ أي: عُقْدة، قاله
القتبي وغيره، وقد روي هذا الحرف: ((ما كنَّا نظنه)) بدل: «نأبنه»؛ أي: نتهمه.
(٣)
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: الأولى في تفسير ((نأبنه)) ما تقدّم عن النوويّ أنه
بمعنى: نظنّه، لا بمعنى: نتّهمه، فهو بمعنى الرواية الأخرى بلفظ: ((نظنّه))،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/١٤.
(٣) ((المفهم)) ٥٨٦/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٩/٢٠.

١٢٧
(٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعٍ يَدِهِ عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ مَعَ الدُّعَاءِ - حديث رقم (٥٧٢٥)
(٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعٍ يَدِهِ عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ مَعَ الدُّعَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٥] (٢٢٠٢) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ
عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ شَكَا إِلَّى رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَجَعاً، يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ
مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((ضَعْ يَدَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ:
بِاسْمِ اللهِ، ثَلَاثاً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ، وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، وَأُحَاذِرُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم) النوفليّ، أبو عبد الله، أو أبو محمد
المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت٩٩) (ع) تُقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٢.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ) الطائفيّ، أبو عبد الله الصحابيّ
الشهير، استعمله رسول الله ولو على الطائف، ومات في خلافة معاوية
بالبصرة (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٥٥/٣٨.
والباقون ذُكروا قبل باب، وقبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن نصفه
الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، سوى الصحابيّ، فطائفيّ، وأنه
من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب السّة إلا نحو ثلاثة عشر حديثاً
فقط، راجع ترجمته في (تحفة الأشراف))(١).
شرح الحديث:
(عَنْ عُثْمَانَ بْنٍ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ) ◌َبه (أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِهـ
وَجَعاً) بفتحتين: أي: مرضاً، وهو مصدر وَجِعَ، كَتَعِبَ، قال الفيّومِيّ تَُّهُ:
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٣٧/٧ - ٢٤٢.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وَجِعَ فلاناً رأسُهُ، أو بطنه - يُجْعَل الإنسان مفعولاً، والعضو فاعلاً، وقد يجوز
العكس، وكأنه على القلب؛ لِفَهْم المعنى - يَوْجَعُ وَجَعاً، من باب تَعِبَ، فهو
وَجِعٌ: أي مريضٌ، مُتَأَلِّمٌ، ويقع الوَجَعُ على كلّ مرض، وجمعه: أَوْجَاعٌ، مثل
سَبَبٍ وأسباب، ووِجَاعٌ أيضاً، بالكسر، مثلُ جَبَلٍ وجِبَال، وقومٍ وَجِعُونَ،
ووَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساء وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى، وربما قيل: أَوْجَعَهُ رأسه،
بالألف، والأصل: وَجَعَهُ ألم رأسه، وأَوْجَعَهُ ألم رأسه، لكنه حُذف للعلم به،
وعلى هذا فيقال: فلان مَوْجُوٌ، والأجود: مَوْجُوعُ الرأس، وإذا قيل: زيد
يَوْجَعُ رَأْسَهُ بحذف المفعول، انتَصَب الرأس، وفي نَصْبه قولان، قال الفراء:
وَجِعْتَ بَظْنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أَمْرَكَ، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير
الفرَّاءِ: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصل: وَجِعْتَ من بطنك، ورَشِدتَ في
أمرك؛ لأن المفسِّرَات عند البصريّين لا تكون إلا نكرات، وهذا على القول
يجعل الشخص مفعولاً واضحٌ، أما إذا جُعِل الشخص فاعلاً، والعضو مفعولاً،
فلا يَحتاج إلى هذا التّأويل، وتَوَجَّعَ: تَشَكَّى، وتَوَجَّعْتُ له مِن كذا: رَثَيْتُ له.
انتھی(١).
وقوله: (يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ) جملة في محلّ نصب صفة لـ((وجعاً))، قال
المجد تَخْذَلُهُ: الجسد محرّكةً: جسم الإنسان، والجنّ، والملائكة. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ كَّلُهُ: الجَسَدُ جمعه: أَجْسَادٌ، ولا يقال لشيء من خَلْق
الأرض: جَسَدٌ، وقال في ((البارع)): لا يقال: الجَسَدُ إلا للحيوان العاقل، وهو
الإنسان، والملائكة، والجنّ، ولا يقال لغيره: جَسَدٌ إلا للزعفران، وللدم إذا
يَيس أيضاً. انتهى(٣).
(مُنْذُ أَسْلَمَ)؛ أي: من وقت إسلامه، وفي رواية ((الموظّأ)): ((أنه أتى
رسول الله وَلّ. قال عثمان: وبي وَجَعٌ، قد كاد يُهلكني)).
[فائدة]: قال المجد تَخْذُ في ((القاموس)): ((مُنْذُ)) بَسيطٌ، مَبْنيٍّ على الضم،
و((مُذْ)) محذوفٌ منه، مَبْنِيٍّ على السكونِ، وتكسرُ مِيمُهُما، ويَليهما اسمٌ مجرورٌ،
(١) ((المصباح المنير)) ٦٤٨/٢ - ٦٤٩.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢١٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٠١.

١٢٩
(٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعٍ يَدِهِ عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ مَعَ الدُّعَاءِ - حديث رقم (٥٧٢٥)
وحينئذ: حَرْفا جَرّ، بمعنى (مِنْ)) في الماضي، و((في)) في الحاضِرِ، و((منْ))،
و((إلى)) جميعاً في المَعْدودِ، كـ: ما رأيتُهُ مُنْذُ يوم الخميسِ، واسمٌ مرفوعٌ،
كمُنْذُ يومانٍ، وحينئذٍ مُبْتدآنٍ، ما بعدَهما خَبرٌ، ومعَنَاهُما: الأَمَدُ في الحاضِرِ،
والمَعدودِ، وأوَّلُ المُدَّةِ في الماضِي، أو ظَرْفانِ مُخْبَرٌ بِهِما عَمَّا بعدَهما،
ومعناهُما: بينَ وبينَ، كَلَقِيتُه مُنْذُ يومانٍ؛ أي: بيني وبينَ لقائِهِ يومانٍ، وتَليهما
الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ، نحوُ قوله [من الكامل]:
فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِ
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ
أو الاسْمِيَّةُ، كقوله [من الطويل]:
وَلِيداً وَكَهْلاً حَيْثُ شِبْتُ وَأَمْرَدَا
وَمَا زِلْتُ أبْغِي الْمَالَ مُذْ أَنَا یَافِعُ
وحينئذٍ ظَرْفانِ مُضافانٍ إلى الجُمْلَةِ، أو إلى زمانٍ مُضافٍ إليها، وقيلَ:
مُبْتَدَآنِ .
وأصلُ مُذْ: مُنْذُ؛ لِرُجوعِهِم إلى ضم ذالِ مُذْ، عندَ مُلاقاةِ الساكنينِ، كمُذُ
اليوم، ولولا أن الأَصلَ الضمُّ لكَسَرُوا، ولتَصْغِيرِهِم إِيَّاهُ مُنَيْذٌ، أو إذا كانتْ مُذْ
اسماً فَأَضْلُها: مُنْذُ، أو حَرْفاً فهي أصلٌ، ويقالُ: ما لقِيتُه مُنْذَ اليوم، ومُذَ اليوم،
بفتح ذالِهِما، أو أصْلُها: ((مِنٍ)) الجارَّةُ، و(ذُو)) بمعنى الذي، أو ((منْ إذْ) حُذِفَتَ
الهمزةُ، فالْتَقَى ساكنانٍ، فضُمَّ الذالُ، أو أصْلُها: ((مِنْ ذَا)) اسمَ إشارةٍ، فالتقديرُ
في ما رَأيْتُهُ مُذ يومانٍ: من ذَا الوَقْتِ يومانٍ، وفي كُلِّ تَعَسُّفٌ. انتهى(١).
وإلى بعض ما ذُكر أشار ابن مالك تَخَّتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
أَوْ أُوْلِيَا الْفِعْلَ كَـ«جِئْتُ مُذْ دَعَا)»
وَ«مُذْ)) وَ(مُنْذُ)) اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا
هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى ((فِي)) اسْتَبِنْ
وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَامِنْ))
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((ضَعْ يَدَلَكَ) وللطبرانيّ، والحاكم: ((ضِع يمينك
على المكان الذي تشتكي، فامسح بها سبع مرات))(٢). (عَلَى الَّذِي بَأْلَمُ)
مضارع أَلِمَ، من باب تَعِبَ: أي: وَجِعَ، ومَرَض.
ووقع في بعض النُّسخ: ((تَأَلَّمَ)) بالتاء بدل الياء، فيكون مضارع تَأَلّم،
(١) ((القاموس المحيط)) ٤٣١/١ - ٤٣٢.
(٢) (شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤١٥/٤.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
بفتح أوله، وبتشديد اللام، وفيه حَذْف إحدى التاءين؛ إذ أصله: تتألّم، كما في
قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]،
وقوله: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدَّى
[عبس: ٦]، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ((تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
ويَحْتَمِل أن يكون بتخفيف اللام، مضارع أَلِمَ، كفَرِح، يقال: أَلَمَ يَأْلَمُ:
إذا وَجِعَ؛ أي: على العضو الذي تمرضه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مِنْ جَسَدَِ) بيان للموصول، (وَقُلْ: بِاسْم اللهِ)؛ أي: هذا اللفظ،
فلا ينبغي أن يزيد، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن قال به بعضهم؛ لأن
التعليم النبويّ له سرّ، فإذا زيد عليه شيء فُقد ذلك السرّ، فليُتنبّه، والله تعالى
أعلم. (ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث مرّات، (وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ)؛ أي: أعتصم،
وأتحصّن (بِاللهِ) تعالى (وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ)؛ أي: في الوقت الحاضر من
الألم، (وَأُحَاذِرُ)))؛ أي: أخافه في المستقبل، يقال: حَذِرَ الشيءَ: من باب تَعِبَ:
إذا خافه، والظاهر أنه إنما عبّر بالمفاعلة؛ لأن الشيء المحذور يطلب الإنسان
ليقع عليه، وهو يدفعه عن نفسه، فصار من باب المفاعلة، والله تعالى أعلم.
قال الطيبيّ تَُّهُ: يُتعوَّذ من وجع، ومكروه هو فيه، أو مما يُتوقع حصوله
في المستقبل، من الحزن، والخوف، فإن الحذر الاحتراز عن المخوف(١).
وللطبرانيّ، والحاكم: أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع.
وللترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصحّحه، عن محمد بن سالم، قال: قال
لي ثابت البنانيّ: يا محمد، إذا اشتكيت، فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل:
بسم الله، أعوذ بعزة الله، وقدرته، من شرّ ما أجد، من وجعي هذا، ثم ارفع
يدك، ثم أعد ذلك وتراً، قال: فإن أنس بن مالك حدّثني أن رسول الله
حدّثه بذلك. انتهى (٢).
زاد في رواية ((الموطأ)): ((قال: فقلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم
أزل آمر بها أهلي، وغيرهم))؛ أي: لأنه من الأدوية الإلهية، والطبّ النبويّ؛
(١) ((شرح سنن ابن ماجه)) ١/ ٢٥٢، و((فيض القدير)) ٢٨٤/١.
(٢) راجع: ((سنن الترمذيّ)) ٥٧٤/٥، و((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم ٢٤٤/٤.

١٣١
(٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعٍ يَدِهِ عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ مَعَ الدُّعَاءِ - حديث رقم (٥٧٢٥)
لِمَا فيه من ذكر الله تعالى، والتفويض إليه، والاستعاذة بعزته، وقدرته، وتكراره
يكون أنجع، وأبلغ، كتكرار الدواء الطبيعيّ؛ لاستقصاء إخراج المادة، وفي
السبع خاصيّة لا توجد في غيرها، وقد خَصّ وَّر السبع في غير ما موضع،
بشرط قوّة اليقين، وصدق النية، قال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو
طفل أن يقول من يعوّذه: من شرّ ما يجد، ويحاذر. انتهى(١).
[تنبيه]: أخرج الطبرانيّ كَّثُ هذا الحديث في ((المعجم الكبير)) مطوّلاً، فقال:
(٨٣٥٦) - حدّثنا يحيى بن أيوب العلاف المصريّ، ثنا سعيد بن أبي
مريم، ثنا محمد بن جعفر، عن سهيل بن أبي صالح، عن حكيم بن حكيم بن
عَبّاد بن حُنيف، عن عثمان بن أبي العاص، قال: قَدِمت في وفد ثَقِيف، حین
وَفَدوا على رسول اللهِ وَّهِ، فَلَبِسنا حُلَلَنا بباب النبيّ وَّ، فقالوا: من يمسك لنا
رواحلنا، وكلُّ القوم أحبّ الدخول على النبيّ وَّ، وكَرِه التخلف عنه، قال
عثمان: وكنت أصغر القوم، فقلت: إن شئتم أمسكت لكم، على أنّ عليكم
عهدَ الله لتمسكنّ لي إذا خرجتم، قالوا: فذلك لك، فدخلوا عليه، ثم خرجوا،
فقالوا: انطلق بنا، قلت: أين؟ فقالوا: إلى أهلك، فقلت: ضربت من أهلي
حتى إذا حللت بباب النبيّ وَ﴿ أرجع، ولا أدخل عليه، وقد أعطيتموني من
العهد ما قد علمتم، قالوا: فاعجل، فإنا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئاً إلا
سألناه عنه، فدخلت، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يُفَقِّهني في الدين،
ويعلِّمني، قال: ((ماذا قلت؟)) فأعدت عليه القول، فقال: (لقد سألتني شيئاً ما
سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب، فأنت أمير عليهم، وعلى من تقدّم عليه
من قومك، وأُمّ الناسَ بأضعفهم))، فخرجت، حتى قَدِمت عليه مرة أخرى،
فقلت: يا رسول الله، اشتكيت بعدك، فقال: ((ضَعْ يدك اليمنى على المكان
الذي تشتكي، وقل: أعوذ بعزة الله، وقدرته، من شرّ ما أجد، سبع مرات))،
ففعلت، فشفاني الله . انتهى(٢).
والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ» ٤١٥/٤ - ٤١٦.
(٢) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ٩/ ٥٠.

١٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن أبي العاص ظه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذْتُهُ .
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ كثّتُهُ: أخرج مسلم حديث ابن وهب، عن يونس،
عن الزهريّ، عن نافع بن جبير، عن عثمان بن أبي العاص: ((شكوت إلى
النبيّ وَ﴿ وجعاً أجده ... ))، قال: رواه عثمان بن الحكم، عن يونس، عن
الزهريّ، عن نافع بن جبير، أن النبيّ وَالّ قال لعثمان ... مرسلاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الدارقطنيّ، ولم يذكر إعلال
الحديث، والظاهر أنه لا يرى ذلك، وإنما أراد بيان الاختلاف، وعلى تقدير
إرادته الإعلال، فلا وجه له؛ لأن ابن وهب حافظ متقنٌ، فلا يضرّه مخالفة
عثمان بن الحكم، فإنه دونه، قال في ((التقريب)): صدوقٌ له أوهام. انتهى(١)،
فظهر وهمه هنا بمخالفته ابن وهب(٢).
ومن العجيب الغريب أن بعض من كتب(٣) على ((صحيح مسلم)) جرى
على عادته المستمرّة في تضعيف أحاديث كثيرة من ((صحيح مسلم))، فضعّف
حديث عثمان هذا، وحديثه الآتي في الباب التالي بالانقطاع، والإرسال، وهذه
جراءة منه لم يسبقه أحد إلى ذلك، حتى إن الدراقطنيّ لم يدّع الانقطاع في سند
مسلم، وإنما ذكر مخالفة عثمان بن الحكم لابن وهب في الإرسال، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى المستعان.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٢٥/٩] (٢٢٠٢)، و(أبو داود) في ((الطبّ))
(٣٨٩١)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٨٠)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ))
(٣٥٢٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٧/٤ و٤١٠ و٢٤٨/٦)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٩٤٢/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٨/٥ و٦٣/٦)،
(١) ((تقريب التهذيب)) ص٢٣٣.
(٢) راجع ما كتبه الشيخ ربيع المدخليّ في دراسته على مسلم ص ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٣) هو الشيخ مسلم بن محمود عثمان، راجع ما کتبه في هامش ((صحيح مسلم) ٣٨/٤ - ٣٩.

١٣٣
(٩) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ وَضْعِ بَلِهِ عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ مَعَ الدُّعَاءِ - حديث رقم (٥٧٢٥)
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١/٤ و٢١٧)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٨٢)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبرى)) (٨٣٤١/٩ و٨٣٤٢ و٨٣٤٣)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٢٩٦٤ و٢٩٦٥ و٢٩٦٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٩٤/١)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الرقية، وأنها من الأسباب التي جعلها الله
تعالى لإزالة الأمراض الواقعة، ودفع المتوقّعة.
٢ - (ومنها): بيان استحباب وضع اليد على الجسد المتألّم حال الرقية
بالذِّكر المذكور.
٣ - (ومنها): استحباب تكرار التسمية ثلاث مرّات، وتكرار التعويذ سبع
مرّات.
٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن عبد البرّ كَّلُ: في هذا الحديث دليلٌ
واضحٌ على أن صفات الله غير مخلوقة؛ لأن الاستعاذة لا تكون بمخلوق.
انتھی(١).
٥ - (ومنها): ما قال أيضاً: وفيه أن الرُّقَى يدفع البلاء، ويكشفه الله به،
وهو من أقوى معالجة الأوجاع لمن صحبه اليقين الصحيح، والتوفيق الصريح،
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. انتهى (٢).
٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَّثُ: قوله: ((ضع يدك على الذي يألم من
جسدك)) هذا الأمر على جهة التعليم، والإرشاد إلى ما ينفع من وضع يد الرَّاقي
على المريض، ومَسْحه به، وأن ذلك لم يكن مخصوصاً بالنبيّ وَ﴿، بل ينبغي
أن يفعل ذلك كل راقٍ، وقد تأكد أمر ذلك بفعل النبيّ وَّ، وأصحابه
ذلك بأنفسهم، وبغيرهم، كما قد ذكر في الأحاديث المتقدِّمة، فلا ينبغي للرَّاقي
أن يَعْدِل عنه للمسح بحديد، ولا بغيره، فإنَّ ذلك لم يفعله أحدٌ ممن سبق
ذكره، ففعلُه تمویةٌ، لا أصل له.
قال: ومما ينبغي للرَّاقي أن يفعله: النّفْث، والتَّفْل، وقد قلنا: إنَّهما نفخ
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٩/٢٣.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٩/٢٣.

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
مع ريق، وإن ريق التفل أكثر، وقد قيل: إن ريق النفث أكثر، وقيل: هما
متساويان، والأول أصحّ عند أهل اللغة، وقد كثر ذلك في الأحاديث المتقدِّمة
وغيرها، فلا يعدل عنه، وكذلك تكرار التسمية ثلاثاً، وتكرار العُوذة (١) سبعاً،
كما جاء في هذا الحديث، فينبغي للرَّاقي أن يحافظ عليه؛ إذ قد علَّمه
النبيّ وَّ، وأمر به، فكل ذلك فيه أسرار، يدفع الله تعالى بها الأضرار.
فأما ما يفعله الْمُعَزِّمون من الآلات، والصَّلاصل، فذلك كله من باب
التمويه، والتطرُّق لأكل المال بالباطل.
قال: واختَلَف العلماء في النُّشْرة، وهي أن يكتب شيئاً من أسماء الله، أو
من القرآن، ثم يغسله بالماء، ثمَّ يمسح به المريض، أو يسقيه إياه، فأجازها
سعيد بن المسيِّب، قيل له: الرَّجل يؤخذ عن امرأته؛ أيُحَلُّ عنه، وينشر؟ قال:
لا بأس به، وما ينفع لم يُنْهَ عنه، وقال المازريّ: النُّشْرة أمر معروف عند أهل
التعزيم، وسُمِيت بذلك؛ لأنها تُنْشَر عن صاحبها؛ أي: تُحَلّ.
ومَنَعها الحسن، وقال: هي من السحر، وقد رَوَى أبو داود من حديث
جابر بن عبد الله رضيها، قال: سُئل رسول الله وَّر عن النَّشرة، فقال: ((هي من
عمل الشيطان))، قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في
كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله وَّه، وعن المداواة المعروفة، والنُّشرة من جنس
الطبّ.
قال القرطبيّ ◌َُّهُ: ويتأيد هذا بقوله وَّه: ((لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه
شرك))، و((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)).
قال القاضي عياض تَخُْ في النفث: وفائدة ذلك - والله أعلم - التبرُّك
ببلل الرُّطوبة، أو الهواء، والنَّفَس المباشر للرُّقية الحسنة، كما يُتبرَّك بغسالة ما
يُكتب من أسماء الله الحسنى في النُّشُر، قال: وقد يكون ذلك على وجه
التفاؤل، من زوال ذلك الألم، وانفصاله عن المريض، كانفصال ذلك النفث،
وقد كان مالك ينفث إذا رَقَى نفسه، وكان يكره الحديدة، والملح الذي يُعْقَد،
والذي يكتب خاتم سليمان، وكان العَقْدُ عنده أشدّ كراهة؛ لِمَا في ذلك من
(١) ((الْعُوذة)) بالضمّ: الرقية، كالْمَعَاذة، والتعويذ، قاله في ((القاموس)) ص٩٢٥.

١٣٥
(١٠) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَيْطَانِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٧٢٦)
مشابهة السِّحر. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَيْطَانِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٦] (٢٢٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى،
عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَِّيَّ ◌َّهِ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي، وَقِرَاءَتِي، يَلْبِسُهَا
عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ، يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ
بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِئِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثً)، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَاهِلِيُّ) أبو سلمة البصريّ المعروف بالْجُوباريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م د ت ق) تقدم في (الإيمان) ٥٣٠/١٠٠.
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧.
٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختَلَط قبل
موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِير العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢]
(ت١١١) أو قبلها (ع) تقدم في ((المحيض)) ٧٨٣/٢٠.
والصحابيّ ◌َ لُهُ ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، حتى
الصحابيّ، فقد مات بالبصرة، كما قدّمناه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
(١) ((المفهم)) ٥٨٩/٥ - ٥٩١.

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير (أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ)
الثقفيّ ضُه (أَتَّى النَّبِيَّ وََّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ) قال
الفيّوميّ تَكْثُهُ: في الشيطان قولان:
أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بَعُدَ عن الحقّ، أو عن رحمة الله تعالى،
فتكون النون أصليةً، ووزنه فَيْعَالٌ، وكلّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٌ، من الجنّ، والإنس،
والدوابّ، فهو شَيْطَانٌ، ووصف أعرابيّ فرسَهُ، فقال: كأنه شَيْطَانٌ في
أَشْطَانٍ(١).
والقول الثاني: أن الياء أصليةٌ، والنون زائدة، عكسُ الأول، وهو من
شَاطَ يَشِيطُ: إذا بَطَلَ، أو احترق، فوزنه: فَعْلانٌ. انتهى(٢).
(قَدْ حَالَ)؛ أي: حجز (بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَائِي، وَقِرَاءَتِي) قال النوويّ ◌َُّهُ:
معنى ((حال بيني وبينها))؛ أي: نَكَّدَ عليّ فيها، ومنعني لَّذّتها، والفراغ للخشوع
فيها(٣). (يَلْبِسُهَا عَلَيَّ) بفتح أوله، وكسر ثالثه؛ أي: يَخلطها عليّ، ويُشكِّكني
فيها (٤)، وقال القرطبيّ كَُّهُ: هو بكسر الباء؛ لأنَّ ماضيه: لَبَس بفتحها، كما
قال الله تعالى: ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، وهو بمعنى:
الخلط، فأمَّا لُبس الثوب، فهو على العكس من ذلك. انتهى(٥).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((ذَاَكَ) الذي يفعل بك هذا (شَيْطَانٌ، يُقَالُ لَهُ:
خِنْزِبٌ) بخاء معجمة مكسورة، ثم نون ساكنة، ثم زاي مكسورة، ومفتوحة،
ويقال أيضاً: بفتح الخاء، والزاي، حكاه القاضي، ويقال أيضاً: بضم الخاء،
وفتح الزاي، حكاه ابن الأثير في ((النهاية))، وهو غريب، ذكره النوويّ نَحْذُ(٦).
وقال القاضي عياض كَّثُ في ((المشارق)): خِنْزِبٌ - بالخاء المعجمة،
والنون، والزاي ـ: اسم الشيطان الذي يَلْبس في الصلاة، واختُلِف في ضبط
(١) جمع شَطَن بفتحتين، وهو الحَبْل. انتهى. ((المصباح)).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٣/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٤.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٩٠.
(٥) ((المفهم)) ٥٩١/٥.

١٣٧
(١٠) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَيْطَانِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٧٢٦)
الخاء، فضبطناها على القاضي الشهيد بكسرها، وضبطناها على أبي بحر
بفتحها، وكذا قيّدها الجيّانيّ. انتهى (١).
وقال ابن الأثير تَّلُهُ: في حديث الصلاة: ((ذاك شيطان، يقال له:
خنزب))، قال أبو عمرو: وهو لقبٌ له، والْخِنزب: قطعة لحم مُنْتِنةٌ، ويُرْوَى
بالكسر، والضم. انتهى(٢).
[تنبيه]: ضبط القرطبيّ خنزباً بالحاء المهملة بدل الخاء المعجمة، ولا
أظنّه صحيحاً؛ لأنه مخالف للروايات، ولم يذكره أحد من الشرّاح، فليُتأمل،
والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ)؛ أي: علمته ووجدته، قال في ((القاموس))، و((شرحه):
حَسَسْتُ الشيءَ أَحُسُّه حَسَّاً، وحِسَّاً، وحَسيساً: بمعنى: عَلِمْتُه، وعَرَفْتُه،
وشَعَرْتُ به، وقال أيضاً: وحَسِسْتُ به بالكَسْر، وحَسِيتُ به، وأَحْسَيتُ تُبدَلُ
السينُ ياءً؛ أي: أَيْقَنتُ به، وقال أيضاً: وأَحْسَسْتُ، وأَحْسَيْتُ، وأَحَسْتُ بسين
واحدة، وهو من شواذّ التخفيف: ظننتُ، ووجدتُ، وأبصرتُ، وعَلِمْتُ.
(٣)
انتھی(٣).
وقال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: وأَحَسَّ الرجلُ الشيءَ إِحْسَاساً: عَلِمَ به، يتعدَّى
بنفسه، مع الأَلِف، قال تعالى: ﴿فَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران:
٥٢]، وربما زيدت الباء، فقيل: أَحَسَّ بِهِ، على معنى شَعَرَ به، وحَسَسْتُ به،
من باب قتل لغة فيه، والمصدر: الحِسُّ بالكسر، وتتعدى بالباء على معنى:
شعرت أيضاً، ومنهم من يُخَفِّف الفعلين بالحذف، فيقول: أَحَسْتُهُ، وحَسْتُ به،
ومنهم من يُخَفِّف فيهما بإبدال السين ياء، فيقول: حَسَيْتُ، وأَحْسَيْتُ.
(٤)
انتھی(٤).
(فَتَعَوَّذْ)؛ أي: تحصّن، واعتصم (بِاللهِ) تعالى (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك
الشيطان؛ أي: من وسوسته، (وَاتْفِلْ) بضمّ الفاء، وكسرها، من بابي ضرب،
ونصر؛ أي: ابْصُق (عَلَى يَسَارِكَ)؛ أي: في جهة يسارك؛ لأنه مقام الشيطان،
(١) ((مشارق الأنوار)) ١/ ١٧١.
(٣) (تاج العروس)) ٣٨٩٥/١.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٨٣/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ١٣٥/١.

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
فقد روى الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) بسند ضعيف عن أبي أمامة
مرفوعاً، وفيه: ((وإن أحدكم إذا قام في الصلاة، فإنه يقوم بين يدي الله،
مستقبل ربه، ومَلَكه عن يمينه، وقرينه عن يساره، فلا يتفلنّ أحدكم بین یدیه،
ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، تحت قدمه اليسرى ... )) الحديث(١).
(ثَلَاثاً)))؛ أي: ثلاث مرّات. (قَالَ) عثمان ◌َهُ: (فَفَعَلْتُ ذَلِكَ)؛ أي: ما
أمرني به النبيّ بَه (فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن أبي العاص
المصنّف نَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٢٦/١٠ و٥٧٢٧ و٥٧٢٨] (٢٢٠٣)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٥٨٢ و٤٢٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٣٥٣/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٦/٤)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده))
(٣٨٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٦٠/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٨٣٦٦ و٨٣٦٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٤٤/٤)، و(البيهقيّ) في
((الدلائل)) (٣٠٧/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الشيطان يتسلّط على الإنسان في صلاته، فيَلْبس عليه
صلاته .
٢ - (ومنها): استحباب التعوّذ من الشيطان عند وسوسته، مع التَّفْل عن
اليسار ثلاثاً .
ية من رجوعهم إلى النبيّ
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
فيما يعتريهم من المشكلات، حتى يحلّها لهم، بل ولأمته كلّها، والله تعالى
أعلم.
(١) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ١٩٩/٨.

١٣٩
(١٠) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَيْطَانِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٧٢٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحِ (ح)
وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنَّ أَبِي
الْعَلَاءِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ◌ِ﴿ِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي
حَدِيثِ سَالِمٍ بْنِ نُوحٍ: (ثَلَاثاً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَالِمُ بْنُ نُوح) بن أبي عطاء البصريّ أبو سعيد العطّار، صدوقٌ له
أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م « ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)» ٥٥/ ١٥٣٢.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) ضمير التثنية لسالم بن نوح، وأبي أسامة.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ) هكذا النُّسخ بالإفراد، وكان الأولى أن يقول:
((فذكرا)) لأن الضمير لسالم، وأبي أسامة، لكني لم أر نسخة بهذا، وأشار في
النسخة الهنديّة إلى أن ضمير ((ذَكَر)) يعود على الْجُريريّ، وكذا فاعل ((لم يَذْكُر))
بعده، ولكنه ليس بواضح، فتأمّله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثٍ سَالِمٍ بْنِ نُوحٍ: (ثَلَاثاً)))؛ أي: لم يذكر
الراوي في حدیث سالم .. .إلخ.
[تنبيه]: رواية سالم بن نوح عن الْجُرَيريّ ساقها النسائيّ تَكْثُ في ((عمل
اليوم والليلة)) غير أنه ذكر (ثلاثاً))، فقال:
(٥٧٧) - أخبرني محمد بن سعيد البروذيّ، حدّثنا عمرو بن شيبة، ثنا
سالم بن نوح، عن الجريريّ، عن أبي العلاء بن الشِّخِّر، عن عثمان بن أبي
العاص به قال: قلت: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين
صلاتي، وقراءتي، قال: ((ذلك شيطان، يقال له: خِنْزِب، فإذا أحسسته فتعوذ
بالله منه، واتْفُلْ عن يسارك ثلاثاً))، فأذهب الله عني. انتهى (١).
(١) ((عمل اليوم والليلة)) ١/ ٥٢٧.

١٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
ورواية أبي أسامة عن الْجُريريّ ساقها ابن أبي شيبة دَخُّْ في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٩٥٩١) - حدّثنا أبو أسامة، عن الجريريّ، عن أبي العلاء، عن
عثمان بن أبي العاص، أنه أتى رسول الله وَّر، فقال: يا رسول الله، إن
الشيطان حال بين صلاتي وقراءتي، فقال: ((ذاك شيطانٌ، يقال له: خِنْزَب، فإذا
حسست به، فاتْفُلْ عن يسارك ثلاثاً، وتعوّذ بالله من شرّه)). انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٧٢٨] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ
أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) النسابوريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَّنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمْ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمیر سفيان، وضمير
((حديثهم)) يعود إلى الثلاثة الذين رووا عن الجريريّ في الأسانيد الماضية،
وهم: عبد الأعلى، وسالم بن نوح، وأبو أسامة.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الجريريّ ساقها عبد الرّزّاق في
((مصنّفه))، فقال:
(٢٥٨٢) - عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن سعيد الجريريّ، قال: حدّثنا
يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت يا
رسول الله، حال الشيطان بيني وبين قراءتي، فقال النبيّ وكلاوى: ((ذاك الشيطان،
يقال له: خِنْزِب، فإذا أحسسته، فتعوّذ، واتْفُلْ عن يسارك ثلاثاً). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٨٥/٢.