Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُئِيَ خَالِياً بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٧)
النبيّ وَّر بعد خيبر، وماتت سنة (٣٦)، وقيل: في ولاية معاوية، وهو الصحيح
(ع) تقدمت في ((الحج)) ٣٢٢٣/٦٥.
والباقون تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ) ﴿هَا (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) ﴿يَا، وفي الرواية
التالية: ((عن الزهريّ، أخبرنا عليّ بن حسين، أن صفيّة زوج النبيّ وَل
أخبرته))، وفي رواية ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ،
عن علي بن الحسين: ((حدّثتني صفية))، وهي صفية بنت حُييّ - بمهملة،
وتحتانية، مصغّراً - ابن أخطب، كان أبوها رئيس خيبر، وكانت تُكْنَى أم
یحیی .
قال الحافظ تَخُّْ: وفي تصريح عليّ بن الحسين بأنها حدثته ردٌّ على من
زعم أنها ماتت سنة ست وثلاثين، أو قبل ذلك؛ لأن عليّاً إنما وُلد بعد ذلك سنة
أربعين، أو نحوها، والصحيح أنها ماتت سنة خمسين، وقيل: بعدها، وكان
عليّ بن الحسين حين سمع منها صغيراً، وقد اختَلَفت الرواة عن الزهريّ في
وَصْل هذا الحديث، قال: واعتمد البخاريّ الطريق الموصولة، وحمَل الطريق
المرسلة على أنها عند عليّ عن صفية، فلم يجعلها عّةً للموصول. انتهى(١).
(قَالَتْ) صفيّة ◌ِوَا (كَانَ النَّبِيُّ وَِّ مُعْتَكِفاً) الاعتكاف لغةً: لزوم الشيء،
وحَبْس النفس عليه، وشرعاً: الْمُقَام في المسجد من شخص مخصوص، على
صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعاً إلا على مَن نَذَره، وكذا من شَرَع فيه،
فقطعه عامداً عند قوم(٢).
(فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً) قال القرطبيّ كَّتُهُ: فيه دليل على جواز زيارة
(١) ((الفتح)) ٤٨٦/٥، كتاب ((الاعتكاف)) رقم (٢٠٣٥).
(٢) ((الفتح)) ٤٧٥/٥، كتاب ((الاعتكاف)) رقم (٢٠٢٥).

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
المعتكف، والتحدّث معه، غير أنه يُكره الإكثار من ذلك؛ لئلا يشتغل عما
دخل إليه من التفرُّغ لعبادة الله تعالى، وعلى أنه: لا يكره له الخلوة مع أهله
في المعتَكَف، ولا الحديث معها، وإنما الممنوع المباشرة، لكن هذا للأقوياء،
وأما من يخاف على نفسه غلبة شهوة، فلا يجوز؛ لئلا يفسد اعتكافه، وقد كان
كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما
يفسد الصوم، أو ينقص ثوابه. انتهى(١).
(فَحَدَّثْتُهُ) وفي الرواية التالية: ((جاءت إلى النبيّ ◌َّ تزوره في اعتكافه في
المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثَتْ عنده ساعةً))، وفي رواية عند
البخاريّ: ((فتحدّثت عنده ساعةً من العشاء))، (ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ)؛ أي: لأرجع
إلى بيتي (فَقَامَ) ◌َّهِ (مَعِي؛ لِيَقْلِبَنِي) بفتح حرف المضارعة، من باب ضرب؛ أي:
لأجل أن يردّني إلى منزلي، فيه جواز تمشي المعتكف مع زوجته ما لم يخرج من
المسجد، وليس في الحديث أنه خرج من المسجد، قاله النوويّ كَّتُهُ(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وقولها: ((ثم قمت لأنقلب))؛ أي: لأنصرف، ((فقام
ليقلبني))؛ أي: يصرفني، وهو مفتوح الياء ثلاثيّاً، وهذا يدلّ على أن للمعتكف
أن ينصرف في المسجد، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجة؛ غير أنه لا يخرج
من بابه إلا للأمور الضرورية التي تقدَّم ذكرها، وقد روي في هذا الحديث: أنه
إنما خرج معها إلى باب المسجد، وعلى هذا تأوَّله البخاريّ، ولم يختلف
العلماء: أنه لا يفسد خروجه إلى باب المسجد، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه
فيه لغير ضرورة؛ كزيارة مريض، أو صلاة على جنازة، أو صعود إلى المنار
للأذان، أو الجلوس إلى قوم ليصلح بينهم، فكره مالك كل ذلك في المشهور
(٣)
عنه. انتهى
ثم بيّن سبب قيامه وَ ﴿ معها؛ ليقلبها بقوله: (وَكَانَ مَسْكِنُهَا فِي دَارِ
أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﴿ه، والمعنى: أنه وَّ إنما قام معها؛ لِبُعد مسكنها من
المسجد، وكان الوقت ليلاً، فخاف عليها أن تستوحش.
(١) ((المفهم)) ٥٠٣/٥ - ٥٠٤.
(٣) ((المفهم)) ٥٠٤/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٥٧.

٦٠٣
(٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُئِيَ خَالِياً بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٧)
وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهريّ:
((كان النبيّ وَ ﴿ في المسجد، وعنده أزواجه، فَرُحْنَ، وقال لصفية: لا تَعْجَلي،
حتى أنصرف معك)).
قال الحافظ تَّهُ: والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك؛ لكون مجيئها
تأخّر عن رُفقتها، فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدّة جلوسهنّ
عنده، أو أن بيوت رُفقتها كانت أقرب من منزلها، فخَشِي النبيّ وَّ عليها، أو
كان مشغولاً، فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله، ويُشَيِّعها .
ورَوَى عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى: ((أن النبيّ وَلفو
كان معتكفاً في المسجد، فاجتمع إليه نساؤه، ثم تفرّقن، فقال لصفية: أَقْلِبك
إلى بيتك، فذهب معها حتى أدخلها بيتها)).
وقوله أيضاً: (وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) بن حارثة حِبّ رسول الله وَّهِ،
وابن حِبّه ◌ًا المتوفّى سنة (٥٤) تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.
والمراد: الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد؛ لأن أسامة بنظراته إذ
ذاك لم يكن له دار مستقلّة، بحيث تسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج
النبيّ ◌َ﴿ حوالي أبواب المسجد، قاله في ((الفتح))(١).
(فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على تسميتهما في
شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن العطار في ((شرح العمدة)) زعم أنهما
أُسيد بن حُضير، وعباد بن بِشْر، ولم يذكر لذلك مستنداً.
قال: ووقع في رواية سفيان عند البخاريّ: ((فأبصره رجل من الأنصار))
بالإفراد، وقال ابن التين: إنه وَهَمٌ، ثم قال: يَحْتَمِل تعدد القصّة.
قال الحافظ: والأصل عدمه، بل هو محمول على أن أحدهما كان تبعاً
للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة، دون الآخر.
ويَحْتَمِل أن يكون الزهريّ كان يشك فيه، فيقول تارةً: رجلٌ، وتارةً:
رجلان، فقد رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن الزهريّ: ((لقيه رجل، أو
رجلان)) بالشكّ، وليس لقوله ((رجل)) مفهومٌ، نعم رواه مسلم من وجه آخر من
(١) ((الفتح)) ٤٧٥/٥، كتاب ((الاعتكاف)) رقم (٢٠٢٥).

٦٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
حديث أنس - يعني: الحديث الذي قبل هذا - بالإفراد، ووَجْهه ما قدّمته من أن
أحدهما كان تبعاً للآخر، فحيث أَفرد ذكر الأصل، وحيث ثَنَّى ذكر الصورة.
انتھی.
وقال القرطبيّ: وذكر في الرواية الأخرى: أنه كان رجلاً واحداً؛ فَيَحْتَمِل
أن يكون هذا في مرتين، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ أقبل على أحدهما بالقول
بحضرة الآخر، فتصح نسبة القصَّة إليهما جمعاً وإفراداً، والله تعالى أعلم.
(١)
انتھی(١).
وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ: ((ثم قامت تنقلب،
فقام النبيّ وَّر معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مَرّ
رجلان من الأنصار، فسلّما على رسول الله (وَلا﴿).
(فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيِّ وَلَّهِ أَسْرَعَا)؛ أي: في المشي، وفي رواية معمر: ((فنظرا
إلى النبيّ وَّ﴾، ثم أجازا))؛ أي: مضيا، يقال: جاز، وأجاز بمعنَى، ويقال:
جاز الموضع: إذا سار فيه، وأجازه: إذا قطعه، وخَلَّفه، وفي رواية ابن أبي
عتيق: ((ثم نَفَذَا))، وهو بالفاء، والذال المعجمة؛ أي: خَلَّفاه، وفي رواية
عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عند ابن حبان: (فلما رأياه استحييا،
فرجعا))، فأفاد سبب رجوعهما، وكأنهما لو استمرّا ذاهبين إلى مقصدهما ما
ردّهما، بل لَمّا رأى أنهما تركا مقصدهما، ورجعا ردّهما. (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َليّ:
((عَلَى رِسْلِكُمَا) - بكسر الراء، وفتحها لغتان(٢)، والكسر أفصح وأشهر؛ أي:
على هِينتكما في المشي، فليس هنا شيء تكرهانه، وفيه شيء محذوف،
تقديره: امشيا على هينتكما، وفي رواية معمر: ((فقال لهما النبيّ وَّر: تعاليا))،
وهو بفتح اللام، قال الداوديّ: أي قِفًا، وأنكره ابن التين، وقد أخرجه عن
معناه بغير دليل، وفي رواية سفيان: ((فلما أبصره دعاه، فقال: تعال))، ذكره في
(٣)
((الفتح))(٣).
(١) ((المفهم)) ٥٠٦/٥.
(٢) هكذا قال الشرّاح، ولم يذكر في ((القاموس)) إلا الكسر، فليُحرّر.
(٣) ((الفتح)) ٤٧٥/٥، كتاب ((الاعتكاف)) رقم (٢٠٢٥).

٦٠٥
(٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُئِيَ خَالِياً بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٧)
وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((على رسلكما)) الرِّسل - بكسر الراء -: الرفق
واللين، وليس فتح الراء فيه معروفاً، والرُّسل بالكسر أيضاً: اللَّبن، وقد أرسل
القوم؛ أي: صار لهم اللبن في مواشيهم، والرَّسَل بفتح الراء والسين: القطيع
من الخيل، والإبل، والغنم، وجَمْعه: أرسال، يقال: جاءت الخيل أرسالاً؛
أي: قطيعاً قطيعاً. انتهى(١).
(إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيٍّ))) وفي رواية سفيان: ((هذه صفيّة)).
ووقع في مختصر القرطبيّ بلفظ: ((إنما هي صفيّة))، فقال في ((شرحه)):
((إنما)) هنا لتحقيق المتصل بها، وتمحيق المنفصل عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنََّا اللَّهُ
إِلَهُ وَحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]؛ أي: الإلهية متحققة له، منفيَّة عن غيره، فكأنه
قال: هذه صفيَّة لا غيرها؛ حَسْماً لذريعة التُّهم، ورداً لتسويل الشيطان،
ووسوسته، كما قد نصَّ عليه، وإذا كان النبيّ وَّهِ يتَّقي مواقع التُّهم مع قيام
الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أولى. انتهى (٢).
(فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد في رواية البخاريّ: ((وكَبُر عليهما))،
وفي رواية له: ((وكَبُر عليهما ما قال))، وفي رواية: ((فكبُر عليهما ذلك))، وفي
رواية: ((فقال: يا رسول الله، هل نظنّ بك إلا خيراً؟)).
وقال القرطبيّ كَُّ: وقول الرجلين: ((سبحان الله)) معنى هذه الكلمة في
أصلها: البراءة الله من السُّوء، لكنها قد كَثُر إطلاقها عند التعجب، والتفخيم،
أو الإنكار، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]،
وكقوله ◌َ *: ((سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس))، ومثله كثير، وهذا الموضع
منها، فكأنهما قالا: البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سَوْءٍ بنبيِّه وَهِ،
ولذلك قال في الرواية الأخرى: ((ومن كنت أظن به، فلم أكن أظن بك)).
(٣)
انتھی(٣).
(قَالَ) ◌َّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) وفي رواية:
((فقال: إني خِفْتُ أن تظنّا ظنّاً، إن الشيطان يجري ... )) إلى آخره، وفي رواية:
-
(١) ((المفهم)) ٥٠٤/٥.
(٣) ((المفهم)) ٥٠٥/٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٤/٥ - ٥٠٥.

٦٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
((ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شرّاً، ولكن قد علمت أن الشيطان يجري
من ابن آدم مجرى الدم)).
وقوله: ((ابن آدم)) المراد جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء،
كقوله تعالى: ﴿يَنِيّ ءَدَمَ﴾، وقوله: ﴿يَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ بلفظ المذكر، إلا أن
العرف عمَّمه، فأدخل فيه النساء.
(وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ)؛ أي: يرمي، ومنه القذف؛ أي: الرمي،
والقذّافة: الآلة التي تَرمي الحجارة، قاله القرطبيّ(١). (فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً))) بشين
معجمة، وراء مشدّدة، قال القرطبيّ تَخَذَتُهُ: والمراد بالشرُّ هنا هو الكفر الذي
ذكرناه، وفي غير مسلم: ((فتهلكا))؛ أي: بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السَّوء
بالنبيّ ◌َل. انتهى(٢).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) النبيّ وَّر، أو أحد الرواة (شَيْئاً) بشين
معجمة، ثم ياء تحتانيّة ساكنة،، وفي رواية: ((سوءاً أو قال: شيئاً))، وفي
رواية: ((إني خفت أن يُدخل عليكما شيئاً)).
قال في ((الفتح)): والْمُحَصَّل من هذه الروايات أن النبيّ وَ له لم ينسبهما
إلى أنهما يظنّان به سوءاً؛ لِمَا تقرر عنده من صِدْق إيمانهما، ولكن خَشِي
عليهما أن يُوسوس لهما الشيطان ذلك؛ لأنهما غير معصومين، فقد يُفضي بهما
ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما؛ حَسْماً للمادة، وتعليماً لمن بعدهما إذا
وقع له مثل ذلك، كما قاله الشافعيّ تَخْلُهُ، فقد رَوَى الحاكم أن الشافعيّ كان
في مجلس ابن عيينة، فسأله عن هذا الحديث، فقال الشافعيّ: إنما قال لهما
ذلك؛ لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنّا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما؛ نصيحةً
لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئاً يهلكان به.
قال الحافظ: وغَفَل البزّار، فطَعَن في حديث صفية ◌ّا هذا، واستبعد
وقوعه، ولم يأت بطائل(٣)، والله وليّ التوفيق.
(١) (المفهم)) ٥٠٦/٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٦/٥.
(٣) اعترض العينيّ على الحافظ في اعتراضه على البزّار، ولكنه اعتراض غير مقبول؛ =

٦٠٧
(٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُئِيَ خَالِياً بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث صفيّة بنت حييّ عَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٦٧/٩ و٥٦٦٨] (٢١٧٥)، و(البخاريّ) في
((الاعتكاف)) (٢٠٣٥ و٢٠٣٨ و٢٠٣٩) و((فرض الخمس)) (٣١٠١) و(«بدء
الخلق)) (٣٢٨١) و((الأدب)) (٦٢١٩) و((الأحكام)) (٧١٧١)، و(أبو داود) في
((الصوم)) (٢٤٧٠ و٢٤٧١) و((الأدب)) (٤٩٩٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٢٦٣)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٧٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٨٠٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٧/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧/٢)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٥٩/٤)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١/
٤٤٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٣٣ و٢٢٣٤)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه) (٣٦٧١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧١/٢٤)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٣٩/١٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٠٦ و١٠٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢١/٤ و٣٢٤) و((شُعب الإيمان)) (٣٢٢/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٤٢٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التحرّز من التعرض لسوء ظن الناس في
الإنسان، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد
يُنكَر ظاهره، مما هو حقّ، وقد يَخْفَى أن يُبَيِّن حاله؛ ليدفع ظن السوء.
قال ابن دقيق العيد كثُّ: وهذا متأكّد في حق العلماء، ومن يقتدي به،
فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه
مَخْلَصٌّ؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثَمّ قال بعض
العلماء: ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافياً؛ نفياً
للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يُجَرِّب
لأنه يؤدي إلى تصويب البزّار في الطعن في الحديث المتفق عليه، فتبصّر، ولا تكن
=
أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٦٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف، والله أعلم. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان كمال شفقته يسير على أمته، ومراعاته لمصالحهم، وصيانة
قلوبهم، وجوارحهم، كما قال الله ربك في حقّه: ﴿وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
[الأحزاب: ٤٣]، فخاف ◌َّ أَن يُلْقِي الشيطانُ في قلوبهما، فيهلكا، فإنّ ظنّ
السوء بالأنبياء كفر بالإجماع، والكبائر غير جائزة عليهم، قاله النوويّ كَذَتُهُ(٢).
٣ - (ومنها): أن من ظنّ شيئاً من نحو هذا بالنبيّ وَّل كفر.
٤ - (ومنها): الاستعداد للتحفظ من مكايد الشيطان، فإنه يجري من
الإنسان مجرى الدم، فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه، وشرّه.
٥ - (ومنها): جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في ليل، أو نهار، وأنه
لا يضرّ اعتكافه، لكن يكره الإكثار من مجالستها، والاستلذاذ بحديثها؛ لئلا
يكون ذريعةً إلى الوقاع، أو إلى القبلة، أو نحوها، مما يُفسد الاعتكاف.
٦ - (ومنها): جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة، من تشييع زائره،
والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة.
٧ - (ومنها): أن فيه إضافةً بيوت أزواج النبيّ وَّ إليهنّ، حيث قال في
هذه الرواية: ((وكان مسكنها في دار أسامة))، وقال في رواية البخاريّ: ((حتى
إذا بَلَغَتْ باب المسجد عند باب أم سلمة)).
٨ - (ومنها): جواز خروج المرأة ليلاً لحاجة.
٩ - (ومنها): مشروعيّة قول: ((سبحان الله)) عند التعجب، وقد وقعت في
الحديث لتعظيم الأمر، وتهويله، وللحياء من ذِكْره، كما في حديث أم
سلیم پا.
وقال النوويّ تَخُّْ: فيه جواز التسبيح تعظيماً للشيء، وتعجباً منه، وقد
كثر في الأحاديث، وجاء به القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
[النور: ١٦](٣) .
يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَتَكَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ
١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لأبي يوسف ومحمد في جواز تمادي
(١) ((الفتح)) ٤٨٩/٥، كتاب ((الاعتكاف)) رقم (٢٠٣٥).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٦/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤ / ١٥٧.

٦٠٩
(٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُفِيَ خَالِياً بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٨)
المعتكف إذا خرج من مكان اعتكافه لحاجته، وأقام زمناً يسيراً زائداً عن
الحاجة، ما لم يستغرق أكثر اليوم.
قال الحافظ: ولا دلالة فيه (١)؛ لأنه لم يثبت أن منزل صفية كان بينه
وبين المسجد فاصل زائد، وقد حَدّ بعضهم اليسير بنصف يوم، وليس في الخبر
ما يدلّ عليه. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو
الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ وَّهِ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ، فِي الْمَسْجِدِ، فِي
الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَتْقَلِبُ، وَقَامَ النَّبِيُّ وَالـ
يَقْلِبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ مَعْمَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَِّيُّ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
◌َبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((يَجْرِي))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمر قنديّ الحافظ،
صاحب ((المسند))، ثقةٌ متقنٌّ فاضلٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م دت) تقدم
في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن
أكثر حديثه عن شُعيب مناولةٌ [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الْحِمصيّ،
ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
والباقون ذُكروا قبله، والسند مسلسل بالتحديث والإخبار من أوله إلى آخره.
وقولها: (فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ) جمع آخرة، قال الفيّوميّ كَُّ: العَشَرَةُ
(١) انتقد العينيّ على الحافظ فيما نقله عن أبي يوسف ومحمد. انظر: ((العمدة)) ١٥١/١١.
(٢) ((الفتح)) ٤٨٩/٥، كتاب ((الاعتكاف)) رقم (٢٠٣٥).

٦١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
بالهاء عدد للمذكر، يقال: عَشَرَةُ رِجَالٍ، وعَشَرَةُ أَيَّام، والعَشْرُ بغير هاء عدد
للمؤنث، يقال: عَشْرُ نِسْوَةٍ، وعَشْرُ لَيَالٍ، وفي التّنزيل: ﴿وَالْفَجْرِ ﴾ وَلَيَالٍ
[الفجر: ١، ٢]، والعامة تُذَكِّر العَشْرَ على معنى أنه جمع الأيام،
٢
عَشْرٍ
فيقولون: العَشْرُ الأَوَّلُ، والعَشْرُ الأخير، وهو خطأ، فإنه تغيير المسموع، ولأن
اللفظ العربيّ تناقلته الألسن اللُّكْنُ، وتلاعبت به أفواه النَّبَط، فحَرَّفوا بعضه،
وبدّلوه، فلا يُتَمَسَّك بما خالف ما ضَبَطه الأئمة الثقات، ونطق به الكتاب
العزيز، والسُّنَّة الصحيحة.
والشهر ثلاث عشرات، فَالعَشْرُ الأُوَلُ: جمع أُوْلَى، والعَشْرُ الوُسَطُ :
جمع وُسْطَى، والعَشْرُ الأُخَرُ: جمع أُخْرَى، والعَشْرُ الأَوَاخِرُ أيضاً: جمع
آخرة، وهذا في غير التاريخ، وأما في التّاريخ فقد قالت العرب: سِرْنا عَشْراً،
والمراد عَشْرُ ليالٍ بأيامها، فغّبوا المؤنث هنا على المذكر؛ لكثرة دور العدد
على ألسنتها، ومنه قوله تعالى: ﴿يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:
٢٣٤]، ويقال: أحد عَشَر، وثلاثة عَشَرَ، إلى تسعة عَشَرَ، بفتح الشين،
وسُكُونُها لغة، وقرأ بها أبو جعفر، والعِشْرُونَ: اسم موضوع لعدد معيَّن،
ويستعمل في المذكّر والمؤنث بلفظ واحد، ويعرب بالواو، والياء، ويجوز
إضافتها لمالكها، فتسقط النون؛ تشبيهاً بنون الجمع، فيقال: عَشْرُو زَيْدٍ،
وعِشْرُوكَ، هكذا حكاه الكسائيّ عن بعض العرب، ومنع الأكثر إضافة العقود،
وأجاز بعضهم إضافة العدد إلى غير التمييز. انتهى (١).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ مَعْمَرٍ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير شُعيب بن أبي
حمزة .
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) الضمير يعود على شعيب أيضاً.
وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّم) تقدّم أن الصواب أنه
على ظاهره، وأن الله تعالى أقدر الشيطان على ذلك، وقيل: هو على سبيل
الاستعارة من كثرة إغوائه، وكأنه لا يفارقه كالدم، فاشتركا في شدّة الاتصال،
وعدم المفارقة.
(١) ((المصباح المنير)) ٤١١/٢.

٦١١
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٩)
[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ تَخْلُهُ
في ((صحيحه))، فقال:
(١٩٣٠) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ قال: أخبرني
عليّ بن الحسين ثها، أن صفية زوج النبيّ وَّ أخبرته، أنها جاءت إلى
رسول الله * تزوره في اعتكافه، في المسجد، في العشر الأواخر من
رمضان، فتحدّثت عنده ساعةً، ثم قامت تنقلب، فقام النبيّ وَّ معها يَقلبها،
حتى إذا بلغت باب المسجد، عند باب أم سلمة مَرّ رجلان من الأنصار، فسلّما
على رسول الله وَليّة، فقال لهما النبيّ وَّ: ((على رِسْلكما، إنما هي صفية بنت
حُيَيّ))، فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، وكُبُر عليهما، فقال النبيّ وَّ: ((إن
الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً)).
انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْثُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ مَنْ أَتَّى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا،
وَإِلَّ وَرَاءَهُمْ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٦٩] (٢١٧٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا
قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي
الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ نَفَرُّ ثَلاثَةٌ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ، وَذَهَبَ
وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ،
فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٧١٥/٢.

٦١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
فَاوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ
عَنْهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ،
يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) وله (٩٠) سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله
المدني، إمام دار الهجرة، رأس الْمُتقنين، وكبير الْمُتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ،
ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة) ٦٦٧/٣٠.
٤ - (أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) اسمه يزيد، ويقال: هو مولى
أم هانىء بنت أبي طالب، أخت عَقيل المدنيّ، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣] (ع)
تقدم في ((الحيض)) ١٥/ ٧٧٠.
٥ - (أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ) الصحابيّ ◌َ لُله، قيل: اسمه الحارث بن مالك،
وقيل: ابن عوف، وقيل: اسمه عوف بن الحارث، مات سنة (٦٨) وهو ابن
(٨٥) على الصحيح (ع) تقدم في ((العيدين)) ٢٠٥٩/٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه،
فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ،
إسحاق، عن أبي مرّة، وفيه راويان اشتهرا بكنيتهما، أبو واقد، وأبو مرّة، وأن
صحابيّه ظبه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة
أحاديث، هذا الحديث عندهم إلا ابن ماجه، وحديث: كان يقرأ ب﴿قّ
(٢)، و﴿أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ﴾ عندهم إلا البخاريّ، وحديث: ((ما
وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ
قُطع من البهيمة، وهي حيّة، فهو ميتة))، عند أبي داود، والترمذيّ، وحديث
ذات أنواط عند الترمذيّ، والنسائيّ، وحديث: ((هذه ثم ظهور الْحُصُر)) عند

٦١٣
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَّى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٩)
أبي داود فقط، راجع: ((تحفة الأشراف))(١).
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا مُرَّةً
مَوْلَى عَقِيلٍ) بفتح العين، مكبّراً، (ابْنِ أَبِي طَالِبٍ) وقيل لأبي مُرّة: مولى
عقيل بن أبي طالب؛ للزومه إيّاه، وإنما هو مولى أخته أم هانئ بنت أبي
طالب. (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر إسحاق بنَ عبد الله (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْئِيّ) صَرّح
بالتحديث في رواية النسائيّ، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن إسحاق، فقال:
((عن أبي مُرّة أن أبا واقد حدّثه))، وقد قدّمت الخلاف في اسم أبي واقد آنفاً،
قال في ((الفتح)): وليس له في البخاريّ غير هذا الحديث(٢)، ورجال إسناده
مدنيون، وهو في ((الموطأ))، ولم يروه عن أبي واقد إلا أبو مُرّة، ولا عنه إلا
إسحاق، وأبو مُرّة والراوي عنه تابعيّان، وله شاهد من حديث أنس، أخرجه
البزار، والحاكم. انتهى(٣).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ بَيْنَمَا) قد تقدّم غير مرّة أن ((بينما)) أصله ((بين)) زيدت
فيه لفظة ((ما))، وهو من الظروف التي لَزِمت إضافتها إلى الجملة، ومثلها (بينا))
بغير لفظة ((ما))، وأصلها أيضاً (بين))، فأُشبعت فتحة النون بالألف، والعامل فيه
معنى المفاجأة المستفادة من لفظة ((إذ أقبل))، وقد سبق أيضاً أن الأصمعي لا
يستفصح مجيء ((إذا))، و((إذ)) في جواب ((بينما))، أفاده في ((العمدة))(٤).
(هُوَ جَالِسٌ) مبتدأ وخبره، (فِي الْمَسْجِدِ) يتعلّق بـ((جالس))، (وَالنَّاسُ مَعَهُ)
جملة حاليّة، وقوله: (إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ) جواب ((بينما))، وقوله: (ثَلَاثَةٌ) بدلُ من ((نفر))،
وفي رواية البخاريّ: ((إذ أقبل ثلاثة نفر))، قال في ((الفتح)): النَّفَر بالتحريك
للرجال، من ثلاثة إلى عشرة، والمعنى: ثلاثة هم نَفَرٌ، والنفر اسم جَمْع،
(١) ((تحفة الأشراف)) ١١٠/١١ - ١١٢.
(٢) وقد بيّنتُ في اللطائف أنه ليس له عند مسلم إلا حديثان فقط.
(٣) ((الفتح)) ٢٧٧/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٦).
(٤) ((عمدة القاري)) ٣٣/٢.

٦١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
ولهذا وقع مميِّزاً للجمع، كقوله تعالى: ﴿يَسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. انتهى(١)
.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((إذ أقبل نفر ثلاثة)) يدلّ على أن أقل ما يقال
عليه نفرٌ: ثلاثةٌ؛ إذ لا يقال: نفر اثنان، ولا: نفر واحد. انتهى(٢).
[تنبيه]: قال الحافظ تَخَّتُهُ: لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على
تسمية واحد من الثلاثة المذكورين. انتهى.
وقوله: (فَأَقْبَلَ اثْنَانٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ) بعد قوله: ((أقبل ثلاثة)) هما
إقبالان، كأنهم أقبلوا أوّلاً من الطريق، فدخلوا المسجد مارِّين، كما في حديث
أنس: ((فإذا ثلاثة نفر يمرّون))، فلما رأوا مجلس النبيّ وَّ أقبل إليه اثنان منهم،
واستمرّ الثالث ذاهباً.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((إذ أقبل ثلاثة نفر)): اعلم أن ههنا إقبالين:
أحدهما: إقبالهم أوّلاً من الطريق، أقبلوا، ودخلوا المسجد مارِّين، يدلّ عليه
حديث أنس رَظُه: ((فإذا ثلاثةُ نفر يمرّون))، والآخر: إقبال الاثنين منهم، حين
رأوا مجلس النبيّ وَّر، وأما الثالث، فإنه استمرّ ذاهباً، وبهذا التقدير سقط
سؤال مَن قال: كيف قال أوّلاً: ((أقبل ثلاثة))، ثم قال: ((فأقبل اثنان))؟ والحال
لا يخلو من أن يكون المقبل اثنين، أو ثلاثة. انتهى (٣).
(وَذَهَبَ وَاحِدٌ)؛ أي: استمرّ في ذهابه، ولم يقف على مجلسه وَّهِ، كما
وقف صاحباه. (قَالَ) أبو واقد (فَوَقَفًا) زاد أكثر رواة ((الموطأ)): ((فلما وقفا
سلّما))، وكذا عند الترمذيّ، والنسائيّ، ولم يذكر السلام عند الشيخين،
ويستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلّم على القاعد، وإنما لم
يذكر ردّ السلام عليهما؛ اكتفاءً بشهرته، أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة
يسقط عنه الردّ(٤)، ولم يُذكَر أنهما صلّيا تحية المسجد: إما لكون ذلك كان
قبل أن تُشرَع، أو كانا على غير وضوء، أو وقع فلم يُنقل؛ للاهتمام بغير ذلك
من القصّة، أو كان في غير وقت تنفّل، قاله القاضي عياض؛ بناءً على مذهبه
(١) ((الفتح)) ٢٧٧/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٦).
(٢) ((المفهم)) ٥٠٧/٥.
(٤) الاحتمال الأول أَولى، فتنبّه.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٣/٢.

٦١٥
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَّى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٩)
في أنها لا تصلَّى في الأوقات المكروهة، والحقّ أنها تُصلّى فيها، وقد قدّمنا
تحقيقه في محلّه.
(عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ ﴿)؛ أي: على مجلس رسول الله وَّل، أو ((على))
بمعنى ((عند)»، هكذا قال الحافظ، وتعقّبه العينيّ، ودونك عبارته، قال: ومعنى
قوله: ((فوقفا على رسول الله وَ له): وقفا على مجلس رسول الله صل﴾، أو معناه:
أشرفا عليه، ومنه: وَقَفْته على ذنبه؛ أي: أطلعته عليه، قال: وقال بعضهم
- يعني: الحافظ ابن حجر -: ((على)) بمعنى ((عند))، قال العينيّ: لم تجىء
((على)) بمعنى ((عند))، فمن اذَّعَى ذلك فعليه البيان من كلام العرب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب العينيّ تَخْتُهُ هذا وجيه، فإنهم لم يذكروا
هذا في معاني ((على))، فقد ذكر ابن هشام تَُّ في ((مغنيه)) لـ((على)) تسعة
معان، ولم يذكر هذا منها، فراجعه تستفد(١)، والله تعالى أعلم.
(فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً) الفُرْجة بضم الفاء، وفتحها: هي الْخَلَل بين
الشيئين، ويقال لها أيضاً: فَرْجٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَمَا مِن فُرُورٍ﴾ [قّ: ٦]
جمع فَرْج، وأما الفَرْجة بمعنى الراحة من الغمّ، فذكر الأزهريّ فيها فتح الفاء،
وضمّها، وكسرها، وقد فَرَج له في الحلقة، والصفّ، ونحوهما، بتخفيف
الراء، يَفْرُج بضمها، قاله النوويّ (٢).
(فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا) و((الْحَلْقة)): بإسكان اللام: كلُّ شيء مستدير،
خالي الوسط، والجمع حَلَقٌ، بفتحتين، وحُكِيَ فتحُ اللام في الواحد، وهو
نادر، قاله في ((الفتح))، وقال النوويّ: وأما الحلقة فبإسكان اللام على
المشهور، وحَكَى الجوهريّ فتحها، وهي لغة رديئة. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَخَُّ: و((الْحَلْقة)) بفتح الحاء، وسكون اللام، وكذلك حلقة
الباب، والحلقة: الدروع، والجمع: حلق بفتحتين، على غير قياس، وقال
الأصمعيّ: الجَمْعِ حِلَق بالكسر، مثل: بَدْرَة وبِدَر، وقَصْعة وقِصَع، وحكى
يونس عن أبي عمرو بن العلاء: حَلَقة - في الواحد بتحريك اللام - والجمع:
(١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٢٨٣/١ - ٢٩٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٤.

٦١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
حَلَقٌ، وحَلَقات، وقال أبو عمرو الشيبانيّ: ليس في الكلام حَلَقة - بتحريك
اللام - إلا قولهم: هؤلاء قوم حَلَقةٌ: جمع حالق للشعر. انتهى(١).
(وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء المعجمة، وفيه ردٌّ على من زعم أنه يَختصّ
بالأخير؛ لإطلاقه هنا على الثاني، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله وَّر في الثاني: ((وأما الآخر فاستحيا)) هذا دليل
اللغة الفصيحة الصحيحة، أنه يجوز في الجماعة أن يقال في غير الأخير منهم:
الآخر، فيقال: حضرني ثلاثة: أما أحدهم فقرشيّ، وأما الآخر فأنصاريّ، وأما
الآخر فتيميّ، وقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل الآخر إلا في الأخير خاصّةً،
وهذا الحديث صريح في الرد عليه، والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((وأما الآخر)) بفتح الخاء، بمعنى: وأما
الثاني؛ لأن الآخَر بالفتح أحد الشيئين، وهو أفعل(٤)، والأنثى أخرى، إلا أن
فيه معنى الصفة؛ لأن أفعل من كذا لا يكون إلا في الصفة، وأما الآخِر بكسر
الخاء فهو بعد الأول، وهو صفة، يقال: جاء آخراً؛ أي: أخيراً، وتقديره
فاعل، والأنثى آخرة، والجمع أواخر. انتهى(٥).
(فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهَِّهِ)؛ أي:
عما كان مشتغلاً به، من الخطبة، وتعليم العلم، أو الذكر، ونحوه، وقوله:
(قَالَ) جواب ((لَمّا)). ((أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه، (أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ) زاد
في رواية يحيى بن أبي كثير التي سيشير إليها: ((قالوا: بلى))، (أَمَّا أَحَدُهُمْ) قال
في ((العمدة)): كلمة ((أمّا)) للتفصيل، و((أحدهم)) مرفوع بالابتداء، وخبره: ((فرأى
فرجة))، وإنما دخلت الفاء؛ لتضمّن ((أما)) معنى الشرط، وإنما أُخّرت إلى الخبر
كراهةً أن يُؤَالَى بين حرفي الشرط والجزاء لفظاً. انتهى (٦).
(١) ((المفهم)) ٥٠٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٧/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٦).
(٤) أي: أفعل تفضيل.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٤.
(٥) ((عمدة القاري)) ٣٣/٢.
(٦) ((عمدة القاري)) ٣٣/٢.

٦١٧
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَّى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِيهِ فُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٩)
(فَأَوَى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ) قال القرطبيّ (١): الرواية الصحيحة بقصر
الأول، وهو ثلاثيّ غير مُتعد، ومدّ الثاني، وهو متعدٍّ رباعيّ، وهو قول
الأصمعي، وهي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾
[الكهف: ١٠]؛ أي: انضمُّوا، ونزلوا، وقال في الثاني: ﴿أَلَمَّ يَجِدْكَ يَتِيمًا
(٢)﴾ [الضحى: ٦]؛ أي: فضمَّك إليه، وقال أبو زيد: آويته أنا إيواءً،
فَشَاوَى
وأويته: إذا أنزلته بك، فَعَلْتُ، وأَفْعَلت بمعنَّى.
قال القرطبيّ: فأما أويت لِمَفَاقِره(٢): فبالقصر، لا غير.
ومعنى ذلك: أن هذا الرجل لمّا انضمّ إلى الحلقة، ونزل فيها، جازاه الله
تعالى على ذلك، بأن ضمّه إلى رحمته، وأنزله في جنته، وكرامته. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): معنى ((أوى إلى الله)): لجأ إلى الله، أو على الحذف؛
أي: انضم إلى مجلس رسول الله صل﴿، ومعنى ((فآواه الله))؛ أي: جازاه بنظير
فعله بأن ضمّه إلى رحمته، ورضوانه. انتهى (٤).
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((فأوى إلى الله، فآواه الله)) لفظة ((أوى))
بالقصر، و((آواه)) بالمدّ، هكذا الرواية، وهذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء
القرآن أنه إذا كان لازماً كان مقصوراً، وإن كان متعدياً كان ممدوداً، قال الله
تعالى: ﴿أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى
اَلْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾، وقال في المتعدي: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ﴾ [المؤمنون:
٥٠]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى ﴾﴾، قال القاضي: وحَكَى
بعض أهل اللغة فيهما جميعاً لغتين: القصر، والمدّ، فيقال: أويت إلى الرجل
بالقصر، والمدّ، وآويته بالمدّ، والقصر، والمشهور الفرق، كما سبق.
قال العلماء: معنى ((أوى إلى الله))؛ أي: لجأ إليه، قال القاضي: وعندي
أن معناه هنا: دخل مجلس ذكر الله تعالى، أو دخل مجلس رسول الله الته،
(١) ((المفهم)) ٥٠٧/٥.
(٢) ((المفاقر)): وجوه الفقر، لا واحد لها، كما في ((اللسان)).
(٣) ((المفهم)) ٥٠٨/٥.
(٤) ((الفتح)) ١/ ٢٧٧، كتاب ((العلم)) رقم (٦٦).

٦١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
ومَجْمَع أوليائه، وانضم إليه، ومعنى ((آواه الله))؛ أي: قَبِله، وقَرَّبه، وقيل
معناه: رحمه، أو آواه إلى جنته؛ أي: كتبها له. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(١).
(وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا)؛ أي: ترك المزاحمة، والتخطّي، كما فعل رفيقه
حياءً من الله تعالى، ومن النبيّ وََّ، وممن حَضَر عنده، قاله القاضي عياض،
وقد بَيَّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، ولفظه عند الحاكم: ((ومضى
الثاني قليلاً، ثم جاء، فجلس))، فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن المجلس،
كما فعل رفيقه الثالث.
وقال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: كأن هذا الثالث كان متمكِّناً من المزاحمة؛ إذ لو
شرع فيها لَفْسح له؛ لأنَّ التَّفسُّح في المجلس مأمورٌ به، مندوبٌ إليه، لكن مَنَعه
من ذلك الحياء، فجلس خلف الصف الأول، ففاتته فضيلة التقدُّم، لكنه
جازاه الله على إصغائه، واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن استحياءه ليس في المزاحمة في
المجلس، وإنما هو استحياؤه عن الذهاب كما ذهب الثالث، ويبيّن هذا المعنى
ما في حديث أنس به المذكور حيث قال: ((ومضى الثاني قليلاً، ثم جاء،
فجلس))، فهذا هو السبب في استحيائه، فتأملّ، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ)؛ أي: رحمه، ولم يعاقبه، قاله في ((الفتح))، وقال
النوويّ: فاستحى الله منه؛ أي: رحمه، ولم يعذبه، بل غفر ذنوبه، وقيل:
جازاه بالثواب، قالوا: ولم يُلحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة الذي آواه،
وبسط له اللطف وقرّبه. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أوَّلَ الحافظ، والنوويّ استحياء الله رَّ
بالرحمة، وعدم المعاقبة، وكذا الإعراض الآتي بالسخط، وهذا تفسير باللازم،
ويستلزم نفي صفة الاستحياء، والإعراض عن الله تعالى، وهذا غير مقبول، بل
الصواب أن صفتي الرحمة، والإعراض ثابتتان لله،تُعَلَ على الوجه اللائق به،
دون تأويل.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٤ - ١٥٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٤ - ١٥٩.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٨/٥.

٦١٩
(١٠) - بَابُ مَنْ أَتَى مَجْلِساً، فَوَجَدَ فِیهِ قُرْجَةً جَلَسَ فِيهَا، ... إلخ - حديث رقم (٥٦٦٩)
وقد أجاد بعض المحقّقين حيث كتب في هامش ((الفتح)) تعقّباً له ما
حاصله: قوله: ((فاستحيا الله منه))؛ أي: رحمه، وقوله: ((فأعرض الله عنه))؛
أي: سَخِطَ عليه، في هذا التفسير للاستحياء، والإعراض من الله عدول عن
ظاهر اللفظ من غير موجب، والحامل على ذلك عند من قال به هو اعتقاد أن الله
تعالى لا يوصف بالحياء، ولا بالإعراض حقيقةً؛ لتوهّم أن إثبات ذلك يستلزم
التشبيه، وليس كذلك، بل القول في الاستحياء، والإعراض كالقول في سائر ما
أثبته الله ريك لنفسه، أو أثبته له رسوله وَله في الأحاديث الصحيحة من الصفات،
والواجب في جميع ذلك هو الإثبات مع نفي مماثلة المخلوقات، وقد ورد في
الحديث: ((إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه
أن يردّهما صفراً))، حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذيّ. انتهى (١).
(وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ))) فيه إثبات الإعراض الله تُعَلَ على
ما يليق بجلاله، وفسّر في ((الفتح)) الإعراض هنا بالسخط، وقال: إطلاق
الأعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل المقابلة، والمشاكلة، فيُحْمَلَ كل
لفظ منها على ما يليق بجلاله فعلاً، وفائدة إطلاق ذلك بيان الشيء بطريق
واضح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت آنفاً أن تفسير الإعراض بالسخط غير
مقبول، والحقّ أن الإعراض من الصفات الثابتة لله ربّك على ما يليق
بجلاله ◌َل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
وقال في ((الفتح)): هذا محمول على من ذهب مُعْرِضاً، لا لعذر، إن كان
مسلماً، ويَحْتَمِل أن يكون منافقاً، واطَّلَع النبيّ وَِّ على أمره، كما يَحْتَمِل أن
يكون قوله وَ لاير: ((فأعرض الله عنه)) إخباراً، أو دعاءً.
ووقع في حديث أنس: ((فاستغنى، فاستغنى الله عنه))، وهذا يُرَشِّح كونه
(٢)
خبراً. انتهى (٢).
(١) راجع: هامش ((الفتح)) ٢٧٨/١.
(٢) (الفتح)) ٢٧٧/١، كتاب ((العلم)) رقم (٦٦).

٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: إن كان هذا المُعْرِض منافقاً فإعراض الله تعالى عنه
تعذيبه في نار جهنم، وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها، وإن كان مسلماً،
وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عَرَض له فآثره، فإعراض الله تعالى عنه مَنْعُ
ثوابه عنه، وحرمانه مجالسة النبيّ وَلقر، والاستفادة منه، والخير الذي حصل
لصاحبيه. انتهى(١).
وقال الإمام ابن عبد البرّ كَُّهُ: قوله في الثالث: ((فأعرض، فأعرض الله
عنه)) فإنه - والله أعلم - أراد: أعرض عن عمل البرّ، فأعرض الله عنه بالثواب،
وقد يَحْتَمِل أن يكون المعرِض عن ذلك المجلس مَن في قلبه نفاق، ومرضٌ؛
لأنه لا يُعرِض في الأغلب عن مجلس رسول الله ◌َّ إلا مَن هذه حاله، بل قد
بان لنا بقول رسول الله وَله: ((فأعرض، فأعرض الله عنه)) أنه منهم؛ لأنه لو
أعرض لحاجة عَرَضت له ما كان من رسول الله وَّ ر ذلك القول فيه، ومن كانت
هذه حاله كان إعراض الله عنه سُخْطاً عليه. ونسأل الله تعالى المعافاة، والنجاة
من سخطه بمنّه، ورحمته. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي واقد الليثيّ رَظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٦٩/١٠ و٥٦٧٠] (٢١٧٦)، و(البخاريّ) في
((العلم)) (٦٦) و((الصلاة)) (٤٧٤)، و(الترمذيّ) في ((الاستئذان))، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٤٥٣/٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٣٢/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)
(٢١٩/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣/
٢٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣١/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٣٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الجلوس إلى العالم في المسجد.
(١) ((المفهم)) ٥٠٩/٥.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٣١٧/١.