Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَِّيَّنَ﴿ِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٨٧)
الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفية خبيثة، تقابل
المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصة والتأثير، وكما يكون بالاتصال قد يكون
بالمقابلة، وبالرؤية، وبتوجّه الروح، وبالأدعية، والرقى، والتعوّذات، وبالوهم
والتخييل، وغير ذلك. والله تعالى أعلم (١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف دَخَّتُهُ .
(المسألة الثالثة): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٨٧/١] (٢١٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٦٠/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الرقية الشرعيّة، وهي ما كانت بكتاب الله، أو
بالأذكار التي تكون باللغة العربيّة، ولا سيّما ما جاء في السُّنَّة، كما في هذه
الأحاديث، وسيأتي في المسألة التالية ما قاله العلماء في الرقى - إن شاء الله
تعالی ۔۔
٢ - (ومنها): إثبات تأثير الحسد، وأنه من الشرور التي يُستعاذ منها، قال
القرطبيّ ◌َُّهُ: فيه دليلٌ على أن الحسد يؤثّر في المحسود ضرراً يقع به، إما
في جسمه بمرض، أو في ماله، وما يختصّ به بضرر، وذلك بإذن الله تعالى
ومشيئته، كما قد أجرى سُنَّته، وحقَّقَ إرادته، فربط الأسباب بالمسبَّبات،
وأجرى بذلك العادات، ثم أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه، والدعاء، وأحالنا
على الاستعانة بالْعُوذ، والرُّقَى. انتهى(٢).
٣ - (ومنها): إثبات ضرر العين، وأنه حقّ، فينبغي الاسترقاء منه،
وسيأتي بيان ما يتعلّق به في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): جواز الرُّقى لِمَا وقع من الأمراض، ولِمَا يُتوقّع وقوعه.
(١) ((فيض القدير)) ١٠٢/٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٦٤/٥.

٧٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّتُهُ: هذا الحديث دليل على استحباب
الرقية بأسماء الله تعالى، وبالْعُوذ الصحيحة المعنى، وأن ذلك لا يناقض التوكل
على الله تعالى، ولا ينقصه؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبيّ بَّ أحقّ الناس
بأن يجتنبه، فإن الله تعالى لم يزل يُرَقِّي نبيّه ◌َ ﴿ في المقامات الشريفة،
والدرجات الرفيعة إلى أن قبضه الله تعالى على أرفع مقام، وأعلى حالٍ، وقد
رُقِي ◌َّر في أمراضه، حتى في مرض موته، فقد رقته عائشة رضيّا في مرض موته،
ومسحته بيدها، ويَدِهِ، وهو مقرّ لذلك، غير منكر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخُّْهُ: قوله: ((إن جبرائيل رَقَى النبيّ ◌َِّ))،
وذكر الأحاديث بعده في الرُّقَى، وفي الحديث الآخر في الذين يدخلون الجنة
بغير حساب: ((لا يرقون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون))، فقد يُظَنّ
مخالفاً لهذه الأحاديث، ولا مخالفة، بل المدح في ترك الرُّقَى المراد بها الرُّقَى
التي هي من كلام الكفار، والرُّقَى المجهولة، والتي بغير العربية، وما لا يُعرف
معناها، فهذه مذمومة؛ لاحتمال أن معناها كُفْر، أو قريب منه، أو مكروه،
وأما الرُّقَى بآيات القرآن، وبالأذكار المعروفة، فلا نهي فيه، بل هو سُنَّة.
ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين أن المدح في ترك الرقى
للأفضلية، وبيان التوكل، والذي فَعَلَ الرُّقَى، وأَذِن فيها لبيان الجواز، مع أن
تَرْكها أفضل، وبهذا قال ابن عبد البرّ، وحكاه عمن حكاه، والمختار الأول،
وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات، وأذكار الله تعالى.
قال المازريّ: جميع الرقى جائزة، إذا كانت بكتاب الله، أو بذكره،
ومنهيّ عنها إذا كانت باللغة العجمية، أو بما لا يُدرَى معناه؛ لجواز أن يكون
فيه كفر، قال: واختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوَّزها أبو بكر الصديق رقّ ◌ُه،
وكَرِهها مالك؛ خوفاً أن يكون مما بدّلوه، ومَن جَوَّزها قال: الظاهر أنهم لم
يبدّلوا الرقى، فإنهم لهم غرض في ذلك، بخلاف غيرها مما بدّلوه.
وقد ذكر مسلم تَخْتُهُ بعد هذا أن النبيّ ◌َ﴿ قال: ((اعْرِضُوا عليّ رُقاكم،
لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك)).
(١) ((المفهم)) ٥/ ٥٦٣ - ٥٦٤.

٧٠٣
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيِّوَهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٨٧)
وأما قوله في الرواية الأخرى: ((يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى))،
فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحدها: كان نهى أوّلاً، ثم نَسَخ ذلك، وأَذِن فيها، وفَعَلها، واستقرّ
الشرع على الإذن.
والثاني: أن النهي عن الرقى المجهولة، كما سبق.
والثالث: أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها، وتأثيرها بطبعها، كما
كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة.
وأما قوله في الحديث الآخر: ((لا رقية إلا من عين، أو حُمَةٍ))، فقال
العلماء: لم يُرِد به حصر الرقية الجائزة فيهما، ومَنْعها فيما عداهما، وإنما
المراد: لا رقية أحقّ، وأَولى من رقية العين، والْحُمَة؛ لشدة الضرر فيهما.
قال القاضي: وجاء في حديث في غير مسلم: ((سئل عن النُّشْرة، فقال:
هو من عمل الشيطان))، قال: والنشرة معروفة مشهورة عند أهل التعزيم،
وسُمِّيت بذلك؛ لأنها تنشر عن صاحبها؛ أي: تخلى عنه.
وقال الحسن: هي من السحر، قال القاضي: وهذا محمول على أنها
أشياء خارجة عن كتاب الله تعالى، وأذكاره، وعن المداواة المعروفة التي هي
من جنس المباح.
وقد اختار بعض المتقدمين هذا، فكره حَلّ المعقود عن امرأته.
وقد حَكَى البخاريّ في ((صحيحه)) عن سعيد بن المسيِّب؛ أنه سئل عن
رجل به طِبّ؛ أي: ضرب من الجنون، أو يؤخذ عن امرأته، أيخلى عنه، أو
يُنَشِّر؟، قال: لا بأس به، إنما يريدون به الصلاح، فلم ينه عما ينفع.
وممن أجاز النُّشرة: الطبريّ، وهو الصحيح، قال كثيرون، أو الأكثرون:
يجوز الاسترقاء للصحيح لِمَا يخاف أن يغشاه من المكروهات، والهوام، ودليله
أحاديث، ومنها حديث عائشة في ((صحيح البخاريّ)): ((كان النبيّ وَّ إذا أوى إلى
فراشه تفل في كفه، ويقرأ: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، والمعوذتين، ثم يمسح بها
وجهه، وما بلغت يده من جسده))، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَظُّهُ(١).
(١) (شرح النوويّ)) ١٦٩/١٤ - ١٧٠.

٧٠٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرفى
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في الرُّقَى، والتعاويذ في
الباب الرابع: ((باب استحباب رُقية المريض)) - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٨] (٢١٨٦) - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ((أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَّى
النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلُّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيَك))).
رجال هذا الإسناد: خمسةٌ:
١ - (بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ) أبو محمد النُّمَيريّ - بضم النون - البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (٢٤٧) (م ٤) تقدم في ((الأيمان)) ٤٢٥٠/١.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة
التَّنُّوريّ - بفتح المثناة، وتشديد النون - البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم
يثبت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ - بموحدة، ونونين - البصريّ، ثقةٌ
[٤] (١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون، وضاد معجمة ساكنة - المنذر بن مالك بن قُطَعة
- بضم القاف، وفتح الطاء المهملة - العَبْديّ الْعَوَقيّ - بفتح العين المهملة،
والواو، ثم قاف - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م
٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ، واستُصغِر بأُحُد، ثم شَهِد ما بعدها، مات بالمدينة
سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه
مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو
من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة، وفيه أبو سعيد، صحابيّ ابن
صحابيّ ثّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً.

٧٠٥
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيّ ◌َ﴿ِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٨٨)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َهُ ((أَنَّ جِبْرِيلَ) علَّهُ (أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّهِ، فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأشتكيت؛ أي: مرِضت،
(فَقَالَ) ◌ِ (نَعَمْ) قال الفيّومِيّ تَُّهُ: قولهم في الجواب: نَعَمْ، معناها:
التَّصْدِيقُ، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد؟ والوَعْدُ، إن وقعت بعد
المستقبل، نحو هل تقوم؟ قال سيبويه: نَعَمْ عِدَةٌ، وتصديق، قال ابن بابشاذ:
يريد أنها عِدَةٌ في الاستفهام، وتصديق للإخبار، ولا يريد اجتماع الأمرين فيها
في كلّ حال (١)، وقد تقدّم الكلام فيها مستوفّى في غير هذا المحلّ، ولله
الحمد.
(قَالَ) جبريل: (بِاسْمِ اللهِ) متعلّق بـ(أَرْقِيك) بفتح الهمزة، من باب ضرب،
وقوله: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) متَعلّق بـ((أرقيك)) أيضاً، وقوله: (يُؤْذِيكَ) من الإيذاء،
والجملة في محلّ جرّ صفة لـ((شيء))، وقوله: (مِنْ شَرِّ كُلُّ نَفْسٍ) بدل من الجارّ
والمجرور قبله، (أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ) قال القرطبيّ كَّقُ: هذا شِكٌّ من الراوي في
أيّ اللفظين قال، مع أن معناهما واحدٌ، فإن النفس يقال على الإصابة بالعين،
يقال: أصابت فلاناً نفس؛ أي: عينٌ، والنافس العائن، قاله الْقَتَبيّ، وتُطلق
النفس على أمور أُخَر، ليس شيء منها يراد بهذا الحديث. انتهى(٢).
وقال النوويّ نَّتُهُ: قيل: يَحْتَمِل أن المراد بالنفس نفس الآدميّ، وقيل:
يَحْتَمِل أن المراد بها العين، فان النفس تُطلق على العين، ويقال: رجلٌ نَقُوسٌ
إذا كان يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى: ((من شرّ كلّ ذي
عين))، ويكون قوله: ((أو عينٍ حاسدٍ)) من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شَكّاً
من الراوي في لفظه، والله أعلم. انتهى(٣).
وقوله: (اللهُ يَشْفِيك) بفتح حرف المضارعة، ويجوز ضمّها، والجملة
خبريّة لفظاً، إنشائيّة معنى؛ لأن المراد بها الدعاء، وقوله: (بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيَكَ)))
کرّره للتأکید.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/١٤.
(٢) ((المفهم)) ٥٦٥/٥.

٧٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
قال النوويّ رُّه: هذا تصريح بالرُّقَى بأسماء الله تعالى، وفيه توكيد
الرقية والدعاء، وتكريره. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
اللّه هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ .
المصنّف نَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٨٨/١] (٢١٨٦)، و(الترمذيّ) في ((جامعه))
(٩٧٢)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٣٥٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨/٣ و٥٦
و٥٨ و٧٥)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٢٧٨/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٣٢٩/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٧/٥)، و(الطبرانيّ)
في ((الأوسط)) (٢٥٧/٨)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨٩] (٢١٨٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهه
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْعَيْنُ حَقٌّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القُشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
حافظٌ، عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ،
ثقةٌ حافظٌ مصنّف، شَهِير، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيع [٩] (ت
٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزیل الیمن،
ثقةٌ، ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٧٠.

٧٠٧
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَِّيَّلَهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٨٩)
شيئاً، وكذا فيما حَدَّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وهو ابن ثمان
وخمسين سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُتبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤]
(ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿به، تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وأنه
مسلسلٌ باليمنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل اليمن للأخذ عن أهلها،
وفيه أبو هريرة رضيه أحفظ من روى الحديث في دهره، يقال: روى (٥٣٧٤)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المضعّف، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة
إلى ما في الصحيفة المشهورة، صحيفة همّام بن منبّه، فيها نحو (١٣٨) حديثاً،
فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (مَا) اسم موصول؛ أي: الذي (حَدَّثَنَا) صلة
الموصول، والعائد محذوف؛ لكونه فضلة، وهذا الحذف كثير، كما قال ابن
مالك تَكْثُ في ((الخلاصة)):
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
في عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنْ انْتَصَبْ
بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَـامَنْ نَرْجُو يَهَبْ)»
(أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَذَكَرَ) أبو هريرة ◌َبه، ويَحْتَمِل أن
يكون الفاعل ضمير همّام؛ أي: ذكر همّام في تلك الصحيفة (أَحَادِيثَ) منصوب
على المفعوليّة لـ(ذَكَرَ))، وقوله: (مِنْهَا) متعلّق بمقدّر، خبر لقوله: (وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، ((الْعَيْنُ حَقٌّ))) مبتدأ وخبره،
مقول ((قال))، ومعناه: أن الإصابة بالعين ثابتةٌ موجودةٌ، ولها تأثير في النفوس،
وأنكر طائفة من الطبائعيين العين، وأنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس الخمس،
وما عداها فلا حقيقة له، والحديث يردّ عليهم، قاله في ((العمدة))(١).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٦٦/٢١.

٧٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وقال المناويّ تَخْتُ: ((العين حقّ))؛ أي: الإصابة بالعين حقّ؛ أي: كائن
يُقضَى به في الوضع الإلهيّ، لا شبهة في تأثيرها في النفوس فضلاً عن الأموال،
وذلك لأن بعض النفوس الإنسانية يثبت لها قوّة، هي مبدأ الأفعال الغريبة،
ويكون ذلك إما حاصلاً بالكسب؛ كالرياضة، وتجريد الباطن عن العلائق،
وتذكيته، فإنه إذا اشتدّ الصفاء، والذكاء، حصلت القوّة المذكورة، كما يحصل
للأولياء، أو بالمزاج، والإصابةُ بالعين يكون من الأول والثاني، فالمبدأ فيها
حالة نفسانية، مُعْجَبَةٌ، تُنهك المتعجّب منه بخاصية خلق الله تعالى في ذلك المزاج
على ذلك الوجه؛ ابتلاءً من الله تعالى للعباد؛ ليتميز المحقّ من غيره. انتهى (١).
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: ((ونهى عن الوشم))، قال في ((الفتح)): لم
تظهر المناسبة بين هاتين الجملتين، فكأنهما حديثان مستقلان، ولهذا حذف
مسلم، وأبو داود الجملة الثانية من روايتهما، مع أنهما أخرجاه من رواية
عبد الرزاق الذي أخرجه البخاريّ من جهته.
ويَحْتمِل أن يقال: المناسبة بينهما اشتراكهما في أن كلّ منهما يُحدِث في
العضو لوناً غير لونه الأصليّ.
و((الوشم)): بفتح الواو، وسكون الشين المعجمة أن تُغْرَز إبرةٌ، أو نحوها
في موضع من البدن، حتى يسيل الدم، ثم يُحْشَى ذلك الموضع بالكحل، أو
نحوه، فيَخْضَرْ.
قال الحافظ نَّهُ: وقد ظهرت لي مناسبة بين هاتين الجملتين لم أر من
سبق إليها، وهي أن من جملة الباعث على عمل الوشم تغير صفة الموشوم؛ لئلا
تصيبه العين، فنَهَى عن الوشم، مع إثبات العين، وأن التحيّل بالوشم وغيره مما
لا يَستند إلى تعليم الشارع لا يفيد شيئاً، وأن الذي قدّره الله سيقع. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم حکم الوشم في ((كتاب اللباس)) ((باب
تحريم فعل الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة)) برقم [٣٢/
٥٥٥٩] (٢١٢٤)، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناويّ ٣٥١/١.
(٢) ((الفتح)» ٢٠٣/١٠.

٧٠٩
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَِّيَّلَهَ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُمْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٩٠)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٨٩/١] (٢١٨٧)، و(البخاريّ) في ((الطبّ))
(٥٧٤٠) و((اللباس)) (٥٩٤٤)، و(همام بن منبه) في (صحيفته)) (١٣١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٧٨)، و(أحمد) في («مسنده» (٣١٩/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥٠٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٩٠)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٩٠] (٢١٨٨) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ،
وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ:
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ، سَبَقَتْهُ
الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُفْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن
الفضل بن بَهْرَام السَّمَرْقَنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ، فاضلٌ،
متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م دت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفيّ البغداديّ، المعروف بابن الشاعر، ثقةٌ، حافظً [١١] (ت ٢٥٩) (م د)
تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ،
صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) وله ستون سنةً (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢.
[تنبيه]: قال النوويّ ◌َّثُ: قوله: ((وأحمد بن خراش)) هكذا هو في جميع
النُّسخ: ((أحمد بن خراش)) بالخاء المعجمة المكسورة، وبالراء، وبالشين
المعجمة، وهو الصواب، ولا خلاف فيه في شيء من النسخ، وهو أحمد بن

٧١٠
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
الحسن بن خراش، أبو جعفر البغداديّ، نُسِب إلى جدّه، وقال القاضي
عياض: هكذا هو في الأصول، بالخاء المعجمة، قال: قيل: إنه وَهَمٌ،
وصوابه أحمد بن جَوّاس، بفتح الجيم، وبواو مشدّدة، وسين مهملة، هذا كلام
القاضي، وهو غلط فاحشٌ، ولا خلاف أن المذكور في مسلم إنما هو بالخاء
المعجمة، والراء، والشين المعجمة، كما سبق، وهو الراوي عن مسلم بن
إبراهيم المذكور في ((صحيح مسلم)) هنا، وأما ابن جَوّاس بالجيم، فهو أبو
عاصم الحنفيّ الكوفيّ، روى عنه مسلم أيضاً في غير هذا الموضع، ولكنه
لا يروي عن مسلم بن إبراهيم، ولا هو المراد هنا قطعاً، وكأنّ سببَ غَلَطِ مَن
غَلِطَ كون أحمد بن خِرَاش وقع منسوباً إلى جدّه، كما ذكرنا. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صوّبه النوويّ تَخْثُ هو الصواب، فقد
صرّح به الترمذيّ في ((الجامع))، ونصّه: ((حدّثنا أحمد بن الحسن بن خِرَاش
البغداديّ ... إلخ))(٢)، وكذا نصّ الحافظ المزّيّ كَّلُهُ في (تحفته))(٣)، والله
تعالى أعلم.
٤ - (مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأَزْدِيّ الْفَرَاهيديّ - بالفاء - أبو عمرو البصريّ،
ثقةٌ، مأمونٌ، مُكثِرٌ، عَمِي بِأَخَرَةٍ، من صغار [٩] (ت ٢٢٢) وهو أكبر شيخ
لأبي داود (ع) تقدم في «البيوع)) ٣٩٦٧/٢٤.
٥ - (وُهَيْبُ) - بالتصغير - ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، لكنه تغير قليلاً بأَخَرَة [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
٦ - (ابْنُ طَاؤُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد،
ثقةٌ، فاضلٌ، عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٧ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الْحِمْيَريّ مولاهم
الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ [٣] (ت
١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/١٤ - ١٧٤.
(٣) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٤/٥.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ٣٩٧/٤.

٧١١
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيِّ ◌ََّ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٩٠)
٨ - (ابْنُ عَبَّاسِ) عبد الله الحبر البحر ؤها تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَّثُ، وله
فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم؛ لاتفاق كيفيّة أخذه عنهم، وهو السماع من
لفظهم مع غيره، ثم فرّق بينهم؛ لاختلاف كيفيّة أخذهم عن شيخهم مسلم بن
إبراهيم، فالدارميّ أخذه سماعاً بقراءة غيره عليه، فلذا قال: ((أخبرنا))،
والآخران أخذاه سماعاً من لفظه، ولذا قالا: ((حدّثنا))، وإلى هذه القاعدة أشار
السيوطيّ في ((ألفيّة الأثر))، حيث قال:
وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي))
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ ((حَدَّثَنِي))
وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئاً ((أَخْبَرَنَا))
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةٌ ((حَدَّثَنَا))
وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عبّاس ظها حبر الأمة، وبحرها،
وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين
بالفتوى، وآخر من مات من الصحابة ظهر بالطائف.
شرح الحديث:
ـا (عَنِ النَّبِيِّ وَِ) أنه (قَالَ: ((الْعَبْنُ حَقٌّ) قال في
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
((الفتح)) عند قوله: ((بابُ رقية العين)): أي: رقية الذي يصاب بالعين، تقول:
عِنتُ الرجلَ: أصبته بِعَيْنك، فهو مَعِين، ومعيون، ورجل عائن، ومعيان،
وعَيُون، والعين: نَظَرٌ باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع، يحصل
للمنظور منه ضرر.
وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة ﴿به، رفعه: ((العينُ
حقٌّ، ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم)).
وقد أشكل ذلك على بعض الناس، فقال: كيف تعمل العين من بُعْد،
حتى يحصل الضرر للمعيون؟
والجواب: أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سُمّ يَصِل من
عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نُقل عن بعض من كان مِعياناً أنه
قال: إذا رأيت شيئاً يُعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني.
ويقرب ذلك بالمرأة الحائض، تضع يدها في إناء اللبن، فيفسد، ولو

٧١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
وضَعَتْها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان، فتضرّ بكثير من الغروس
من غير أن تمسها يدها .
ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فَيَرْمد، ويتثاءب واحد
بحضرته، فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال. انتهى(١).
(وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ) يَحْتَمِل أن يكون ((سابق)) فعلاً ماضياً،
و((القدر)) مفعوله، ويَحْتَمِل أن يكون اسم فاعل، مضافاً إلى ((القدر))، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) جواب ((لو))، قال القرطبيّ ◌َّثهُ: هذا إغياء في
تحقيق إصابة العين، ومبالغة فيه، يجري مجرى المَثَل؛ لا أنه يمكن أن يُرُدّ
القدر شيءٌ، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى، ونفوذ مشيئته، ولا راد
لأمره، ولا مُعقّب لحكمه، وإنما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلُبنّك، ولو تحت
الثرى، أو: ولو صَعِدت إلى السماء، ونحوه، مما يجري هذا المجرى، وهو
(٢)
کثیر. انتھی(٢).
(وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ) بالبناء للمفعول؛ أي: طلب منكم غسل الأعضاء لأجل
علاج من أصابته العين، (فَاغْسِلُوا))) أعضاءكم، قال القرطبيّ كَّهُ: هذا خطاب
لمن يُتَّهم بأنه عائن، فيجب عليه ذلك، ويُقضى عليه به إذا طُلب منه ذلك،
لا سيّما إذا خيف على المعين الهلاك. انتهى(٣).
وقد نقل البيهقيّ وغيره كيفيّة الغسل عن الزهريّ، فقال البيهقيّ بعد
إخراجه الحديث: قال ابن شهاب: الغسل الذي أدركنا علمائنا يصفونه، أن
يُؤتَى الرجل الذي يَعِين صاحبه بالقدح، فيه الماء، فيُمسك له مرفوعاً من
الأرض، فيُدخل الذي يعين صاحبه يده اليمنى في الماء، فيصبّ على وجهه
صبّةً واحدةً في القدح، ثم يدخل يده، فيمضمض، ثم يمجه، ثم يدخل يده
اليسرى، فيغترف من الماء، فيصبه في الماء، فيغسل يده اليمنى إلى المرفق
بيده اليسرى صبّةً واحدةً في القدح، ثم يُدخل يديه جميعاً في الماء صبّةً واحدةً
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٢٠٠.
(٣) ((المفهم)) ٥٦٦/٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٦٦/٥.

٧١٣
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَِّيَّ ◌َهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٍّ، وَإِذَا اسْتُمْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٩٠)
في القدح، ثم يُدخل يده، فيُمضمض، ثم يَمُجّه في القدح، ثم يُدخل يده
اليسرى، فيغترف من الماء، فيصبه على ظهر كفه اليمنى صبّةً واحدةً في القدح،
ثم يُدخل يده اليسرى، فيصبّ على مِرْفَق يده اليمنى صبّةً واحدةً في القدح،
وهو ثاني يده إلى عنقه، ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى، ثم يفعل
ذلك في ظهر قدمه اليمنى، من عند الأصابع، واليسرى كذلك، ثم يُدخل يده
اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى، ثم يفعل باليسرى مثل ذلك، ثم يَغمِس
داخلة إزاره اليمنى في الماء، ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح، فيصبه على
رأس المعيون من ورائه، ثم يَكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه.
قال: ورواه ابن أبي ذئب عن الزهريّ، فقال: يؤتى الرجلُ العائن بقدح،
فيُدخل كفه فيه، فيتمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح،
ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب
على كفه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه اليمنى، ثم يدخل
اليمنى، فيصب على مرفقه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه
اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده
اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته
اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة
إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب
بالعين من خلفه صبةً واحدةً.
قال أبو عبيد: إنما أراد بداخلة إزاره: طرف إزاره الداخل الذي يلي
جسده .
ورواه يحيى بن سعيد عن الزهريّ، زاد فيه: ثم يعطي ذلك الرجل الذي
أصابه القدح قبل أن يضعه في الأرض، فيحسو منه، ويتمضمض، ويُهريق على
وجهه، ثم يصب على رأسه، ثم يكفىء القدح على ظهره. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣٥٢/٩.

٧١٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٩٠/١] (٢١٨٨)، و(الترمذيّ) في ((جامعه))
(٢٠٦٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٥٩/٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٩٠٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦١٠٧ و٦١٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥١/٩)، و(البغويّ)
في («شرح السُّنَّة)) (٣٢٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن العين حقّ، يُتأذَّى بها، ومشروعية الرقية لمن أصابته
العين، وقد أخرج الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ من طريق عُبيد بن رفاعة، عن
أسماء بنت عميس؛ أنها قالت: يا رسول الله إنّ وَلَد جعفر تُسرع إليهم العين،
أفأسترقي لهم؟ قال: ((نعم))، الحديث، وله شاهد من حديث جابر ضائه،
أخرجه مسلم، قال: رَخّص رسول الله وَ ﴿ لآل حزم في الرقية، وقال لأسماء:
((ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، أتصيبهم الحاجة؟)) قالت: لا، ولكن
العين تُسرع إليهم، قال: (ارقيهم))، فعرضت عليه، فقال: ((ارقيهم)). وقوله:
((ضارعة)) بمعجمة أوله؛ أي: نحيفة.
وورد في مداواة المعيون أيضاً: ما أخرجه أبو داود من رواية الأسود،
عن عائشة رضيّا قالت: ((كان النبيّ ◌َـّ يأمر العائن أن يتوضأ، ثم يغتسل منه
المعين))(١).
٢ - (ومنها): بيان أن الرُّقَى تنفع من العين، إذا قدّر الله تعالى ذلك،
فالشفاء بيده رَّك لا شريك له، وسبيلُ الرُّقَى سبيل سائر العلاج والطبّ، قاله
ابن عبد البرّ نَخْتُهُ(٢).
٣ - (ومنها): أن في قوله: ((لو سبق شيء القدر لسبقته العين)) دليلاً على
أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى، وما عَلِمه فلا بُدّ من كونه على ما
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٢٠١.
(٢) ((الاستذكار)) ٤٠٣/٨.

٧١٥
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٍّ، وَإِذَا اسْتُمْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٩٠)
علمه، لا يتجاوز وقته، ولكن النفس تسكن إلى العلاج، والطبّ، والرُّقَى،
وكلّ سبب من أسباب قدر الله تعالى، وعلمه، قاله ابن عبد البرّ ◌َظَثُمُ(١).
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَخْذَلُ: فيه إثبات القَدَر، وهو حقّ
بالنصوص، وإجماع أهل السُّنَّة، وسبقت المسألة في أول ((كتاب الإيمان))،
ومعناه: أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدَّرها الله
تعالى، وسَبَق بها عِلْمه، فلا يقع ضرر العين، ولا غيره، من الخير، والشرّ إلا
بقدر الله تعالى، وفيه صحة أمر العين، وأنها قويّة الضرر، والله أعلم.
انتھی(٢).
٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ كَّلُ: في الحديث أن للعين تأثيراً في
النفوس، وإبطال قول الطبائعيين: إنه لا شيء إلا ما تُدركه الحواس الخمس،
وما عدا ذلك لا حقيقة له.
٦ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي الحديث - حديث قصّة سهل بن
حُنيف الآتي ـ من الفوائد أيضاً: أن العائن إذا عُرف يُقضَى عليه بالاغتسال،
وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب، ولو بغير
حسد، ولو من الرجل المحبّ، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يُعجبه الشيء
ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يُعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء
المستعمل طاهر، وفيه جواز الاغتسال بالفضاء، (٣) وأن الإصابة بالعين قد تقتل.
وقد اختلف في جريان القصاص بذلك، فقال القرطبيّ: لو أتلف العائن
شيئاً ضَمِنه، ولو قتل فعليه القصاص، أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير
عادةً، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفراً. انتهى.
ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك، بل منعوه، وقالوا: إنه لا يَقتُل
غالباً، ولا يُعَدّ مهلكاً.
وقال النوويّ في ((الروضة)): ولا دية فيه، ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما
(١) ((الاستذكار)) ٨/ ٤٠٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٧٤.
(٣) أي: لأن سهل بن حُنيف اغتسل في الفضاء، فأصيب بالعين، وأقرّه النبيّ وَّ على
ذلك.

٧١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
يترتب على منضبط عامّ دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال، مما
لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلاً، وإنما غايته حسد، وتمنّ لزوال
نعمة، وأيضاً فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص،
ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك، من
أثر العين. انتهى.
قال الحافظ: ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في
معناه، والفرق بينهما فيه عسر.
ونَقَل ابن بطال عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عُرف
بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيراً رَزَقه ما يقوم به، فإنّ
ضرره أشدّ من ضرر المجذوم الذي أمر عمر ته بمنعه من مخالطة الناس،
وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة.
قال النوويّ: وهذا القول صحيحٌ، متعينٌ، لا يُعرف عن غيره تصريح
بخلافه. انتھی(١).
٧ - (ومنها): ما قاله المازريّ كَّلُ: زعم بعض الطبائعيين أن العائن
ينبعث من عينه قوة سُمّيّة تتصل بالمَعِين، فيهلك، أو يفسد، وهو كإصابة السمّ
من نظر الأفاعي، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي
يتمشى على طريقة أهل السُّنَّة أن العين إنما تضرّ عند نظر العائن بعادة
أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر، وهل ثَمَّ جواهر
خفية، أو لا؟ هو أمر مُحْتَمِل، لا يُقطع بإثباته، ولا نفيه، ومن قال ممن ينتمي
إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من
العائن، فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها،
كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكن جائز أن
يكون عادةً ليست ضرورة، ولا طبيعة. انتهى.
قال الحافظ: وهو كلام سديدٌ، وقد بالغ ابن العربيّ في إنكاره، قال:
ذهبت الفلاسفة إلى أن الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوّتها فيه، فأول
(١) ((الفتح)) ٢١٤/١٠ - ٢١٦.

٧١٧
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَِّيَّنَّهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٩٠)
ما تؤثر في نفسها، ثم تؤثر في غيرها، وقيل: إنما هو سمّ في عين العائن
يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سمّ الأفعى من يتصل به، ثم
ردّ الأول بأنه لو كان كذلك لَمَا تخلفت الإصابة في كل حال، والواقع خلافه،
والثاني بأن سمّ الأفعى جزء منها، وكلها قاتل، والعائن ليس يقتل منه شيء في
قولهم إلا نَظَرَه، وهو معنى خارج عن ذلك، قال: والحق أن الله يخلق عند
نظر العائن إليه، وإعجابه به إذا شاء ما شاء، من ألم، أو هلكة، وقد يصرفه
قبل وقوعه، إما بالاستعاذة، أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقية،
أو بالاغتسال، أو بغير ذلك. انتهى كلامه.
قال الحافظ: وفيه بعض ما يُتَعقَّب، فإن الذي مَثَّل بالأفعى لم يُرد أنها
تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن جنساً من الأفاعي
اشتَهَر أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وقد أشار الهول
إلى ذلك في حديث أبي لبابة حظبه مرفوعاً عند ذكر الأبتر، وذي الطُّفْيتين قال:
((فإنهما يطمسان البصر، ويُسقطان الْحَبَل))، وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى
الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة، من حصول الضرر
للمعيون.
وقد أخرج البزار بسند حسن عن جابر ظه رفعه: ((أكثر من يموت بعد
قضاء الله وقَدَره بالنَّفس))، قال الراوي: يعني: بالعين، وقد أجرى الله تعالى
العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام، والأرواح، كما يحدث
لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فيُرَى في وجهه حُمْرةٌ شديدةٌ لم تكن
قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يَسقَم بمجرد
النظر إليه، وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من
التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نُسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة،
وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها، وقواها، وكيفياتها،
وخواصّها. فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به؛ لشدة
خبث تلك الروح، وكيفيتها الخبيثة.
والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخَلْقه ليس مقصوراً على الاتصال
الجسمانيّ، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
بتوجه الروح؛ كالذي يَحْدُث من الأدعية، والرُّقَى، والالتجاء إلى الله تعالى،
وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنويّ إن
صادف البدن لا وقاية له أثّر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رُدّ على
صاحبه؛ كالسهم الحسيّ سواء. انتهى(١).
(المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ تَّتُهُ البحث في هذا الحديث،
فقال :
وأخرج مسلم من حديث ابن عباس ظًّا رفعه: ((العين حقّ، ولو كان
شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استُغسلتم فاغسلوا)).
قال: فأما الزيادة الأولى - يعني: قوله: ((ولو كان شيء سابق القدر
لسبقته العين)) - ففيها تأكيد، وتنبيه على سرعة نفوذها، وتأثيره في الذات،
وفيها إشارة إلى الردّ على من زعم من المتصوفة أن قوله: (العين حقّ)) يريد به
القَدَر؛ أي: العين التي تجري منها الأحكام، فإن عين الشيء حقيقته،
والمعنى: أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر، إنما هو بقدر الله
السابق، لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور.
ووجه الرد أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا
نعتقد أن العين من جملة المقدور، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب، إما
بما جعل الله تعالى فيها من ذلك، وأودعه فيها، وإما باجراء العادة بحدوث
الضرر عند تحديد النظر، وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين،
لا أنه يمكن أن يَرُدّ القدرَ شيء؛ إذ القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى، وهو
لا رادّ لأمره، أشار إلى ذلك القرطبيّ.
وحاصله لو فُرِض أن شيئاً له قوة بحيث يسبق القدر، لكان العين، لكنها
لا تسبق، فكيف غيرها .
وقد أخرج البزار من حديث جابر ظه بسند حسن عن النبيّ وَّ قال:
((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس))، قال الراوي: يعني:
بالعین.
(١) ((الفتح)) ٢٠٠/١٠.

٧١٩
(١) - بَابُ رُقْيَةِ جِبْرِيلَ النَّبِيِّنَّهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَإِذَا اسْتُفْسِلَ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٩٠)
وقال النوويّ: في الحديث إثبات القدر، وصحة أمر العين، وأنها قوية
الضرر.
قال: وأما الزيادة الثانية، وهي أَمْر العائن بالاغتسال عند طلب المعيون
منه ذلك، ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوماً بينهم، فأمَرَهم أن
لا يمتنعوا منه إذا أُريدَ منهم، وأدنى ما في ذلك رَفْع الوهم الحاصل في ذلك،
وظاهر الأمر الوجوب، وحَكَى المازريّ فيه خلافاً، وصحح الوجوب، وقال:
متى خُشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه
يتعين، وقد تقرر أنه يُجبر على بذل الطعام للمضطرّ، وهذا أولى.
قال: ولم يبيّن في حديث ابن عباس صفة الاغتسال، وقد وقعت في
حديث سهل بن حُنيف، عند أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، من
طريق الزهريّ عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف؛ أن أباه حدّثه أن النبيّ وَّ
خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشِّعب الخَرار من الجحفة،
اغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض، حسن الجسم، والجلد، فنظر إليه
عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة، فلُبِط - أي: صُرِع
وزناً ومعنى - سهلٌ، فأَتِي رسول الله وَّه، فقال: ((هل تتهمون به من أحد؟))
قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامراً، فتغيّظ عليه، فقال: ((علام يقتل أحدكم
أخاه؟ هلّا إذا رأيت ما يُعجبك بَرَّكت - ثم قال -: اغتسل له))، فغسل
وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قَدَح،
ثم يَصُبّ ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح،
ففُعل به ذلك، فراح سهل مع الناس، ليس به بأس، لفظ أحمد من رواية
أبي أويس، عن الزهريّ، ولفظ النسائيّ من رواية ابن أبي ذئب، عن
الزهريّ بهذا السند: أنه يصب صبةً على وجهه بيده اليمنى، وكذلك سائر
أعضائه صبةً صبةً في القدح، وقال في آخره: ثم يكفأ القدح وراءه على
الأرض.
ووقع في رواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي
أمامة؛ أن عامر بن ربيعة مرّ بسهل بن حُنيف، وهو يغتسل، فذكر الحديث،
وفيه: ((فَلْيَدْعِ بالبركة، ثم دعا بماء، فأمر عامراً أن يتوضأ، فيغسل وجهه،

٧٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطب، والمرضى، والرقى
ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه - قال
سفيان: قال معمر، عن الزهريّ - وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه.
قال المازريّ: المراد بداخلة الإزار: الطرف المتدلي الذي يلي حقوه
الأيمن، قال: فظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى.
وزاد عياض: أن المراد: ما يلي جسده من الإزار، وقيل: أراد موضع
الإزار من الجسد، وقيل: أراد وركه؛ لأنه معقد الإزار، والحديث في
((الموطأ)) وفيه عن مالك: حدّثني محمد بن أبي أمامة بن سهل؛ أنه سمع أباه
يقول: اغتسل سهل، فذكر نحوه، وفيه: فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة
ينظر، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد عذراء، فوُعك سهل مكانه، واشتَدّ
وعكة، وفيه: ((ألا بَرّكت؟ إن العين حقّ، توضأ له)) فتوضأ له عامر، فراح
سهل، ليس به بأس.
[تنبيهات]: الأول: قال المازريّ: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله،
ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يُردّ لكونه لا يُعقل معناه.
وقال ابن العربيّ: إن توقّف فيه متشرع، قلنا له: قل: الله ورسوله أعلم،
وقد عضدته التجربة، وصدّقته المعاينة، أو متفلسف فالردّ عليه أظهر؛ لأن عنده
أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يُدْرَك، ويسمُّون ما هذا سبيله:
الخواصّ.
وقال ابن القيّم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سَخِر
منها، ولا من شك فيها، أو فعلها مجرّباً غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة
خواصّ لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما
تفعل بالخاصية، فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية هذا؟ مع أن في
المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سمّ الحية
يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان،
فيسكن، فكأن أثر تلك العين كشُعلة نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال
إطفاء لتلك الشعلة، ثم لمّا كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة
من الجسد؛ لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرقّ من المغابن، فكان في غسلها
إيطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصاً،