Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٣) - بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَدُّ السَّلَامِ - حديث رقم (٥٦٣٨)
(قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّامٍ: (كَانَ مَعْمَرٌ)؛ أي: ابن راشد شيخه، (يُرْسِلُ
هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ أي: يرويه مرسلاً عن الزهريّ، عن النبيّ ◌ِّ،
(وَأَسْنَدَهُ) وفي نسخة: ((فأسنده))، (مَرَّةً)؛ أي: رواه متّصلاً (عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ظُبه، وأشار بهذا إلى أن هذا الحديث مما رواه معمر كثيراً
عن الزهريّ مرسلاً بحذف ابن المسيّب، وأبي هريرة، ورواه مرّةً متصلاً
بذكرهما، وهو من مسلم تَّتُهُ إشارة إلى أن مذهبه أن الإرسال لا يؤثّر في
صحّة الحديث، وإن كان هو الأكثر؛ لأن الحكم للوصل، وإن كان قليلاً، وهو
المذهب الصحيح، وقد حقّقت هذا الموضع في شرح ((ألفيّة الحديث))
للسيوطيّ تَّثُ عند قوله:
مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ
وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالاتِّصَالٍ
وَقِيلَ قَدِّمْ أَحْفَظَاً وَالأَشْهَرُ
وَقِيلَ عَكْسُهُ وَقِيلَ الأَكْثَرُ
أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي
عَلَيْهِ لَا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي
فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا
وحاصل المسألة أنه إذا اختلف الرواة في حديث واحد من طريق
واحد، فرواه بعضهم مرسلاً، وبعضهم موصولاً، أو رواه بعضهم مرفوعاً،
وبعضهم موقوفاً، فالقول الراجح، وهو الصحيح عند المحدّثين، والفقهاء،
والأصوليين أن تُقَدَّم الرواية التي فيها الزيادة، من الوصل، والرفع؛ لأن
الزيادة من الثقة واجب قبولها؛ لأنه حفظ ما غاب عن غيره، ومن حفظ حجة
على من لم يحفظ، وهذا إذا لم يدلّ دليل على كونها وَهَماً من الراوي،
فترد.
وذهب بعضهم إلى تقديم الوقف والإرسال، وبعضهم إلى تقديم رواية
الأكثر، وقيل: يقدّم الأحفظ، والصحيح ما قدّمناه.
ومثل هذا ما إذا اختلف الراوي الواحد على نفسه - كما في رواية معمر
هذه - فرواه مرّة مصولاً، ومرّة، أو مرّات مرسلاً، أو اختلف في الرفع
والوقف، فالصحيح تقديم الرواية الزائدة؛ إذ قد ينشط الشيخ، فيأتي بالحديث
على وجهه، وقد يعرض له ما يدعوه إلى وقفه، أو إرساله؛ لمناسبة خاصّة،

٥٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
فلا يقدح النقص في الزيادة (١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٣٨/٣ و٥٦٣٩] (٢١٦٢)، و(البخاريّ) في
(الجنائز)) (١٢٤٠) وفي ((الأدب المفرد)) (٩٢٥ و٩٩١)، و(أبو داود) في ((السنّة))
(٥٠٣١)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٣٧)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم
والليلة)) (٢٢١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (٤٦١/١)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢٢٩٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٤٤٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢١/٢ و٣٧٢ و٤١٢ و٥٤٠)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣٣٧/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٤١
و٢٤٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٦٠/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠/
٣٤٠)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٢٢/١ و١٥٠/٤)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٣٨٦/٣ و٣٤٧/٧ و١٠٨/١٠) و((شُعَب الإيمان)) (٥٢٩/٦)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤٠٤ و١٤٠٥)، والله تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث البراء تَظُه في ((كتاب
اللباس والزينة)) برقم [٥٣٧٧/١] (٢٠٦٦) فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٣٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
ء
رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌ))، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: ((إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهً، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا
عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ(٢)، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ))).
(١) راجع: تفاصيل المسألة فيما كتبته في شرح الأبيات المذكورة ((إسعاف ذي الوطر))
١٦٢/١ - ١٦٧.
(٢) وفي نسخة: ((فشمّته)) بالشين المعجمة.

٥٠٣
(٣) - بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَدُّ السَّلَامِ - حديث رقم (٥٦٣٩)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّا البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، أبو إسحاق القارىء
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٥] مات سنة بضع و(١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
و((أَبُو هُرَيْرَةَ» ◌ُبه ذُكر قبله.
وقوله: (حَقُّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ) لا تعارض بينه وبين ما سبق أنها
خمس؛ لأن العدد لا مفهوم له على الأصحّ، أو لأنه يُحمل على أنه أوحي إليه
بالخمس، فأخبر بها، ثم بالستّ، فأخبر بها، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((حقّ المسلم على المسلم ستّ)): أي:
الحقوق المشتركة بين المسلمين عند ملابسة بعضهم لبعض، والحق لغة هو:
الثابت، ونقيضه هو: الباطل، والحق في الشريعة يقال على الواجب، وعلى
المندوب المؤكد، كما قال: ((الوتر حقّ))؛ لأن كل واحدٍ منهما ثابت في
الشرع، فإنَّه مطلوب مقصود قصداً مؤكداً، غير أن إطلاقه على الواجب أوَّلُ،
وأَولى، وقد أطلق في هذا الحديث الحقّ على القدر المشترك بين الواجب
والندب، فإنَّه جمع فيه بين واجبات ومندوبات، وقد تقدَّم أن الابتداء بالسَّلام
سُنَّة، وأما إجابة الدعوة: فواجبة في الوليمة كما تقدَّم، وفي غيرها مندوب
إليها، وأما النَّصيحة: فواجبة عند الاستنصاح، وفي غيره تفصيل على ما تقدَّم
في كتاب الإيمان، وأما تشميت العاطس: فاختلف فيه على ما يأتي، وأما
عيادة المريض: فمندوب إليها إلا أن يخاف ضياعه فيكون تفقّده، وتمريضه

٥٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
واجباً على الكفاية. وقد تقدَّم الكلام على اتباع الجنائز. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في بعض ما قاله القرطبيّ نظر لا يخفى، وقد
تقدّم تحقيقه في شرح حديث البراء اته، فلا تغفل.
وقوله: (وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ)؛ أي: إذا طلب منك النصح، فابذله
له، والنصح: إرادة الخير للمنصوح له، وذلك أن تريد له الخير في حضوره،
وغَيبته، فلا تتملّق في حضوره، وتغتابه في غيبته، فإن هذا صفة المنافقين.
وقوله: (وَإِذَا عَطَسَ) من بابي ضرب، ونصر.
وقوله: (فَحَمِدَ اللهَ) هذا يدلّ على أنه لا يستحقّ التشميت إلا إذا حمد.
وقوله: (فَسَمِّتْهُ) وفي بعض النسخ: ((فشمّته))، والتسميت، بالشين
المهملة، والشين المعجمة: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، يقال:
شمّتُ فلاناً، وشمّتُ عليه تشميتاً، فهو مُشَمَّتٌ، واشتقاقه من الشوامت، وهي
القوائم، كأنه دعاءٌ للعاطس بالثبات على طاعة الله، وقيل معناه: أبعدك الله عن
الشماتة، وجنّك ما يشمت به عدوّك، ذكره الطيبيّ ◌َخذتُهُ(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْلُهُ: التَّسْمِيتُ: ذكر الله تعالى على الشيء، وتَسْمِيتُ
العاطس: الدعاء له، والشين المعجمة مثله، وقال في ((التهذيب)): سَمّتهُ
بالسين، والشين: إذا دعا له، وقال أبو عبيد: الشين المعجمة أعلى، وأفشى،
وقال ثعلب: المهملة هي الأصل؛ أخذاً من السَّمْتِ، وهو القصد، والْهَدْيُ،
والاستقامة، وكلّ داع بخير فهو مُسَمِّتٌ؛ أي: داعِ بالعَوْد، والبقاء إلى سَمْتِهِ،
(٣)
مأخوذ من ذلك. انتھی(٣).
وقوله: (وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ) بضمّ العين؛ أي: زُره.
وقوله: (وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)؛ أي: اتّبع جنازته؛ لتصلّي عليها، وتحملها إلى
القبر، وتدفنها، وقد تقدّم تمام البحث في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المفهم)) ٤٨٨/٥ - ٤٨٩.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٠٣٧/١٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٨٧.

٥٠٥
(٤) - بَابُ التَّهْىٍ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٠)
(٤) - (بَابُ النَّهْي عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ،
وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٠] (٢١٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلفي (ح)
وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ
جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَّسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ،
فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»).
رجال هذين الإسنادين: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ، أبو محمد البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ
[١٠] من أفراد المصنّف تقدمً في ((الحيض)) ٧٤٨/١٠.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل ثلاثة أبواب.
[تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادین:
أنهما من رباعيّات المصنّف تَخْدَثُ، وهو (٤٣٥) من رباعيّات الكتاب،
وفيه أنس به، وقد سبق القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً)؛ أي: ابن
مالك اته، وهو جدّه، كما في الرواية الثانية. (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ)
وفي الرواية الثانية: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَدِّهِ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ) ففيها تصريح هُشيم بن بشير بالإخبار،
وهو مدلّس، فزالت عنه تهمة التدليس. ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ)؛ أي:
اليهود، والنصارى، (فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)))؛ أي: دون ذِكر السلام، وفي رواية:
((إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نردّ عليهم؟ قال: قولوا: وعليكم))،
وفي رواية: ((إن اليهود إذا سلّموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم،

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
فقل: عليك))، وفي رواية: ((فقل: وعليك))، وفي رواية: ((إن رهطاً من اليهود
استأذنوا على رسول الله وَية، فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم
السام واللعنة، فقال رسول الله وَله: ياعائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر
كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم))، وفي رواية: ((قد
قلت: عليكم)) بحذف الواو، وفي الحديث الآخر: ((لا تبدأوا اليهود، ولا
النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطَرُّوه إلى أضيقه)).
قال النوويّ كَّلُهُ: اتَّفَقَ العلماء على الردّ على أهل الكتاب إذا سلَّموا،
لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقال: ((عليكم)) فقط، أو ((وعليكم))،
وقد جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم بلفظ: ((عليكم))، ((وعليكم)) بإثبات
الواو، وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا في معناه وجهان:
أحدهما: أنه على ظاهره، فقالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضاً؛
أي: نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت.
والثاني: أن الواو هنا للاستئناف، لا للعطف والتشريك، وتقديره:
وعليكم ما تستحقونه من الذّم، وأما حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام.
قال القاضي: اختار بعض العلماء، منهم ابن حبيب المالكيّ حذف
الواو؛ لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره: بإثباتها، كما هو في أكثر الروايات،
قال: وقال بعضهم يقول: عليكم السِّلام، بكسر السين: أي: الحجارة، وهذا
ضعيف.
وقال الخطابيّ: عامة المحدثين يروون هذا الحرف ((وعليكم)) بالواو،
وكان ابن عيينة يرويه بغير واو، قال الخطابيّ: وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا
حذف الواو صار كلامهم بعينه مردوداً عليهم خاصّةً، وإذا ثبت الواو اقتضى
المشاركة معهم فيما قالوه، قال النوويّ - بعد ذكر كلام الخطابيّ -: والصواب
أن إثبات الواو وحذفها جائزان، كما صحت به الروايات، وأن الواو أجود،
كما هو في أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه؛ لأن السام الموت، وهو علينا
وعليهم، ولا ضرر في قوله بالواو. انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١٤ - ١٤٥.

٥٠٧
(٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٠)
وقال القرطبيّ تَخْثُ: ((عليك)) بغير واو هي الرواية الواضحة المعنى، وأما
مع إثبات الواو ففيها إشكال؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التشريك بين المعطوف
والمعطوف عليه، فيلزم منه أن تدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو
من سآمة ديننا، فاختلف المتأولون في ذلك، فقال بعضهم: الواو زائدة، كما
زيدت في قول الشاعر:
فلمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانتحى
أي: لمّا أجزنا انتحى، فزاد الواو، وقيل: إن الواو في الحديث
للاستئناف، فكأنه قال: والسَّام عليكم، وهذا كله فيه بُعد، وأوَّلى من هذا كُلّه
أن يقال: إن الواو على بابها من العطف، غير أنا نجاب عليهم، ولا يجابون
علينا، كما قاله النبيّ وَل ﴿، ورواية حذف الواو أحسن معنى، وإثباتها أصحّ
روايةً، وأشهر. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرّره القرطبيّ تَخْذُ حسنٌ جدّاً، وأولى
مما سبق ترجيح النوويّ له، فتأمله بالإمعان.
والحاصل أنه؛ لا إشكال في ثبوت الواو؛ لأن التشريك فيها منتف
معنى؛ إذ لا يجاب لهم علينا، ونحن نجاب عليهم، كما قال النبيّ وَّه فلا
تشريك، فلا إشكال، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم.
وقد أطال الحافظ تَّقُ البحث في هذا الحديث، وسيأتي ذكره في
المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
هذا متّفق عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٤٠/٤ و٥٦٤١] (٢١٦٣)، و(البخاريّ) في
((الاستئذان)) (٦٢٥٨) و((استتابة المرتدّين)) (٢٩٢٦)، وفي ((الأدب المفرد))
(١١٠٥)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٢٠٧)، و(الترمذيّ) في ((التفسير))
(١) ((المفهم)) ٤٩١/٥.

٥٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
(٣٢٩٦)، و(ابن ماجه) في ((الآداب)) (٣٧٤٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦/
١٠٢ - ١٠٣)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٠٦٩)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٦٣٠/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٢/٣ و٢١٠ و٢١٤ و٢١٨
و٢٣٤ و٢٤١ و٢٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٣)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٤١٠/٥ و٤٢٥)، و(الضياء) في ((المختارة)) (٥١/٥ - ٥٢)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كفيّة ردّ سلام أهل الكتاب، وهو أنه يقال: ((وعليكم))
فقط .
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الردّ على أهل الكتاب، قال البخاريّ ◌َُّ
في (صحيحه)): ((بابٌ كيف الردّ على أهل الذمة بالسلام؟»، قال في ((الفتح)):
في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا منع من ردّ السلام على أهل الذمة، فلذلك
ترجم بالكيفية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]،
فإنه يدلّ على أن الرد يكون وفق الابتداء، إن لم يكن أحسن منه، قال: ودلّ
الحديث على التفرقة في الردّ على المسلم والكافر، قال ابن بطال: قال قوم:
رَدّ السلام على أهل الذمة فرض؛ لعموم الآية، وثبت عن ابن عباس ط﴿ًا أنه
قال: مَن سَلَّم عليك فرُدّ عليه، ولو كان مجوسيّاً، وبه قال الشعبيّ، وقتادة،
وَمَنَع من ذلك مالكٌ والجمهورٌ، وقال عطاء: الآية مخصوصة بالمسلمين، فلا
يُرَدُّ السلام على الكافر مطلقاً، قال الحافظ: فإن أراد منع الردّ بالسلام، وإلا
فأحاديث الباب تردّ عليه. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((إذا سَلَّم عليكم أهل الكتاب)) بأنه لا
يشرع للمسلم ابتداء الكافر بالسلام، حكاه الباجيّ، عن عبد الوهاب، قال
الباجيّ: لأنه بَيَّن حكم الردّ، ولم يذكر حكم الابتداء، كذا قال.
ونَقَل ابن العربيّ عن مالك: لو ابتدأ شخصاً بالسلام، وهو يظنه مسلماً،
فبان كافراً كان ابن عمر يستردّ منه سلامه، وقال مالك: لا، قال ابن العربيّ:
(١) ((الفتح)) ١٩١/١٤ - ١٩٢، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).

٥٠٩
(٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٠)
لأن الاسترداد حينئذ لا فائدة له؛ لأنه لم يحصل له منه شيء؛ لكونه قصد
السلام على المسلم، وقال غيره: له فائدةٌ، وهي إعلام الكافر بأنه ليس أهلاً
للابتداء بالسلام، قال الحافظ: ويتأكد إذا كان هناك من يُخْشَى إنكاره لذلك،
أو اقتداؤه به، إذا كان الذي سَلَّم ممن يُقْتَدی به.
وقال النوويّ كَّتُهُ: واختَلَف العلماء في ردّ السلام على الكفار،
وابتدائهم به، فمذهبنا تحريم ابتدائهم به، ووجوب ردّه عليهم، بأن يقول:
وعليكم، أو عليكم فقط، ودليلنا في الابتداء قوله عليه: ((لا تبدأوا اليهود، ولا
النصارى بالسلام))، وفي الردّ قوله ◌َليفي: ((فقولوا: وعليكم))، وبهذا الذي ذكرناه
عن مذهبنا قال أكثر العلماء، وعامة السلف.
وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، رُوي ذلك عن ابن عباس،
وأبي أمامة، وابن أبي محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماورديّ،
لكنه قال: يقول: السلام عليك، ولا يقول: عليكم، بالجمع، واحتجّ هؤلاء
بعموم الأحاديث، وبإفشاء السلام، وهي حجة باطلة؛ لأنه عامّ مخصوص
بحديث: ((لا تبدأوا اليهود، ولا النصارى بالسلام)).
وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرُم، وهذا ضعيف
أيضاً؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم.
وحَكَى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة، أو
سبب، وهو قول علقمة، والنخعيّ، وعن الأوزاعيّ أنه قال: إن سلّمتَ فقد
سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون.
وقالت طائفة من العلماء: لايردّ عليهم السلام، ورواه ابن وهب،
وأشهب عن مالك.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يقول في الردّ عليهم: وعليكم السلام،
ولكن لا يقول: ورحمة الله، حكاه الماورديّ، وهو ضعيفٌ مخالف
للأحاديث، والله أعلم(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ كَخَُّ من ترجيح القول
(١) (شرح النوويّ)) ١٤٥/١٤.

٥١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
بعدم جواز ابتداء الكافر بالسلام، ومشروعيّة الردّ عليه إذا سلّم، وتضعيفه
الأقوال المخالفة لهذا هو الصواب الذي تؤيّده الأدلة الواضحة، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: ويجوز الابتداء بالسلام على جَمْع فيهم مسلمون وكفار، أو مسلم
وكفار، ويقصد المسلمين؛ للحديث السابق أنه وَ ل ◌َ سَلَّم على مجلس فيه أخلاط
من المسلمين والمشركين(١). انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: وقد اختُلِف في ردِّ السَّلام على أهل الذِّمَّة؛ هل هو
واجبٌ كالردّ على المسلمين؟ وإليه ذهب ابن عبّاس، والشعبيّ، وقتادة؛ تمسُّكاً
بعموم الآية، وبالأمر بالردِّ عليهم بالذي في هذه الأحاديث.
وذهب مالك فيما رَوَى عنه أشهب، وابن وهب إلى أن ذلك ليس
بواجب، فإنْ رددت؛ فقل: عليك، والاعتذار عن ذلك بأن ذلك بيان أحكام
المسلمين؛ لأن سلام أهل الذمة علينا ليس تحية لنا؛ وإنما هو دعاء علينا، كما
قد بيَّنْه النبيّ وَّهِ بقوله: ((إنما يقولون: السَّام))، فلا هم يحيوننا، ولا نحن نردّ
عليهم تحيّة، بل دعاءً عليهم ولعنةً، كما فعلته عائشة ◌ِؤُها، وأمْره لنا بالردّ،
إنما هو لبيان الردّ لِمَا قالوه خاصة، فإنْ تحققنا من أحدهم أنه تلفظ بالسَّلام
رددنا عليه بـ((عليك)) فقط؛ لإمكان أن يريد بقلبه غير ما نطق بلسانه، وقد اختار
ابن طاووس أن يقول في الرد عليهم: عَلَاكَ السَّلامُ؛ أي: ارتفع عنك، واختار
بعض أصحابنا: السِّلام - بكسر السين -؛ يعني: به الحجارة، وهذا كلّه
تكلُّف، بل: ما قاله مالك كافٍ شافٍ. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(٣)، وهو
بحث جيّدٌ، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن هذا الردّ خاص بالكفار، فلا يجزئ
في الردّ على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ، وإلا فلا، وقال ابن دقيق
العيد: التحقيق أنه كافٍ في حصول معنى السلام، لا في امتثال الأمر في
قوله: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً ﴾ [النساء: ٨٦].
(١) متّفقٌ عليه.
(٣) ((المفهم)) ٤٩٢/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/١٤.

٥١١
(٤) - بَابُ الَّهْىٍ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٠)
قال الحافظ: وكأنه أراد الذي بغير واو، وأما الذي بالواو فقد ورد في
عدّة أحاديث، منها في الطبرانيّ عن ابن عباس ﴿هًا: جاء رجل إلى النبيّ وَّر،
فقال: ((سلام عليكم، فقال: وعليك، ورحمة الله))، وله في ((الأوسط)) عن
سلمان رَُّه: ((أتى رجلٌ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك))،
لكن لمّا اشتهرت هذه الصيغة للردّ على غير المسلم ينبغي ترك جواب المسلم
بها، وإن كانت مجزئة في أصل الردّ، والله أعلم. انتهى(١).
٥ - (ومنها): بيان ما عليه اليهود من العداوة للمسلمين، وبذلك كانوا
يضعون موضع السلام على المسلمين الدعاء عليهم بالموت(٢)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ تَُّ البحث في هذا الحديث،
وأحببت إيراده هنا؛ لأهميّته، حيث إنه بيّن طرق الحديث، وتكلّم عليها،
وحقّق اختلاف العلماء فیھا، حيث قال:
الحديث الثالث(٣) أورده من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، حدّثنا
أنس بن مالك - يعني: جدّه - بلفظ: ((إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا:
وعليكم))، كذا رواه مختصراً، ورواه قتادة، عن أنس أتمّ منه، أخرجه
مسلم(٤)، وأبو داود، والنسائيّ من طريق شعبة عنه، بلفظ: ((أن أصحاب
النبيّ ◌َّ﴿ قالوا: إن أهل الكتاب يسلّمون علينا، فكيف نردّ عليهم؟ قال:
قولوا: وعليكم))، وأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من طريق همام، عن
قتادة، بلفظ: ((مَرَّ يهوديّ، فقال: السام عليكم، فردّ أصحاب النبيّ وَطّ عليه
(١) ((الفتح)) ١٩١/١٤ - ١٩٢، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٧ / ٩٤.
(٣) أي: من الأحاديث التي أوردها البخاريّ كَُّ في (بابٌ كيف الردُّ على أهل الذمّة
بالسلام))، فذكر حديث عائشة ﴿ثنا: ((دخل رهط من اليهود ... ))، ثم حديث ابن
عمر هما: ((إذا سلّم عليكم أهل الكتاب ... ))، ثم حديث أنس ﴿ه هذا، بلفظ:
((إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)).
(٤) هو الحديث التالي لهذا الحديث.

٥١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
السلام، فقال: قال: السام عليكم، فأُخِذ اليهوديّ، فاعترف، فقال: رُدُّوا
عليه))، وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق شيبان نحو رواية همام،
وقال في آخره: ((رُدُّوه، فردُّوه، فقال: أقلت: السام عليكم؟ قال: نعم، فقال
عند ذلك: إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)).
قال: وأخرجه البخاريّ في (استتابة المرتدين)) من طريق هشام بن زيد بن
أنس، سمعت أنس بن مالك يقول: ((مَرَّ يهوديّ بالنبيّ ◌َّ، فقال: السام
عليك، فقال رسول الله بَله: وعليك، ثم قال: أتدرون ماذا يقول؟ قال: السام
عليك، قالوا: يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب
فقولوا: وعليكم))، وفي رواية الطيالسيّ أن القائل: ((ألا نقتله)) عمر.
قال: والجمع بين هذه الروايات أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يحفظ
الآخر، وأَتَمُّها سياقاً رواية هشام بن زيد هذه، وكأن بعض الصحابة لمّا
أخبرهم النبيّ ◌َ * أن اليهود تقول ذلك سألوا حينئذ عن كيفية الردّ عليهم، كما
رواه شعبة، عن قتادة، ولم يقع هذا السؤال في رواية هشام بن زيد، ولم
تختلف الرواة عن أنس في لفظ الجواب، وهو: ((وعليكم)) بالواو، وبصيغة
الجمع، قال أبو داود في ((السنن)): وكذا رواية عائشة، وأبي عبد الرحمن
الْجُهَنِيِّ، وأبي بصرة.
قال المنذريّ: أما حديث عائشة فمتفق عليه، وأما حديث أبي
عبد الرحمن فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث أبي بصرة فأخرجه النسائيّ، قال
الحافظ: هما حديث واحد اختُلِف فيه على يزيد بن أبي حبيب، عن أبي
الخير، فقال عبد الحميد بن جعفر: ((عن أبي بصرة))، أخرجه النسائيّ،
والطحاويّ، وقال ابن إسحاق: ((عن أبي عبد الرحمن))، أخرجه أحمد، وابن
ماجه، والطحاويّ أيضاً، وقد قال بعض أصحاب ابن إسحاق عنه مثل ما قال
عبد الحميد، أخرجه الطحاويّ، والمحفوظ قول الجماعة، ولفظ النسائيّ: ((فإن
سلموا عليكم فقولوا: وعليكم)).
وقد اختَلَف العلماء في إثبات الواو، وإسقاطها في الردّ على أهل
الكتاب؛ لاختلافهم في أيّ الروايتين أرجح، فذكر ابن عبد البرّ عن ابن
حبيب: لا يقولها بالواو؛ لأن فيها تشريكاً، وبَسْطُ ذلك أن الواو في مثل هذا

٥١٣
(٤) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٠)
التركيب يقتضي تقرير الجملة الأولى، وزيادة الثانية عليها، كمن قال: زيد
كاتب، فقلت: وشاعر، فإنه يقتضي ثبوت الوصفين لزيد، قال: وخالفه جمهور
المالكية، وقال بعض شيوخهم: يقول: عليكم السِّلام - بكسر السين - يعني:
الحجارة، ووَهّاه ابنُ عبد البرّ بأنه لم يُشْرَع لنا سبّ أهل الذمة، ويؤيده إنكار
النبيّ وَّرِ على عائشة لَمّا سبتهم.
وذكر ابن عبد البرّ عن ابن طاوس قال: يقول: علاكم السلام، بالألف؛
أي: ارتفع، وتعقّبه.
وذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز أن يقال في الردّ عليهم: عليكم
السلام، كما يردّ على المسلم، واحتجّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُّلّ
چ
سَلَمْ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وحكاه الماورديّ وجهاً عن بعض الشافعية، لكن لا
يقول: ورحمة الله، وقيل: يجوز مطلقاً، وعن ابن عباس، وعلقمة: يجوز ذلك
عند الضرورة.
وعن الأوزاعيّ: إن سَلَّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد تركوا.
وعن طائفة من العلماء: لا يردّ عليهم السلام أصلاً، وعن بعضهم:
التفرقة بين أهل الذمة، وأهل الحرب.
والراجح من هذه الأقوال كلّها ما دل عليه الحديث، ولكنه مختصّ بأهل
الكتاب.
وقد أخرج أحمد بسند جيّد عن حميد بن زادويه، وهو غير حميد الطويل،
في الأصحّ، عن أنس: ((أُمرنا أن لا نزيد على أهل الكتاب على: وعليكم)).
ونقل ابن بطال(١) عن الخطابيّ نحو ما قال ابن حبيب، فقال: رواية مَن
رَوَى ((عليكم)) بغير واو أحسن من الرواية بالواو؛ لأن معناه: رددت ما قلتموه
عليكم، وبالواو يصير المعنى: عليَّ وعليكم؛ لأن الواو حرف التشريك.
انتھی.
وكأنه نقله من ((معالم السنن)) للخطابيّ(٢) فإنه قال فيه: هكذا يرويه عامة
المحدثين: ((وعليكم)) بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بحذف الواو، وهو
(١) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ٣٨/٩.
(٢) ((معالم السنن)) ١٤٣/٤.

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
الصواب، وذلك أنه بحذفها يصير قولهم بعينه مردوداً عليهم، وبالواو يقع
الاشتراك والدخول فيما قالوه. انتهى.
وقد رجع الخطابيّ عن ذلك، فقال في ((الأعلام)) (١) من شرح البخاريّ
لمّا تكلم على حديث عائشة المذكور في ((كتاب الأدب)) من طريق ابن أبي
مليكة عنها، نحو حديث الباب، وزاد في آخره: ((أَوَلم تسمعي ما قلت؟ رددت
عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ))، قال الخطابيّ: ما
مُلَخّصه: إن الداعي إذا دعا بشيء ظلماً، فإن الله لا يستجيب له، ولا يجد
دعاؤه محلّاً في المدعوّ عليه. انتهى.
وله شاهد من حديث جابر، قال: ((سَلَّم ناس من اليهود على النبيّ ◌َِّ،
فقالوا: السام عليكم، قال: وعليكم، قالت عائشة - وَغَضِبَتْ -: ألم تسمع ما
قالوا؟ قال: بلى، قد رددت عليهم، فنُجاب عليهم، ولا يجابون فينا))، أخرجه
مسلم، والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو
الزبير، أنه سمع جابراً.
قال الحافظ: وقد غَفَل عن هذه المراجعة من عائشة، وجواب النبيّ وَّ
لها مَن أنكر الرواية بالواو، وقد تجاسر بعض من أدركناه، فقال في الكلام
على حديث أنس في هذا الباب: الرواية الصحيحة عن مالك بغير واو، وكذا
رواه ابن عيينة، وهي أصوب من التي بالواو؛ لأنه بحذفها يرجع الكلام
عليهم، وبإثباتها يقع الاشتراك. انتهى.
قال: وما أفهمه من تضعيف الرواية بالواو، وتخطئتها من حيث المعنى
مردود عليه بما تقدم.
وقال النوويّ: الصواب أن حذف الواو وإثباتها ثابتان جائزان، وبإثباتها
أجْوَد، ولا مفسدة فيه، وعليه أكثر الروايات، وفي معناها وجهان:
أحدهما: أنهم قالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضاً؛ أي: نحن
وأنتم فيه سواءٌ، كلنا نموت.
(١) ((الأعلام)) ٢١٧٧/٣.

٥١٥
(٤) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٠)
والثاني: أن الواو للاستئناف، لا للعطف والتشريك، والتقدير: وعليكم
ما تستحقونه من الذّمّ.
وقال البيضاويّ: في العطف شيء مقدَّر، والتقدير: وأقول: عليكم ما
تريدون بنا، أو ما تستحقون، وليس هو عطفاً على ((عليكم)) في كلامهم.
وقال القرطبيّ: قيل: الواو للاستئناف، وقيل: زائدة، وأَولى الأجوبة:
أنّا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا.
وحَكَى ابن دقيق العيد عن ابن رشد تفصيلاً يجمع الروايتين: إثبات
الواو، وحذفها، فقال: من تُحُقِّق أنه قال: السام، أو السِّلام، بكسر السين،
فَلْيُرَدّ عليه بحذف الواو، ومن لم يُتَحَقَّق منه فليردّ بإثبات الواو، فيجتمع من
مجموع كلام العلماء في ذلك ستة أقوال.
وقال النوويّ تبعاً لعياض: من فَسَّر السام بالموت فلا يُبْعِد ثبوت الواو،
ومن فسّرها بالسآمة فإسقاطها هو الوجه.
قال الحافظ: بل الرواية بإثبات الواو ثابتة، وهي تُرَجِّح التفسير بالموت،
وهو أولى من تغليط الثقة. انتهى ما كتبه الحافظ وَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ تَّتُ في هذا البحث الطويل،
وأفاد، ثم إن تفسير السام بالموت هنا هو المتعيّن؛ لأنه تفسير مأثور، قال
الحافظ ابن عبد البرّ تَخْلَثُ: والسام: الموت في هذا الموضع، وهو معروف في
لسان العرب، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة
الأسلميّ رُه قال: قال رسول الله وَل : ((عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها
شفاءً من كل داء إلا السام، والسام: الموت)) (٢)، والحبة السوداء: الشونيز.
انتهى (٣)، والحديث أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظُه، والله تعالى
أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٩٥/١٤ - ١٩٨، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٥٦).
(٢) هذا التفسير وإن كان مدرجاً من كلام الزهريّ، إلا أن تفسير الراوي مقدّم على
غيره، فتنبه.
(٣) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٨٨/١٧ - ٨٩.

٥١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح)
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَّ
قَالُوا لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا، فَكَّيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ:
(قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ))).
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٤ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
رأس [٤] (ت ٧ أو١١٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون تقدّموا قبل ستّة أبواب.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لمعاذ بن معاذ، وخالد بن
الحارث.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) ضمير التثنية لابن المثنى، وابن
بشار.
وشرح الحدیث واضحٌ، يُعلم مما سبق.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة ساقها أبو يعلى نظّثُ في
(«مسنده))، فقال :

٥١٧
(٤) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٢)
(٣١٧٩) - حدّثنا أبو موسى (١)، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، قال:
سمعت قتادة يحدّث عن أنس، أن أصحاب النبيّ وَ ﴿ قالوا للنبيّ وَّ: إنّ أهل
الكتاب يسلّمون علينا، فكيف نردّ عليهم؟ قال: ((قولوا: وعليكم)). انتهى(٢).
ورواية خالد بن الحارث عن شعبة ساقها النسائيّ كَّثهُ في ((الكبرى))،
فقال :
(١٠٢١٩) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالد، قال:
حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال أصحاب رسول الله وَ ه
لرسول الله وَل: إن أهل الكتاب يسلّمون علينا، فكيف نقول؟ قال: ((قولوا:
وعليكم)). انتهى (٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٢] (٢١٦٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ،
وَابْنُ حُجْرٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى - قَالَ بَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ
ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُم:
السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ(٤): عَلَيْكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ
[٤] (ت٢١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٢ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﴿مَا، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٤٣٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه
ابن عمر ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ورأس المتّبعين للأثر.
(١) هو: محمد بن المثنّى.
(٣) (السنن الكبرى)) للنسائيّ ١٠٤/٦.
(٢) (مسند أبي يعلى)) ٥/ ٤٥٧.
(٤) وفي نسخة: ((فقولوا)).

٥١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويّ المدنيّ، وفي رواية للبخاريّ: ((حدّثني
عبد الله بن دينار)) (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) ﴿َا (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: إِنَّ
الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُم: السَّامُ عَلَيْكُمْ) وفي رواية للبخاريّ: ((إذا
سلّم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السام عليك)). (فَقُلْ: عَلَيْكَ))) وفي
الرواية التالية: ((فقولوا: وعليك))، وفي رواية البخاريّ من طريق مالك عن
عبد الله بن دينار: ((فقل: وعليك))، قال في ((الفتح)): هكذا هو في جميع نُسخ
البخاريّ، وكذا أخرجه في ((الأدب المفرد)) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن
مالك، والذي عند جميع رواة ((الموطأ)) بلفظ: ((فقل: عليك)) ليس فيه الواو،
وأخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق يحيى بن بكير، ومن طريق
عبد الله بن نافع، كلاهما عن مالك، بإثبات الواو، وفيه نظر، فإنه في
((الموطأ)) عن يحيى بن بكير بغير واو، ومقتضى كلام ابن عبد البرّ أن رواية
عبد الله بن نافع بغير واو؛ لأنه قال: لم يُدخِل أحد من رواة ((الموطأ)) عن
مالك الواو، قال الحافظ: لكن وقع عند الدارقطنيّ في ((الموطآت)) من طريق
رَوْح بن عُبادة عن مالك بلفظ: ((فقل: وعليكم)) بالواو، وبصيغة الجمع، قال
الدارقطنيّ: القول الأول أصحّ - يعني: عن مالك - قال الحافظ: أخرجه
الإسماعيليّ من طريق رَوْحِ، ومَعْن، وقتيبة، ثلاثتهم عن مالك بغير واو،
وبالإفراد، كرواية الجماعة، وأخرجه البخاريّ في (استتابة المرتدين)) من طريق
يحيى القطان، عن مالك، والثوريّ جميعاً عن عبد الله بن دينار، بلفظ: ((قل:
عليك))، بغير واو، لكن وقع في رواية السرخسيّ وحده: ((فقل: عليكم)) بصيغة
الجمع، بغير واو أيضاً، وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق عبد الرحمن بن
مهديّ، عن الثوريّ وحده، بلفظ: ((فقولوا: وعليكم)) بإثبات الواو، وبصيغة
الجمع، وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن
دينار، بغير واو، وفي نسخة صحيحة من مسلم، بإثبات الواو(١)، وأخرجه
(١) هذه النسخة ليست عندنا، فكلّ النسخ التي بأيدينا إنما هي بدون واو، فليُحرّر،
والله تعالى أعلم.

٥١٩
(٤) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؟ - حديث رقم (٥٦٤٢)
النسائيّ من طريق ابن عيينة، عن ابن دينار، بلفظ: ((إذا سلّم عليكم اليهوديّ،
والنصرانيّ، فإنما يقول: السام عليكم، فقل: عليكم))، بغير واو، وبصيغة
الجمع، وأخرجه أبو داود من رواية عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن
دينار، مثل ابن مهديّ عن الثوريّ، وقال بعده: وكذا رواه مالكٌ، والثوريّ عن
عبد الله بن دينار، قال فيه: ((وعليكم))، قال المنذريّ(١) في ((الحاشية)): حديث
مالك أخرجه البخاريّ، وحديث الثوريّ أخرجه البخاريّ ومسلم، وهذا يدل
على أن رواية مالك عندهما بالواو، فأما أبو داود فلعله حَمَل رواية مالك على
رواية الثوريّ، أو اعتَمَد رواية رَوْح بن عُبادة عن مالك، وأما المنذريّ فتجوز
في عزوه للبخاريّ؛ لأنه عنده بصيغة الإفراد، ولحديث ابن عمر هذا سبب تقدّم .
(٢)
في الكلام على حديث أنس مظ لته(٢).
وقال التوربشتيّ تَخّْثُ: إثبات الواو في الردّ عليهم إنما يُحمل على معنى
الدعاء لهم بالإسلام إذا لم يُعلم منه تعريض بالدعاء علينا، وأما إذا عُلم ذلك
فالوجه فيه أن يكون التقدير: وأقول عليكم ما تستحقّونه.
قال الجامع عفا الله عنه: كونهم يُعَرّضون بالدعاء علينا هو الظاهر، فلا
يتوهّم غيره؛ إذ عدولهم عن ((السلامُ عليكم)) إلى ((السام عليكم)) ليس إلا لهذا
الغرض، فلا للدعاء لهم، بل ظاهر تعليم النبيّ وَ لير أن نقول: عليكم؛ دالٌ
علی أن ندعو علیھم، لا لهم، فتنبّه.
قال: وإنما اختار هذه الصيغة - يعني: ((وعليكم)) - ليكون أبعد عن
الإيحاش، وأقرب إلى الرفق، فإن ردّ التحيّة يكون إما بأحسن منها، أو بقولنا:
وعليك السلام، والردّ عليهم بأحسن مما حيّونا به لا يجوز لنا، ولا ردّ بأقلّ
من قولنا: وعليك، وأما الردّ بغير الواو فظاهرٌ؛ أي: عليكم ما تستحقّونه.
وقال البيضاويّ كَّثُهُ: إذا عُلم التعريض بالدعاء علينا، فالوجه أن يقدّر:
(١) كذا وقع في نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب: ((قال ابن المنذر))، فليُحرّر.
(٢) هو: أن يهوديّاً مرّ بالنبيّ وَله، فقال: ((السلام عليكم، فأخذ اليهوديّ، فاعترف))،
وفي رواية: فقال: ((رُدّوه، فردّوه، فقال: أقلت: السلام عليكم؟ قال: نعم، فقال
عند ذلك: إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)).

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب السلام
وأقول: عليكم ما تريدون بنا، أو تستحقّونه، ولا يكون ((وعليكم)) عطفاً على
((عليكم)) في كلامهم، وإلا لتضمّن ذلك تقرير دعائهم، ولذلك قال في الحديث
الآخر: ((فقل: عليك)) بغير واو، وقد رُوي ذلك بالواو أيضاً.
قال الطيبيّ تَخُّْ: سواء عُطف على ((عليكم))، أو على الجملة من حيث
هي؛ لأن المعنى يدور مع إرادة المتكلّم، فإذا أردت الاشتراك كان ذلك، وإن
لم تُرِدْ حَمَلت ذلك على معنى الحصول والوجود، كأنه قيل: حصل منهم ذاك،
ومنّي هذا. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦٤٢/٤ و٥٦٤٣] (٢١٦٤)، و(البخاريّ) في
((الاستئذان)) (٦٢٥٧) و((استتابة المرتدّين)) (٦٩٢٨)، وفي ((الأدب المفرد))
(١١٠٦)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٢٠٦)، و(الترمذيّ) في ((السير))
(١٦٠٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٠٢/٦)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٣/
١٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٣٠/٨ - ٦٣١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٩/٢ و٥٨ و١١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٢)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٢٠٣/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١١٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
((فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ (٢))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٠٤٠/١٠.
(٢) وفي نسخة: ((وعليك)).