Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٧) - بَابٌ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْك - حديث رقم (٥٧٢٠) رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضيَ الأندلس، ثقةٌ له أفراد(١) [٧] (ت١٥٨) وقيل: بعد (١٧٠) (ز م ٤) تقدم في ((الطهارة» ٥٥٩/٦. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) بن نُفير الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ [٤] (ت١١٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥. ٣ - (أَبُوهُ) جبير بن نُفير بن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الحمصيّ، مخضرم، ثقةٌ، جليلٌ [٢] (ت٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٤ - (عَوْفُ بْنُ مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ) أبو عبد الرحمن، أو أبو حمّاد، ويقال غير ذلك، صحابيّ مشهورٌ، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق(٢)، ومات سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٢/٢٥. (١) هذا أولى من قول ((التقريب)): صدوقٌ، له أوهام. راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب». (٢) روى أبو عبيد في كتاب الأموال (٢٣٦/١) من طريق مجالد، عن الشعبيّ، عن سُويد بن غَفَلة قال: لَمّا قدم عمر الشام، قام إليه رجل من أهل الكتاب، فقال: إن رجلاً من المسلمين صنع بي ما ترى، وهو مشجوج، مضروب، فغضب عمر غضباً شديداً، وقال لصهيب: انطلق، فانظر من صاحبه؟ فائتني به، فانطلق، فإذا هو عوف بن مالك، فقال: إن أمير المؤمنين قد غَضِب عليك غضباً شديداً، فَأْتِ معاذ بن جبل، فكلمه، فإني أخاف أن يعجل عليك، فلما قضى عمر الصلاة، قال: أجئت بالرجل؟ قال: نعم، فقام معاذ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه عوف بن مالك، فاسمع منه، ولا تَعْجَل عليه، فقال له عمر: ما لك ولهذا؟ قال: رأيته يسوق بامرأة مسلمة، على حمار، فنَخَس بها لتصرع، فلم تُصْرَع، فدفعها، فصُرعت، فغشيها، أو أكب عليها، قال: فلتأتني المرأة، فلتصدق ما قلت، فأتاها عوف، فقال له أبوها، وزوجها: ما أردت إلى هذا؟ فضحتنا، فقالت المرأة: والله لأذهبنّ معه، فقالا: فنحن نذهب عنك، فأتيا عمر، فأخبراه بمثل قول عوف، فأمر عمر باليهوديّ، فُصِلب، وقال: ما على هذا صالحناكم، قال سويد: فذلك اليهوديّ أول مصلوب رأيته في الإسلام. انتهى. وأخرج الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) ٣٧/١٨: عن عوف بن مالك، أنه أبصر = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ١٠٢ والباقيان تقدّما قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ مخضرم. شرح الحديث: (عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ) ◌َبه أنه (قَالَ: كُنَّا نَرْقِي)؛ أي: نعوّذ (فِي الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: في الأيام التي قبل دخوله في الإسلام، قال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ كَُّهُ: ((بابُ أيام الجاهلية)): أي: مما كان بين المولد النبويّ والمبعث، هذا هو المراد به هنا، ويُطلق غالباً على ما قبل البعثة، ومنه: ﴿ يَظُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ لُلْجَهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومنه أكثر أحاديث الباب، وأما جزم النوويّ في عدة مواضع من ((شرح مسلم)) أن هذا هو المراد حيث أتى ففيه نظر، فإن هذا اللفظ، وهو الجاهلية يُطلق على ما مضى، والمراد: ما قبل إسلامه، وضابط آخره غالباً فتح مكة، ومنه قول مسلم في ((مقدمة صحيحه)): ((إن أبا عثمان، وأبا رافع أدركا الجاهلية))، وقول أبي رجاء العطارديّ: ((رأيت في الجاهلية قِرْدةً زَنَت))، وقول ابن عباس: ((سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كاساً دهاقاً))، وابن عباس إنما وُلد بعد البعثة، وأما قول عمر: ((نذرت في الجاهلية))، فَمُحْتَمِل، وقد نبَّه على ذلك الحافظ العراقيّ في الكلام على المخضرمين، من علوم الحديث. انتهى(١). نصرانياً يسوق بامرأة، فنخس بها، فصُرعت، فتحللها، فضربتُه بخشبة معي، = فشججته، فانطلقت إلى معاذ بن جبل، فقلت: أَجِرني من عمر، وخشيت عجلته، فأتى عمر، فأخبره، فجمع بيننا، فلم يزل بالنصرانيّ حتى اعترف، فأمر له بخشبة، فنُحتت، ثم قال: لهؤلاء عهد، فقُوا لهم بعهد ما وفوا لكم، فاذا بدّلوا، فلا عهد لهم، وأمر به، فصُلب. قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ كَّلُ في ((مجمع الزائد)» ٦/ ١٣ : رواه الطبرانيّ، ورجاله رجال الصحيح. (١) ((الفتح)) ٥٤٣/٨ - ٥٤٤ رقم (٣٨٣١). (٧) - بَابٌ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْك - حديث رقم (٥٧٢٠) ١٠٣ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟)؛ أي: في الرقى الذي نستعمله في الجاهليّة، (فَقَالَ) وَ ((اعْرِضُوا) بكسر الراء، من باب ضرب، (عَلَيَّ رُقَاكُمْ) بضمّ الراء: جمع رُقية. (لَا بَأْسَ)؛ أي: لا حرج، وأصل البأس الشدّة، والعذاب، (بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْك))) فيه إباحة الرقى، قال القرطبيّ كَّثُ: فيه دليل على جواز الرُّقى، والتطبُّب بما لا ضرر فيه، ولا مَنْع شرعيّاً مطلقاً، وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهوماً، وفيه: الحضُّ على السعي في إزالة الأمراض والأضرار عن المسلمين بكل ممکن جائز. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كلَّ رقية جُرّبت منفعتها، ولو لم يُعقل معناها، لكن دلّ حديث عوف هذا أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يُمْنَع، وما لا يُعقل معناه لا يؤمَن أن يؤدي إلى الشرك، فیمتنع احتياطاً. انتهى(٢). وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في جواز الاسترقاء من العين، والْحُمَة، وقد ثبت ذلك عن النبيّ وَ﴿، والآثار في الرُّقَى أكثر من أن تحصی. وقال جماعة من أهل العلم: الرُّقَى جائزة من كل وجع، ومن كل ألم، ومن العين، وغير العين. قال: قال ابن وهب: وأخبرني ابن سمعان قال: سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إذا لُدِغ الإنسان، فنهشته حية، أو لسعته عقرب، فليقرأ الملدوغ بهذه الآية: ﴿نُورِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٨]، فإنه يعافى بإذن الله. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث عوف بن مالك الأشجعيّ المصنّف نَخْذَشُهُ . (١) ((المفهم)) ٥٨٤/٥. (٣) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٥٦/٢٣. (٢) ((الفتح)) ١٥٥/١٣. ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٢٠/٧] (٢٢٠٠)، و(أبو داود) في ((الطبّ)) (٣٨٨٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٩٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٢٨/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٨/١٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٩/٩)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٨) - (بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٧٢١] (٢٢٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ، أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ، فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعاً مِنْ غَنَمْ(١)، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَّ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللّهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: (وَمَا أَدْرَاَكَ أَنَّهَا رُقْبَةٌ؟»، ثُمَّ قَالَ: ((خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم مَعَكُمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم، ومجاهد [٥] (ت٥ أو١٢٦) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩. (١) وفي نسخة: ((من الغنم)). ١٠٥ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) ٤ - (أَبُو الْمُتَوَكَّلِ) عليّ بن داود، ويقال: دؤاد الناجيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٨) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٥/ ٦٠٢. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان ﴿ها، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رََّثُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد ربه صحابيّ ابن صحابيّ، من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هو جعفر بن أبي وحشيّة، مشهور بكنيته أكثر من اسمه، كأبيه، واسمه إياس، وهو مشهور بكنيته. (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكَّلِ) عليّ بن داود الناجيّ، وقد ذكر البخاريّ في ((صحيحه)) تصريح أبي بشر بالسماع منه، ولفظه: ((قال أبو عبد الله: وقال شعبة: حدّثنا أبو بشر، سمعت أبا المتوكّل)). انتهى. قال في ((الفتح)): وتابع أبا عوانة على هذا الإسناد شعبة، كما في آخر الباب، وهشيم كما أخرجه مسلم، والنسائيّ، وخالفهم الأعمش، فرواه عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، جعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريقه، فأما الترمذيّ، فقال: طريق شعبة أصحّ من طريق الأعمش، وقال ابن ماجه: إنها الصواب، ورجّحها الدارقطنيّ في ((العلل))، ولم يرجح في (السنن)) شيئاً، وكذا النسائيّ، قال الحافظ: والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان؛ لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن، ليست في رواية شعبة، ومن تابعه، فكأنه كان عند أبي بشر عن شيخين، فحدّث به تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، ولم يُصِبْ ابن العربيّ في دعواه أن هذا الحديث مضطرب، فقد رواه عن أبي سعيد أيضاً معبد بن سيرين، عند البخاريّ في ((فضائل القرآن))، وسليمان بن قَتَّةَ - هو بفتح القاف، وتشديد المثناة - كما أخرجه أحمد، والدار قطنيّ، قال الحافظ تَّلُهُ: وسأذكر ما في رواياتهم من الفوائد. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٤٩/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). ١٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى قال الجامع عفا الله عنه: وسأذكر أنا أيضاً الفوائد التي ذكرها الحافظ تَخَّشه - إن شاء الله تعالى -. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبَهُ (أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَلَ﴿ كَانُوا في سَفَرٍ) قال الحافظ تَخُّْ: لم أقف على اسم أحد منهم، سوى أبي سعيد، وليس في سياق هذه الطريق ما يُشعر بأن السفر كان في جهاد، لكن في رواية الأعمش: ((أن النبيّ وَّ بعثهم))، وفي رواية سليمان بن قَتَّة عند أحمد: ((بعثنا رسول الله وَيه بعثاً))، زاد الدار قطنيّ فيه: (بَعَث سريّةً، عليها أبو سعيد))، ولم أقف على تعيين هذه السريّة في شيء من كتب المغازي، بل لم يتعرض لِذِكْرها أحد منهم، وهي واردة عليهم، ولم أقف على تعيين الحيّ الذين نزلوا بهم من أي القبائل هم. انتهى (١). (فَمَرُوا بِحَيٍّ مِنْ أَخْيَاءِ الْعَرَبِ) الأحياء بفتح الهمزة: جمع حيّ، والمراد به: طائفة من العرب مخصوصة، قال الْهَمْدانيّ في ((الأنساب)): الشَّعْب، والحيّ بمعنى، وسُمّي الشعبَ؛ لأن القبيلة تتشعب منه (٢). (فَاسْتَضَافُوهُمْ)؛ أي: طلبوا منهم الضيافة، وفي رواية الأعمش، عند غير الترمذيّ: ((بعثنا رسول الله ◌َّو ثلاثين رجلاً، فنزلنا بقوم ليلاً، فسألناهم القِرَى))، فأفادت عدد السريّة، ووقت النزول، كما أفادت رواية الدارقطنيّ تعيين أمير السرية، والقِرَى بكسر القاف مقصوراً: الضيافة. (فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ) قال في ((الفتح)): بالتشديد للأكثر، ويكسر الضاد المعجمة مخفّفاً. انتهى(٣). وقال الفيّوميّ تَخْذُ: الضَّيْفُ: معروفٌ، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد، وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل، مِنْ ضَافَهُ ضَيْفاً، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّقْتُهُ: إذا أنزلته، وقَرَيْتَهُ، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلت به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ، بالألف: إذا أنزلته عندك ضَيْفاً. انتهى (٤). (١) ((الفتح)) ٤٩/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٢) ((الفتح)) ٤٦/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٣) ((الفتح)) ٤٩/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٤) ((المصباح المنير)) ٣٦٦/٢. ١٠٧ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) : (هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ (فَقَالُوا لَهُمْ)؛ أي: قال الحيّ لهؤلاء الصحابة فَإِنَّ) الفاء للتعليلِ؛ أي: لأن (سَيِّدَ الْحَيِّ)؛ أي: رئيس القبيلة (لَدِيغٌ) قال القرطبيّ كَّلُ: ((اللَّديغ)): الذي لدغته الحيَّة، أو العقرب، وقد يُسمَّى بالسَّلِيم تفاؤلاً، كما قد جاء في الرواية الأخرى. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ((اللَّدْغُ)) - بالدال المهملة، والغين المعجمة - وهو اللَّسْع وزناً ومعنى، وأما اللَّذْع بالذال المعجمة، والعين المهملة، فهو الإحراق الخفيف، واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات الْحُمَة، من حيّة، أو عقرب، أو غيرهما، وأكثر ما يُستعمل في العقرب، وقد أفادت رواية الأعمش تعيين العقرب. وأما ما وقع في رواية هشيم عند النسائيّ أنه مصاب في عقله، أو لديغ، فشكّ من هشيم، وقد رواه الباقون، فلم يَشُكُّوا في أنه لديغ، ولا سيما تصريح الأعمش بالعقرب، وكذلك ما في الرواية الآتية من طريق مَعْبد بن سيرين، عن أبي سعيد، بلفظ: ((إن سيد الحي سَلِيم))، وكذا في ((الطب)) عند البخاريّ من حديث ابن عباس: ((إن سيد الحي سَلِيم))، والسَّليم: هو ((اللديغ)). نعم وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مصاب بعقله، فقرأ عليه بعضهم فاتحة الكتاب، فبرأ، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، من طريق خارجة بن الصَّلْت، عن عمه، أنه «مَرّ بقوم، وعندهم رجل مجنون، موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فارقٍ لنا هذا الرجل ... )) الحديث، فالذي يظهر أنهما قصتان، لكن الواقع في قصة أبي سعيد أنه لديغ، قاله في ((الفتح))(٢). (أَوْ مُصَابٌ) ((أو)) للشكّ من الراوي، هل قال: (لديغ))، أو قال: («مصابٌ))، والمراد أصابه اللدغ، زاد في رواية البخاريّ: «فلُدِغ سيد ذلك الحيّ، فسَعَوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فَأَتَوْهم، فقالوا: (١) ((المفهم)) ٥٨٥/٥. (٢) ((الفتح)) ٤٩/٦ - ٥٠، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغ، فسعينا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لراقٍ، ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم)). قال في ((الفتح)): قوله: ((فسعوا له بكل شيء))؛ أي: مما جرت به العادة، أن يُتداوى به، من لدغة العقرب، كذا للأكثر، من السعي؛ أي: طلبوا له ما يداويه، وللكشميهنيّ: ((فشَفَوا)) بالمعجمة، والفاء، وعليه شرح الخطابيّ، فقال: معناه طلبوا الشفاء، تقول: شَفَى الله مريضي؛ أي: أبرأه، وشفى له الطبيب؛ أي: عالجه بما يشفيه، أو وَصَف له ما فيه الشفاء، لكن ادَّعَى ابن التين أنها تصحيف. قوله: ((لو أتيتم هؤلاء الرهط)) قال ابن التين: قال تارةً: نفراً، وتارةً: رهطاً، والنفر ما بين العشرة والثلاثة، والرهط ما دون العشرة، وقيل: يصل إلى الأربعين، قال الحافظ: وهذا الحديث يدلّ له. قوله: ((فأتوهم))، وفي رواية معبد بن سيرين الآتية أن الذي جاء في هذه الرسالة امرأة، وعند البخاريّ: جارية منهم، فيُحْمَل على أنه كان معها غيرها، زاد البزار في حديث جابر: «فقالوا لهم: قد بلغنا أن صاحبكم جاء بالنور، والشفاء، قالوا: نعم)). قوله: ((وسعينا)) في رواية الكشميهنيّ: ((وشفينا)) بالمعجمة، والفاء، وقد تقدّم ما فيها . قوله: ((فهل عند أحد منكم من شيء))، زاد أبو داود في روايته: (ينفع صاحبنا)). قوله: ((فقال بعضهم))، في رواية أبي داود: ((فقال رجل من القوم: نعم والله، إني لأرقِي)) بكسر القاف، وبيَّن الأعمش أن الذي قال ذلك هو أبو سعيد، راوي الخبر، ولفظه: ((قلت: نعم، أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنماً))، فأفاد بيان جنس الْجُعْل، وهو بضم الجيم، وسكون المهملة: ما يُعْطَى على عمل. وقد استُشكل كون الراقي هو أبا سعيد، راوي الخبر، مع ما وقع في ١٠٩ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) رواية معبد بن سيرين الآتية من قوله: ((فقام معها رجل، ما كنا نظنه يحسن رقية)) . وعند البخاريّ في ((فضائل القرآن)) بلفظ آخر، وفيه: ((فلما رَجَع قلنا له: أكنت تحسن رقيةً؟))، ففي ذلك إشعار بأنه غيره. والجواب أنه لا مانع من أن يَكْنِي الرجل عن نفسه، فلعل أبا سعيد صرّح تارةً، وكَنَى أخرى، ولم ينفرد الأعمش بتعيينه، فقد وقع أيضاً في رواية سليمان بن قَتَّة، بلفظ: ((فأتيته، فرَقَيته بفاتحة الكتاب))، وفي حديث جابر عند البزار: ((فقال رجل من الأنصار: أنا أرقيه))، قال الحافظ: وهو مما يُقَوِّي رواية الأعمش، فإن أبا سعيد أنصاريّ، وأما حَمْل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة، وأن أبا سعيد روى قصتين، كان في إحداهما راقياً، وفي الأخرى كان الراقي غيره، فبعيد جدّاً، ولا سيما مع اتحاد المخرج، والسياق، والسبب، ويكفي في ردّ ذلك أن الأصل عدم التعدد، ولا حامل عليه، فإن الجمع بين الروايتين ممكن بدونه، وهذا بخلاف ما تقدّم من حديث خارجة بن الصَّلْت، عن عمه، فإن السياقين مختلفان، وكذا السبب، فكان الحمل على التعدد فيه قريباً . قوله: ((فصالحوهم))؛ أي: وافقوهم. قوله: ((على قطيع من الغنم)) قال ابن التين: القطيع هو الطائفة من الغنم، وتُعُقِّب بأن القطيع هو الشيء المقتطع من غنم كان، أو غيرها، وقد صَرَّح بذلك ابن قرقول وغيره، وزاد بعضهم: أن الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين. ووقع في رواية الأعمش: ((فقالوا: إنا نعطيكم ثلاثين شاةً))، وكذا ثبت ذِكْر عدد الشياه في رواية معبد بن سيرين، عند البخاريّ، وهو مناسب لعدد السريّة كما تقدم في أول الحديث، وكأنهم اعتبروا عددهم، فجعلوا الْجُعْل (١) بازائه. انتھی (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) تقدّم أنه أبو سعيد الخدريّ ◌َظُه، (نَعَمْ) عندنا راقٍ (١) ((الفتح)) ٦/ ٥٠ - ٥١، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى (فَأَتَاهُ)؛ أي: اللديغ، وفي رواية البخاريّ: ((فانطلق يتفل)) بضم الفاء، وبكسرها، وهو نفخ معه قليل بزاق، قال ابن أبي جمرة: محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة؛ لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يُمَرّ عليها الريق، فتحصل البركة في الريق الذي يتفله. (فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)؛ أي: بقراءتها، وفي رواية البخاريّ: ((ويقرأ الحمد لله رب العالمين))، وفي رواية شعبة: ((فجعل يقرأ عليها بفاتحة الكتاب))، وكذا في حديث جابر، وفي رواية الأعمش: ((فقرأت عليه الحمد لله))، ويستفاد منه تسمية الفاتحة: ((الحمد))، و((الحمد لله رب العالمين))، ولم يذكر في هذه الطريق عدد ما قرأ الفاتحة، لكنه بيَّنه في رواية الأعمش، وأنه سبع مرات، ووقع في حديث جابر: ثلاث مرات، والحُكم للزائد(١). (فَرَأَ الرَّجُلُ) بفتح الراء، وكسرها، وضمّها، يقال: برأ من المرض يبرأ، من بابي نفع، وتَعِبَ، وبرُؤَ بُرْءاً، من باب قَرُب لغة (٢)، قاله الفيّوميّ. وقال في ((التاج)): وبَرأَ المَريضِ مُثَلَّئاً، والفتحُ أَفصحُ، وهي لغة أهلٍ الحجازِ، والكَسْرُ لغة بني تميم، يَبْرَأُ بالفتح أيضاً على القياس، وبَرَأَ كنَصَرَ يَبْرُؤُ، كينْصُر، قالوا: ولم يجئُ فيما لامه همزة فَعَلْتُ أَفْعَل، إِلَّا في هذا الحرفِ، بُرْءاً بالضم، في لُغة الحجاز، وتميم، وبُرُوءاً، كقُعود، وبَرُؤ، ككَرُم يَبْرُؤُ بالضمِّ فيهما، وهذه اللغةُ الثالثةُ غيرُ فصيحةٍ، وبَرِئَ مثل فَرِحَ يَبْرَأُ، كيفْرَحُ، وهما - أَي: بَرَأَ كمنَعَ، وبَرِئَ كفرِح - لُغتان فَصيحتان، بَرْءاً بفتح فسكون، وبُرُؤاً بضمَّتين، وبُرُوءاً كقُعود: نَقِهَ، وفيه مَرَضٌ، ونَقِهَ كفرِحَ، من النَّقاهة، وهي الصِّحَّة الخفيفةُ التي تكون عَقِيب مرضٍ. انتهى ما في ((التاج)) باختصار(٣) . وفي رواية البخاريّ: ((فكأنما نُشِط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قَلَبة))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فكأنما نُشط)) كذا للجميع بضم النون، وكسر المعجمة، من الثلاثيّ، قال الخطابيّ: وهو لغة، والمشهور نَشَطَ (٤): إذا عَقَدَ، (١) ((الفتح)) ٥١/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٤٧. (٤) من باب ضرب. (٣) ((تاج العروس)) ١/ ٧٧. ١١١ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) وأَنشط: إذا حَلّ، وأصله الأُنشوطة بضم الهمزة، والمعجمة، بينهما نون ساكنة، وهي الحبل، وقال ابن التين: حَكَى بعضهم أن معنى أُنشط: حُلّ، ومعنى نَشِطَ: قام بسرعة، ومنه قولهم: رجل نشيط، ويَحْتَمِل أن يكون معنى نَشَط: فَزِعَ(١)، ولو قرئ بالتشديد لكان له وجه؛ أي: حُلّ شيئاً فشيئاً. قوله: ((من عقال)) بكسر المهملة بعدها قاف: هو الحبل الذي يُشَدّ به ذراع البهيمة . قوله: ((وما به قَلَبة)) بحركات؛ أي: عِلَّة، وقيل للعلة: قلبةٌ؛ لأن الذي تصيبه يقلب من جنب إلى جنب؛ ليُعْلَم موضع الداء، قاله ابن الأعرابيّ، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: أَوْدَى الشَّبَابُ وَحُبُّ الْخَالَةِ الْخَلِبَهْ وَقَدْ بَرِثْتُ فَمَا فِي الصَّدْرِ (٢) مِنْ قَبَهْ أي: برئت من داء الحبّ، وقال ابن الأعرابيّ: معناه: ليست به علّة، يُقلّب لها، فینظر إليه. انتهى(٣). وفي نسخة الدمياطيّ بخطه: قال ابن الأعرابيّ: القَلَبة داء، مأخوذ من القُلاب، يأخذ البعير، فيألم قلبه، فيموت من يومه. انتهى (٤). (فَأُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الرجل الراقي، والمعطي هو الرجل المرقيّ، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الرجل المرقيّ. (قَطِيعاً) قال القرطبيّ كَّقُ: ((القطيع)): هو الجزء المقتطع، فَعِيل، بمعنى: مفعول. انتهى(٥)، وقال غيره: القطيع: هو الطائفة من الغنم، وغيرها، قال أهل اللغة: الغالب استعماله في بين العشرة والأربعين، وقيل: ما بين خمس عشرة إلى خمس وعشرين، وجمعه أقطاعٌ، وأَقطِعةٌ، وقُطعانٌ، وقِطاعٌ، وأقاطيع، والله تعالى أعلم. (١) لعله نَزَعَ، كما في ((القاموس))، فإنه قال: نشَطَ الدلو: نزعها بلا بَكْرة، والله تعالى أعلم. (٢) وفي ((اللسان)): ((فما في القلب)). (٣) (لسان العرب)) ٦٨٦/١ - ٦٨٧. (٤) ((الفتح)) ٥١/٦ - ٥٢، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٥) ((المفهم)) ٥٨٥/٥. ١١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى وقوله: (مِنْ غَنَم) بيان لقطيع، وفي بعض النسخ: ((من الغنم))، وتقدّم أنها ثلاثون شاةً. (فَأَبَّى) الرجل الراقي (أَنْ يَقْبَلَهَا)؛ أي: تلك الغنم؛ لعدم علمه بحكمها، (وَقَالَ) لا أقبلها، ولا أقسمها بين أصحابي (حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَ﴾﴾ قال القرطبيّ تَخْلُهُ: وإيقاف الصحابيّ قبول الغنم على سؤال النبيّ ◌َّ﴿ عملٌ بما يجب من التوقف عند الإشكال إلى البيان، وهو أمرٌ لا يُختَلَف فيه. انتهى(١). وفي رواية البخاريّ: ((قال: فَأَوْفَوْهم جُعْلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: أقسموا، فقال الذي رَقَى: لا تفعلوا، حتى نأتي النبيّ وَّ، فنذكر له الذي کان، فننظر ما يأمرنا)). قوله: فقال بعضهم: ((أقسموا))، قال الحافظ: لم أقف على اسمه. قوله: ((فقال الذي رَقَى)) بفتح القاف، وفي رواية الأعمش: ((فلما قبضنا الغنم عَرَض في أنفسنا منها شيء))، وفي رواية معبد بن سيرين: ((فَأَمَر لنا بثلاثين شاةً، وسقانا لبناً))، وفي رواية سليمان بن قَتَّة: «فَبَعَث إلينا بالشياه، والُّزُل، فأكلنا الطعام، وأبوا أن يأكلوا الغنم، حتى أتينا المدينة))، وبَيَّن في هذه الرواية أن الذي منعهم من تناولها هو الراقي، وأما في باقي الروايات فأبهمه . قوله: ((فننطر ما يأمرنا))؛ أي: فنتبعه، ولم يريدوا أنهم يُخَيَّرون في ذلك(٢). (فَأَتَّى) الراقيِ (النَّبِيَّ نَلِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَّهُ)؛ أي: ذَكَر للنبيّ وَّ ما جرى له من الرقية، وأمْرِ القطيع، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا رَقَيْتُ) بفتح القاف، من باب ضرب، (إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)؛ أي: بقراءتها، وجَمْع بزاقي، والتفل عليه. (فَسَّمَ) وَلِّ تعجّباً مما صنع، وافق الحقّ دون أن يسبق له علم بذلك (وَقَالَ) ◌ِله ((وَمَا أَدْرَالَكَ)؛ أي: أيّ شي جعلك تعلم؟ (أَنَّهَا)؛ أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟)؛ أي: شفاء، قال النوويّ تَخْتُ: فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على (١) ((المفهم)) ٥٨٧/٥. (٢) ((الفتح)) ٥١/٦ - ٥٢، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). ١١٣ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) اللديغ، والمريض، وسائر أصحاب الأسقام، والعاهات. انتهى (١). وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((وما أدراك أنها رقية؟!))؛ أي: أيُّ شيء أعلمك: أنَّها رقية؟! قاله تعجباً من وقوعه على الرُّقى بها، ولذلك تبسّم النبيّ وَ﴿ عند قوله: ((وما أدراك أنها رقية؟!))، وكأنّ هذا الرجل عَلِم أن هذه السورة قد خصَّت بأمور: منها: أنها فاتحة الكتاب، ومبدؤه، وأنها متضمنة لجميع علوم القرآن؛ من حيث إنها تشتمل على الثناء على الله ريت بأوصاف كماله، وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إلى الله تعالى في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، وقد رَوَى الدارقطنيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه مرفوعاً، وفيه: فقال: ((وما يدريك أنها رقية؟!، فقلت: يا رسول الله! شيء أَلْقِي في رُوعي، قال: فكلوا، وأطعمونا من الغنم))(٢). وقيل: إن موضع الرُّقية منها إنما هو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، قال القرطبيّ: ويظهر لي أن السُّورة كلها موضع الرُّقية؛ لِمَا ذكرناه، ولقوله وَّه : ((وما أدراك أنَّها رقية؟))، ولم يقل: أن فيها رقية. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(٣)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ووقع في البخاريّ بلفظ: ((وما يدريك أنها رُقية؟)) بصيغة المضارع، قال في ((الفتح)): قال الداوديّ: معناه: وما أدراك، وقد رُوي كذلك، ولعله هو المحفوظ؛ لأن ابن عيينة قال: إذا قال: وما يدريك، فلم يُعْلِم، وإذا قال: وما. أدراك، فقد أَعْلَم. وتعقبه ابن التين بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلا فلا فرق بينهما في اللغة؛ أي: في نفي الدراية. وقد وقع في رواية هشيم: ((وما أدراك))، ونحوه في رواية الأعمش. وفي رواية معبد بن سيرين الآتية: ((وما كان يدريه))، وهي كلمة تقال عند (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٤. (٣) ((المفهم)) ٥٨٥/٥ - ٥٨٦. (٢) ((سنن الدارقطنيّ)) ٦٣/٣ - ٦٤. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى التعجب من الشيء، وتُستعمل في تعظيم الشيء أيضاً، وهو لائق هنا، زاد شعبة في روايته: ((ولم يذكر منه نهياً))؛ أي: من النبيّ وَّر عن ذلك. وزاد سليمان بن قَتّة في روايته بعد قوله: ((وما يدريك أنها رقية؟»: قلت: أُلْقِيَ في رُوعِي)). وللدار قطنيّ من هذا الوجه: ((فقلت: يا رسول الله شيءٌ أَلْقِي في رُوعي))، وهو ظاهر في أنه لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرُّقَى بالفاتحة، ولهذا قال له أصحابه لَمّا رَجَع: ((أكنت تحسن رقية؟»، كما وقع في رواية معبد بن سیرین الآتية، وفي لفظ: ((ما كنت تحسن رُقية)). زاد في رواية البخاريّ: ((ثم قال: قد أصبتم))، وقوله: ((قد أصبتم)) يَحْتَمِل أن يكون صَوَّب فِعْلهم في الرقية، ويَحْتَمِل أن ذلك في توقفهم عن التصرف في الجعل، حتى استأذنوه، ويَحْتَمِل أعمّ من ذلك، قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: كونه أعمّ هو الأقرب، والأوضح، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) وَرِ ((خُذُوا مِنْهُمْ)؛ أي: خذوا القطيع من الغنم من القوم الذين رَقَيتم لهم لديغهم، والمراد: تثبيتهم على ما هم عليه، من استلام القطيع، واستحسان صنيعهم ذلك. وقال ابن حبّان تَّثُ في (صحيحه)): قوله ◌َّار: ((خذوا)) أراد به جواز ذلك الشيء المأخوذ، مع جواز استعماله في المستقبل؛ لأن الشاء أخذها الراقي قبل أن يأتي النبيّ وَّة، ثم سأل بعد ذلك، فقال له النبيّ وَّ: ((خذوا)) أراد به جواز فعل الماضي، والمستقبل معاً. انتهى(٢). وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((خذوا منهم ... إلخ)) هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة، والذِّكر، وأنها حلال، لا كراهة فيها، وكذا الأجرة على تعليم القرآن، وهذا مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد، وإسحاق، (١) ((الفتح)) ٦/ ٥٣، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٣/ ٤٧٥. ١١٥ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّفْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) وأبي ثور، وآخرين، من السلف، ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن، وأجازها في الرقية. انتهى(١). (وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمِ مَعَكُمْ)))؛ أي: اجعلوا لي منه نصيباً، وكأنه أراد المبالغة في تأنيسهم، كماً وقع له في قصة الحمار الوحشيّ، وغير ذلك، قاله في ((الفتح))(٢). وقال القرطبيّ تَّثُ: قوله: ((خذوا منهم، واضربوا لي معكم بسهم)): بيان للحكم بالقول، وتمكين له بالعمل؛ إذ لم تكن له حاجة لذلك السَّهم إلا ليبالغ في بيان أن ذلك من الحلال المحض الذي لا شبهة فيه، فكان ذلك أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى، والطبّ، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وجماعة من السَّلف، (٣) والخلف. انتهى . وقال النوويّ تَخَُّهُ: قوله: وأما قوله ◌َّهو: ((واضربوا لي بسهم معكم))، وفي الرواية الأخرى: ((اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم))، فهذه القسمة من باب المروءات، والتبرعات، ومواساة الأصحاب، والرفاق، وإلا فجميع الشياه ملك للراقي، مختصة به، لا حقّ للباقين فيها عند التنازع، فقاسَمَهُم تبرّعاً، وجُوداً، ومروءةً. قال: وأما قوله وَله: ((واضربوا لي بسهم))، فإنما قاله تطييباً لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال، لا شبهة فيه، وقد فعل رسول الله بصير في حديث العنبر، وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش مثله. انتهى(٤). [تنبيه]: ذكر أبو داود كَّلُ في ((سننه)) قصّة مشابهة لقصّة أبي سعيد عن خارجة بن الصَّلت، عن عمّه، فقال: (٣٤٢٠) - حدّثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، عن خارجة بن الصَّلْت، عن عمه، أنه مَرّ بقوم، (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٤. (٢) ((الفتح)) ٥٣/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). (٣) ((المفهم)) ٥٨٨/٥. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/١٤. ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فارْقٍ لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام، غُدْوَةً، وعشيّةً، كلما ختمها جمع بزاقه، ثم تَفَل، فكأنما أُنشط من عِقَال، فأعطوه شيئاً، فأتى النبيّ وََّ، فذكره له، فقال النبيّ وَّهِ: ((كُلْ، فلعمري لَمَن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حقّ)). انتهى(١)، وهو حديث صحيح. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َتُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٧٢١/٨ و٥٧٢٢ و٥٧٢٣ و٥٧٢٤] (٢٢٠١)، و(البخاريّ) في ((الإجارة)) (٢٢٧٦) و((فضائل القرآن)) (٥٠٠٧) و((الطبّ)) (٥٧٣٦ و٥٧٤٩)، و(أبو داود) في ((الإجارة)) (٣٤١٨) و((الطبّ)) (٣٩٠٠)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٦٣ و٢٠٦٤ و٢٠٦٥)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢١٧٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٤/٤ و٢٥٤/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣/٨، ٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/٣ و١٠ و٤٤)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (١٢٦/٤، ١٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١١٢)، و(ابن السُّنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٤١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١/ ٢٧٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢٤/٦) و((شُعَب الإيمان)) (٤٤٩/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الرقية بكتاب الله تعالى، ويَلتحق به ما كان بالذكر، والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور، مما لا يخالف ما في المأثور، وأما الرُّقَى بما سوى ذلك، فقد تقدّم في الباب حديث عوف بن مالك ظُته، وفيه قوله : ((لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك))، فدلّ على أن ما يشتمل على الشركيّات حرام، والله تعالى أعلم. (١) ((سنن أبي داود)) ٢٦٦/٣. ١١٧ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) ٢ - (ومنها): بيان مشروعية الضيافة على أهل البوادي، والنزول على مياه العرب، وطلب ما عندهم على سبيل القِرَى، أو الشراء. ٣ - (ومنها): أن فيه مقابلةَ مَن امتنع من المكرُمة بنظير صنيعه؛ لِمَا صنعه هذا الصحابيّ رَظُبه من الامتناع من الرقية في مقابلة امتناع أولئك من ضيافتهم، وهذه طريق موسى لعلّ في قوله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، ولم يعتذر الخضر فعلا عن ذلك إلا بأمر خارجيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه إمضاء ما يلتزمه المرء على نفسه؛ لأن أبا سعيد التزم أن يَرْقِي، وأن يكون الْجُعْل له، ولأصحابه، وأمره النبيّ وَّ بالوفاء بذلك. ٥ - (ومنها): أن فيه الاشتراكَ في الموهوب، إذا كان أصله معلوماً. ٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخَّثُ: قوله: ((اقسموا ... إلخ)) هذه القسمة إنَّما هي قسمة برضا الرَّاقي؛ لأنَّ الغنم ملكه؛ إذ هو الذي فَعَل العوض الذي به استحقها، لكن طابت نفسه بالتشريك، فأحاله النبيّ وَلقر على ما يقع به رضا المشتركين عند القسمة، وهي القرعة، فكان فيه دليلٌ على صحة العمل بالقرعة في الأموال المشتركة، وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيها في ((النكاح)). انتهى(١). ٧ - (ومنها): جواز طلب الهدية ممن يُعْلَم رغبته في ذلك، وإجابته إليه، فإنه وَ لقد قال لهم: ((واضربوا لي بسهم معكم)). ٨ - (ومنها): جواز قبض الشيء الذي ظاهره الحلّ، وترك التصرّف فيه، إذا عَرَضت فيه شبهة . ٩ - (ومنها): بيان جواز الاجتهاد عند فقد النصّ. خصوصاً ١٠ - (ومنها): بيان عظمة القرآن في صدور الصحابة الفاتحة. ١١ - (ومنها): بيان أن الرزق المقسوم لا يستطيع من هو في يده منعه ممن قُسم له؛ لأن أولئك القوم منعوا الضيافة، وكان الله قسم للصحابة ﴿ في مالهم نصيباً، فمنعوهم، فسَبَّب لهم لَدْغَ العقرب، حتى سيق لهم ما قُسم لهم. (١) ((المفهم)) ٥٨٦/٥. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى ١٢ - (ومنها): أن فيه الحكمةَ البالغةَ حيث اختَصَّ بالعقاب مَن كان رأساً في المنع؛ لأن من عادة الناس الائتمار بأمر كبيرهم، فلما كان رأسهم في المنع اختصّ بالعقوبة دونهم، جزاءً وِفَاقاً، وكأن الحكمة فيه أيضاً إرادة الإجابة إلى ما يلتمسه المطلوب منه الشفاء، ولو كثُر؛ لأن الملدوغ لو كان من آحاد الناس لعله لم يكن يقدر على القدر المطلوب منهم، ذَكَر هذا كلّه في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال الإمام ابن القيّم تَّثُ: ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواصّ، ومنافع مجربةٌ، فما الظنّ بكلام رب العالمين، الذي فضّله على كلّ كلام كفضل الله على خلقه، الذي هو الشفاء التامّ، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أُنزل على جبل لتصدّع من عظمته، وجلالته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و((مِنْ)) ها هنا لبيان الجنس، لا للتبعيض، هذا أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فما الظنّ بفاتحة الكتاب التي لم يُنزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها، المتضمنة لجميع معاني كُتُب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى - ومجامعها، وهي الله، والربّ، والرحمن، وإثبات المعاد، وذِكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذِكر الافتقار إلى الربّ ◌ُعَلَ في طلب الإعانة، وطلب الهداية، وتخصيصه بذلك، وذِكر أفضل الدعاء على الإطلاق، وأنفعه، وأفرضه، وما العباد أحوج شيء إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم، المتضمن كمال معرفته، وتوحيده، وعبادته بفعل ما أَمَر به، واجتناب ما نَهَى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق، وانقسامهم إلى مُنْعَم عليه بمعرفة الحقّ، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدوله عن الحقّ بعد معرفته له، وضالّ بعدم معرفته له، وهؤلاء أقسام الخليقة، مع تضمنها لإثبات القَدَر، والشرع، والأسماء (١) (الفتح)) ٥٣/٦، كتاب ((الإجارة)) رقم (٢٢٧٦). ١١٩ (٨) - بَابُ جَوَازٍ أَخْذِ الأُخْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ، وَالأَذْكَارِ - حديث رقم (٥٧٢١) والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وذِكر عدل الله، وإحسانه، والردّ على جميع أهل البدع، والباطل، كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير ((شرح مدارج السالكين))، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يُستشفى بها من الأدواء، ويُرْقَى بها اللديغ. وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية، والثناء على الله، وتفويض الأمر كله إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، وهي الهداية التي تجلب(١) النِّعم، وتدفع النِّقَم، من أعظم الأدوية الشافية الكافية. وقد قيل: إن موضع الرقية منها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْنَعِينُ ﴾﴾ ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض، والتوكل، والالتجاء، والاستعانة، والافتقار، والطلب، والجمع بين أعلى الغايات، وهي عبادة الربّ وحده، وأشرف الوسائل، وهي الاستعانة به على عبادته، ما ليس في غيرها، ولقد مَرَّ بي وقتٌ بمكة سَقِمت فيه، وفقدت الطبيب، والدواء، فكنت أتعالج بها، آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التامّ، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع. انتهى كلام ابن القيّم تَُّهُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال الإمام ابن القيّم كَّتُ أيضاً: وفي تأثير الرُّقَى بالفاتحة، وغيرها في علاج ذوات السموم سرّ بديعٌ، فإن ذوات السموم أثّرت بكيفيات نفوسها الخبيثة، كما تقدم، وسلاحُها حُماتُها التي تلدغ بها، وهي لا تلدغ حتى تغضب، فإذا غَضِبت ثار فيها السمّ، فتقذفه بآلتها، وقد جعل الله ◌َآ لكل داء دواءً، ولكل شيء ضدّاً، ونفس الراقي تفعل في نفس الْمَرْقِيِّ، فيقع بين نفسيهما فعلٌ وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس الراقي، وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله تعالى، ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع (١) من بابي ضرب، ونصر. (٢) ((زاد المعاد)) ٤/ ١٦٢. ١٢٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى بين الداء والدواء الروحانيين، والروحانيّ والطبيعيّ، وفي النَّفْث، والتَّفْل استعانة بتلك الرطوبة، والهواء، والنَّفَس المباشر للرقية، والذّكر، والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه، من الريق، والهواء، والنَّفَس، كانت أتمّ تأثيراً، وأقوى فعلاً، ونفوذاً، ويحصل بالازدواج بينهما كيفية موثرةٌ شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية. وبالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيد بكيفية نفسه، وتستعين بالرقية، وبالنَّفْث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتمّ، واستعانته بنفئه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها، وفي النفث سرّ آخر، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السَّحَرَة، كما يفعله أهل الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى اٌلْعُقَدِ ®﴾، وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب، والمحاربة، وترسل أنفاسها سهاماً لها، وتُمِدّها بالنفث، والتفل الذي معه شيء من الريق، مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينةً، وإن لم تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العقدة، وتعقدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع، والتكلم بالرقية، وتستعين بالنفث، فأيهما قوي كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض، ومحاربتها وآلتها، من جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها، وآلتها سواءً، بل الأصل في المحاربة، والتقابل للأرواح، والأجسام آلتها، وجندها، ولكن من غلب عليه الحسّ لا يشعر بتأثيرات الأرواح، وأفعالها، وانفعالاتها؛ لاستيلاء سلطان الحسّ عليه، وبعده من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها . والمقصود: أن الروح إذا كانت قويّة، وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثرَ الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّتُهُ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) ((زاد المعاد)) ١٦٤/٤.