Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ؛ لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا (١)، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً، تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْماً، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: بَا سَوْدَةُ وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُچِينَ؟، قَالَتْ(٢): فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللهِ وَّ﴿ِ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى، وَفِي بَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي خَرَجْتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي بَدِهِ، مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ»، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا، زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: الْبَرَازَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (هِشَامٌ) بن عروة المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية. [تنبيه] من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه أبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ويُها من المكثرين السبعة . شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ّا أنها (قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشيّة العامريّة، أمّ المؤمنين تزوّجها النبيّ وَّ بعد خديجة ◌ًا، وهو بمكة، وماتت سنة (٥٥) على الصحيح، تقدّمت ترجمتها في ((الرضاع)) ٣٦٢٩/١٤، وليس لها عند مسلم رواية، بل ذكرٌ فقط. (١) وفي نسخة: ((لبعض حاجتها)). (٢) وفي نسخة: ((قال)). ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام وقال في ((العمدة)): سودة بنت زمعة - بالزاي، والميم، والعين المهملة المفتوحتين، وقال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا من أهل الحديث، والفقهاء، يقولونه بسكون الميم - ابن قيس القريشية العامرية، أسلمت قَدِيماً، وبايعت، وكانت تحت ابن عمّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، أسلم معها، وهاجرا جميعاً إلى الحبشة، فلما قَدِما مكة مات زوجها، فتزوجها النبيّ ◌َّ، ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة قبل عائشة ها، وهاجرت إلى المدينة، فلما كَبُرت أراد طلاقها، فسألته أن لا يفعل، وجعلت يومها لعائشة، فأمسكها . رُوي لها خمسة أحاديث، أخرج البخاري منها حديثين، تُؤُفّيت آخر خلافة عمر نظراته، وقيل: زمن معاوية نظُله، سنة أربع وخمسين بالمدينة. (١) انتھی . (بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: بعدما فرض الله تعالى عليها أن تحتجب عن الرجال الأجانب. وقال الكرمانيّ: [فإن قلت]: وقع هنا أنه كان بعدما ضرب الحجاب، وتقدم في ((الوضوء)) أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرتين. قال الحافظ: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني. والحاصل أن عمر ظُه وقع في قلبه نَفْرة من اطّلاع الأجانب على الحريم النبويّ حتى صَرَّح يقوله له وَلّ: ((احْجُب نساءك))، وأَّد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قَصَد بعد ذلك أن لا يُبدين أشخاصهنّ أصلاً، ولو كنّ مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأَذِن لهنّ في الخروج لحاجتهن؛ دفعاً للمشقّة، ورفعاً للحرج. انتهى (٢). وقوله: (لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا) متعلّق بـ(خرجت))، وفي بعض النسخ: (لبعض حاجتها))؛ أي: لقضاء بعض حاجتها من البول والغائط، (وَكَانَت) سودة (امْرَأَةً جَسِيمَةً)؛ أي: عظيمة الجسم، (تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْماً) بفتح التاء، وإسكان (١) ((عمدة القاري)) ٢٨٤/٢. (٢) ((الفتح)) ٥١٣/١٠ - ٥١٤، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٧٩٥). ٥٦٣ (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) الفاء، وفتح الراء، وبالعين المهملة؛ أي: تطولهنّ، فتكون أطول منهنّ، والفارع المرتفع العالي(١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((تفرع النساء جسماً)): يقال: فَرَعت القومَ؛ أي: طُلْتھم. (لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا)؛ تعني: أنها لا تخفى إذا كانت مُتَلَفّفةً في ثيابها، ومِرْطها في ظلمة الليل، ونحوها، على من قد سبقت له معرفة طولها؛ لانفرادها بذلك(٢). (فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رَبُه (فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا) وفي الرواية الآتية: ((فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة))، قال القرطبيّ تَخْلُ: قول عمر تظله: ((ألا قد عرفناك يا سودة)) يقتضي أن ذلك كان من عمر رُه قبل نزول الحجاب؛ لأنَّ عائشة رقّا قالت فيه: ((حِرْصاً على أن ينزل الحجاب، فأُنزل الحجاب))، والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، فالأَولى أن يُحْمَل ذلك على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل نزول الحجاب، وبعده، ولا بُعد فيه. ويُحْتَمَلِ أن يُحْمَل ذلك على أن بعض الرواة ضمَّ قصّةً إلى أخرى، والأول أَولى؛ فإنَّ عمر بن الخطاب ◌َُّه وقع في قلبه نَفْرة عظيمة، وأَنَفَهُ شديدة، من أن يَطَّلِع أحدٌ على حُرَم النبيّ ◌َّهِ حتى صَرّح له بقوله: ((احجُبْ نساءك؛ فإنَّهن يراهنّ البرّ والفاجر))، ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب، وبعده، فإنه كان قَصْده أن لا يخرجن أصلاً، فأفرط في ذلك، فإنَّه مفضٍ إلى الحرج والمشقة، والإضرار بهنّ، فإنَّهن محتاجات إلى الخروج، ولذلك قال النبيّ ﴿ ﴿ لَمّا تأذَّت بذلك سودة: ((قد أُذِن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ». انتهى(٣). (فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُچِينَ؟، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ) ووقع في بعض النسخ: ((قال: فانكفأت))، والظاهر أنه غلط، والله تعالى أعلم؛ أي: قالت عائشة: فانكفأت؛ أي: انقلبت، وانصرفت سودة هنا من الطريق الذي سلكته إلى رسول الله قال﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١٤ - ١٥١. (٣) ((المفهم)) ٤٩٥/٥ - ٤٩٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٤. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام قال القرطبيّ كَخَّلُهُ: و((انكفأت)) صوابه بالهمزة بمعنى انقلبت، وانصرفت، يقال: كفأتُ القومَ كَفئاً: إذا أرادوا وجهاً، فصرفتهم إلى غيره، فانكفؤوا، ووقع لبعض الرواة: ((انكفت)) - بحذف الهمزة والألف ــ وكأنه لمّا سُهِّلت الهمزة بقيت الألف ساكنة، فلقيها ساكن فحُذفت. انتهى(١). وقولها: (رَاجِعَةً) حال مؤكّدة لـ((انكفأت))، كما قال في ((الخلاصة)): وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ (لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا)) وقولها: (وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِي) جملة حاليّة، وكذا الجملتان بعده، (وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى)؛ أي: يأكل العَشاء - بالفتح والمدّ ــ وهو الطعام الذي يؤكل وقت العِشاء - بالكسر -، وهو أول ظلام الليل، (وَفِي يَدِهِ) وَِ (عَرْقٌ) - بفتح العين المهملة، وسكون الراء -: العظم الذي عليه اللحم، يقال: اعتَرَقتُ العظم، وتعرَّقته: إذا تتبعت ما عليه من اللحم، والْعُرَاق بالضمّ: العظم الذي لا لحم عليه، أفاده القرطبيّ(٢). وقال النوويّ كَّتُهُ: الْعَرْق - بفتح العين، وإسكان الراء - هو العظم الذي عليه بقية لحم، هذا هو المشهور، وقيل: هو القذرة من اللحم، وهو شاذّ ضعيف. انتهى (٣). وقال ابن الأثير تََّفُهُ: الْعَرْقُ بالسكون: العظم إذا أُخِذ عنه مُعظم اللحم، وجمعه عُراقٌ - أي: بالضمّ - وهو جمع نادرٌ، يقال: عَرَقتُ العظمَ، واعترقته، وتعرّقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. انتهى (٤). وقال المجد ◌َُّهُ: العَرْقُ بالفتح، والعُراقُ، كغُراب: العَظْم الذي أُكِل لحْمُه(٥)، جَمْعه ككتاب، وغُراب، وهو نادرٌ، أو العَرْق: العظْم بلَحْمِه، فإذا (١) ((المفهم)) ٤٩٧/٥. (٢) («المفهم)) ٤٩٧/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٥١. (٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص٦٠٨. (٥) زاد الشارح: وقيل: أُخِذَ معظمُ اللحم، وبَقِي عليها لُحوٌ رَقيقة، طيّبة، فتُكْسَر، وتُطْبَخ، وتؤخَذُ إهالتُها من طُفاحَتِها، ويُؤْكَل ما علَى العِظامِ منْ لحْم رقيق، وتُتَمَشَّشُ العِظامُ، ولحمُها من أطيب اللُّحْمانِ عنْدهم. انتهى. ((تاج العروس)) ٦٤٧٦/١. ٥٦٥ (٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) أُكِل لحمُه فعُراقٌ، أو كِلاهُما لكِلَيْهِما. انتهى(١). (فَدَخَلَتْ)؛ أي: في بيت عائشة ◌ِؤُّا (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي (كَذَا وَكَذَا) كناية عن خَرَجْتُ)؛ أي: لقضاء حاجتي، (فَقَالَ لِي عُمَرُ) قوله: ((ألا عرفناك يا سودة))، وقوله: ((يا سودة والله ما تخفين علينا، فانظري (فَأُوحِيَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: كيف تخرجين؟» (قَالَتْ) عائشة أوحى، الله رَكْ إليه وَّهِ (ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: أقلع عن النبيّ وَّهِ الوحي، (وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ) جملة حاليّة، وقولها: (مَا وَضَعَهُ) مؤكّد للجملة قبله؛ أي: ما وضع ◌َ ﴿ الْعَرْق من يده على الأرض، (فَقَالَ) وَلِ مبيّناً لِمَا أوحي إليه في ذلك الوقت ((إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك دَّثُ في ((الكافية الشافية)): بِجُمْلَةٍ كَـاإِنَّهُ زَيْدٌ قَرَا» وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِرَا إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ حَثْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ كَـ«إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ)» فِي بَابِ ((إِنَّ) اسْماً كَثِيراً يُخْذَفُ أُنّكَ أَوْ شَبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا وَجَائِزْ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا تَأْنِيثُهُ كَـ«إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا)) وَقَبْلَ مَا أُنْثَ عُمْدَةً فَشَا (قَدْ أُذِنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أذِنَ الله تعالى، وقال في ((العمدة)): قوله: ((قد أُذِن)) مقول القول، وهو على صيغة المجهول، والآذن هو الله تعالى، وبُني الفعل على صيغة المجهول؛ للعلم بالفاعل(٢). (لَكُنَّ) أيتها الأزواج الطاهرات (أَنْ تَخْرُجْنَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه؛ أي: في خروجكنّ من بيوتكنّ، قال في ((العمدة)): أصله: بأن تخرجن، و((أن)) مصدرية، والتقدير: بخروجكنّ(٣). (لِحَاجَتِكُنَّ))؛ أي: لقضاء حاجتكنّ من البول، ونحوه، وهو متعلّق بـ(تخرُ جن)). وقال الداوديّ: قوله: ((قد أُذِن أن تخرجن)) دالٌ على أنه لم يُرَدْ هنا (١) ((القاموس المحيط)) ص ٨٦٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٢. ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، إنما أراد أن يستترن بالجلباب، حتى لا يبدوَ منهنّ إلا العين. انتهى(١). وقال في (الفتح)) ما خلاصته: خرجت سودة طيّا بعدما ضُرِب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر بن الخطاب نظرته، فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت، فشكت ذلك للنبيّ وَّر، وهو يتعشى، فأوحي إليه، فقال: ((إنه قد أُذِن لكنّ أن تخرجن لحاجتکن)»(٢). وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ)؛ يعني: ابن أبي شيبة شيخه الأول، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم، وقوله: (يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه: يعني: أن أبا بكر قال: ((يفرع النساء جسمها))، بدل قول أبي كريب: (تفرع النساء جسماً))، فعلى رواية أبي بكر: ((النساءَ)) منصوب على المفعوليّة، و((جسمُها)) مرفوع على الفاعليّة، وعلى رواية أبي كريب: ((النساءُ)) مرفوع على الفاعليّة، و((جسماً)) منصوب على التمييز، والله تعالى أعلم. وقوله: (زَادَ أَبُو بَكْرٍ)؛ أي: ابن أبي شيبة (فِي حَدِيثِهِ)؛ أي: في روايته لهذا الحديث، فقوله: ((زاد أبو بكر)) فعل وفاعل، وقوله: (فَقَّالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: الْبَرَازَ) منصوب على أنه مفعول به لـ((زاد))، محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (يَعْنِي: الْبَرَازَ)) مقول ((قال هشام))، وفاعل ((يعني)) ضمير النبيّ ◌َّ؛ يعني: النبيّ وَّه بقوله: ((لحاجتكنّ)) البرازَ، وانتصاب (البراز)) على المفعوليّة لـ(يعني)). ووقع عند البخاريّ بلفظ: (تعني: البراز))، فالضمير يرجع إلى عائشة رضيؤُها؛ أي: تقصد عائشة رضيها بقولها: (تخرجن في حاجتكن)) البرازَ؛ أي: الخروج إلى البراز، وانتصابه بقوله: ((تعني))، أفاده في ((العمدة))(٣). وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((قال هشام: يعني: البراز)) هكذا المشهور في الرواية: ((البراز)) بفتح الباء، وهو الموضع الواسع البارز الظاهر، وقد قال (١) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٢. (٢) ((الفتح)) ٤٣٢/١، كتاب (الوضوء)) رقم (١٤٧). (٣) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٢. ٥٦٧ (٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) الجوهريّ في ((الصحاح)): الْبِرَاز بكسر الباء: هو الغائط، وهذا أشبه أن يكون هو المرادَ هنا، فإن مراد هشام بقوله: ((يعني: البراز)) تفسير قوله وَله: ((قد أُذِن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ))، فقال هشام: المراد بحاجتهنّ: الخروج للغائط، لا لكل حاجة، من أمور المعايش، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ((الْبَرَازُ)): الفضاء، وهو بفتح الموحّدة، ثم راء، وبعد الألف زاي، قال الخطابيّ: أكثر الرواة يقولونه بكسر أوله، وهو غلط؛ لأن الْبِراز بالكسر هو المبارزة في الحرب. وتعقّبه الحافظ، فقال: بل هو موجّهٌ؛ لأنه يطلق بالكسر على نفس الخارج، قال الجوهريّ: الْبِراز المبارزة في الحرب، والْبِزار أيضاً كناية عن ثُقْل الغذاء، وهو الغائط، والْبَرَاز بالفتح: الفضاء الواسع. انتهى. فعلى هذا مَن فَتح أراد الفضاء، فإن أطلقه على الخارج، فهو من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ، كما تقدم مثله في الغائط، ومَنْ كَسَر أراد نفس الخارج. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وللعينيّ تعقّب لتوجيه الحافظ المذكور على عادته المستمرّة، وليس مصيباً في ذلك، فتأمله بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة خُها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧ /٥٦٥٦ و٥٦٥٧ و٥٦٥٨ و٥٦٥٩ و٥٦٦٠] (٢١٧٠)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٤٦ و١٤٧) و((التفسير)) (٤٧٩٥) و((النكاح)) (٥٢٣٧) و((الاستئذان)) (٦٢٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٦/٦ و٢٢٣ و٢٧١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٥٤)، و(ابن حبّان) في (١) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٤. ٥٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام (صحيحه)) (١٤٠٩)، و(الطبريّ) في («تفسيره)) (٤٠/٢٢)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٤٠٨/٧)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٧٥/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٨/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيانَ منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب نظر ته، حيث أنزل الله بموافقته آية الحجاب، وقال في ((العمدة)): هذه إحدى ما وافق فيها ربه . والثانية: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. [البقرة: ١٢٥]، وهذه الثلاثة ثابتة والثالثة: ﴿وَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ فى ((الصحيحين)). والرابعة: موافقته في أسرى بدر. والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في ((صحيح مسلم)). والسادسة: موافقته في آية المؤمنين، روى أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)) من حديث عليّ بن زيد: ((وافقت ربي لمّا نزلت: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرْ﴾، فقلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فنزلت. والسابعة: موافقته في تحريم الخمر. والثامنة: موافقته في قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، ذكره الزمخشريّ. وقال ابن العربيّ: قدَّمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوةً ومعنّى في أحد عشر موضعاً، وفي ((جامع الترمذيّ)) مصحّحاً عن ابن عمر تها: ((ما نزل بالناس أمر قطّ، فقالوا فيه، وقال عمر فيه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر تَذَُّ)). انتهى(١). وقد نَظَم السيوطيّ نَّتُهُ موافقات عمر بنظبه المذكورة، وزاد عليها في كتابه ((الحاوي للفتاوي))، فقال: (١) ((عمدة القاري)) ٤٣٢/٢ - ٤٣٣. ٥٦٩ (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) بسم الله الرحمن الرحيم عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عُمَرُ مَوَافِقاً لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ مَنْظُومَةٍ تَأْمَنُ مِنْ شَتَاتِ وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرٍ وَآَيَتَيْنِ أُنْزِلَا فِي الْخَمْرِ وَقَوْلُهُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَثُ يُحَكِّمُوكَ إِذْ بِقَتْلٍ أَقْتَى وَلَا تُصَلِّ آيَةٌ فِي التَّوْبَهْ وَآيَةٌ فِيهَا بِهَا الاسْتِثْذَانْ تَبَارَكَ اللَّهِ بِحِفْظِ الْمُثَّقِينْ وَفِي سَوَاءٌ آيَةُ الْمُنَافِقِينْ لآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْمِ نَبَّهَهُ كَعْبٌ عَلَيْهِ فَسَجَدًّ رَأَيْتُهُ فِي خَبَرٍ مَوْصُولٍ مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصِّدِّيقِ عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلٍ لَا تَجِدُ الآيَةَ فِي الْمُخَالَلَةَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى(١) يَا سَائِلِي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ فَفِي الْمَقَامِ وَأُسَارَى بَدْرٍ وَذِكْرٍ جِبْرِيلَ لِأَهْلِ الْغَدْرِ وَآيَةُ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَتْ وَقَوْلُهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى وَآيَةٌ فِيهَا لِبَدْرٍ أَوْيَهْ وَآيَةٌ فِي النُّورِ هَذَا بُهْتَانْ وَفِي خِتَامِ آيَةٍ فِي الْمُؤْمِنِينْ وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينْ وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ وَقَالَ قَوْلاً هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَذَّ وَفِي الأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمُجَادِلَهْ نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَنْقُولًا ٢ - (ومنها): تنبيه أهل الفضل، والكبار على مصالحهم، ونصيحتهم، وتكرار ذلك علیھم. ٣ - (ومنها): بيان جواز تَعَرُّق العظم، وهو أكل ما عليه من اللحم. ٤ - (ومنها): جواز خروج المرأة من بيت زوجها لقضاء حاجة الإنسان إلى الموضع المعتاد لذلك بغير استئذان الزوج؛ لأنه مما أَذِن فيه الشرع، قاله (١) ((الحاوي للفتاوي)) للسيوطيّ كتامُ ٣٧٧/١ - ٣٧٨. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام النوويّ تَكْتُ، وقال ابن بطال تَخْدَتُهُ: فقه هذا الحديث أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهنّ الحاجة إليه، من مصالحهن. وقال في ((العمدة)): فيه جواز تصرّف النساء فيما لهنّ حاجة إليه؛ لأن الله تعالى أَذِن لهنّ في الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز ذلك لهنّ جاز لهنّ الخروج إلى غيره من مصالحهنّ، وقد أمر النبيّ وَ﴿ بالخروج إلى العيدين، ولكن في هذا الزمان لمّا كَثُر الفساد، ولا يؤمَن عليهنّ من الفتنة، ينبغي أن يُمْنَعن من الخروج إلا عند الضرورة الشرعية. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بمنعهنّ على الإطلاق محلّ نظر، بل يُمنعن عن التطيّب، والتجمّل عند إرادة الخروج، فإن أبين يُمنعن، وإلا فلا، فإن النبيّ ◌َ﴿ أمر بخروجهنّ في العيد ونحوه، وقال أيضاً: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))، رواه مسلم، وقال: ((إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا تمس طيباً))، رواه مسلم أيضاً، وقال: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات))، صححه ابن خزيمة، وابن حبّان. والحاصل: أنهنّ إذا التزمن شروط الخروج فلا مَنْع، وإلا مُنعن، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه مراجعةَ الأدنى للأعلى فيما يتبيَّن له أنه الصواب، وحيث لا يقصد التعنت، فإنه قد يتبيّن فيها من العلم ما خَفِي، فإن نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] كان سببه المراجعة. ٦ - (ومنها): جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق للضرورة، قاله في ((الفتح). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((للضرورة)) محلّ نظر، بل يجوز للحاجة، ولو لم تكن هناك ضرورة، فليس لاشتراط الضرورة دليلٌ، بل مهما دعت الحاجة إلى الكلام معهنّ جاز، كما دلّ عليه حديث الباب، وغيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) ((عمدة القاري)) ٤٣٢/٢ - ٤٣٣. ٥٧١ (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) ٧ - (ومنها): جواز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قَصْده الخير، فإن عمر رَظُه قال: ((قد عرفناك يا سودة))، وكان شديد الغيرة، لا سيما في أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ. ٨ - (ومنها): جواز وعظ الرجل أمه في الدِّين؛ لأن سودة من أمهات المؤمنین. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيّد في ((الفتح)) بكون المرأة أمّه في الدين، ولا دليل على هذا التقييد، بل كلّ امرأة أخلّت بواجب الشريعة يجب أن يعظها رجل، سواء كانت مَحْرَمه، أم غير محرمه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقيّداً بالمحارم فقط، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): بيان أن النبيّ وَل﴿ كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنه لم يأمرهنّ بالحجاب، مع وضوح الحاجة إليه، حتى نزلت الآية، وكذا في إذنه لهنّ بالخروج(١). ١٠ - (ومنها): أن في قول عمر ظلاله: ((احجُب نساءك)) التزام النصيحة لله ريك، ولرسوله وَله، وكان ◌َّلتر يعلم أن حَجْبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي، بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار عليه بذلك، وكان ذلك من عادة العرب. ١١ - (ومنها): ما قال القاضي عياض كَثّتُهُ: فَرْضُ الحجاب مما اختُصَّ به أزواجُ النبيّ وَّ، فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه، والكفين، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك لشهادة، ولا غيرها، ولا يجوز لهنّ إظهار شخوصهنّ، وإن كنّ مستترات، إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقد كنّ إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حَجَبن، وسَترن أشخاصهنّ، ثم استدَلّ بما في ((الموطأ)) أن حفصة لمّا توفي عمر رضيها سترها النساء عن أن يُرَى شخصها، وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق (١) ((الفتح)) ٤٣٢/١، كتاب ((الوضوء)) رقم (١٤٧). ٥٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام نعشها ليستر شخصها. انتهى (١). وتعقّب في ((الفتح)) ما قاله عياض، فقال: وليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهنّ، وقد كنّ بعد النبيّ ◌َ * يحججن، ويطفن، وكان الصحابة، ومن بعدهم يسمعون منهنّ الحديث، وهنّ مستترات الأبدان، لا الأشخاص، وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لَمّا ذَكَر له طواف عائشة ◌ُها: أقبل الحجاب، أو بعده؟، قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. (٢) . انتھی . وقال في ((موضع آخر بعد ذكر كلام عياض المذكور ما نصّه: وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهن مطلقاً إلا في حاجة البراز نظرٌ، فقد كُنّ يسافرن للحج وغيره، ومن ضرورة ذلك الطواف، والسعي، وفيه بروز أشخاصهنّ، بل وفي حالة الركوب، والنزول لا بُدّ من ذلك، وكذا في خروجهن إلى المسجد النبويّ وغيره. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تعقّب به الحافظ كلام عياض أن ما استَدَلّ به على فرضيّة حجب أشخاصهن ليس فيه دلالة، بل غاية ما يدلّ عليه أنهنّ أخذن بالأحوط في بعض الأحيان، بدليل أنهنّ كن يحججن، فيرى الرجال أشخاصهنّ في الطواف، والسعي، وغير ذلك، وهنّ متحجّبات، ولم يُنكر ذلك أحد، فدلّ على أنّ حجب أشخاصهنّ ليس فرضاً عليهنّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حَكَى ابن التين عن الداوديّ أن قصة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب، وإنما هي في لباس الجلابيب. وتُعُقِّب بأن إرخاء الجلابيب هو الستر عن نظر الغير إليهن، وهو من جملة الحجاب، قاله في ((الفتح)). ١٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْثُهُ: لا خلاف في أن المرأة إن تخرج (١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٥٧. (٢) ((الفتح)) ٥١٣/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٧٩٥). (٣) ((الفتح)) ١٦٣/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٤٠). (٧) - بَابُ إِيَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٦) ٥٧٣ لِمَا تحتاج إليه من أمورها الجائزة، لكنها تخرج على حال بَذَاذة، وتستُّر، وخشونة ملبس بحيث يَسْتُر حجم أعضائها، غير متطيِّة، ولا متبرِّجة بزينة، ولا رافعة صوتها، وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان؛ لِمَا يُظْهِرن من الزينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فُسوقٌ وعصيان. فإنَّ قيل: فما الزينة التي استثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله: يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾؟ [النور: ٣١]. فالجواب: أن ذلك اختُلِف فيه، فقال ابن مسعود : إنها الثياب؛ يعني بذلك: ثيابها التي تستتر بها، ولا تُسْتَر هي؛ كالملحفة، والخمار، وعلى هذا فلا يجوز أن تُبدي مما تحت ذلك شيئاً؛ لا كحلاً، ولا خاتماً، ولا غير ذلك مما يُستَر بالملحفة والخمار. وقال ابن عباس، والمسور: هي الكحل، والخاتم؛ يعني: أن العين لا يمكن سترها، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه. وقال الحسن، ومالك: هو الوجه، والكفان؛ لأنَّهما ليسا بعورة؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادةً، ويظهر ذلك منها في الصلاة، وهما اللذان يبدوان منها عادة. قال: والكلُّ مجوجون على أن المستثنى هو ما يتعذر ستره إما عادةً، وإما عبادةً، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلِ لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ اٌلْمُؤْمِينَ يُدْنِينَ عَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فالخمار ما يُلَفّ على الرأس، والحلق، والجلبابُ اختُلِف فيه، فقال الحسن: هو الرداء، وقال ابن جبير: الْمِقْنَعة، وقال قطرب: هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقال أبو عبيدة: أدنى الجلباب أن تغطي وجهاً إلا قَدْر ما تُبصر منه. قال: إذا قلنا: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، وإنه يجوز لها كشفهما؛ ٥٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام فإذا كانت بارعة الجمال، وجب عليها أن تستر وجهها؛ لئلا تفتن الناس، فتكون من المميلات اللاتي قد تُؤُعِّدن بالنار، وللكلام في هذا متسع، وفيما ذكرناه مَقْنَعٌ. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا، قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا) وفي بعض النسخ: ((يَفْرَع النساءَ جسمها)). وقوله: (قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى) هذا مما لم يظهر لي وجهه، فإنه بهذا اللفظ في رواية أبي أسامة الماضية التي أحال عليها هذه الرواية، فما الفرق بينهما؟ اللهمّ إلا أن يكون مما وقع فيه التصحيف، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير عن هشام بن عروة ساقها الإمام أحمد زَّهُ في ((مسنده))، مع بعض اختلاف، فقال: (٢٤٣٣٥) - حدثنا ابن نُمير، ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجت سودة لحاجتها ليلاً بعدما ضُرِب عليهنّ الحجاب، قالت: وكانت امرأة تَفْرَع النساءَ جسيمةً، فوافقها عمر، فأبصرها، فناداها: يا سودة إنك والله ما تخفين علينا إذا خرجت، فانظري كيف تخرجين؟ أو كيف تصنعين؟ فانكأفت، فرجعت إلى رسول الله وَله، وإنه ليتعشى، فأخبرته بما قال لها عمر، وإن في يده لَعَرْقاً، فأُوحي إليه، ثم رُفِع عنه، وإن العرق لفي يده، فقال: ((لقد أُذِن لكنّ أن تخرجن لحاجتکنّ)). انتهى. (١) ((المفهم)) ٥/ ٤٩٧ - ٤٩٩. ٥٧٥ (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٨ - ٥٦٥٩) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة أيضاً: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحدثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم قريباً. و (هشام)) ذُکر قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر عن هشام بن عروة ساقها البخاريّ تَخْشُهُ في (صحیحه))، فقال: (٤٩٣٩) - حدّثنا فَرْوَة بن أبي الْمَغْراء، حدّثنا عليّ بن مُسْهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت سودة بنت زمعة ليلاً، فرآها عمر، فعرفها، فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النبيّ وَّ، فذكرت ذلك له، وهو في حُجْرتي يتعشى، وإن في يده لَعَرْقاً، فأُنزِل عليه، فُرُفِع عنه، وهو يقول: ((قد أَذِن اللهُ لكنّ أن تخرجن لحوائجكنّ)). انتهى (١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ لهِ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ، إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ نَّهَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ؛ حِرْصاً عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الْحِجَابَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللهُ الْحِجَابَ(٢)). (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٠٦/٥. (٢) وفي نسخة: ((فأُنزل الحجابُ)). ٥٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام رجال هذا الإسناد: سبعة : ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف تَّثهُ، وهو مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وقال في ((الفتح)): وفيه تابعيّان: ابن شهاب، وعروة، وقرينان: الليث، وعُقيل. انتهى، وفيه عائشة رضيها، وقد سبق القول فيها . شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ، إِذَا تَبَرَّزْنَ)؛ أي: إذا خرجن إلى البراز للبول، والغائط، فأصله من برز بفتح عين الفعل: إذا خرج إلى البراز للغائط، وهو الفضاء الواسع، قاله في ((العمدة))(١)، وقال النوويّ: معنى تبرّزن: أردن الخروج لقضاء الحاجة(٢). (إِلَى الْمَنَاصِعِ) - بفتح الميم، وبالصاد المهملة المكسورة - وهو جمع مَنْصع، وهذه المناصع مواضع، قال الأزهريّ: أُراها مواضع خارج المدينة، وهو مقتضى قوله في (١) ((عمدة القاري)) ٢٨٣/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٥١. ٥٧٧ (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٩) الحديث: ((وهو صعيد أفيح))؛ أي: أرض متسعةٌ، والأفيح بالفاء: المكان الواسع، قاله النوويّ(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((المناصع)) بالنون، وكسر الصاد المهملة، بعدها عين مهملة: جمع مَنْصَع، بوزن مَفْعَد، وهي أماكن معروفة، من ناحية البقيع، قال الداوديّ: سُمِّيت بذلك لأن الإنسان يَنْصَع فيها؛ أي: يخلص، والظاهر أن التفسير مقول عائشة، والأفيح بالحاء المهملة: المتسع. انتهى. وقال في ((العمدة)): قوله إلى المناصع جمع مَنْصَع: مَفْعَل، من النصوع، وهو الخلوص، والناصع: الخالص من كل شيء، يقال: نَصَع يَنْصَعِ نَصَاعةً، ونُصُوعاً: ويقال: أبيض ناصعٌ، وأصفر ناصعٌ، قال الأصمعي: كل ثور(٢) خالص البياض، أو الصفرة، أو الحمرة فهو ناصع، وفي ((العباب)): المناصع: المجالس فيما يقال، وقال أبو سعيد: المناصع المواضع التي يُتَخَلَّى فيها لبول أو الغائط، الواحد مَنْصَع، بفتح الصاد، وقال الأزهريّ: أُراها مواضعَ خارجَ المدينة، وقال ابن الجوزيّ: هي المواضع التي يُتخلّى فيها للحاجة، وكان صعيداً أفيح خارج المدينة، يقال له: المناصع. انتهى(٣). (وَهُوَ)؛ أي: المناصع، (صَعِيدٌ أَفْيَحُ) الصعيد: وجه الأرض، وقد فسَّره في الحديث بقوله: ((وهو صعيد أفيح))، والأفيح بالفاء، وبالحاء المهملة: الواسع، وقال الصغانيّ: بحر أفيح: بَيِّن الفيح؛ أي: واسعٌ، وبحر فيّاح أيضاً بالتشديد، وقال الأصمعيّ: إنه لجواد فيّاح، وفيّاضٌ بمعنى واحد، وكأنه سُمِّي بالمناصع؛ لخلوصه عن الأبنية، والأماكن، أفاده في ((العمدة)) (٤). وقوله أيضاً: (وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ) تفسير لقوله: ((إلى المناصع))، والظاهر أنه من تفسير عائشة ﴿نا، كما قال الحافظ، وقال العينيّ: ويَحْتَمِل أن يكون من عروة، أو ممن دونه من الرواة. انتهى. وما قاله الحافظ هو الأقرب، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ١٥١/١٤. (٢) كذا النسخة، والظاهر أنه تصحيف من كل لون، فليُحرّر. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٨٣/٢. (٤) ((عمدة القاري)) ٢٨٣/٢. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام وقال القرطبيّ كَخَذْتُهُ: قوله: ((كن يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع)): يتبرَّزن: يخرجن إلى البَرَاز - بفتح الباء - وهو الموضع الذي يُتبرَّز فيه؛ أي: يُظْهَر، والبروز: الظهور، ومنه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ﴾ [الكهف: ٤٧]؛ أي: ظاهرة، مستوية، لا يحجبها شيء، كما قال تعالى: ﴿لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَآَ ﴾ [طه: ١٠٧]. أَمْنًا و((المناصع)): موضع خارج المدينة. وقوله: ((وهو صعيد أفيح))؛ أي: أرض مستوية، متسعة، وذلك كناية عن خروجهن إلى الحدث؛ إذ لم يكن لهم كُنُف في البيوت، كانوا لا يتخذونها استقذاراً، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى خارج البيوت، ويبعدن عنها إلى هذا الموضع، وقد نصَّت على هذا عائشة ﴿ّا في حديث الإفك. انتهى (١). (وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ: احْجُبْ نِسَاءَكَ)؛ أي: امنعهنّ من الخروج من بيوتهنّ، بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال، كما سبق في الحديث الماضي. ويَحْتَمِل أن يكون أراد أوّلاً الأمر بستر وجوههن، فلمّا وقع الأمر بوفق ما أراد أحبّ أيضاً أن يحجب أشخاصهنّ مبالغة في التستر، فلم يُجَب لأجل الضرورة، قال الحافظ: وهذا أظهر الاحتمالين. وقد كان عمر ◌ُّه يَعُدّ نزول آية الحجاب من موافقاته كما سيأتي بيانها قريباً. وعلى هذا فقد كان لهنّ في التستر عند قضاء الحاجة حالات: أولها بالظلمة؛ لأنهن كنّ يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة ثا في هذا الحديث: ((كُنّ يخرجن بالليل))، وفي حديث عائشة ◌َّا في قصة الإفك: ((فخَرَجت معي أم مِسْطَح قِبَل المناصع، وهو مُتَبَرَّزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل)). انتهى. ثم نزل الحجاب، فتستّرن بالثياب، لكن كانت أشخاصهنّ ربما تتميز، ولهذا قال عمر لسودة في المرة الثانية، بعد نزول الحجاب: ((أما والله ما تخفين علينا)). (١) ((المفهم)) ٤٩٤/٥ - ٤٩٥. (٧) - بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ - حديث رقم (٥٦٥٩) ٥٧٩ ثم انُّخِذت الكُنُفُ في البيوت، فتستّرن بها، كما في حديث عائشة في قصّة الإفك أيضاً، فإن فيها: ((وذلك قبل أن تُتَّخَذ الكنفُ))، وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب، قاله في ((الفتح))(١) . وقال القرطبيّ تَكْثُهُ: وقول عمر به لرسول الله وَله: ((احجُبْ نساءك)) مصلحة ظهرت لعمر رُه، فأشار بها، ولا يُظَنّ بالنبيّ وَ ◌ّ أن تلك المصلحة خَفِيت عليه، لكنَّه كان ينتظر الوحي في ذلك، ولذلك لم يوافق عمر نظُبه على ذلك حين أشار عليه به، لا سيما، وقد كانت عادة نساء العرب ألا يحتجبن؛ لكرم أخلاق رجالهم، وعفاف نسائهم غالباً، ولذلك قال عنترة [من الكامل]: وَأَغْضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتِي حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا فلمّا لم يكن هنالك ريبةٌ؛ تَرَكهم، ولم ينههم؛ استصحاباً للعادة، وكراهةً لابتداء أمرٍ، أو نهي؛ فإنَّه كان يحبُّ التخفيف عن أمته. ففيه من الفقه: الإشارة على الإمام بالرأي، وإعادة ذلك إن احتاج إليها، وجواز إشارة المفضول على الفاضل، وجواز إعراض المشار عليه، وتأخير الجواب إلی أن یتبیّن له وجه یرتضیه. انتھی(٢). (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَفْعَلُ)؛ أي: ما طلب منه عمر ◌َهُ مِنْ حَجْب نسائه، (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) تقدّم أن الأكثرين على سكون الميم، ويجوز فتحها، وقولها: (زَوْجُ النَّبِيِّ وَ﴿) بدل من ((سودة))، (لَيْلَةً) منصوب على الظرفيّة لـ((خرجت))، (مِنَ اللَّيَالِي) متعلّق بصفة لـ((ليلةً))، (عِشَاءً) بكسر العين، والمدّ بدل من («ليلةً))، (وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً) تقدّم في الرواية الماضية: ((وكانت امرأة جسيمةً، تَفْرَعُ النساءَ جسماً)). (فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَا) - ألا بفتح الهمزة، وتخفيف اللام -: حرف استفتاح، يُنَبَّه به على تحقق ما بعده، (قَدْ عَرَفْنَاكِ بَا سَوْدَةُ) منادى مبنيّ على الضم؛ لأنه مفرد علم، وقوله: (حِرْصاً) منصوب على أنه مفعول لأجله، والعامل فيه قوله: ((فناداها)). (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابَ) يَحْتَمِل بناء الفعل للفاعل، و((الحجاب)) مرفوع على الفاعليّة، ويَحْتَمِل بناؤه للمفعول، (١) ((الفتح)) ٤٣٠/١ - ٤٣١، كتاب ((الوضوء)) رقم (١٤٦). (٢) («المفهم)) ٤٩٥/٥. ٥٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام و ((الحجابُ)) نائب فاعله، ووقع في النسخة المطبوعة مضبوطاً بالقلم: ((يُنْزِلَ الحجابَ)) بضم أول ((ينزل))، وكسر ثالثه، من الإنزال، ونصب الحجاب على المفعولیّة، فیکون الفاعل ضمير الله رقم، وإن لم يجر له ذِكْر قبله؛ للعلم به، والضبطان الأولان أظهر، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﴿َا (فَأَنْزَلَ اللهُ رَى الْحِجَابَ) وفي بعض النسخ: ((فأُنزل الحجابُ))، وفي رواية للمستملي عند البخاريّ: ((آية الحجاب))، زاد أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق الزُّبيديّ، عن ابن شهاب: فأنزل الله الحجاب: ﴿يَأَيُّاَ الَّذِينَ ءَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]. وقال في ((الفتح)): وسيأتي في ((تفسير الأحزاب)) أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لَمّا أَوْلَم عليها، وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحيا النبيّ ◌َّ ﴿ أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب. وسيأتي أيضاً حديث عمر: قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. ورَوَى ابن جرير في ((تفسيره)) من طريق مجاهد، قال: بينا النبيّ وَّلـ يأكل، ومعه بعض أصحابه، وعائشه تأكل معهم، إذ أصابت يدُ رجل منهم يدها، فكَرِه النبيّ ◌َيرِ ذلك، فنزلت آية الحجاب. قال: وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها؛ للنصّ على قصتها في الآية، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَيْهِنَ مِن جَلَبِيِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: وقد وقع في رواية مجاهد، عن عائشة ﴿ّا لنزول آية الحجاب سبب آخر، أخرجه النسائيّ، بلفظ: ((كنت آكل مع النبيّ ◌َ﴿ حَيْساً في قَعْبِ، فَمَرّ عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي، فقال: حَسْ - أو: أَوَّه - لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين، فنزل الحجاب)). قال: ويُمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصّة زينب، فلِقُرْبه منها أَطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب. (١) ((الفتح)) ٤٣٠/١ - ٤٣١، كتاب ((الوضوء)) رقم (١٤٦).