Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
شيء، غير ناضح، وغير فرسه)): أما عطف المملوك على المال، فعلى أن
المراد بالمال الإبل، أو الأراضي التي تُزْرَع، وهو استعمال معروف للعرب،
يُطلقون المال على كلٍّ من ذلك، والمراد بالمملوك على هذا: الرقيقُ من
العبيد، والإماء، وقولها: بعد ذلك: ((ولا شيء)) من عطف العامّ على الخاصّ،
يشمل كلّ ما يُتَمَلَّك، أو يُتَمَوَّل، لكن الظاهر أنها لم تُرِد إدخال ما لا بدّ له
منه، من مسكن، وملبس، ومطعم، ورأس مال تجارة، ودلّ سياقها على أن
الأرض التي يأتي ذكرها لم تكن مملوكةً للزبير، وإنما كانت إقطاعاً، فهو يملك
منفعتها، لا رقبتها، ولذلك لم تستثنها، كما استثنت الفرس، والناضح، وفي
استثنائها الناضح والفرس نظر استشكله الداوديّ؛ لأن تزويجها كان بمكة قبل
الهجرة، وهاجرت، وهي حامل بعبد الله بن الزبير، والناضح، وهو الجمل
الذي يُسقى عليه الماءُ إنما حصل له بسبب الأرض التي أُقْطِعها، قال
الداوديّ: ولم یکن له بمكة فرس، ولا ناضح.
والجواب مَنْعُ هذا النفي، وأنه لا مانع أن يكون الفرس والجمل كانا له
بمكة قبل أن يهاجر، فقد ثبت أنه كان في يوم بدر على فرس، ولم يكن قبل
بدر غزوة حصلت لهم منها غنيمة، والجمل يَحْتَمِل أن يكون كان له بمكة،
ولَمّا قَدِم به المدينة، وأُقطِع الأرضَ المذكورةَ أعدّه لسقيها، وكان ينتفع به قبل
ذلك في غير السقي، فلا إشكال. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو تحقيقٌ نفيس
جدّاً، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) أسماء (فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ)؛ أي: أطعمه، يقال: عَلَفتُ الدابّة
عَلْفاً، من باب ضَرَبَ: أطعمتُهُ الْعَلَفَ، واسم المعلوف عَلَفٌ بفتحتين، والجمع
عِلافٌ، مثلُ جَبَلٍ وجِبال، وأعلفته بالألف لغةٌ، والْمِعْلف بكسر الميم موضع
العلف، والْعَلُوبةٌ مثالٌ حَلَوبة، ورَكُوبة: ما يُلف من الغنم وغيرها، يُطلق بلفظ
واحد على الواحد والجمع(٢). (وَأَكْفِيهِ مَثُونَتَهُ)؛ أي: قُوته، يقال: مان القومَ:
(١) ((الفتح)) ٦٧٢/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٤).
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٥/٢، و((المعجم الوسيط)) ٦٢١/٢.

٦٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
احْتَمَل مؤونتهم؛ أي: قُؤْتَهم (١)، فالجملة مؤكّدة لِمَا قبلها، وكذا قولها:
(وَأَسُوسُهُ)؛ أي: أقوم بأموره، يقال: ساس زيدٌ الأمر يسوسه سِيَاسةً: إذا
دبّره، وقام بأمره(٢)، ويقال: سُسْتُ الرعيّة سِياسةً: إذا أمرتها ونهيتها(٣).
وفي رواية ابن أبي مليكة الآتية، عن أسماء: ((كنت أخدُم الزبير خدمةَ
البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من خدمته شيء أشدّ عليّ من
سياسة الفرس، كنت أحُشّ له، وأقوم عليه)).
(وَأَدُقُّ) بضمّ الدال؛ أي: أكسره، يقال: دَقّ الشيءَ من باب نصر:
كسره، أو ضربه، فهَشَمه، فاندقّ (٤). (النَّوَى) منصوب على المفعوليّة، وهو
بفتح النون، والقصر: الْعَجَمُ(٥)، الواحدة نواة، والجمع نويات، وأنواء،
ونُوِيّ، وزانُ فلوس(٦). (لِنَاضِحِهِ)؛ أي: لبعيره الذي يَستقي عليه الماء، قال
الفيّوميّ كَّلُهُ: نَضَحْتُ الثوبَ نَصْحاً، من باب ضَرَب، ونَفَعَ، وهو الْبَلُّ
بالماء، والرشّ، ونَضَحَ البعيرُ الماءَ: حَمَله من نَهْر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو
نَاضِحٌ، والأنثى نَاضِحَةٌ بالهاء، سُمِّ نَاضِحاً لأنّه يَنْضَحُ العطشَ؛ أي: يَبْلُّه
بالماء الذي يَحمله، هذا أصله، ثم استُعْمِل النَّاضِحُ في كلّ بعير، وإن لم
يَحْمِلِ الماءَ، والجمع نَوَاضِحُ. انتهى(٧) .
(وَأَعْلِفُهُ)؛ أي: الناضحَ، (وَأَسْتَقِي الْمَاءَ) وكذا هو عند البخاريّ بالتاء
للأكثر، وللسرخسيّ: ((وأسقي)) بغير مثناة، وهو على حذف المفعول؛ أي:
وأسقي الفرسَ، أو الناضحَ الماءَ، والأول أشمل معنى، وأكثر فائدة، قاله في
((الفتح)) (٨).
(وَأَخْرِزُ) بخاء معجمة، ثم راء مكسورة، أو مضمومة، من بابي ضرب،
ونصر؛ أي: أخيط (غَرْبَهُ) ((الغَرْبُ)): بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء،
(١) ((القاموس المحيط)) ص١٢٠٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٥/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٥٣.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٩.
(٥) ((الْعَجَم)) بفتحتين: النوى من التمر، والعِنَب، والنّبْقِ، قاله في ((المصباح)) ٣٩٥/٢.
(٦) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٣٢.
(٧) ((المصباح المنير)) ٦٠٩/٢ - ٦١٠.
(٨) (الفتح)) ٦٧٢/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٤).

٦٦٣
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
بعدها موحّدة، وزانُ فَلْس: الدلو العظيمة، يُستقى بها على السانية(١).
(وَأَعْجِنُ) بكسر الجيم، يقال: عَجَنه يعجنه، ويَعْجُنه، من بابي ضرب، وقتل،
فهو معجونٌ، وعَجِين: اعتَمَد عليه بجُمع كفّه يَغْمِزُهُ، كاعتجنه، قاله المجد(٢).
وفي ((المعجم الوسيط)): عَجَنَ الدقيق عَجْناً: خلطه بالماء، ولاكه بيد،
أو آلة. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأعجِن))؛ أي: الدقيق، وهو يؤيد ما حملنا
عليه المال؛ إذ لو كان المراد نفي أنواع المال لانتفى الدقيق الذي يُعْجَن، لكن
ليس ذلك مرادها، وقد تقدم في حديث الهجرة أن الزبير لاقى النبيّ وَلقر وأبا
بكر راجعاً من الشام بتجارة، وأنه كساهما ثياباً. انتهى (٤).
(وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ) بضمّ أوله، من الإحسان، (أخْبِزُ) بكسر الباء، يقال:
خبز الخبز: إذا صنعه، وكذا إذا أطعمه الخبزَ(٥).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولم أكن أحسن أخبز ... إلخ)): وهذا محمول
على أن في كلامها شيئاً محذوفاً، تقديره: تزوجني الزبير بمكة، وهو بالصفة
المذكورة، واستمرّ على ذلك، حتى قَدِمنا المدينة، وكنت أصنع كذا ... إلخ؛
لأن النسوة من الأنصار إنما جاورنها بعد قدومها المدينة قطعاً، وكذلك ما
سيأتي من حكاية نقلها النوى، من أرض الزبير. انتهى(٦).
(وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ) جمع جارة، وهي المجاورة في المسكن، (مِنَ
الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ)؛ أي: صادقات في مراعاة حقّ الجوار، ومخلصات
فيه، وأضافتهنّ إلى الصدق مبالغةً في تلبسهنّ به في حسن العِشْرة، والوفاء
بالعهد .
(قَالَتْ) أسماء ◌ِّ (وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى)؛ أي: نوى التمر، (مِنْ أَرْضِ
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٤٤.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٨٤٥.
(٣) ((المعجم الوسيط)) ٥٨٦/٢.
(٤) ((الفتح)) ٦٧٣/١١، كتاب (النكاح)) رقم (٥٢٢٤).
(٥) ((القاموس المحيط)» ص٣٤٥.
(٦) ((الفتح)) ٦٧٣/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٤).

٦٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الزُّبَيْرِ) أشار القاضي عياض إلى أن معناه أنها تلتقطه من النوى الساقط فيها،
مما أكله الناس، وألقوه. (الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِي) قال أهل اللغة: يقال:
أقطعه: إذا أعطاه قَطِيعة، وهي قِطْعة أرض، سُمِّيت قَطِيعةً؛ لأنها اقتطعها من
جملة الأرض، قاله النوويّ كَذَتُهُ(١).
وقال الفيّوميّ: أقطع الإمام الجندَ البلدَ إقطاعاً: جعل لهم غَلّتها رزقاً،
واستقطعته: سألته الإقطاعَ، واسم ذلك الشيء الذي يُقطَعُ: قَطِيعةٌ(٢). (عَلَى
رَأْسِي) متعلّق بـ((أنقُل))، (وَهِيَ)؛ أي: تلك الأرض التي أقطعه وَّ إياها، (عَلَى
ثُلُثَيْ فَرْسَخ)؛ أي: من مسكنها بالمدينة، قال النوويّ تَخْتُهُ: وأما الفرسخ فهو
ثلاثة أميالًّ، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعاً معترضةً
معتدلةً، والإصبع ست شَعِيرات معترضات، معتدلات. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الْفَرْسخة: السعة، ومنها اشتُقّ الْفَرْسخُ، وهو ثلاثة
أميال بالهاشميّ، وقَدَّره في ((البارع))، وكذا في ((التهذيب)) بخمس وعشرين
غَلْوةً، وسيأتي أن اليونان قالوا: الفَرْسَخُ: ثلاثة أميال، وقَدّروا الأميال
الهاشمية بالتقدير الثاني، إلا أنه مخالف لِمَا في ((التهذيب))، و((البارع))،
والجمع: فَرَاسِخُ. انتهى (٤).
وقال في ((التاج)): الفَرْسَخ: الرَّاحَة، ومنه أُخِذَ فَرْسَخُ الطَّرِيقِ، كما قيل،
وهو ثَلَاثَةُ أَمْيَالِ هاشِمِيّة، أَو ستّة، أَو اثنا عَشَرَ أَلِفَ ذرَاعٍ، أَو عَشَرَةُ آلافٍ
ذِراع، سُمِّيَ بذلك؛ لأَنّ صاحِبَه إِذا مَشَى قعَدَ، واسْتَرَاح من ذلك، كأَنّه سكَنَ.
(٥)
انتھی(٥).
قال الجامع عفا الله عنه: كتب بعض المعاصرين بأن مقدار الفرسخ
بالتقدير المعاصر (٥٥٤٤) متراً، (٥,٥٤٤) كيلو متراً (٦)، والله تعالى أعلم.
(١) (شرح النوويّ)) ١٦٥/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/١٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٠٩/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٦٨/٢.
(٥) ((تاج العروس)) ١/ ١٨٣٧.
(٦) راجع: ((الإيضاحات العصريّة للمقاييس، والمكاييل، والأوزان، والنقود الشرعيّة))
لصاحبها محمد صبحي بن حسن حلاق ص٦٤.

٦٦٥
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
[تنبيه]: كانت تلك الأرض التي أقطع النبيّ وَلقول الزبير من أموال بني
النضير، ففي ((صحيح البخاريّ)): ((وقال أبو ضمرة عن هشام، عن أبيه: أن
النبيّ ◌َّ أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير))، قال في ((الفتح)): أفادت
رواية أبي ضمرة هذه تعيين الأرض المذكورة، وأنها كانت مما أفاء الله على
رسوله *، من أموال بني النضير، فأقطع الزبير منها، وبذلك يرتفع استشكال
الخطابيّ، حيث قال: لا أدري كيف أقطع النبيّ ◌َير أرض المدينة، وأهلها قد
أسلموا راغبين في الدين، إلا أن يكون المراد ما وقع من الأنصار، أنهم
جعلوا للنبيّ ◌َ﴿ ما لا يبلغه المأمن من أرضهم، فأقطع النبيّ وَّر من شاء منه.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قيل: إن هذه الأرض المقطّعة من موات البقيع،
أقطعه من ذلك حُضْرَ فرسه، فأجراه، ثم رمى بسوطه رغبةً في الزيادة، فأعطاه
ذلك كله، وفي البخاريّ عن عروة أنه وير أقطع الزبير أرضاً من أموال بني
النضير، وليست هذه الأرض التي كانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها؛
لقولها: وهي على ثلثي فرسخ، فالأشبه أنها الأرض التي بالبقيع، كما تقدَّم في
القول الأول. انتهى(٢).
(قَالَتْ) أسماء (فَجِئْتُ يَوْماً، وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي) جملة في محلّ نصب
على الحال من الفاعل، (فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) جملة
حاليّة أيضاً، (فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: ((إِخْ إِخْ))) بكسر الهمزة، وسكون الخاء
المعجمة: كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه. (لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ)؛ أي:
ليجعلني راكبة وارءه رَّير، قال في ((الفتح)): كأنها فَهِمت ذلك من قرينة الحال،
وإلا فَيَحْتَمِل أن يكون بَ ﴿ أراد أن يُركبها، وما معها، ويَرْكَب هو شيئاً آخر غير
ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بعد هذا الاحتمال، فتأمل سياق
الحديث بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤٣٤/٧، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٥١).
(٢) ((المفهم)) ٥١٨/٥ - ٥١٩.

٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
(قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ) وفي رواية البخاريّ: ((فاستحييتُ أن أسير مع
الرجال))، قال في ((الفتح)): هذا بَنَتْهُ على ما فَهِمته من الارتداف، وإلا فعلى
الاحتمال الآخر ما تتعيّن المرافقة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت ما في الاحتمال الآخر من بُعد، فلا
تغفل، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَّثُ: ظاهر هذا المساق يدلّ على أنه وَّ عرض عليها
الركوب، فلم تركب؛ لأنَّها استحيت، كما قالت، وعلى هذا فلا يحتاج إلى
اعتذار عن النبيّ وَ لي﴿ في ركوبها معه؛ فإنَّه يحتمل أنها لو اختارت الركوب
تركها راكبة وحدها، ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب
اثنين على بعير، فتأمله. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَكْثُ محلّ نظر، بل
السياق ظاهر في جواز ركوب الاثنين، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ) تقول هذا لزوجها الزبير ظ﴿ه، وفي رواية البخاريّ:
((وذكرتُ الزبيرَ، وغَيْرِتَهُ، وكان أغير الناس))، قال في ((الفتح)): هو بالنسبة إلى
مَن عَلِمته؛ أي: أرادت تفضيله على أبناء جنسه في ذلك، أو ((مِنْ)) مرادة،
قال: ثم رأيتها ثابتة في رواية الإسماعيليّ، ولفظه: (وكان من أغير الناس)).
انتھی(٢) .
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: وقولها: ((وعرفت غيرتك)) تعني ما جُبِل عليه من
الغيرة، وإلا فالنبيّ وَّوَ لا يُغار لأجله، كما قال عمر تَظ ◌ُه للنبيّ وَّهو: ((وعليك
أغار يا رسول الله؟!)) حين أخبره أنه وَ له رأى قصراً من قصور الجنَّة، فيه امرأة
من نساء الجنة، فقال: ((لمن أنتِ؟))، فقالت: لعمر بن الخطاب، قال ◌َله:
((فذكرت غيرتك))، فتوقّع النبيُّ وَّهَ تحريك الغيرة بحكم الجبلَّة، وإن لم يَغَرْ(٣)
(٤)
لأجله. انتهى (٤).
(١) ((المفهم)) ٥١٩/٥.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٣/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٤).
(٣) من باب تَعِبَ.
(٤) ((المفهم)) ٥١٩/٥.

٦٦٧
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
لَمّا أخبرته بذلك: (وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ
(فَقَالَ) الزبير
أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((والله لحملك النوى على رأسك،
كان أشد عليّ من ركوبك معه))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية
السرخسيّ: ((كان أشدّ عليك))، وسقطت هذه اللفظة من رواية مسلم.
قال: ووجه المفاضلة التي أشار إليها الزبير به أن ركوبها مع النبيّ
لا ينشأ منه كبير أمر من الغيرة؛ لأنها أخت امرأته، فهي في تلك الحالة لا
يحلّ له تزويجها أن لو كانت خَلِيّةً من الزوج، وجواز أن يقع لها ما وقع
لزينب بنت جحش بعيدٌ جدّاً؛ لأنه يزيد عليه لزوم فراقه لأختها، فما بقي إلا
احتمال أن يقع لها من بعض الرجال مزاحمةٌ بغير قصد، وأن ينكشف منها
حالة السير ما لا تريد انكشافه، ونحو ذلك، وهذا كله أخفّ مما تحقّق من
تبذّلها بحمل النوى على رأسها من مكان بعيد؛ لأنه قد يُتَوَهَّم خسة النفس،
ودناءة الهمة، وقلّة الغيرة، ولكن كان السبب الحامل على الصبر على ذلك
شُغْل زوجها، وأبيها بالجهاد، وغيره مما يأمرهم به النبيّ ◌َِّ، ويقيمهم فيه،
وكانوا لا يتفرغون للقيام بأمور البيت، بأن يتعاطوا ذلك بأنفسهم، ولضيق ما
بأيديهم على استخدام من يقوم بذلك عنهم، فانحصر الأمر في نسائهم، فكنّ
يكفينهم مؤنة المنزل، ومن فيه؛ ليتوفروا هم على ما هم فيه، من نصر
الإسلام، مع ما ينضم إلى ذلك من العادة المانعة من تسمية ذلك عاراً محضاً.
(١)
انتهى .
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قول الزبير ظله: ((والله لحملك النوى ... إلخ)) يدلّ
على أن الزبير لم يكلِّفها شيئاً من ذلك، وإنما فعلت هي ذلك لحاجتها إلى
ذلك، وتخفيفاً عن زوجها؛ على عادة أهل الدين والفضل الذين لا التفات
عندهم لشيء من زينة الدنيا، ولا من أحوال أهلها، فإنَّهم كانوا لا يَعيبون على
أنفسهم إلا ما عابه الشرع، فكانوا أبعد الناس منه، وأَخْرَج هذا القولُ من
الزبير فَرْطَ الاستحياء المجبول عليه أهل الفضل، ويعني بذلك: أن الحياء الذي
لحقه من تبذّلها بحمل النوى على رأسها أشدُّ عليه من الغيرة التي كانت تلحقه
(١) ((الفتح)) ٦٧٣/١١ - ٦٧٤، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٤).

٦٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
عليها لو ركبت مع النبيّ وَّه، فإنَّه ◌َلِّ ليس ممن يُغَار على الحريم لأجله، والله
تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((على أن الزبير لم يكلّفها ... إلخ)) هذا
لا يدلّ عليه قوله، فمن أين له أنه لم يكلّفها؟ وقد كلّفها الشرع بذلك، حيث
قال: ﴿وَلَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وسيأتي تحقيق القول في
هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَتْ) أسماء ◌ِّا (حَتَى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) ◌َّهِ (بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ)؛
أي: جارية تخدمني، وإنما ذكّرت الخادم؛ لأنه يُطلَق على الذكر والأنثى، قَّال
الفيّوميّ تَخْتُهُ: خَدَمَهُ يَخْدِمُهُ ويَخْدُمُهُ - من بابي ضرب، وقَتَلَ - خِدْمَة، فهو خادم
غلاماً كان، أو جاريةً، والخَادِمَةُ بالهاء في المؤنث قليلٌ، والجمع: خَدَمٌ،
وخُدَّامٌ، وقولهم: فُلانَةٌ خَادِمَةٌ غَداً ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى ستصير كذلك،
كما يقال: حائضة غداً، وأَخْدَمْتُهَا بالألف: أعطيتها خادماً، وخَدَّمْتُهَا بالتثقيل
للمبالغة والتكثير، واسْتَخْدَمْتُهُ: سألته أن يَخْدمني، أو جعلته كذلك. انتهى(٢).
(فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ)؛ أي: القيام بعلفه، وما يحتاج إليه، (فَكَأَنَّمَا
أَعْتَقَتْنِي)؛ أي: حرّرتني من رقّ سياسة الفرس، ووقع في بعض النسخ بلفظ:
((أعتقني)) بالتذكير، نظراً للفظ الخادم، ويحتمل أن يكون الضمير لأبي
بكر ظُه، قال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((أعتقتني)) رُوي بتاء بعد القاف، ويكون
فيه ضمير يعود على الخادمة، وبغير تاء، وضميره يعود إلى أبي بكر
وصحَّ ذلك؛ لأنها لما استراحت من خدمة الفرس، والقيام عليه بسبب الجارية
التي بعث بها إليها أبو بكر رَظُه صحَّ أن يُنسب العتق لكل واحد منهما.
قال: وفيه دليلٌ على مكارم أخلاق القوم، فإنَّ أبا بكر ظُهُ عَلِم ما
كانت عليه ابنته من الضرر، والمشقة، ولم يطالب صِهْره بشيء من ذلك، وكان
مترقباً لإزالة ذلك، فلمّا تمكَّن منه أزاله مِن عنده. انتهى (٣).
(١) «المفهم)) ٥٢٠/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١ بزيادة من ((القاموس المحيط)) ص٣٥٤.
(٣) ((المفهم)) ٥٢١/٥.

٦٦٩
(١٤) - بَابُ جَوَازٍ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْتَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
ولفظ البخاريّ: ((حتى أرسل إليّ أبو بكر بخادم تكفيني سياسة الفرس،
فكأنما أعتقني))، وما ورد في رواية مسلم بلفظ: ((فكفتني)) أوجه؛ لأن ((تكفيني))
تقتضي أنه أرسلها لذلك خاصّة، بخلاف رواية مسلم.
ووقع في الرواية التالية: عن ابن أبي مليكة، عن أسماء ﴿ثنا: ((جاء
النبيَّ ◌َ﴿ سبيٌّ، فأعطاها خادماً، قالت: كفتني سياسة الفرس، فألقت عني
مَؤونته))، ويُجمع بين الروايتين بأن السبي لَمّا جاء إلى النبيّ ◌َ﴿ أعطى أبا
بكر ربه منه خادماً ليرسله إلى ابنته أسماء، فصَدَقَ أن النبيّ وَّرِ هو المعطي،
ولكن وصل ذلك إليها بواسطة أبيها، ووقع في هذه الرواية أنها باعتها بعد
ذلك، وتصدّقت بثمنها، وهو محمول على أنها استغنت عنها بغيرها، قاله في
((الفتح))(١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
﴿يا هذا متّفقٌ
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر الصدّيق
عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٨٠/١٤ و٥٦٨١] (٢١٨٢)، و(البخاريّ) في
((فرض الخمس)) (٣١٥١) و((النكاح)) (٥٢٢٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٪
٣٧٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٤٧/٦ و٣٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٥٠٠)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٨/ ٢٥٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٤ / ٢٥٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٣/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنّ على المرأة القيامَ بجميع ما يحتاج إليه زوجها من
الخدمة، واليه ذهب أبو ثور، وحَمَله الباقون على أنها تطوّعت بذلك، ولم
يكن لازماً. أشار إليه المهلّب وغيره.
قال الحافظ: والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت في حال
(١) ((الفتح)) ٦٧٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٢٤).

٦٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
ضرورة، كما تقدم، فلا يَطّرِد الحكم في غيرها ممن لم يكن في مثل حالهم،
وقد تقدم أن فاطمة سيدة نساء العالمين ينا شكت ما تلقى يداها من الرحى،
وسألت أباها خادماً، فدلّها على خير من ذلك، وهو ذِكر الله تعالى، والذي
يترجح حَمْل الأمر في ذلك على عوائد البلاد، فإنها مختلفة في هذا الباب.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ من حمل الأمر على
عوائد البلاد فيه نظر لا يخفى، بل الصواب أنه يُحمل على الأمر مطلقاً؛ لأن
هذا العمل من أسماء، وفاطمة ﴿ما كان في وقت تشريع الأحكام، فهو تشريع
مستمرّ، عام في العباد والبلاد، قال الله رَى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾
الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأتى بلفظ ((على)) التي هي للوجوب، والمعروف هو الذي
في ذلك العصر عصر نزول الوحي، فما كان عليه الصحابيّات يلزم نساء الأمة
كلّهن، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
وقال المهلّب: وفيه أن المرأة الشريفة إذا تطوّعت بخدمة زوجها بشيء لا
يلزمها لم يُنكِر عليها ذلك أبٌّ، ولا سلطانٌ.
وتُعُقِّب بأنه بناه على ما أصّله من أن ذلك كان تطوّعاً، ولخصمه أن
يَعكس، فيقول: لو لم يكن لازماً ما سكت أبوها مثلاً على ذلك، مع ما فيه
من المشقة عليه، وعليها، ولا أقرّ النبيّ ◌َّر ذلك، مع عظمة الصديق عنده.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الخصم هو الحقّ الذي لا محيد عنه،
فالحقّ وجوب خدمة المرأة لزوجها؛ لهذه الأدلّة الواضحة، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن فيه جوازَ إرداف المرأة التي ليست محرماً إذا وُجدت
في طريق قد أعيت، لا سيما مع جماعة رجال صالحين، ولا شك في جواز
مثل هذا، وقال القاضي عياض: هذا خاص للنبيّ ◌َّ بخلاف غيره، فقد أُمرنا
بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء، وكانت عادته وَّ﴿ مباعدتهنّ لتقتدي به
أمته، قال: وإنما كانت هذه خصوصية له؛ لكونها بنت أبي بكر، وأخت
عائشة، وامرأة الزبير، فكانت كإحدى أهله، ونسائه، مع ما خُصّ به وَلِّ أنه
أمُلَك لإربه، وأما إرداف المحارم فجائز، بلا خلاف بكل حال. انتهى (١).
(١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٧٧.

٦٧١
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْتَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
قال الجامع عفا الله عنه: في دعوى القاضي الخصوصيّة نظرٌ، فإن مثل
هذا عامّ؛ إذ الراكب ليس وحده، بل معه جماعة، ومثل هذا: السيّارات في
الشوارع، فإن ركوب المرأة الأجنبيّة لا بأس به، ولا سيّما إذا كانت في المقعد
الخلفيّ، فإن النبيّ ◌َ﴿ أَمَر أسماء في هذا الحديث أن تركب خلفه، وقال
الإمام البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)): ((باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند
الناس))، ثم أورد حديث أنس به قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى
النبيّ وَّ﴿، فخلا بها، فقال: ((والله إنكم لأحبّ الناس إليّ))، فدلّت ترجمة
البخاريّ على أن الخلوة المحرّمة بالأجنبيّة لم يكن بين الناس، أما إذا كان في
وسط الطريق، والناس يمرّون من كلّ جانب، كما هو حال السيّارات، فيجوز
أن ترکب معه.
وأخرج حديث أنس الإمام مسلم تَخْتُهُ في (صحيحه))، ولفظه: ((عن أنس
أن امرأة كان في عقلها شيءٌ، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجةً، فقال:
((يا أم فلان، انظري أيّ السكك شئتِ، حتى أقضي لكِ حاجتك؟))، فخلا معها
في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. انتهى، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): فيه جواز ارتداف المرأة خلف الرجل
في موكب الرجال، قيل: وليس في الحديث أنها استترت، ولا أن النبيّ وَله
أَمَرَها بذلك، فيؤخذ منه أن الحجاب إنما هو في حقّ أزواج النبيّ وَِّ خاصّةً.
انتھی.
قال الحافظ تَّلُ: والذي يظهر أن القصة كانت قبل نزول الحجاب،
ومشروعيته، وقد قالت عائشة ﴿ها: لَمّا نزلت: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِثُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَ﴾
[النور: ٣١] أخذن أُزُرَهُنّ مِن قِبَل الحواشي، فشققنهنّ، فاختمرن بها، ولم تزل
عادة النساء قديماً وحديثاً يسترن وجوههنّ عن الأجانب، والذي ذكر عياض أن
الذي اختَصّ به أمهات المؤمنين ستر شخوصهنّ زيادةً على ستر أجسامهنّ.
٤ - (ومنها): أن فيه غيرةَ الرجل عند ابتذال أهله فيما يشقّ من الخدمة،
وأَنَفة نفسه من ذلك، لا سيما إذا كانت ذات حَسَب.
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لأسماء، وللزبير، ولأبي بكر، ولنساء
الأنصار

٦٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
٦ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز إقطاع الإمام، فأما الأرض
المملوكة لبيت المال فلا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام، ثم تارةً يُقطع رقبتها،
ويملِّكها الإنسانَ، يَرَى فيه مصلحةً، فيجوز، ويَملكها كما يملك ما يعطيه من
الدراهم والدنانير، وغيرها، إذا رأى فيه مصلحةً، وتارةً يُقطعه منفعتها،
فيستحق الانتفاع بها مدةَ الإقطاع، وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا
يفتقر إلى إذن الإمام، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور، وقال أبو
حنيفة: لا يُملك المواتُ بالإحياء إلا بإذن الإمام(١).
٧ - (ومنها): ما قال القاضي عياض نَظّتُهُ: فيه جواز التقاط المطروحات
رغبةً عنها؛ كالنوى، والسنابل، وخِرَق المزابل، وسقاطتها، وما يطرحه الناس
من رديء المتاع، ورديء الخضر، وغيرها، مما يُعرَف أنهم تركوه رغبةً عنه،
فكل هذا يَحلّ التقاطه، ويملكه الملتقط، وقد لَقَطه الصالحون، وأهل الورع،
ورأوه من الحلال المحض، وارتضوه لأكلهم، ولباسهم. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقةً، وله نظائر كثيرة
في ((الصحيح))، سبق بيانها في مواضعها .
٩ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلجر من كمال الشفقة على المؤمنين
والمؤمنات، ورحمتهم، ومواساتهم فيما أمكنه.
١٠ - (ومنها): ما قال القرطبيّ عند قولها: ((تزوجني الزبير، وما له في
الأرض من مال ... إلخ)): هذا يدلُّ على ما كانوا عليه من شدّة الحال في أول
الأمر، وعلى أن المعتبَر عندهم في الكفاءة إنَّما كان الدِّين، والفضل، لا
المال، والغنى، كما قال ◌َله: ((فعليك بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك))، وإنما كان
ذلك؛ لأنَّ القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدِّين، وتكثير أمة
محمد خاتم النبيين و *، ولأنهم علموا أن المال ظِلٌ زائل، وسحابٌ حائل،
وأن الفضل باقٍ إلى يوم التلاق، فأمَّا اليوم فقد انعكست الحال، وعدل الناس
عن الواجب إلى المحال. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/١٤.
(٣) ((المفهم)) ٥١٦/٥ - ٥١٧.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٧٧.

٦٧٣
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨٠)
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب خدمة المرأة لزوجها :
تقدّم أن كثيراً من العلماء قالوا: لا يجب عليها، ولم يأتوا على ذلك
بحجة مقنعة، والحقّ أن ذلك واجب عليها؛ لأن الله ◌ُعَلَ قال: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى
عَلَيِنَ بِالْعُرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله رحمك على النساء مثل ما أوجب
لهنّ على الرجال مما جرى العرف به، وقد جرى العرف بأن الزوجة تخدم
زوجها، وتقوم على بيته، وأولاده، فالحقّ أن خدمة الزوجة لزوجها، وقيامها
بمهمات بيته مما أوجبه الشرع الشريف، وقد عقد الإمام ابن القيّم ◌َُّ في
كتابه الممتع ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) فصلاً مفيداً جدّاً، أحببت إيراده
لأهميته، ونفاسته، قال رَّتُهُ :
[فصل]: في حكم النبيّ وَله في خدمة المرأة لزوجها:
قال ابن حبيب في ((الواضحة)): حكم النبيّ وَّه بين عليّ بن أبي طالب،
وبين زوجته فاطمة ﴿ها حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة
الباطنة، خدمةِ البيت، وحكم على عليّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب:
والخدمة الباطنة: العَجْن، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء،
وعمل البيت كلّه.
وفي ((الصحيحين)): أن فاطمة ؤُها أتت النبيّ وَّر، تشكو إليه ما تلقى في
يديها من الرحى، وتسأله خادماً، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة ﴿نا، فلما
جاء رسول الله وَل﴿ أخبرته، قال عليّ: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا
نقومُ، فقال: ((مكانكما))، فجاء، فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على بطني،
فقال: ((ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما،
فسبّحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمَدًا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خيرٌ
لكما من خادم))، قال عليّ: فما تركتها بعدُ، قيل: ولا ليلة صفّين؟ قال: ولا
ليلة صفّين.
وصحّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدُم الزبير خدمة البيت كلّه، وكان له
فَرَسٌ، وكنت أسوسه، وكنت أحتشّ له، وأقوم عليه، وصحّ عنها أنها كانت
تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجِن، وتنقُل النوى على رأسها
من أرض له علی ثُلثي فرسخ.

٦٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خِدْمتها له
في مصالح البيت. وقال أبو ثور: عليها أن تخدُم زوجها في كلّ شيء. ومنعت
طائفة وجوب خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالكٌ، والشافعيّ،
وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، قالوا: لأن عَقْد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا
الاستخدام، وبَذْل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدلّ على التطوّع،
ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟.
واحتجّ من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله تَلَّ
بكلامه، وأما ترفيهُ المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعَجْنه، وغسیله،
وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى
عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء:
٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوّامة عليه.
وأيضاً فإن المهر في مقابلة البضع، وكلٌّ من الزوجين يقضي وطره من
صاحبه، فإنما أوجب الله ◌ُعَلَ نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه
بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.
وأيضاً فإن العقود المطلقة إنما تُنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة،
وقيامها بمصالح البيت الداخلة.
وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرّعاً وإحساناً يردّه أن فاطمة
كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعليّ: لا خدمة عليها، وإنما هي
عليك، وهو ◌َّهُ لا يُحابي في الحُكم أحداً؛ ولَمّا رأى أسماء، والعلَف على
رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقرّه
على استخدامها، وأقرّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم، مع علمه بأنّ
منهنّ الكارهةَ والراضيةَ، هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصحّ التفريق بين شريفة،
ودينئة، وفقيرة، وغنيّة، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها،
وجاءته وَ﴿ تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمّى النبيّ وَّ في الحديث
الصحيح المرأة عانيةً، فقال: ((اتقوا الله في النساء، فإنهنّ عَوَانٍ عندكم)).
والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح
نوعٌ من الرقّ، كما قال بعض السلف: النكاح رقّ، فلينظر أحدكم عند من يُرقّ

٦٧٥
(١٤) - بَابُ جَوَازٍ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْتَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨١)
كريمته. ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين.
انتهى كلام ابن القيّم ◌َذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره ابن القيّم ◌َّتُهُ
تحقيق نفيسٌ جدّاً، فقد ظهر لنا به، وتبيّن، واتضح أن المذهب الأول، وهو
وجوب خدمة المرأة زوجها هو الراجح؛ لقوة دليله؛ لأنه المعروف في ذلك
الوقت الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله ربك عليها أن تلتزم بما هو معروف عند الناس، وقد
طبّق نساء العصر الأول من الصحابيات، وغيرهنّ على أنفسهنّ ما طُلب منهنّ
في الآية الكريمة، كما تقدم آنفاً في قصّة فاطمة، وأسماء ظًا، والله تعالى
أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٨١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ،
وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةٍ
الْفَرَسِ، كُنْتُ أَحْتَئِنُ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ، وَأَسُوسُهُ، قَالَ (٢): ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِماً.
جَاءَ النَّبِيَّ وَّهِ سَبْيٌّ، فَأَعْطَاهَا خَادِماً، قَالَتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَأَلْقَتْ عَنِّي
مَعُونَتَهُ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي
ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَّى ذَاكَ(٣) الزُّبَيْرُ، فَتَعَالَ: فَاطْلُبْ إِلَيَّ،
وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلّ
دَارِكِ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّ دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي
رَجُلاً فَقِيراً بَبِيعُ، فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ، فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ،
وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِيٍ، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي، قَالَتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا).
(١) ((زاد المعاد)) ١٧٠/٥.
(٢) وفي نسخة: ((قالت)).
(٣) وفي نسخة: ((ذلك)).

٦٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) - بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة -
البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زهير بن
عبد الله التيميّ المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((أيوب)) هو: السختيانيّ.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن
عبد الله، (أَنَّ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق ﴿ُها (قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدمُ) بضمّ
الدال، وكسرها، من بابي نصر، وضرب. (الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ) الإضافة بمعنى
((في))؛ أي: خدمةً كائنة في البيت، من الطحن، والعَجْن، والخبز، ونحو
ذلك. (وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ)؛ أي: أقوم بما يحتاج إليه، من مأكول،
ونحوه. (فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ) وقد بيّنت
تلك السياسة الشديدة بقولها: (كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ)؛ أي: أجمعه له، يقال: احتشّ
الحشيشَ: إذا طلبه، وجَمَعه، قاله المجد (١)، وقال الفيّوميّ: الحَشِيشُ: اليابس
من النبات، فَعِيل بمعنى فاعل، قال في ((مختصر العين)): الحَشِيشُ: اليابس من
العُشْب، وقال الفارابيّ: الحَشِيشُ: اليابس من الْكَلإِ، قالوا: ولا يقال
للرَّظْب: حَشِيشٌ، وحَشَشْتُهُ حَشّاً، من باب قتل: قطعته بعد جفافه، فهو فَعِيل
بمعنی مفعول. انتھی(٢).
(وَأَقُومُ عَلَيْهِ)؛ أي: أقوم بتقديم ما يحتاج إليه، وقولها: (وَأَسُوسُهُ) مِنْ
عَظْف المرادف؛ لأن السياسة هي القيام، يقال: ساس الأمرَ يسوسه: إذا دبّره،
وقام به. (قَالَ) ابن أبي مليكة، راوياً عن أسماء، وفي بعض النسخ: ((قالت))؛
أي: أسماء ◌ِؤُنَا، (ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ) هذا من الالتفات على نسخة ((قالت))؛ لأن
الظاهر أن تقول: ((ثم إني أصبت)) (خَادِماً) ثم بيّنت كيفيّة إصابتها الخادم
(١) ((القاموس المحيط)» ص٢٩٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٣٧.

٦٧٧
(١٤) - بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْتَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨١)
بقولها: (جَاءَ النَّبِيَّ وَ﴿) بالنصب على أنه مفعول مقدّم، والفاعل قولها: (سَبْيٌّ)
بفتح السين المهملة، وسكون الموحّدة، آخره ياء، بوزن ظَبْي، بمعنى مسبيّ،
قال المجد تَخْذَلُ: سبى العدوّ سَبْياً، وسِباءً: أسره، كاستباه، فهو سبيٍّ، وهي
سبيٌّ أيضاً، جمعه سبايا. انتهى (١). وقال الفيّوميّ كَّقُ: سَبَيْتُ العدوّ سَبْياً،
من باب رَمَى، والاسم: السِّبَاءُ، وزانُ كتاب، والقصر لغةٌ، وأَسْبَيْتُهُ مثله،
فالغلام: سَبِيٍّ، ومَسْبِيٍّ، والجارية: سَبِيَّةٌ، ومَسْبِيَّةٌ، وجَمْعها: سَبَايَا، مثلُ عَطِيّةٍ
وعَطَايَا، وقوم سَبْيٌ وَصْفٌ بالمصدر، قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا
كذلك. انتھی(٢).
(فَأَعْطَاهَا) ◌َِّ (خَادِماً) لا يُعرف اسمها، وقد تقدّم أنها جارية، وأن
الخادم يُطلق على الذكر والأنثى. (قَالَتْ) أسماء ﴿ُّا (كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ،
فَأَلْقَتْ عَنِّي مَثُونَتَهُ)؛ أي: ثِقْله(٣)، قال الفيّوميّ تَّقُ: المَثُونَةُ: الثِّقْلُ، وفيها
لغات: إحداها: على فَعُولة، بفتح الفاء، وبهمزة مضمومة، والجمع مَثُونات،
على لفظها، ومَأَنْتُ القومَ أَمْأَنُهُم، مهموزٌ بفتحتين، واللغة الثانية: مُؤْنَةٌ بهمزة
ساكنة، قال الشاعر:
أَمِيرُنَا مُؤْنَتُهُ خَفِيفَةٌ
والجمع: مُؤَنٌّ، مثل غُرْفة وغُرَف، والثالثة: مُونَةٌ بالواو، والجمع: مُوَنِّ،
مثلُ سُورة وسُوَر، يقال منها: مَانَّهُ يَمُونُهُ، من باب قال. انتهى (٤).
(فَجَاءَنِي رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه(٥)، (فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ) كنية أسماء
(إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِك)؛ أي: قصدت أن أتّجر، وأفتح
محلّ بيع في الظلّ الذي يكون من داركِ، فأُذَنِي لي في ذلك.
وقال القرطبيّ كَخَّقُ: استئذان الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء ابنة أبي
بكر - في أن يبيع في ظلِّ دارها يدلُّ على أن المتقرَّر المعلوم من الشرع أن فناء
الدار ليس لغير ربِّها القعودُ فيها للبيع إلا بإذنه، فإذا أَذِن جاز ما لم يضرّ
(١) ((القاموس المحيط)» ص٥٩٢.
(٣) ((الثّقَل))، وزانُ عنب، وتسكّن قافه للتخفيف.
(٤) ((المصباح المنير) ٥٨٦/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٥/١.
(٥) ((تنبيه العلم)) ص٣٧٢.

٦٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
بغيره؛ من تضييق طريق، أو اطلاع على عورة منزل غيره، ولربِّ الدار أن يمنعه؛
لأنَّ الأفنية حقّ لأرباب المنازل؛ لأنَّ عمر رَظُّه قضى بالأفنية لأرباب الدور،
قال ابن حبيب: وتفسير هذا يعني: بالانتفاع للمجالس، والمرابط، والمصاطب،
وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة، وليس بأن ينحاز بالبنيان، والتحظير.
قال القرطبيّ: وعلى هذا فليس لربِّ الدار التصرف في فنائها ببناء دكان،
أو غيره مما يثبت ويدوم؛ لأنَّه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس؛ إذ للناس
فيه حقّ العبور، والوقوف، والاستراحة، والاستظلال، وما أشبه هذه الأمور،
لكنه أخصُّ به، فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره، من مرافقه الخاصّة به،
كبناء مِصطبّة لجلوسه، ومربط فرسه، وحطّ أحماله، وكنس مرحاضه، وتراب
بيته، وغير ذلك مما يكون من ضروراته.
وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته، كبناء دكان
للباعة، أو تحظيره عن الناس، أو إجارته لمن يبيع فيه؛ لأنَّ ذلك كله مَنْع
الناس من منافعهم التي لهم فيه، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير
أجر؛ لأنَّ ذلك من باب الرفق بالمحتاج، والفقير.
وأصل الطرق، والأفنية للمرافق، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه
للزم أن يكون لذلك البناء فناء، ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق، وترتفع
المرافق. انتهى(١) .
(قَالَتْ) أسماء (إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاَ) وفي نسخة: ((ذلك))،
(الزُّبَيْرُ، فَتَعَالَ: فَاطْلُبْ إِلَيَّ، وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ) جملة حاليّة من ياء المتكلّم،
(فَجَاءَ) ذلك الفقير (فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ
دَارِكِ)؛ أي: فَأُذَنِي لي في ذلك. (فَقَالَتْ) أسماء (مَا لَكَ) بتقدير همزة
الاستفهام؛ أي: أما لك (بِالْمَدِينَةِ إِلَّ دَارِي؟) وهذا قالته لتخفي الأمر على
الزبير. (فَقَالَ لَهَا) فيه أن هذا من الالتفات، إذ الأصل أن تقول: فقال لي
(الزُّبَيْرُ) ◌َتِهِ (مَا) نافية (لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلاً فَقِيراً يَبِيعُ) في ظلّ دارك، وهذا
يدلّ على شدّة شفقة الزبير بظلاله، مع شدّة غيرته.
-
(١) ((المفهم)) ٥٢١/٥ - ٥٢٢.

٦٧٩
(١٤) - بَابُ جَوَازٍ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْتَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٥٦٨١)
قال النوويّ تَخْلُهُ: قولها في الفقير الذي استأذنها في أن يبيع في ظلّ
دارها، وذكرت الحيلة في استرضاء الزبير هذا فيه حُسْن الملاطفة في تحصيل
المصالح، ومداراة أخلاق الناس في تتميم ذلك، والله أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ نَظّثُ: وتوقّف أسماء ﴿ّا في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير،
إنما كان مخافة غيرة الزبير، أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير، وحسنُ أدب،
وكَرَمُ خُلُق حتى لا تتصرَّف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها، وأمْرها للفقير بأن
يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق، والرغبة
في فعل الخير، وليشاركها في الأجر، وذلك كلَّه منها حسنُ سياسة، وجميلٌ
ملاطفة، تدلُّ على انشراح الصدور، وصدق الرغبة في الخير. انتهى (٢).
(فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ) بفتح السين المهملة، من باب ضرب؛ أي:
ربح مالاً، قال الفيّوميّ: كَسَبْتُ مالاً كَسْباً، من باب ضَرَبَ: ربحته، واكْتَسَبْتُهُ
كذلك، وكَسَبَ لأهله، واكْتَسَبَ: طلب المعيشة، وكَسَبَ الإثمَ، واكْتَسَبَهُ:
تحمله، ويتعدى بنفسه إلى مفعول ثانٍ، فيقال: كَسَبْتُ زيداً مالاً، وعلماً؛ أي:
أنلته، قال ثعلب: وكلهم يقول: كَسَبَكَ فلانٌ خيراً، إلا ابن الأعرابيّ، فإنه
يقول: أَكْسَبَكَ - بالألِف. انتهى(٣).
(فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ)؛ أي: بعت تلك الجارية التي أعطاني النبيّ وَّ من
السبي من ذلك الرجل، و((باع)) يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ:
بَاعَهُ يَبِيعُهُ بَيْعاً، ومَبِيعاً، فهو بَائِعٌ، وبَيْعُ، وأَبَاعَهُ بالألف لغةٌ، قاله ابن القطاع،
والبَيْعُ من الأضداد، مثل الشراء، ويُطلق على كلّ واحد من المتعاقدين أنه
بَائِعٌ، ولكن إذا أطلق البَائِعُ فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة، ويطلق البَيْعُ على
المبيع، فيقال: بَيْعٌ جَيِّدٌ، ويُجمع على بُيُوعٍ، وبِعْتُ زيداً الدارَ يتعدى إلى
مفعولين، وكَثُر الاقتصار على الثاني؛ لأنه المقصود بالإسناد، ولهذا تتمّ به
الفائدة، نحو: بعتُ الدارَ، ويجوز الاقتصار على الأول، عند عدم اللَّبْس،
نحو بعتُ الأميرَ؛ لأن الأمير لا يكون مملوكاً يباع، وقد تدخل ((مِنْ)) على
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٦٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٣٢/٢.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٢/٥.

٦٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
المفعول الأول، على وجه التوكيد، فيقال: بعتُ من زيد الدارَ كما يقال:
كتمته الحديثَ، وكتمت منه الحديثَ، وسرقتُ زيداً المالَ، وسرقت منه المالَ،
وربما دخلت اللام مكان ((مِنْ))، يقال: بعتك الشيءَ، وبعته لك، فاللام زائدة،
زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذِّ بَوَأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]،
والأصل بوأنا إبراهيم. انتهى (١).
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: وبيعها للجارية من غير إذن الزبير يدلّ على أن للمرأة
التصرُّفَ في مالها بالبيع، والابتياع، من غير إذن الزوج، وليس له مَنْعها من
ذلك، إذا لم يضرُّه ذلك في خروجها، ومشافهتها للرجال بالبيع، والابتياع، فله
مَنْعها مما يؤدي إلى ذلك. انتهى(٢).
(فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي) جملة حاليّة، وحَجْرُ الإنسان
بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْح، ويقال: هو في
حجْره؛ أي: كَنَفه، وحمايته، قاله الفيّوميّ.
قال الجامع عفا الله عنه: وما هنا من المعنى الثاني؛ أي: والحال أن
ثمن تلك الجارية كان في حوزتي وحفظي، ورعايتي، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) الزبير (هَبِيهَا لِي)؛ أي: هذه الدراهم التي هي ثمن تلك الجارية،
و(هَبي)) أمر مؤنّث، من وهب يهب، يقال: وهَبْتُ لزيد مالاً أهَبُهُ له هِبَة:
أعطيته بلا عِوَضٍ، يتعدى إلى الأول باللام، وفي التنزيل: ﴿يَبُ لِمَن يَشَآءُ
إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ كَشَآءُ الذُّكُوْرَ﴾ [الشورى: ٤٩]، ووَهْباً بفتح الهاء، وسكونها،
ومَوْهِباً، ومَوْهِبَةً، بكسرهما، قال ابن الْقُوْطِيَّةِ، والسَّرَقُسْطِيّ، والْمُطَرِّزِيّ،
وجماعة: ولا يتعدى إلى الأول بنفسه، فلا يقال: وَهَبْتُكَ مالاً، والفقهاء
يقولونه، وقد يُجعل له وجهٌ، وهو أن يُضَمَّن وَهَبَ معنى جَعَلَ(٣)، فيتعدّى
(١) ((المصباح المنير)) ٦٩/١.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٢/٥.
(٣) اعترض بعضهم هذا، فقال: جَعَل الناصبة مفعولين لا يُمكن تضمين معناها وهَبَ؛
إذ يُشترك أن يكون مفعولاها مبتدأ وخبراً في الأصل، والمال لا يُخبر به عن زيد،
فالأولى أن يقال: أن يُضمّن وَهَب معنى أَعْطى كان صواباً، والله تعالى أعلم.
انتهى بتصرّف من هامش ((المصباح)).