Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٤)
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن عبد الله بن دينار هذه ساقها النسائيّ تَخْشُ
في ((الكبرى)) فقال:
(١٠٢١٢) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا
سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر قال: ((إن اليهود إذا
سلّموا قالوا: السام عليكم، فقولوا: وعليكم)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٤] (٢١٦٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ
لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُرْوَةٌ) بن الزبير، تقدّم قريباً.
٢ - (عَائِشَةُ) أمّ المؤمنين ظُنا تقدّمت أيضاً قريباً.
والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب، و((عمرو الناقد)) هو عمرو بن محمد بن
بُکیر.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد
كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والراوي عن خالته، وفيه
عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ينا من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين ◌ِّ أنها (قَالَت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ)
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ١٠٢/٦.

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
((الرهط)) بفتح الراء، وإسكان الهاء، وتُفتح: قال الفيّوميّ: الرَّهْطُ ما دون عشرة
من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح مِنْ فَتْحها، وهو جَمْع لا
واحد له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى
الثلاثة نفر، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال
ثعلب أيضاً: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ، معناهم: الجمع،
لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت:
الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ، بمعنى، ويقال: الرَّهْطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله
الأصمعيّ في ((كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجل:
قومه، وقبيلته الأقربونَ. انتهى(١).
قال الحافظ تَّلُهُ: لم أعرف أسماء هؤلاء الرهط، لكن أخرج الطبرانيّ
بسند ضعيف، عن زيد بن أرقم، قال: ((بينما أنا عند النبيّ وَلّ إذ أقبل رجل
من اليهود، يقال له: ثعلبة بن الحارث، فقال: السام عليك يا محمد، فقال:
وعليكم))، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون أحد الرهط المذكورين، وكان هو
الذي باشر الكلام عنهم، كما جَرَت العادة من نسبة القول إلى جماعة،
والمباشر له واحد منهم؛ لأن اجتماعهم، ورضاهم به في قوّة من شاركه في
(٢)
النطق. انتهى (٢).
(عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ) ((السام)) بالسين المهملة،
وتخفيف الميم: الموت، وأَلِفُه منقلبة عن الواو، ورواه قتادة مهموزاً، وقال:
معناه تسأمون دينكم، يقال: سَئِمَهُ، ورواه غيره: السام، وهو الموت، فإن كان
عربيّاً فهو من سَامَ يسوم: إذا مضى؛ لأن الموت مضى، قاله الطيبيّ تَخْذَقُهُ(٣).
وقال ابن بطال تَظُّهُ(٤): فسَّر أبو عبيد السام بالموت، وذكر الخطابيّ أن
قتادة تأوّله على خلاف ذلك، ففي رواية عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤١/١.
(٢) ((الفتح)) ١٤/ ١٩٢، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٠٤١/١٠.
(٤) ((الأعلام)) ٢١٧٦/٣ - ٢١٧٧.

٥٢٣
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٤)
أبي عروبة، قال: كان قتادة يقول: تفسير السامُ عليكم: تسأمون دينكم، وهو
يعني: السَّأَم مصدر سَئِمه سَآَمَةً، وسَأَماً، مثل رَضِعَه رَضَاعَةً، وَرَضَاعاً، قال
ابن بطال: ووجدت هذا الذي فسَّره قتادة مرويّاً عن النبيّ وَ ﴿، أخرجه بَقِيّ بن
مَخْلَد في ((تفسيره) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس: ((أن النبيّ وٍَّ بينا هو
جالس مع أصحابه، إذ أتى يهوديّ، فسلَّم عليه، فرَدُّوا عليه، فقال: هل تدرون
ما قال؟ قالوا: سَلَّم يا رسول الله، قال: قال: سام عليكم؛ أي: تسأمون
دینکم)).
قال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((أي تسأمون دينكم)) تفسير قتادة،
كما بيّته رواية عبد الوارث التي ذكرها الخطابيّ.
وقد أخرج البزّار، وابن حبان في ((صحيحه)) من طريق سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة، عن أنس: ((مَرّ يهوديّ بالنبيّ وَّر وأصحابه، فسلّم عليهم،
فردّ عليه أصحاب النبيّ وَّ﴾، فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: نعم، سلّم
علينا، قال: فإنه قال: السام عليكم؛ أي: تسأمون دينكم، رُدُّوه عليّ، فرَدُوه،
فقال: كيف قلت؟ قال: قلت: السام عليكم، فقال: إذا سلّم عليكم أهل
الكتاب، فقولوا: عليكم ما قلتم))، لفظ البزار، وفي رواية ابن حبان: ((أن
يهوديّاً سَلَّم، فقال النبيّ وَّ: أتدرون؟ ... )) والباقي نحوه، ولم يذكر قوله:
(ردوه ... إلخ))، وقال في آخره: ((فإذا سلّم عليكم رجل من أهل الكتاب،
فقولوا: وعليك)). انتهى(١).
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّا (بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ)؛ أي: عليكم مفهوم ما تريدون
من هذا اللفظ، وتحرّفونه إلى المعنى الفاسد، (وَاللَّعْنَةُ)؛ أي: عليكم اللعنة
زيادة على ذلك.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((واللعنة)) يَحْتَمِل أن تكون عائشة ﴿ّا فَهِمت
كلامهم بفطنتها، فأنكرت عليهم، وظَنَّت أن النبيّ وَّ﴿ ظنّ أنهم تلفظوا بلفظ
السلام، فبالغت في الإنكار عليهم.
ويَحْتَمِل أن يكون سبق لها سماع ذلك من النبيّ ◌َّر، كما في حديثَي ابن
(١) ((الفتح)) ١٩٢/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
عمر، وأنس ه في الباب، وإنما أطلقت عليهم اللعنة، إما لأنها كانت ترى
جواز لعن الكافر المعيَّن باعتبار الحالة الراهنة، لا سيما إذا صدر منه ما
يقتضي التأديب، وإما لأنها تقدّم لها علمٌ بأن المذكورين يموتون على الكفر،
فأطلقت اللعن، ولم تقيّده بالموت، والذي يظهر أن النبيّ وَّ أراد أن لا يتعود
لسانها الفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السبّ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((يَا عَائِشَةُ) وفي الرواية الآتية: ((مه يا عائشة))،
و(مه)) بفتح، فسكون: كلمة زجر عن الشيء، وفي رواية البخاريّ: ((مهلاً يا
عائشة))، وقوله: ((مهلاً)) معناه: تَأَنَّي، وارفُقِي، وانتصابه على المصدرية، وقال
الجوهريّ: الْمَهَل، بالتحريك: التُّؤَدة، والتباطؤ، والاسم: الْمُهْلة بالضمّ،
قال: وقولهم: مَهْلاً يا رجلُ، وكذلك للاثنين، والجمع، والمؤنّث، وهي
موحّدةٌ بمعنى أَمْهِلْ. انتهى(١).
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ) قال المناويّ تَخْذُهُ: ((الرفق)) - بكسر الراء، وسكون
الفاء -: لِيْنُ الجانب بالقول، والفعل، والأخذُ بالأسهل، والدفع بالأخفّ،
قال: عرَّف في ((شرح الرسالة العَضُدية)) الرفقَ بأنه حسن الانقياد إلى ما يؤدي
إلى الجميل. انتهى(٢). (فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)))؛ أي: في أمر الدِّين، وأمر الدنيا،
حتى في معاملة المرء نفسه، ويتأكد ذلك في معاشرة مَن لا بُدّ للإنسان من
معاشرته، كزوجته، وخادمه، وولده، فالرفق محبوبٌ مطلوبٌ مرغوب، وكلُّ ما
في الرفق من الخير ففي العنف مثله من الشر. انتهى(٣).
(قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟) تعني قولهم: السام عليكم، (قَالَ) ◌َِّ («قَدْ
قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ))) هكذا في رواية سفيان، عن الزهري بإثبات الواو، وفي الرواية
التالية من طريق معمر، وصالح بن كيسان، كلاهما عن الزهريّ: ((عليكم))
بحذف الواو، والله تعالى أعلم.
(١) ((الصحاح)) ١٠٠٧، و((عمدة القاري)) ١١٣/٢٢.
(٢) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٨٧/٢.
(٣) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ ٢٨٧/٢.

٥٢٥
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَذُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة خَوْنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤ /٥٦٤٤ و٥٦٤٥ و٥٦٤٦ و٥٦٤٧] (٢١٦٥)،
و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٣٥) و((الأدب)) (٦٠٢٤ و٦٠٣٠) و((الاستئذان))
(٦٢٥٦) و((الدعوات)) (٦٣٩٥ و٦٤٠١) وفي ((الأدب المفرد)) (٣١١ و٤١٢)،
و(الترمذيّ) في ((الاستئذان)) (٢٧٠١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٠٣/٦)،
و(ابن ماجه) في ((الآداب)) (٣٦٨٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٦٠)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧/٦ و٨٥ و١٩٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٣/٢)،
و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٢٨/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه))
(٦٤٤١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٣/٩) وفي ((الآداب)) (٢٨٦)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣١٣ و٣٣١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما عليه اليهود من شدّة بغضهم للإسلام، وأهله، وقد
أخبرنا الله ◌ُعَجَ بذلك، فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ الآية [المائدة: ٨٢].
٢ - (ومنها): ما قال المهلَّب تَظَّتُهُ: في هذا الحديث جواز انخداع الكبير
للمكايد، ومعارضته من حيث لا يشعر، إذا رُجي رجوعه، قال الحافظ: في
تقييده بذلك نظرٌ؛ لأن اليهود حينئذ كانوا أهل عهد، فالذي يظهر أن ذلك كان
لمصلحة التأليف. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْدَثُ: قوله وَله: ((ياعائشة إن الله يحبّ
الرفق في الأمر كلِّه)) هذا من عظيم خُلُقِهِ وَِّ، وكمال حِلْمه، وفيه حثّ على
الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس، ما لم تَدْعُ حاجة إلى المخاشنة.
(٢)
انتھی(٢) .
(١) ((الفتح)) ١٩٤/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/١٤.

٥٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
٤ - (ومنها): ما قيل: فيه جواز لعن الكافر المعيّن، وفيه خلاف قد
حقّقناه في غير هذا المحلّ.
٥ - (ومنها): إثبات صفة المحبّة لله ربّ من غير تأويل، ولا تمثيل، ولا
تعطيل، بل على ما يليق بجلاله ﴿، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
جَمِيعاً عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِح (ح) وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ))، وَلَمْ
يَذْكُرَا(١) الْوَاوَ).
رجال هذين الإسنادين: ثمانية:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، أبو محمد الْهُذليّ، ثقةٌ حافظُ،
له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ،
أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤١/٩.
٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) ضمير التثنية لإبراهيم بن سعد
وصالح بن کیسان.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ ساقها النسائيّ كَّتُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١) وفي نسخة: ((ولم يذكروا)).

٥٢٧
(٤) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٦)
(١٠٢١٤) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا عَمِّي،
قال: أخبرني أَبِي (١)، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة، أن عائشة
قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله وَ﴾، فقالوا: السام عليك،
ففهمتها، فقلت: السام عليكم، واللعنة، فقال رسول الله وَله: ((مَهْلاً يا عائشة،
إن الله يُحِبّ الرفق في الأمر كله))، قلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟
قال رسول الله : ((قد قلت: علیکم)). انتهى(٢).
ورواية معمر عن الزهريّ ساقها عبد بن حميد تَخّْثُ في ((مسنده))،
فقال :
(١٤٧١) - أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن
عائشة قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله وَلفير، فقالوا: السام عليكم،
فقال النبيّ وَّر: ((وعليكم))، فقالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام،
واللعنة، فقال النبيّ وَله: ((مَهْلاً يا عائشة، إن الله يحبّ الرفق في الأمر كله))،
قالت: قلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول الله وقال : ((أليس
قد قلت: عليكم؟)). انتهى(٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ أُنَاسٌ(٤) مِنَ الْيَهُودِ،
فَقَالُواً: السَّامُ عَلَيْكَ بَا أَبَا الْقَاسِم، قَالَ: ((وَعَلَيْكُمْ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ
عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَالذَّامُ، فَقَالَ رَسُوَّلُ اللهِ وَّهِ: ((يَا عَائِشَةُ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً))،
فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: ((أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا؟،
قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ))).
(١) سقط لفظ ((أبي)) من نسخة ((الكبرى))، ولا بدّ منه، والإصلاح من رواية مسلم هذه،
ومن ((تحفة الأشراف)) ٤٩/١٢، فتنبّه.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ١٠٣/٦.
(٤) وفي نسخة: («ناسٌ)).
(٣) ((مسند عبد بن حميد)) ٤٢٨/١.

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، ثقةٌ
فاضلٌ، من صغار [٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
٢ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ،
مخضرٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
و((عائشة)) ﴿ّا ذُكرت قبله، والباقون تقدّموا قريباً، و((أبو كُريب)) هو:
محمد بن العلاء، و((أبو معاوية)) هو: محمد بن خازم الضرير، و((الأعمش))
هو: سليمان بن مهران.
وقولها: (أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ أَنَاسٌ) ببناء الفعل للفاعل، و((أُناس)) مرفوع على
الفاعليّة له، و((النبيَّ)) مفعوله مقدّماً، ووقع في بعض النُّسخ: ((ناسٌ)) بحذف
الهمزة، قال الفيّوميّ كَخُّْهُ: ((الأُنَاسُ)) قيل: فُعالٍّ بِضَمّ الفَاءِ، مُشْتَقُ مِنَ الإنْس،
لكن يجوزُ حذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، فيبقى النَّاسَ، وعنِ الكسائيّ:
أن الأُنَاسَ، والنَّاسَ لُغَتانِ بِمِعَنْىَ واحد، وليس أحدهما مشتقّاً من الآخر، وهو
الوجهُ؛ لأنهما مادَّتَانِ مُخْتلِفَتانِ في الاشْتِقَاق، والحذف تَغْبِيرٌ، وهو خِلافُ
الأَصْل. انتهى (١).
وقولها: (بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَالذَّامُ) قال النوويّ كَُّ: ((الذام)) بالذال
المعجمة، وتخفيف الميم، وهو الذّمّ، ويقال: بالهمزة أيضاً، والأشهر ترك
الهمز، وألفه منقلبة عن واو، والذامُ، والذِّيمُ، والذّمّ بمعنى العيب، ورُوِي
الدّامُ بالدال المهملة، ومعناه الدائم، وممن ذكر أنه رُوي بالمهملة ابن الأثير،
ونقل القاضي عياض الاتفاق على أنه بالمعجمة، قال: ولو رُوي بالمهملة لكان
له وجه، والله أعلم. انتھی.
وقال في ((الفتح)): ((والذام)) بالذال المعجمة، وهو لغة في الذّمّ ضِدِّ
المدح، يقال: ذَمَّ بالتشديد، وذام بالتخفيف، وذَيْم بتحتانية ساكنة، وقال
عياض: لم يختلف الرواة أن الذام في هذا الحديث بالمعجمة، ولو رُوي
بالمهملة من الدوام، لكان له وجه، ولكن كان يحتاج لحذف الواو؛ ليصير
(١) (المصباح المنير)) ٢٦/١.

٥٢٩
(٤) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٦)
صفة للسام، وقد حَكَى ابن الأعرابيّ: ((الدام)) لغة في الدائم. انتهى (١).
وقال القاضي عياض ◌َُّ في ((المشارق)): وقول عائشة واثقًا: ((عليكم
السام والذام)) الرواية بغير همز عند الكافة، وذال معجمة، وعند العذريّ:
والهام بالهاء، فعلى رواية الكافة، إما أن يقال: إن الألف منقلبة من همزة،
والذأم بالهمز العيب، يقال: ذامه يَذامه ذاماً، قال الله تعالى: ﴿أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومًا
مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]؛ أي: مَعِيباً، أو تكون أيضاً منقلبة من ياء بمعناه، يقال
منه: ذامه يَذيمه ذاماً، بغير همز، وكذلك ذمَّه يَذُمّه ذمّاً، وذماه يَذميه كله
بمعنى، وقد ذكر الهرويّ هذا الحديث، فقال: ((عليكم السام، والدام)) بدال
مهملة غير مهموز، وفسَّره: عليكم الموت الدائم، قال ابن الأعرابيّ: الدام:
الموت الدائم، وقال ابن عرفة: ذامَتُّه بالمعجمة مهموز: حَقَرته، وأما رواية من
رواه: الهام، فإن صحت فمحملها على معنى الطيرة، والشؤم؛ لأن العرب
تتشاءم بالهام، وهو ذَكَر الْبُوم، أو يراد بالهام هنا الموت، والهلاك، كما فُسِّر
به السام في الرواية الأخرى، على أحد التفسيرين؛ لقولهم: هو هامة اليوم، أو
غَدٍ؛ أي: ميت، وأصله أيضاً من قول الجاهلية: إن الميت إذا مات خرج من
رأسه طائر يُسَمَّى الهام. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قول عائشة ﴿ ها: ((بل عليكم السَّام، والذَّام)): الذَّام
بتخفيف الميم؛ الرواية المشهورة فيه بالذال المعجمة، وهو العيب، ومنه:
المثل: لا تَعْدَمُ الْحَسْنَاءُ ذَاماً؛ أي: عيباً، ويهمز، ولا يهمز، ويقال: ذأمه
يذأمه، مثل: دأب عليه يدأب، والمفعول: مذؤوم - مهموزاً - ومنه: ﴿مَذْمُومًا
مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]، ويقال: ذامه يذومه - مخففاً - كرامه، يرومه، قال
الأخفش: الذَّامِ أشدُّ العيب، وقد وقع للعذريّ هذا الحرف ((الهام)) بالهاء؛
يعني: هامة القتيل، وصداه التي كانت العرب تتحدَّث بها، وهي من أكاذيبها،
كما تقدَّم، وتعني بذلك عائشة ﴿ّا على هذا القتلَ؛ دعت عليه بالموت
والقتل، وقاله ابن الأعرابيّ بالدال المهملة، وفسّره بالدائم، والصواب الأول
(١) ((الفتح)) ١٤/ ١٩٢، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٧٤/١.

٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
- إن شاء الله تعالى - انتهى(١).
وقوله: (لَا تَكُونِي فَاحِشَةً)؛ أي: مُعتديةً في الجواب، وقال
القرطبيّ كَخَُّ: أي: لا يصدر عنك كلام فيه جفاء، والفحش: ما يُستفحش من
الأقوال، والافعال، غير أنَّه قد كَثُر إطلاقه على الزنى، وهو غير مراد هنا
قطعاً، وهذا منه ولم أمر لعائشة ﴿يا بالتثبت، والرفق، وترك الاستعجال،
وتأديبٌ لها لِمَا نَطَقت به من اللَّعنة، وغيرها، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
وقال المجد تَخَّتُهُ: الفاحشة الزنى، وما يشتدّ قبحه من الذنوب، وكل ما
نهى الله عنه، والفحشاء البخل في أداء الزكاة، والفاحش البخيل جدّاً، والكثير
الغالب، وقد فَحُش، كَكَرُم فُحْشاً، والفحش عدوان الجواب، ومنه: قوله بَّـ
لعائشة: ((لا تكوني فاحشةً))، ورجل فاحشٌ، وفَحّاش، وأفحش، قال الفحشَ،
وتفاحش: أتى به، وأظهره. انتهى (٣).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: الفاحش: ذو الفحش في كلامه، وفِعاله،
والمتفحّش الذي يتكلّف ذلك، ويتعمّده، قال: وقد تكرّر ذِكر الفحش،
والفاحشة، والفواحش في الحديث، وهو كل ما يشتدّ قبحه من الذنوب
والمعاصي، وكثيراً ما تَرِدُ الفاحشة بمعنى الزنى، وكلُّ خَصْلة قبيحة من
الأقوال، والأفعال، ومنه الحديث: قال لعائشة رضيؤثّا: لا تقولي ذلك، فإن الله
لا يحبّ الْفُحش ولا التفاحُش، أراد بالفُحش التعدّي في القول والجواب، لا
الفُحش الذي هو من قَذَع الكلام، ورديئه، والتفاحش: تفاعُلٌ منه. انتهى (٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى قبل حديث، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َعْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ،
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ، فَسَبَّتْهُمْ، فَقَالَ
(١) ((المفهم)) ٤٩٣/٥.
(٢) ((المفهم)) ٤٩٤/٥.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٧٧٤/١.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص ٦٩٣.

٥٣١
(٤) - بَابُ التَّهْىِ عَنِ انْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٧)
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَالتَّفَخُّشَ))، وَزَادَ:
فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَإِذَا جَءُوَ حَيَوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اَللَّهُ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ
[المجادلة: ٨]).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً .
٢ - (يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ) بن أُميّة الإياديّ، ويقال: الحنفيّ مولاهم الطنافسيّ،
أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لينٌ، من كبار [٩]
مات سنة بضع و(٢٠٠) وله تسعون سنةً.
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ،
والأعمش، وعبد العزيز بن سياه، ويزيد بن كيسان، ومحمد بن إسحاق،
وغيرهم.
وروى عنه ابن أخته علي بن محمد الطنافسيّ، وأخوه محمد بن عبيد،
ومحمد بن مقاتل المروزيّ، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعبد بن
حمید، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: كان صحيح الحديث، وكان صالِحاً في
نفسه، وقال عليّ بن الحسن الهسنجانيّ عن أحمد: يعلى أصحّ حديثاً من
محمد بن عبيد، وأحفظ، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال
عثمان الدارميّ عن ابن معين: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره، وقال أبو
حاتم: صدوق، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال أحمد بن يونس: ما رأيت أحداً يريد بعلمه الله تعالى إلا
يعلى بن عبيد، ما رأيت أفضل منه، وقال أبو مسعود الرازيّ: كان يعلى
ومحمد ابنا عبيد من أهل بيت بركة، ما رأيت يعلى ضاحكاً قط، وكان يعلى
أكثر مجلساً، وأحسن خُلُقاً، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال
الدار قطنيّ: بنو عُبيد كلهم ثقات، وقال ابن عمار الموصليّ: أولاد عُبيد كلهم
ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وقال سعيد بن أيوب
البخاريّ: كان يعلى يحفظ عامة حديثه، أو جميعه.

٥٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
قال ابن نمير، وجماعة: مات في شوال سنة تسع ومائتين، وقال ابن
حبان: مات في رمضان سنة سبع، وقيل: سنة تسع ومائتين، وقال غيره: كان
مولده سنة سبع عشرة ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم
(٢١٦٥)، وحديث (٢٤٤٧): ((إن جبريل يقرأ عليكِ السلام ... )) الحديث.
وقوله: (فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ) بفتح الفاء، وكسر الطاء المهملة، قال
الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: فَطِنَ للأمر يَفْظُنُ، من بابي تَعِبَ، وقَتَل فِظْناً، وفِظْنَةً، وفِطَانَةً
بالكسر في الكلّ، فهو فَطِنُ، والجمع فُطُنُ بضمتين، وفَظُنَ بالضم: إذا صارت
الفِطَانَةُ له سجية، فهو فَطِنُ أيضاً، ورجل فَطِنٌ بخصومته: عالم بوجوهها،
حاذق، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: فَطَّتُهُ للأمر. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّثُهُ: هو بالفاء، وبالنون بعد الطاء من الفطنة، هكذا هو
في جميع النُّسخ، وكذا نقله القاضي عن الجمهور، قال: ورواه بعضهم:
((فَقَطَبَت)) بالقاف، وتشديد الطاء، وبالباء الموحّدة، وقد تُخفَّف الطاء في هذا
اللفظ، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: ((غَضِبَتْ))، ولكن الصحيح
الأول. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: قوله: ((ففطنت بهم عائشة)) صحيح الرواية بفاء،
وطاء مهملة، ونون، من الْفِطنة، والفهم؛ أي: فَهِمت عنهم ما قالوه، ولابن
الحذَّاء: فقَطَّبت، بقاف وباء موحّدة، من التقطيب في الوجه، وهو العَبْسَة،
والغضب، وقد جاء مفسَّراً في الرواية الأخرى. انتهى(٣).
وقوله: (فَسَبَّتْهُمْ)؛ أي: شتمتهم، وبابه نصر، قال النوويّ تَخْذُ: وأما
سَبّها لهم ففيه الانتصار من الظالم، وفيه الانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم.
انتھی .
وقوله: (مَهْ يَا عَائِشَةُ) بفتح الميم، وإسكان الهاء: اسم فعل بمعنى كفّي،
وانزجري، وقال في ((التاج)): قال الجوهريّ: مَوْ كَلِمةٌ بُنيت على السكون،
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٧٧.
(٣) ((المفهم)) ٤٩٣/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٤٧.

٥٣٣
(٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٧)
وهي اسمٌ سُمِّي به الفعل، ومعناه: اكْفُفْ؛ لانه زجر، فإن وَصَلتَ نَوَّنتَ،
فقلتَ: مَهِ مَهْ، ويقال: مَهْمَهْتُ به: أي: زجرته. انتهى، وقال بعض النحويين:
أما قولهم: مَهْ إذا نَوَّنتَ فكأنك قلت: ازدجاراً، وإذا لم تنوّن فكأنك قلت:
الازدجار، فصار التنوين عَلَمَ التنكير، وتَرْكَه عَلمَ التعريف. انتهى (١).
وقال ابن الأثير تَكْثُ: مَهْ اسم مبنيّ على السكون، بمعنى اسكت، قال:
وفي حديث طلاق ابن عمر: ((قلت: فمه))؛ أي: فماذا للاستفهام، فأُبدلت
الألف هاءً للوقف والسكت. انتهى(٢).
وقوله: (فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَالتَّفَخُشَ) قال النوويّ تَخْتُ: أما
الفُخْش فهو القبيح من القول والفعل، وقيل: الفحش مجاوزة الحدّ، قال: وفي
هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سَفَه المبطلين إذا لم تترتب عليه
مفسدة، قال الشافعيّ تَّثُ: الكيِّس العاقل هو الفَطِنُ المتغافل. انتهى(٣).
وقال القاضي عياض تَخُّ: قال ابن عرفة: الفاحش ذو الفحش في
كلامه، والمتَفَحِّش الذي يتكلَّف ذلك، ويتعمَّده، وقال الطبريّ: الفاحش
البذيّ، قيل: ويكون المتفحش الذي يأتي الفاحشة المنهيّ عنها، وقوله
لعائشة يا حين رَدّت على اليهود: ((عليكم السام واللعنة)): ((لا تكوني
فاحشة))، و((إن الله لا يحب الفُحش، ولا التفحش))، هو مما تقدم في القول،
ألا تراه في الرواية الأخرى: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله))؟ وقيل: هو
هنا عدوان الجواب؛ لأنه لم يكن منها إليهم فُحْش، قاله الهرويّ.
قال القاضي: لا أدري ما قال؟ وأيُّ شيء أفحش من اللعنة، وما قالته
لهم مما يستحقونه، وقوله: ((من أجل ذلك حَرَّم الفواحش)) قال ابن عرفة: كلُّ
ما نهى الله عنه فهو فاحشة، وقيل: الفاحشة ما يشتدّ قبحه من الذنوب،
والفحش زيادة الشيء على ما عُهِد من مقداره. انتهى (٤).
(١) (تاج العروس)) ٨٢٤٣/١.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص٨٨٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٤٧.
(٤) ((مشارق الأنوار)) ١٤٨/٢.

٥٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير يعلى بن عُبيد؛ أي: زاد في الحديث قوله:
((فأنزل الله رَبَ ... إلخ)).
وقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ رَّ: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اَللَّهُ﴾ إِلَى آخِرٍ
الآيَةِ [المجادلة: ٨]) فيه بيان سبب نزول الآية الكريمة، فإنها نزلت بسبب قول
اليهود للنبيّ ◌َّ: السام عليكم.
وقال الإمام ابن جرير الطبريّ تَخُّْ: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ
يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] يقول تعالى ذِكره لنبيّه محمد وَّ: وإذا جاءك
يا محمد هؤلاء الذين نُهُوا عن النجوى الذين وصف الله جَلّ ثناؤه صفتهم
حَيَّوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحيّةً، وكانت تحيتهم التي كانوا يحيّونه
بها التي أخبر الله أنه لم يحيّه بها فيما جاءت به الأخبار أنهم كانوا يقولون:
السام عليك.
قال: وقوله جل ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ فِىَ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾
[المجادلة: ٨] يقول جل ثناؤه: ويقول محيّوك بهذه التحية من اليهود: هَلّا
يعاقبنا الله بما نقول لمحمد بَلّ، فَيُعَجِّل عقوبته لنا على ذلك، يقول الله:
حسب قائلي ذلك يا محمد جهنم، وكفاهم بها، يصلونها يوم القيامة، فبئس
المصير جهنم. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن كثير نَُّهُ :
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِّ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾؛ أي: يفعلون
هذا، ويقولون ما يحرّفون من الكلام، وإيهام السلام، وإنما هو شَتْم في
الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيّاً لعذّبنا الله بما نقول له
في الباطن؛ لأن الله يعلم ما نُسِرّه، فلو كان هذا نبيّاً حقّاً لأوشك أن يعاجلنا الله
بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَّمُ﴾ [المجادلة: ٨]: أي: جهنم
كفايتهم في الدار الآخرة. انتهى (٢).
[تنبيه]: رواية يعلى بن عُبيد عن الأعمش ساقها ابن راهويه ◌َّتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(١) ((تفسير الطبريّ)) ١٥/٢٨.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٣٢٤/٤.

٥٣٥
(٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٨)
(١٤٥٥) - أخبرنا يعلى بن عُبيد، نا الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن
مسروق، عن عائشة قالت: كان ناس يأتون رسول الله و ﴿ من اليهود، فيقولون:
السام عليك، فيقول: ((وعليكم))، ففَطِنت بهم عائشة، فسبّتهم، قال
رسول الله وَّ: ((مَهْ يا عائشة، فإن الله لا يحب الفُحْش، ولا التفحش، قالت:
فقلت: يا رسول الله، إنهم يقولون كذا وكذا، فقال: ((أليس قد رددت عليهم؟))،
فأنزل الله رَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٨] (٢١٦٦) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ،
قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَّلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالُوا:
السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكُمْ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - وَغَضِبَتْ : أَلَمْ
تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((بَلَى، قَدْ سَمِعْتُ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ، وَلَا
يُجَابُونَ عَلَيْنَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (م د) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد ترمذيّ الأصل،
نزيل بغداد، ثمّ الْمَصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط أخيراً [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩٤/٦.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين.
٥ - (أَبُو الزُّبَيَّرِ) محمد بن مسلم بن تدرس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
(١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٨١٥/٣.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﴿ها، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار،
والسماع، وقد زالت منه تهمة تدليس ابن جريج، وشيخه أبي الزبير، وفيه
جابر بن عبد الله
من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ جُرَيْج) أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ◌َّ (يَقُولُ: سَلَّمَ نَاسٌ) قال الفيّومِيّ تَذَقُ: النَّاسُ: اسم
وُضع للجمع؛ كالقوم، والرهط، وواحده إِنْسَانٌ، من غير لفظه، مشتقّ من نَاسَ
يَنُوسُ: إذا تَدَلَّى، وتَحَرَّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِى
يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾﴾، ثم فَسّر النّاس بالجنّ والإنس، فقال:
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
(3)﴾، وسُمِّي الجنّ نَاساً كما سُمُّوا رجالاً، قال تعالى:
﴿وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول:
رأيت نَاساً من الجنّ، ويُصَغَّر النَّاسُ على نُوَيْسٍ، لكن غَلَب استعماله في
الإنس. انتهى(١).
(مِنْ يَهُودَ) بمنع الصرف؛ للعلميّة ووزن الفعل، قال في ((التاج)): اليَهُودُ
اسمُ قَبِيلَةٍ، وقيل: إِنما اسمُ هذه القبيلةِ يَهُوذ، فعُرِّب بقلب الذالِ دالاً، قال ابنُ
سِيدَه: وليس هذا بِقَوِيٌّ، وقالوا: اليهود، فأَدخلوا الألف واللامَ فيها على إِرادَةِ
النَّسَب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىْ﴾
[البقرة: ١١١]، قال الفَرَّاءُ: يريد يَهُوداً فحذف الياءَ الزائدةَ، ورجَع إِلى الفِعْلِ مِن
اليَهُودِيّة، وفي قراءَة أُبَيِّ: ((إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيّاً، أَو نَصْرَانِيّا))، قال: وقد يجوز
أَن يَجعل هُوداً جَمْعاً، واحِدُه هائدٌ، مثل حائلٍ (٢)، وعائطِ (٣)، من النُّوقِ،
والجمع: حُولٌ، وعُوظٌ، وجمْع اليَهُودِيّ: يَهودٌ، كما يقال في المَجوسِيّ:
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٠/٢.
(٢) الحائل: المرأة، أو الناقة، أو نحوهما غير الحامل.
(٣) إذا لم تحمل الناقة أولَ سنة يُحمل عليها، فهي عائط، وحائل. اهـ. ((ق)).

٥٣٧
(٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٨)
مَجُوسٌ، وفي العَجَمِيّ، والعَرَبِيّ: عَجَمٌ، وعَرَبٌ، وسُمِّيَت اليهود اشتقاقاً مِن
هَادُوا؛ أَي: تابُوا، وأَرادوا باليَهُودِ اليَهُودِيِّينَ، ولكنهم حَذَفُوا ياءَ الإِضافَة، كما
قالوا: زِنْچِيّ، وزِنْج. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: هُودٌ: اسم نَبِيّ لعلَّ عربيُّ، ولهذا ينصرف، وهَادَ
الرَّجل هَوْداً: إذا رَجَع، فهو هَائِدٌ، والجمع هُودٌ، مثلُ بَازِل وبُزْلٍ، وسُمِّي
بالجمع، وبالمضارع، وفي التّنزيل: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة:
١٣٥]، ويقال: هم يهودُ غير منصرف؛ للعلميّة، ووزن الفعل، ويجوز دخول
الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التّنوين؛ لأنه نُقِل عن وزن
الفعل إلى باب الأسماء، والنِّسبة إليه يَهُودِيٌّ، وقيل: اليهوديُّ نسبة إلى يهودا بن
يعقوب ظلّل، هكذا أورد الصغانيّ يَهُودَا في باب المهملة. انتهى(٢).
(عَلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ بَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ) ◌َُِّ
((وَعَلَيْكُمْ))) كذا بالواو، وتقدّم البحث في هذا مستوفّى قريباً. (فَقَالَتْ
عَائِشَة) ◌ًُِّّا، وقوله: (وَغَضِبَتْ) جملة حاليّة من الفاعل، (أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟
قَالَ) وَ (بَلَى، قَدْ سَمِعْتُ) ما قالوه، (فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ) بقولي: ((وعليكم)) (وَإِنَّا)
معاشر المسلمين (نُجَابُ عَلَيْهِمْ)؛ أي: تستجاب دعوتنا عليهم، (وَلَا يُجَابُونَ
عَلَيْنَ)))؛ أي: لا تستجاب دعوتهم علينا، فلا حاجة إلى إغلاظ القول عليهم.
وفي رواية أحمد من طريق محمد بن الأشعث، عن عائشة رعُها في نحو
هذا الحديث: ((فقال: مَهْ إن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش، قالوا قولاً،
فرددناه عليهم، فلم يَضُرّنا شيء، ولزمهم إلى يوم القيامة)).
ويستفاد منه أن الداعي إذا كان ظالماً على من دعا عليه لا يستجاب
دعاؤه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَُّ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلٍ﴾ [الرعد: ١٤](٣).
وقال الخطابيّ ما ملخّصه: إن الداعي إذا دعا بشيء ظلماً، فإن الله لا
يستجيب له، ولا يجد دعاؤه محلّاً في المدعوّ عليه. انتهى، والله تعالى أعلم.
(١) (تاج العروس)) ٢٣٦٦/١.
(٣) ((الفتح)) ٢٠٠/١١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤٢.

٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظها هذا من أفراد
المصنّف نَحْذَلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٤٨/٤] (٢١٦٦)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (١١١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((شُعب
الإيمان)) (٥١٢/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٩] (٢١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَا
تَبْدَهُوا الْيَهُودَ، وَلَا النَّصَارَى(١) بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ
إِلَى أَضْيَقِهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا قريباً .
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا) ناهية، ولذا جُزم بها
قوله: (تَبْدَءُوا الْيَهُودَ، وَلَا النَّصَارَى) وفي بعض النُّسخ: ((والنصارى)) بحذف
(لا))، (بِالسَّلام) قال القرطبيّ كَّتُ: إنما نَهَى عن ذلك؛ لأن الابتداء بالسلام
إكرام، والكافَر ليس أهلاً لذلك، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم، وتَرْك
الالتفات إليهم؛ تصغيراً لهم، وتحقيراً لشأنهم، حتى كأنهم غير موجودين(٢).
(فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ))) يقال: ضَرَّه إلى
كذا، واضطرّه: بمعنى ألجأه إليه، وليس له منه بُدّ(٣).
والمعنى: أَلْجِئُوه إلى أضيق الطريق، بحيث لو كان في الطريق جدار
(١) وفي نسخة: ((لا تبدءوا اليهود والنصارى)).
(٢) ((المفهم)) ٤٩٠/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٦٠/٢.

٥٣٩
(٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٩)
يلتصق بالجدار، وإلا فيأمره لِيَعْدِل عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه، قاله
القاري(١).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: أي: لا تتنَخَّوْا لهم عن الطريق الضيق؛ إكراماً لهم،
واحتراماً، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى
والعطف، وليس معنى ذلك أنا إذا لَقِيناهم في طريق واسع أنَّا نُلجئهم إلى حَرْفِه
حتى نضيِّق عليهم؛ لأنَّ ذلك أَذّى مِنّا لهم من غير سبب، وقد نُهينا عن أذاهم.
(٢)
انتهى (٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قال أصحابنا: لا يُترَك للذميّ صدر الطريق، بل
يُضْطَرّ إلى أضيقه إذا كان المسلمون يَطْرُقون، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا
حرج، قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وَهْدة، ولا يَصْدِمه جدار،
ونحوه، والله أعلم. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ: قال بعض أصحابنا: يُكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم،
وهذا ضعيفٌ؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم، وحَكَى القاضي
عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة، وهو قول علقمة
والنخعيّ، وقال الأوزاعيّ: إن سلّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد
ترك الصالحون (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى مخالفة قول الأوزاعيّ هذا لهذا
الحديث الصحيح، فلا ينبغي الإصغاء إليه، وأما الصالحون الذين سلّموا،
فُيُعتذر عنهم بعدم وصول الخبر إليهم، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
، هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٤٩/٤ و٥٦٥٠] (٢١٦٧)، و(البخاريّ) في
(١) ((عون المعبود)) ١٤/ ٧٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ١٤٧.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٠٣٩/١٠.
(٢) ((المفهم)) ٤٩٠/٥.

٥٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
((الأدب المفرد)) (١١١ و١١٠٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٢٠٥)،
و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٦٠٢) وفي ((الاستئذان)) (٢٧٠٠)، و(النسائيّ) في
((عمل اليوم والليلة)) (٢١٢/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤٥٧)،
و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٤٢٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٣/٢ و٢٦٦
و٣٤٦ و٤٤٤ و٤٥٩ و٥٢٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/
٣٤١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٠ و٥٠١٩)، و(أبو نعيم) في ((الحلية))
(١٤٠/٧ و١٤٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٣/٩) و((شُعَب الإيمان)) (٦/
(٤٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم ابتداء المسلم لليهوديّ والنصراني بالسلام؛ لأن
ذلك أصل النهي، وحَمْله على الكراهة خلاف أصله، وعليه حَمَله الأقل، وإلى
التحريم ذهب الجمهور من السلف والخلف، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية
- إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن مفهوم قوله: ((لا تبدءوا)) أنه لا يُنْهَى عن الجواب عليهم
إن سلَّموا، ويدلّ له عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وأحاديث: ((إذا سَلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا:
وعليكم))، وفي رواية: ((إن اليهود إذا سلّموا عليكم يقول أحدهم: السام
عليكم، فقولوا: وعليك)) وفي رواية: ((قل: وعليك))، أخرجها مسلم.
٣ - (ومنها): بيان الأمر بإلجائهم إلى مضايق الطرُق، إذا اشتركوا هم
والمسلمون في الطريق، فيكون واسعه للمسلمين، فإن خلت الطريق عن
المسلمین فلا حرج علیھم.
قال الصنعانيّ تَّثُ: وأما ما يفعله اليهود في هذه الأزمنة مِنْ تعمّد جعل
المسلم على يسارهم إذا لاقاهم في الطريق، فشيء ابتدعوه، لم يُرْوَ فيه شيء،
وكأنهم يريدون التفاؤل بأنهم من أصحاب اليمين، فينبغي مَنْعهم مما يتعمّدونه
من ذلك؛ لشدة محافظتهم عليه، ومضادّة المسلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((سبل السلام)) ٦٨/٤.