Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَّى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٩)
٢ - (ومنها): بيان أن الآتي يُسَلِّم على المقصود إليه، كما يسلّم الماشي
على القاعد، والراكب على الماشي.
٣ - (ومنها): جواز التخطي إلى الفُرَج في حلقة العالم، وترك التخطي
إلى غير الفُرَج، قال ابن عبد البرّ تَُّ: وليس ما جاء من حمد التزاحم في
مجلس العالم، والحضّ على ذلك بمبيح تخطيَ الرقاب إليه، لِمَا في ذلك من
الأذى، كما لا يجوز التخطي إلى سماع الخطبة في الجمعة، والعيدين، ونحو
ذلك، فكذلك لا يجوز التخطي إلى العالم، إلا أن يكون رجلاً يفيد قُرْبه من
العالم فائدةً، ويثير علماً، فيجب حينئذ أن يُفْتَح له لئلا يؤذي أحداً، حتى يصل
إلى الشيخ، ومن شرط العالم أن يليه من يَفهم عنه؛ لقول رسول الله وَتليفون:
((ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى))؛ يعني: في الصلاة وغيرها؛ ليفهموا عنه،
يؤدوا ما سمعوا كما سمعوا، من غير تبديل معنى، ولا تصحيف، وفي قول
رسول الله ﴿ للمتخطي يوم الجمعة: ((آذيت، وآنيت)) بيان أن التخطي أَذِّى،
ولا يحل أذى مسلم بحال في الجمعة، وغير الجمعة، ومعنى التزاحم بالركب
في مجلس العالم: الانضمام، والالتصاق، ينضم القوم بعضهم إلى بعض على
مراتبهم، ومَنْ تقدّم إلى موضع فهو أحقّ به، إلا أن يكون ما ذكرنا من قُرب
أولي الفهم من الشيخ، فيُفسح له، ولا ينبغي له أن يتباطأ، ثم يتخطى إلى
الشيخ؛ ليرى الناس موضعه منه، فهذا مذموم، ويجب لكل مَن عَلِم موضعه أن
يتقدم إليه بالتبكير، والبكورُ إلى مجلس العالم كالبكور إلى الجمعة في الفضل
- إن شاء الله تعالى - انتهى (١).
٤ - (ومنها): استحباب جلوس العالم لأصحابه، وغيرهم في موضع
بارز، ظاهر للناس، والمسجد أفضل، فيذاكرهم العلم والخير.
٥ - (ومنها): جواز حِلَق العلم والذكر في المسجد، واستحباب دخولها،
ومجالسة أهلها، وكراهة الانصراف عنها من غير عذر، قال القرطبيّ تَّتُهُ: فيه
الحضُّ على مجالسة العلماء، ومداخلتهم، والكون معهم؛ فإنَّهم القومُ الذين لا
يشقى بهم جليسهم، وفيه التحلق لسماع العلم في المسجد حول العالم،
(١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٣١٦/١.

٦٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
والحضُّ على سدِّ خلل الحلقة؛ لأنَّ القُرب من العالم أولى؛ لِمَا يحصل من
ذلك من حسن الاستماع، والحفظ، والحالُ في حِلَق الذكر كالحال في صفوف
الصلاة، يُتَمُّ الصَّف الأول، فإنَّ كان نقص ففي المؤخر. انتهى(١).
٦ - (ومنها): استحباب القُرب من كبير الحلقة؛ ليسمع كلامه سماعاً
بيّناً، ويتأدب بآدابه.
٧ - (ومنها): أن قاصد الحلقة إن رأى فُرجة دخل فيها، وإلا جلس
وراءهم.
وقال في ((الفتح)): وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم، وفضل سدّ
خلل الحلقة، كما ورد الترغيب في سدّ خلل الصفوف في الصلاة، وجواز
التخطي لسدّ الخلل، ما لم يؤذ، فإن خَشِي استُحِبّ الجلوس حيث ينتهي، كما
فعل الثاني، وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): مشروعيّة الثناء على مَن فعل جميلاً، فإنه وَّ أثنى على
الاثنين في هذا الحديث، وأن الإنسان إذا فعل قبيحاً ومذموماً، وباح به، جاز
أن يُنسب إليه، والله أعلم(٣) .
٩ - (ومنها): جواز الإخبار عن أهل المعاصي، وأحوالهم للزجر عنها،
وأن ذلك لا يُعَدّ من الغيبة.
١٠ - (ومنها): بيان فضل ملازمة حِلَق العلم، والذِّكر، وجلوس العالم
والمذكِّر في المسجد.
١١ - (ومنها): استحباب الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به
المجلس، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٠] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا
حَرْبٌ - وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ - (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا
(١) ((المفهم)) ٥٠٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٧/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٦).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٤.

٦٢٣
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَّى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٧٠)
أَبَانٌ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي
ے
طَلْحَةَ حَدَّثَهُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، فِي الْمَعْنَى).
رجال هذين الإسنادين: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بن الجارود القزّاز، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١١] قديم
الموت، مات سنة (٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في ((الصيام)) ٢٦٦١/٢١.
[تنبيه]: أشار في هامش النسخة الهنديّة أنه وقع في بعض النسخ:
((أحمد بن المنكدر)) بدل ((ابن المنذر))، وهذا غلط بلا شكّ، فتنبّه، والله تعالى
وليّ التوفيق.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو
سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ [٧]
(ت١٦١) (خ م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣٣٣٩/٨٣.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٥ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]
(ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٦ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في
حدود (١٦٠) (عخ م د ت ق) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر
البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌّ لكنه يدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) أو قبل ذلك
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
و((إسحاق بن عبد الله)) ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَا جَمِيعاً) ضمير التثنية لحرب بن شدّاد، وأبان بن يزيد العطّار.
وقوله: (أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث
یحیی بنَ أبي کثیر.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) ((في)) بمعنى الباء؛ أي: بالإسناد السابق، وهو

٦٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
عن أبي مُرّة مولى عَقِيل بن أبي طالب، عن أبي واقد الليثيّ تَُّهُ.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل الحديث الماضي.
وقوله: (فِي الْمَعْنَى)؛ أي: هو مثله من حيث المعنى، وإن كان اللفظ
يختلف .
[تنبيه]: رواية حرب بن شدّاد عن يحيى بن أبي كثير ساقها النسائيّ تَخْشُهُ
في ((الكبرى))، فقال:
(٥٩٠١) - أنبأ عليّ بن سعيد بن جرير، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا
حرب بن شداد، قال: نا يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة، عن حديث أبي مُرّة، أن أبا واقد الليثيّ حدّثه، قال: بينما نحن مع
رسول الله ◌َ﴿ إِذ مَرّ به ثلاثة نفر، فجاء أحدهم، فوجد فُرجة في حلقة،
فجلس، وجاء الآخر، فجلس من ورائهم، وانطلق الثالث، فقال رسول الله وَالت :
((ألا أخبركم بخبر هؤلاء؟)) قالوا: بلى، قال: أما الذي جاء، فجلس، فعبدٌ
أَوَى، فآواه الله، وأما الذي جلس من ورائكم، فاستحيا، فاستحيا الله منه،
وأما الذي انطلق، فرجل أعرض، فأعرض الله عنه)). انتهى(١).
ورواية أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير ساقها الطبرانيّ في
كتابه ((الدعاء))، فقال:
(١٩١٠) - حدّثنا محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، ثنا موسى بن
إسماعيل، ثنا أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة، عن حديث أبي مُرّة، عن أبي واقد الليثيّ، قال: بينما
نحن مع رسول الله 18ّ في حلقة، إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوَجَد فُرْجة في
الحلقة، فقعد فيها، وأما الآخر فقعد خلف الحلقة، وأما رجل فمضى، فقال
رسول الله وسلم: ((ألا أخبركم عن الثلاثة: أما الذي جلس في الحلقة، فرجل
أوى، فآواه الله، وأما الذي جلس خلف الحلقة، فرجل استحيا، فاستحيا الله
منه، وأما الذي انطلَقَ، فأعرض، فأعرض الله رَت عنه)). انتهى(٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٥٣/٣.
(٢) ((الدعاء للطبرانيّ)) ١/ ٥٣٤.

٦٢٥
(١١) - بَابُ تَحْرِيمٍ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧١)
(١١) - (بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ
الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧١] (٢١٧٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ)).
رجال هذين الإسنادين: خمسة:
١ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ
[٣] (ت١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٢ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن الخطّاب ﴿هَا، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين:
أنهما من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٤٣٩) من رباعيّات الكتاب،
وفيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: (لَا) ناهية،
وقوله: (يُقِيمَنَّ) مجزوم المحلّ، مبنيّ على الفتح؛ لاتّصاله بنون التوكيد.
(أَحَدُكُمُ) مرفوع على الفاعليّة، (الرَّجُلَ) منصوب على المفعوليّة، (مِنْ مَجْلِسِهِ)
متعلّق بـ(يقيمنّ))، (ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ)) وفي الرواية التالية: ((لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ
مِنْ مَقْعَدِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا))، وقوله: ((لا يقيم
الرجل ... إلخ))، وعليه فـ((لا)) نافية، والفعل مرفوع، والنفي بمعنى النهي،
ووقع في بعض النسخ: ((لا يقم))، فـ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم.
[تنبيه]: قوله: ((ثم يجلس فيه)) الموجود في النُّسخ أنه بالرفع، فتكون
الجملة خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: ثم هو يجلس فيه، ولو ثبت جزمه، أو نصبه

٦٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
روايةً لكان لذلك وجه، فالجزم بالعطف على محلّ ((يقيمنّ))، فإنه مجزوم بـ(لا))
الناهية، كما أسلفته، والنصب بـ((أن)) مضمرةً بعد ((ثم)) إعطاء لها حكم الواو،
فقد أجاز ذلك ابن مالك تَّثُ في كتابه ((شواهد التوضيح)) في حديث: ((لا
يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه))، ودونك نصّه:
قال ◌َخْثُ: يجوز في ((ثم يغتسل)) الجزم عطفاً على ((يبولنّ))؛ لأنه مجزوم
الموضع بـ(لا)) التي للنهي، ولكنه بُني على الفتح؛ لتوكيد النون، ويجوز فيه
الرفع على تقدير: ثم هو يغتسل فيه، ويجوز فيه النصب على إضمار ((أن))،
وإعطاء (ثُمّ)) حكم واو الجمع، ونظير ((ثم يغتسل)) في جواز الأوجه الثلاثة قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكِهُ اٌلْوَتُ﴾ [النساء: ١٠٠]،
فإنه قرىء بجزم ﴿يُدْرِكَهُ﴾، ورفعه، ونصبه، والجزم هو المشهور، والذي قرأ به
السبعة، وأما الرفع والنصب فشاذّان. انتهى(١).
والحاصل أن نظير حديث: ((ثم يغتسل)) قوله في هذا الحديث: ((ثم
يجلس فيه))، فتجوز فيه الأوجه الثلاثة، لكن الذي يظهر أن الرفع هو الرواية،
والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: نهيه وَلّه عن أن يقام الرجل من مجلسه، إنما كان
ذلك لأجل أن السَّابق لمجلس قد اخْتَصَّ به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ
غرضه؛ فكأنه قد ملك منفعة ما اخْتَصَّ به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه
وبين ما يملكه، وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التَّحريم، وقيل: هو
على الكراهة، والأول أولى، ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد
إقامته، أو لا يجلس، غير أن هذا الحديث خرج على أغلب ما يُفْعَل من ذلك،
فإنَّ الإنسان في الغالب إنما يقيم الآخر من مجلسه ليجلس فيه، وكذلك يستوي
فيه يوم الجمعة، وغيره من الأيام التي يجتمع الناس فيها، لکن جرى ذكر يوم
الجمعة في الحديث الآتي؛ لأنَّه اليوم الذي يجتمع الناس فيه، ويتنافسون في
المواضع القريبة من الإمام، وعلى هذا فيُلْحَق بذلك ما في معناه، ولذلك قال
ابن جريج: في يوم الجمعة وغيرها .
(١) ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص١٦٤ - ١٦٥.

٦٢٧
(١١) - بَابُ تَحْرِيمٍ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧١)
قال: وقوله: ((ولكن تفسَّحوا، وتوسَّعوا)) هذا أمر للجالسين بما يفعلون
مع الداخل، وذلك أنه لمّا نُهِي عن أن يقيم أحداً من موضعه تعيّن على
الجالسين أن يوسِّعوا له، ولا يتركوه قائماً، فإنَّ ذلك يؤذيه، وربما يخجله،
وعلى هذا فمن وجد من الجالسين سعة تعيَّن عليه أن يوسع له، وظاهر ذلك أنه
على الوجوب تمسُّكاً بظاهر الأمر، وكان القائم يتأذى بذلك، وهو مسلم،
وأذى المسلم حرام، ويَحْتَمِل أن يقال: إن هذه آداب حسنة، ومن مكارم
الأخلاق، فتُحْمَل على الندب.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول، وهو الوجوب هو الظاهر؛
لأنه لا صارف للأمر عن الوجوب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وقد اختَلَف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِى
اُلْمَجَئِسِ فَأَفْسَعُواْ يَفْسَحِ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١١]، فقيل: هو مجلس
النبيّ ◌َّ، كانوا يزدحمون فيه تنافساً في القُرب من النبيّ وَّ، وقيل: هو
مجلس الصَّف في القتال، وقيل: هو عامٌّ في كل مجلس، اجتَمَع المسلمون فيه
للخير، والأجر، وهذا هو الأولى؛ إذ المجلس للجنس على ما أصَّلْناه في
الأصول. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): وقوله: ((ولكن تفسحوا، وتوسعوا)) هو عطفٌ
تفسيريّ، ووقع في رواية قبيصة، عن سفيان، عند ابن مردويه: ((ولكن ليقل:
افسحوا، وتوسعوا))، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية قبيصة، وليس عنده:
((ليقل))، وهذه الزيادة أشار مسلم في كلامه الآتي إلى أن عبيد الله بن عمر تفرد
بها، عن نافع، وأن مالكاً، والليث، وأيوب، وابن جريج، رووه عن نافع
بدونها، وأن ابن جريج زاد: «قلت لنافع: في الجمعة؟ قال: في الجمعة وفي
غیرها)).
ووقع في حديث جابر الآتي عند مسلم: ((لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم
الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا))، فجمع بين
(١) ((المفهم)) ٥٠٩/٥ - ٥١٠.

٦٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الزيادتين، ورفعهما، وكأن (١) ذلك سبب سؤال ابن جريج النافع. انتهى(٢)،
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ثـ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [١١ / ٥٦٧١ و٥٦٧٢ و ٥٦٧٣ و٥٦٧٤ و٥٦٧٥]
(٢١٧٧)، و(البخاريّ) في ((الجمعة)) (٩١١) و((الاستئذان)) (٦٢٦٩ و٦٢٧٠)
وفي «الأدب المفرد)) (١١٥٣)، و(أبو داود) في ((الاستئذان)) (٤٨٢٨)،
و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٤٩)، و(الشافعيّ) في (مسنده)) (١٥٨/١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٨٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/
٥٨٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٦٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧/٢ و٢٢
و٤٥ و٨٩ و١٠٢ و١٢٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨١/٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٨٦ و٥٨٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٢/٣ و٢٣٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن أن يقيم الإنسان غيره من مجلسه، ثم يجلس
فيه، وهو للتحريم على الصحيح.
٢ - (ومنها): أن مفهوم قوله: ((لا يقيمنّ ... إلخ)) أنه لو قام الجالس
باختياره له جاز أن يجلس فيه، وأما فِعل ابن عمر ◌ًا فيُحمل على أنه من
باب الورع، قال النوويّ كَُّ: تورّع لوجهين: أحدهما: أنه ربما استحى منه
إنسان فقام له من مجلسه، من غير طيب قلبه، فسدّ ابن عمر الباب؛ لِيَسْلَم من
هذا، والثاني: أن الإيثار بالقُرَب مكروه، أو خلاف الأَولى، فكان ابن عمر
يمتنع من ذلك؛ لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهاً، أو خلاف الأولى، بأن يتأخر
(١) وقع في نسخة ((الفتح)) بلفظ: ((وكان))، والظاهر أنه مصحّف من ((كأنّ))، فليُحرّر،
والله تعالى أعلم.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٤/١٤ - ٢٢٥، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٧٠).

٦٢٩
(١١) - بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ- حديث رقم (٥٦٧١)
عن موضعه من الصفّ الأول، ويُؤْثِره به، وشِبْه ذلك، قال أصحابنا: وإنما
يُحْمَد الإيثار بحظوظ النفوس، وأمور الدنيا، دون الْقُرَب، والله أعلم.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَّشُهُ: هذا النهي للتحريم، فمن سبق إلى
موضع مباح في المسجد، وغيره يوم الجمعة، أو غيره، لصلاة، أو غيرها،
فهو أحقّ به، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث، ألا أن أصحابنا استثنَوْا
منه ما إذا أَلِف من المسجد موضعاً يفتي فيه، أو يقرأ قرآناً، أو غيره من العلوم
الشرعية، فهو أحقّ به، وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، فإن النهي عامّ
لم يخصّ نوعاً من نوع، فهو على عمومه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع، ومقاعد الأسواق؛
المعاملة. انتهى(١).
وقال ابن قُدامة ◌َّفُ في ((المغني)): وليس له أن يقيم إنساناً، ويجلس في
موضعه، سواء كان المكان راتباً لشخص، يجلس فيه، أو موضع حلقة لمن
يحدّث فيها، أو حلقة الفقهاء يتذاكرون فيها، أو لم يكن؛ لِمَا رَوَى ابن
عمر ﴿يا قال: ((نَهَى رسول الله وَالقر أن يقيم الرجل أخاه من مقعده، ويجلس
فيه))، متّفقٌ عليه؛ ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء، قال الله تعالى:
﴿سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ [الحج: ٢٥]، فمن سبق إلى مكان فهو أحقّ به؛ لقول
النبيّ وَّ: ((مَن سَبَقَ إلى ما لم يَسبِق إليه مسلم، فهو أحق به))، رواه أبو
داود(٢)، وكمقاعد الأسواق، ومشاريع المياه، والمعادن، فإن قدَّم صاحباً له،
فجلس في موضع حتى إذا جاء قام النائب، وأجلسه جاز؛ لأن النائب يقوم
باختياره، وقد روي أن محمد بن سيرين كان يرسل غلاماً له يوم الجمعة،
فيجلس فيه، فإذا جاء محمد قام الغلام، وجلس محمد فيه، فإن لم يكن نائباً
فقام ليجلس آخر في مكانه، فله الجلوس فيه؛ لأنه قام باختيار نفسه، فأشبه
النائب، وأما القائم فإن انتقل إلى مثل مكانه الذي آثر به في القُرَب، وسماع
الخطبة، فلا بأس، وإن انتقل إلى ما دونه كُرِه له؛ لأنه يُؤْثِر على نفسه في
(١) (شرح النوويّ)) ١٦٠/١٤.
(٢) إسناد ضعيف.

٦٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الدين، ويَحْتَمِل أن لا يكره؛ لأن تقديم أهل الفضل إلى ما يلي الإمام مشروع،
ولذلك قال النبيّ وَّهِ: (لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنُّهَى))، ولو آثر شخصاً
بمكانه، لم يَجُز لغيره أن يسبقه إليه؛ لأن الحقّ للجالس، آثر به غيره، فقام
مقامه في استحقاقه، كما لو تحجَّر مواتاً، أو سَبَق إليه، ثم آثر غيره به، وقال
ابن عَقيل: يجوز ذلك؛ لأن القائم أسقط حقه بالقيام، فبقي على الأصل،
فكان السابق إليه أحقّ به، كمن وَسّع لرجل في طريق، فمرّ غيره.
قال ابن قدامة: وما قلنا أصحّ، ويفارق التوسعة في الطريق؛ لأنها إنما
جُعلت للمرور فيها، فمن انتقل من مكانه فيها لم يبق له فيها حقّ يُؤْثِر به،
وليس كذلك المسجد، فإنه للإقامة فيه، ولا يسقط حق المتنقل من مكانه، إذا
انتقل لحاجة، وهذا إنما انتقل مُؤثِراً لغيره، فأشبه النائب الذي بعثه إنسان
ليجلس في موضع يحفظه له، ولو كان الجالس مملوكاً لم يكن لسيده أن
يقيمه؛ لعموم الخبر، ولأن هذا ليس بمال، وهو حقّ دينيّ، فاستوى هو وسيده
فيه؛ كالحقوق الدينية كلها، والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة نَظُّهُ(١).
٤ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة (٢) تَّتُ: هذا اللفظ عامّ في
المجالس، ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة، إما على العموم؛ كالمساجد،
ومجالس الحكام، والعلم، وإما على الخصوص، كمن يدعو قوماً بأعيانهم إلى
منزله؛ لوليمة، ونحوها، وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك، ولا إذنَ
له فيها، فإنه يقام، ويُخرج منها، ثم هو في المجالس العامة ليس عامّاً في
الناس، بل هو خاصّ بغير المجانين، ومن يحصل منه الأذى، كآكل الثُّوم
النيء، إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم، أو الحكم.
قال: والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حقّ المسلم المقتضي
للضغائن، والحثّ على التواضع المقتضي للموادَدَة، وأيضاً فالناس في المباح
كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقّه، ومن استحقّ شيئاً، فأُخِذ منه بغير
حقّ، فهو غصب، والغصب حرام، فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل
الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم.
(١) ((المغني)) ١٠١/٢ - ١٠٢.
(٢) (بهجة النفوس)) ٤/ ١٩٤.

٦٣١
(١١) - بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧٢)
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن النهي للتحريم مطلقاً، كما رجحه
النوويّ تَكْثُهُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال(١): اختُلِف في النهي، فقيل: للأدب،
وإلا فالذي يجب للعالم أن يليه أهل الفهم والنُّهَى، وقيل: هو على ظاهره،
ولا يجوز لمن سبق إلى مجلس مباح أن يقام منه.
واحتجوا بالحديث؛ يعني: حديث أبي هريرة ظُه الآتي: ((إذا قام
أحدكم من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحقّ به))، قالوا: فلما كان أحقّ به بعد
رجوعه، ثبت أنه حقه قبل أن يقوم، ويتأيد ذلك بفعل ابن عمر المذكور، فإنه
راوي الحديث، وهو أعلم بالمراد منه.
وأجاب من حَمَله على الأدب: أن الموضع في الأصل ليس مُلكه قبل
الجلوس، ولا بعد المفارقة، فدلّ على أن المراد بالحقية في حالة الجلوس
الأولوية، فيكون من قام تاركاً له قد سقط حقه جملةً، ومن قام ليرجع يكون
(٢)
أَولی. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن القول بالتحريم مطلقاً هو الأرجح، كما
رجحه النوويّ تَّتُهُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهْوَ
الْقَطَّانُ - (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - كُلُّهُمْ
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ، ثُمَّ بَجَّلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ
تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا)).
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٥٢/٩.
(٢) ((الفتح)) ٢٢٤/١٤ - ٢٢٥، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٧٠).

٦٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
رجال هذه الأسانيد: ثلاثة عشر:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ)؛ يعني: هؤلاء الثلاثة: عبد الله بن نمير،
ويحيى القطّان، وعبد الوهّاب الثقفي رووا هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر
العمريّ.
وقوله: (قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) ضمير الجماعة يعود على الثلاثة:
محمد بن بشر، وأبي أسامة، وعبد الله بن نمير، فقد رووا هذا الحديث عن
عبيد الله العمريّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ حُها.
وقوله: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ) ((لا)) نافيةٌ، ولذا رُفع الفعل بعدها،
والمراد من النفي: النهي، وفي بعض النُّسخ: ((لا يقم)) بالجزم، فـ((لا)) ناهية.
وقوله: (وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا) قال ابن أبي جمرة تَّتُهُ: معنى
الأول: أن يتوسعوا فيما بينهم، ومعنى الثاني: أن ينضم بعضهم إلى بعض،
حتى يفضل من الجمع مجلس للداخل. انتهى(١).
وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِي
الْمَجَلِسِ فَأَفْسَعُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١١]، قال في ((الفتح)): اختُلِف
في معنى الآية، فقيل: إن ذلك خاصّ بمجلس النبيّ وَّ، قال ابن بطال: قال
بعضهم: هو مجلس النبيّ وَلّر خاصّة، عن مجاهد، وقتادة، وذكر الطبريّ عن
قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ وَ﴿ إذا رأوه مقبلاً ضيَّقوا مجلسهم،
فأمرهم الله تعالى أن يوسِّع بعضهم لبعض.
(١) (بهجة النفوس)) ٤/ ١٩٤.

٦٣٣
(١١) - بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧٢)
قال الحافظ: ولا يلزم من كون الآية نزلت في ذلك الاختصاص.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيّان - بفتح المهملة، والتحتانية
الثقيلة - قال: نزلت يوم الجمعة، أقبل جماعة من المهاجرين والأنصار، من
أهل بدر، فلم يجدوا مكاناً، فأقام النبيّ ◌َلّ ناساً ممن تأخر إسلامه، فأجلسهم
في أماكنهم، فشقّ ذلك عليهم، وتكلم المنافقون في ذلك، فأنزل الله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَّفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِ فَأَفْسَحُواْ﴾، وعن الحسن
البصريّ: المراد بذلك: مجلس القتال، قال: ومعنى قوله: ﴿انشُزُواْ﴾
[المجادلة: ١١]: انهضوا للقتال.
وذهب الجمهور إلى أنها عامّة في كل مجلس، من مجالس الخير.
وقوله: ﴿فَأَفْسَعُوْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: وسّعوا يوسّع الله عليكم في الدنيا
(١)
والآخرة. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله العمريّ ساقها أحمد تَظّتُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٤٧٣٥) - حدّثنا ابن نمير، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر، أن رسول الله ◌َ﴿ قال: ((لا يقيم الرجل الرجل عن مقعده يقعد فيه،
ولكن تفسحوا، وتوسعوا)). انتهى(٢).
ورواية يحيى القطّان عن عبيد الله ساقها أيضاً أحمد كظتُ في ((مسنده))،
فقال :
(٤٦٥٩) - حدثنا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر،
قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، فيجلس فيه،
ولكن تفسحوا، وتوسعوا)). انتهى(٣).
ورواية عبد الوهّاب الثقفيّ عن عبيد الله ساقها ابن منده تَّثُ في
((فوائده))، مقروناً بيحيى القطّان، فقال:
(١) ((الفتح)) ٢٢٤/١٤.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٢/٢.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٦/٢.

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
(١٩) - أخبرنا عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، ثنا محمد بن إسحاق
الكرمانيّ، ثنا يحيى بن سعيد القطان، وعبد الوهاب بن عبد المجيد، عن
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَ لّ قال: ((لا يقوم (١)
الرجل للرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا، وتوسعوا)).
انتھی(٢).
ورواية أبي أسامة، وعبد الله بن نمير كلاهما عن عبيد الله ساقها ابن أبي
شيبة تَخْتُ في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٥٥٧٧) حدّثنا ابن نمير، وأبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يُقيمنّ الرجل الرجل عن
مقعده، ثم يقعد فيه، ولكن تفسحوا، وتوسعوا)). انتهى(٣).
وأما رواية محمد بن بشر عن عبيد الله، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
رَافِعٍ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،
حَدَّثَّنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَُّ - يَعْنِي: أَبَّنَ عُثْمَانَ - كُلَّهُمْ عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَهَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْحَدِيثِ: (َّوَلَكِنْ
تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا))، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ:
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرِهَا).
رجال هذه الأسانيد: ثلاثة عشر:
١ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود الْعَتكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
(١) هكذا في النسخة، ولعله ((لا يقيم))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٣٣/٥.
(٢) ((الفوائد لابن منده)) ٣٧/١.

٦٣٥
(١١) - بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧٣)
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن حُسين الحجدريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (حَمَّادُ) بن زيد البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ حجة [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٥.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٦ - (رَوْحُ) بن عُبادة البصريّ، تقدّم قريباً.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابد [١١] (ت ٤٥أَ) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٨ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب.
٩ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً.
١٠ - (ابْنُ أَبِيَّ فُدَيْكِ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ
مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] مات سنة مائتين على
الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
١١ - (الضَّحَُّ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد الأسديّ الْحِزاميّ، أبو
عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ)؛ يعني: أن روحاً، وعبد الرزّاق رویا
عن ابن جريج.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِع)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة، وهم: أيوب
السختيانيّ، وابن جُريج، والضخَّاك بن عثمان رووا هذا الحديث عن نافع، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ ﴿ّ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ بن سعد المتقدّم.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْحَدِيثِ ... إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة لم
يذكروا في روايتهم قوله: ((وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا))، كما لم يذكره الليث في
روايته المتقدّمة.
وقوله: (قُلْتُ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟) القائل هو ابن جريج سأل شيخه نافعاً
عنه، كما صرّح به في رواية البخاريّ الآتية في التنبيه، وأما ما قاله بعض

٦٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الشرّاح(١) من أن السائل هو محمد بن رافع والمسؤول هو ابن جريج، فغلط،
فتنبه .
[تنبيه]: رواية ابن جريج عن نافع ساقها البخاريّ كثّتُهُ في ((صحیحه))،
فقال:
(٨٦٩) - حدّثنا محمد(٢)، قال: أخبرنا مَخْلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن
جريج، قال: سمعت نافعاً يقول: سمعت ابن عمر ﴿ها يقول: ((نَهَى النبيّ ◌َّل
أن يقيم الرجل أخاه من مقعده، ويجلس فيه))، قلت لنافع: الجمعةَ؟ قال:
الجمعةَ وغيرها. انتهى.
وأما روايتا أيوب السختيانيّ، والضحاك بن عثمان كلاهما عن نافع، فلم
أر من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ)، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ
مَجْلِسِهِ، لَمْ يَجْلِسْ فِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي
الحافظ تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضل،
من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٢/١٤.
والباقون ذكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ ... إلخ) هو موصول بالسند المذكور.
(١) راجع: شرح الشيخ الهرريّ ١٤٤/٢٢ - ١٤٥.
(٢) هو: محمد بن سلّام، كما في ((الفتح)) ١٨٢/٣.

٦٣٧
(١١) - بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧٤)
وقوله: (إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ، لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ:
((وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَه أن يقوم الرجل من مجلسه، ثم يجلس مكانه))، قال في
((الفتح)): قوله: ((يجلس)) في روايتنا بفتح أوله، وضبطه أبو جعفر الغُرْناطيّ في
نسخته بضم أوله، على وزن يقام، وقد ورد ذلك عن ابن عمر مرفوعاً، أخرجه
أبو داود من طريق أبي الْخَصِيب - بفتح المعجمة، وكسر المهملة، آخره
موحّدة، بوزن عَظِيم - واسمه زياد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر: ((جاء رجل
إلى رسول الله وَ﴾، فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس، فنهاه
رسول الله وَل﴾))(١)، وله أيضاً من طريق سعيد بن أبي الحسن: ((جاءنا أبو بكرة،
فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه، وقال: إن النبيّ وَّ نَهَى عن
ذا)»(٢)، وأخرجه الحاكم، وصححه من هذا الوجه، لكن لفظه مثل لفظ ابن
عمر الذي في ((الصحيح))، فكأن أبا بكرة حَمَل النهي على المعنى الأعم.
وقد قال البزار: إنه لا يُعرف له طريق إلا هذه، وفي سنده أبو عبد الله مولى
أبي بردة بن أبي موسى، وقيل: مولى قريش، وهو بصريّ لا يُعْرَف. انتهى.
وقال الشوكانيّ رَُّهُ: ظاهر حديث جابر، وحديث ابن عمر .
أنه
يجوز للرجل أن يَقْعُد في مكان غيره إذا أقعده برضاه، ولعل امتناع ابن عمر
عن الجلوس في مجلس من قام له برضاه كان تورّعاً منه؛ لأنه ربما استحيا منه
إنسان، فقام له بدون طيبة من نفسه، ولكن الظاهر أن مَن فعل ذلك قد أسقط
حقّ نفسه، وتجويز عدم طيبة نفسه بذلك خلاف الظاهر، ويكره الإيثار بمحل
الفضيلة؛ كالقيام من الصفّ الأول إلى الثاني؛ لأن الإيثار، وسلوك طرائق
الآداب لا يليق أن يكون في العبادات، والفضائل، بل المعهود أنه في حظوظ
النفس، وأمور الدنيا، فمن آثر بحظه في أمر من أمور الآخرة، فهو من
الزاهدين في الثواب. انتهى(٣).
(١) في سنده أبو الخصيب لم يرو عنه إلا عَقيل بن طلحة، ففي تحسين الشيخ الألبانيّ
له نظر، والله تعالى أعلم.
(٢) ضعيف، في سنده مجهول، كما قال البزّار.
(٣) ((نيل الأوطار)) ٣٠٧/٣.

٦٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
وكلهم تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق عن معمر هذه ساقها عبد الرزّاق تَخْتُهُ في
((مصنّفه))، فقال :
(٥٥٩٣) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن
سالم، أن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((لا يُقم أحدكم أخاه، فيجلسَ في
مكانه، فكان الرجل يقوم لابن عمر من بيته، فلا يجلس في مجلسه)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٦] (٢١٧٨) - (وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ
قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ، فَيَقْعُدَ فِيهِ،
وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار
[١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦٠/٦.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين نُسب لجدّه، أبو
عليّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٣ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ
يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقيان تقدّما قبل بابين، و((أَبُو الزُّبَيْرِ)) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس
المكيّ.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٦٨/٣.

٦٣٩
(١١) - بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ - حديث رقم (٥٦٧٦)
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿) أنه (قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ◌ِ﴾
أَخَاهُ) المراد به أخوّة الدين، سواء كان معها قرابة أم لا، وإنما عبّر بذلك
استعطافاً، واستلطافاً، فكأنه يقول: كيف يقيمه، ويُلحق ضرراً، وهو أخوه،
ومن حقّ الأخ على أخيه أن يدفع عنه الضرر، لا أن يُلحقه به، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) القيد به ليس معتبراً، كما بيّنته الروايات الأخرى،
ولكن هذا الأمر يكثر يوم الجمعة بسبب ضيق المكان؛ لكثرة الناس فيه.
وقال الشوكانيّ كَظْتُ: وذِكر يوم الجمعة في الحديث من باب التنصيص
على بعض أفراد العامّ، لا من باب التقييد للأحاديث المطلقة، ولا من باب
التخصيص للعمومات، فمن سبق إلى موضع مباح، سواء كان مسجداً أو غيره
في يوم جمعة أو غيرها، لصلاة أو لغيرها من الطاعات، فهو أحقّ به، ويحرم
على غيره إقامته منه، والقعود فيه، إلا أنه استُثني من ذلك الموضع الذي قد
سبق لغيره فيه حقّ، كأن يقعد رجل في موضع، ثم يقوم منه لقضاء حاجة من
الحاجات، ثم يعود إليه، فإنه أحقّ به ممن قعد فيه بعد قيامه؛ لحديث أبي
هريرة ظه الآتي، وظاهره عدم الفرق بين المسجد وغيره، ويجوز له إقامة من
قعد فيه، ومثل ذلك الأماكن التي يقعد الناس فيها لتجارة، أو نحوها، فإن
المعتاد للقعود في مكان يكون أحقّ به من غيره، إلا إذا طالت مفارقته له بحيث
ينقطع معاملوه. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: (ثُمَّ لِيُخَالِفَ) ضُبط في النُّسخ ضبط قلم بالجزم على أن اللام لام
الأمر، والظاهر أنه غير صحيح، بل هي لام التعليل، والفعل منصوب بعدها
بـ((أن)) مضمرةً جوازاً؛ أي: ثمّ لأن يُخالفَ؛ أي: ليخلفه (إِلَى مَفْعَدِهِ، فَيَقْعُدَ
فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا))) بوصل الهمزة أمرٌ من فَسَحَ يفسح، كفتح يفتح؛
أي: وسِّعوا المكان، وذلك بأن ينضمّ بعضكم إلى بعض حتى يسع الداخل
الجلوس فيه معكم، والله تعالى أعلم.
(١) ((نيل الأوطار)) ٣٠٧/٣.

٦٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
مسألتان تتعلّقان يهذا الحديث:
وَُّهَ هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ.
(المسألة الأولى): حديث جابر
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٧٦/١١] (٢١٧٨)، و(عبد الرزّاق) في
(مصنّفه)) (٢٦٨/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٥/٣ و٣٤٢)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٢) - (بَابٌ إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ عَادَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٧٧] (٢١٧٩) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَقَالَ
قُتَنْيَةُ أَيْضاً: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَرِ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ))، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي
عَوَانَةَ: (مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ البزّاز الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون تقدّموا قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ))، وَفِي
حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ: ((مَنْ قَامَ) ((من)) شرطيّة جوابها ((فهو أحقّ))، (مِنْ مَجْلِسِهِ)
متعلّق بقام، (ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى مجلسه، (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)))؛ أي: بذلك
المجلس، قال النوويّ كَّلُهُ: قال أصحابنا: هذا الحديث فيمن جلس في
موضع من المسجد، أو غيره لصلاة مثلاً، ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ، أو
يقضي شغلاً يسيراً، ثم يعود، لم يبطل اختصاصه، بل إذا رجع فهو أحقّ به في